المقدمة
واحدة من الاخفاقات الثقافية الكبيرة التي أصابتنا، نحن العرب والمسلمين، هي أننا قبلنا في مرحلة ما بعد الحادي عشر من أيلول 1 0 0 2 الشعارات والمصطلحات التي صدرت عن الإدارة الأمريكية برئاسة جورج دبليو بوش وقمنا بترديد هذه الشعارات والتعابير من دون نقاش أو تدقيق، وأحيانا من دون وعي لمضامين هذه التعابير والظرف التاريخي الذي انبثقت من خلاله· وساد انطباع عام أن ميدان المعاني والتعريفات هو من اختصاص الطرف الأقوى وملكه باعتباره الأحق بصوغ المفاهيم وفرضها على الثقافات الأخرى ، وانشغلنا نتيجة هذا الفهم بمتابعة التمدد الإمبراطوري الأمريكي في العالم، مكتفين بالتحليلات والتعليقات التي تتناول أحداث هذا التمدد والتطورات التي تطرأ عليه دون الخوض في نقاشات جادة وتحليلات معمقة لفهم دوافع وخفايا هذا التمدد والعمل على التدقيق في سلوكه السياسي وفهم خطابه·
ذلك انه من الصعب إن ما كان من المستحيل على المرء أن يفهم السياسة الحقيقية لأي من الدول، في الماضي أو في الحاضر دون إجراء قراءة ناقدة ومراجعة متأنية لمفردات خطابها التاريخي ومنطلقاتها الاستراتيجية ، إذ بدون هذه القراءة لن يتم التعرف بشكل دقيق على الأسس العقائدية والسلوك السياسي لهذه الدولة، إضافة للتعرف والوقوف على التيارات وجماعات الضغط المؤثرة في هذه الدولة والقادرة على تمرير برامجها ومشاريعها وتنفيذ سياساتها·
ومن أجل فهم اعمق لسياسة دولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، ولفهم ما أحدثته هذه الدولة الإمبراطورية على خارطة العالم من تغيرات وانقلابات، ولفهم ما تحدثه الآن وما يمكن أن تحدثه لاحقا، لا بد من إجراء قراءة متأنية لطبيعة المشروع الأمريكي ما يستدعي بالضرورة أن نعتمد الرصد الدقيق والتحليل المتسابق مع قوة القرار الأمريكي وسعة انتشاره· وفي واحدة من قنوات الرصد اعتنى هذا الكتاب بتتبع وحصر الشعارات والمصطلحات والتعابير التي أطلقتها الإدارة الأمريكية منذ بداية ما أسمته الحرب على الإرهاب وحتى احتلال العراق·
هذا الخطاب الأمريكي جاء في جله خطابا يمينيا صادرا عن مجموعة سيطرة وطغت على الخطاب الرسمي للولايات المتحدة، هذه المجموعة المعروفة بـ المحافظون الجدد التي تمثل في حقيقتها تيارا أيديولوجيا تاريخيا ذي نزعة دينية أصولية، ويتحكم بها اعتقاد أن للولايات المتحدة دوراً رسولياً لتغيير العالم وفرض قيمها عليه من خلال استغلال قوتها الفائضة· أما الملاحظات الرئيسية التي أمكن استخلاصها من هذا الخطاب نتيجة رصد مفرداته وتحليلها فهي التالية:
الملاحظة الأولى هي أن مفردات هذا الخطاب في اغلبها هي تعابير عسكرية تخدم أهدافا وخططا حربية وتشرح إستراتيجيات قتالية حاضرة ومستقبلية، ويعكس بذلك هذا الحضور والمساحة الأكبر للغة العسكرية حالة تحول خطيرة شهدها الخطاب الأمريكي عموماً لصالح فكرة الإيمان المطلق بالقوة العسكرية والاستغلال التاريخي النادر لهذه المرحلة والتعامل معها كما لو انه تم العثور على كنز · والمؤشر الأهم في هذا الاستغلال هو التحول الكبير والمعلن في الاستراتيجية الأمريكية من سياسة الردع إلى سياسة الاستباق ، ومن سياسة الاحتواء السياسي إلى سياسة التغيير بالقوة ·
التحول الكبير والواضح الذي شهده الخطاب الأمريكي لصالح ما يمكن تسميته بـ عسكرة السياسة الخارجية وتغليب التفكير الحربي على التفكير السياسي جاء نتيجة انتصار دعاة الاحتواء العسكري الذي تبناه المحافظون الجدد، وهو طاقم عقائدي يميني استطاع النفاذ والتحكم ليس بمزاج الرئيس الأمريكي جورج بوش، فحسب ، ولكن بصياغة القرار في البيت الأبيض والكونغرس ، ونجح هذا الطاقم في عرض أفكاره ورؤاه والدفاع عنها في سبيل إقرار نظريته لمحاربة لإرهاب العالمي · ولم يكن بإمكان هذا الطاقم أن ينجح في إقرار هذا التحول وترسيخه لولا أن جذوره الأيديولوجية كانت ممتدة إلى خارج الدائرة الرسمية للحكومة الأمريكية ، لتصل هذه الجذور إلى عدد لا بأس به من مراكز صناعة العقل وتشكيل الوعي وتلقين الرأي العام واقناعه بمبررات قرع طبول الحرب بشكل دائم ، وامطاره بوابل من المعلومات المضللة والمبرمجة حول الخطر الداهم الذي من المتوقع أن تتعرض له الولايات المتحدة في أي وقت ، إضافة إلى افتعال تحذيرات وهمية هدفها فرض هيمنة أيديولوجية وسياسية من خلال تضخيم الأخطار وادخال الوهم إلى نفس المواطن الأمريكي ليعيش أبدا في حالة من الرعب والترقب بينما يحقق الطاقم اليميني مكاسب حقيقة مادية ومعنوية ·
غير أن الحرب الجامحة ضد هؤلاء الأعداء المتخيلين الذين تزايدوا على خريطة العالم ، وتحديداً العربي والإسلامي ، تحتاج بالضرورة إلى غطاء سياسي واسع ومتشعب يستكمل عمل آلة القوة العسكرية الباطشة من جهة ويحتوي مظاهر الغضب والكراهية من خلال الترويض السياسي ، لذا كان لا بد من إحداث تغييرات جوهرية ومهمة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة · وكما تخلت المؤسسة العسكرية الأمريكية في ظل اليمين المحافظ عن قديمها عبر مراجعة خطط الدفاع القديمة والبحث عن استراتيجية جديدة ، كذلك الحال بالنسبة للسياسة الأمريكية الخارجية التي لم تعد تعنى كما في السابق بإيجاد حالة من التوازن السياسي في العالم ، بقدر ما غدت معنية بالبحث عن إثارة القلاقل وتعميم الاضطراب والحيلولة على عدم تقديم حلول حقيقية للأزمات الدولية بسبب الإصرار على فرض رؤية واحدة هي رؤية الإدارة المحافظة وهي رؤية لا تؤمن بأنصاف الحول ، فمن ليس مع واشنطن هو بالضرورة في الصف المعادي ، ليتمحور القاموس السياسي نتيجة هذه الرؤية للإدارة الأمريكية حول كلمتين اثنتين : معنا أو ضدنا ·
فكرة التخلي عن الدبلوماسية الأمريكية القديمة نجد تطبيقاتها السياسية بشكل واضح من خلال الرسائل المتتالية التي بثتها إدارة الرئيس جورج بوش معلنة بطلان أوراق الاعتماد السابقة لكافة الأنظمة العربية وبغض النظر عن مدى قرابة النظام أو صداقته التاريخية لواشنطن ، لتصبح الأنظمة ملزمة بتقديم أوراق اعتماد جديدة، أما مسألة قبول الاعتماد الجديد من عدمه فهي قضية منوطة بالإدارة الأمريكية التي تولت عملية مراجعة جديدة وشاملة لكافة أنظمة الحكم الصديقة وغير الصديقة وأجرت حسابات دقيقة حول مدى توافق هذه الأنظمة أو تعارضها مع مخططات المشروع اليميني المحافظ · هذا السياق جعل الكثير من العارفين بطبيعة العلاقات الأمريكية - العربية في حالة دهشة وصدمة حقيقية ، إذ لم يكن يخطر على بال أحد من هؤلاء العارفين أن تأتي فترة تتعامل من خلالها إدارة أمريكية ما مع دول حليفة وصديقة باعتبارها دول عدوة هذه النظرة والطريقة الجديدة في التعامل مع حلفاء تاريخيين تأتي عمليا في السياق الذي تمت الإشارة إليه آنفا وهو وضع كافة الدول العربية عن وجه الخصوص ، في سلة واحدة ليتم من ثم ترويض من يسهل ترويضه ، أو الإخضاع بالقوة لكل من يحاول التمرد أو معارضة المخطط الأمريكي الجديد ·
وبالتزامن مع الحملتين السابقتين العسكرية والسياسية ، وفي إطار استراتيجية شاملة قد تبدو بأنها غير محددة المعالم بالنسبة لكثيرين في هذا العالم المتوجس من خطر انفلات اليمين الأمريكي ، أطلق هذا الأخير حملات متتابعة ذات طابع ثقافي وحضاري تحت عناوين مثل : التطوير ، الإصلاح ، الشراكة ، التحديث، التعديل ··· وكان الهدف الأساسي من إطلاق هذه الحملات والمحصلة النهائية لها هو تجميل صورة أمريكا المتطرفة أمام العالم ، ومخاطبة العقول العربية المؤثرة في صياغة السياسات وصناعة وتوجيه الرأي العام لتتمكن السياسة الأمريكية في النهاية وفق ما هو معلن من إحداث التغيير المطلوب في العالمين العربي والإسلامي ، هذا التغيير الذي فشلت أنظمة هذين العالمين على جه الخصوص في إحداثه لفسادها واستبدادها· وبعد إجراء هذا التغيير وفق المخطط اليميني يصبح سهلاً على السياسة الأمريكية التحكم في مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة في العالم العربي أو التي تهدف إلى تفعيلها مستقبلاً وبشكل مطابق ومواز لآلية التحكم التي مارستها من قبل على مؤسسات الحكم وأنظمته ·
وفي سياق الكلام عن الحملة الثقافية والحضارية التي يقودها التيار المحافظ في واشنطن برزت ملاحظتان في غاية الأهمية : الأولى هي أن مجمل الشعارات والمصطلحات التي عنيت بالترويض الثقافي والاحتواء الحضاري جاءت عمليا تحت شعار كبير وأساسي هو شعار حرب الأفكار وهي تسمية لها دلالة واضحة مؤداها أن اليمين الأمريكي لا يسعى إلا إلى تحقيق نصر على الخصم الذي هو نحن وليس إلى تواصل حقيقي معه كما يروج أقطاب هذا التيار ، أما علامات النصر التي يأمل هذا التيار تحقيقها فهي اقتلاع موروثنا الثقافي من جذوره ، وأن نتبنى أفكار المنتصر ورؤاه وثقافته بما ينسجم مع تطلعات المشروع الأمريكي وأهدافه الإمبريالية ·
أما الملاحظة الثانية المرتبطة بالحرب الثقافية والحضارية التي شنها اليمين الأمريكي من طرفه ، فهي أن الولايات المتحدة تحولت وبشكل تدريجي بفضل تأثير هذا التيار ونفوذه من دولة علمانية الى دولة دينية كنسية تسيطر عليها أفكار ومفاهيم هي عملياً نتاج تحالفات دينية سياسية بين الأفكار الديمقراطية الأمريكية وعدد من الأفكار المسيحية واليهودية · ونتيجة هذه التوليفة أعلنت هذه المجموعة بشكل غير رسمي ولادة دين جديد هو المسيحية الجديدة الذي يرفض التطور بما يخالف أرادته، فإما أن يصير العالم إلى ما يريده هذا الدين أو أن ينتهي ·
وبموازاة الحرب العسكرية والسياسية التي نفذتها الولايات المتحدة على ما أطلقت عليه الإرهاب الدولي برزت حرب ميدانية ثالثة هي حرب إعلامية · وإذا كانت الحرب العسكرية تفضي لنشر الموت في كل مكان وقتل الناس ، فان الحرب الإعلامية وظيفتها قتل الحقيقة ونشر الأكاذيب وامداد الناس بمعلومات مزورة من خلال مصادر خبرية رسمية صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون) ، التي ابتدعت ووفق استراتيجية ثابتة أساليب عديدة وحديثة في التضليل والتمويه عن الأهداف الحقيقية للسياسة الأمريكية ومحاولة إلباس هذه الأهداف المدمرة المشبعة بالشر والخراب ثوباً أخلاقيا خيّراً · ومما سهل هذه المهمة على اليمين الأمريكى المتطرف ، خضوع الإعلام الأمريكي بوسائله وأدواته المهمة لهيمنة هذه المجموعة في الإدارة ، مما ساعد إلى حد كبير في تعميم الأكاذيب والتحليلات المضللة إضافة إلى التضييق على المستقلين بالصحافة والاعلام وانتهاك حرياتهم ومصادرتها بشكل لم يعرفوه من قبل ·
الجديد كذلك في الخطاب الأمريكى لفترة ما بعد 11 أيلول ، هو الحديث المكثف عن دمقرطة شعوب العالم والانحياز لحقوق الإنسان وليس لصالح الحكومات، وهي بكل تأكيد استراتيجية جديدة لا تتفق مع السجل الرسمي للإدارات الأمريكية السابقة التي ساندت وبنسب متفاوتة أعتى الديكتاتوريات وأسوأ الحكام في العالم · إلا أن هذا المعلن الأمريكى يتناقض بشكل كامل مع تداعيات الحرب الأمريكية على الإرهاب ، هذه الحرب التي غدت في الواقع حرباً على حقوق الإنسان وكرامته وأمنه ، حيث سادت البشرية حالة من الجزع وهي تنظر إلى الخروقات المذهلة التي تقترفها إدارة الرئيس بوش بحق القانون الدولي والإنسانى ممثلة في هذا الإهدار المريع لحقوق المعتقلين سواء داخل أمريكا أو خارجها ، في غوانتانامو أو في أفغانستان أو في العراق · كما تمكنت هذه الإدارة من خلق حالة من الهوس الأمني لدى المؤسسات والمواطنين في مختلف أنحاء العالم بما فيها الولايات المتحدة ذاتها ، وقد أظهرت تداعيات الإجراءات التي أعقبت 11 أيلول حالة الرعب الحقيقي التي سكنت قلوب الأمريكيين وأحدثت دوياً في عقولهم بسبب حرمانهم الحقوق الدستورية الأساسية ليس للوافدين إلى أمريكا بل للمواطنين الأمريكيين أنفسهم ، فقد ازدادت وبشكل مطرد حالات مصادرة الحريات وانتهاك حقوق الإنسان والإجراءات الاستثنائية التي تعاملت معها هذه الإدارة باعتبارها ضرورة ملحة تتجاوب مع طبيعة المرحلة ، وهي إجراءات لا يتم التعامل معها بشكل عابر ومرحلي تلبية لازمة طارئة ، بل إن العقل اليميني يروج لهذه الإجراءات ولما هو اشد منها واقسى في سبيل مواجهة حرب طويلة الأمد ، حرب تستدعي تهيئة الجميع لاستيعاب كافة القوانين والإجراءات الصارمة الخاصة بمصادرة وانتهاك حلم الحرية التي طالما بشرت بها الولايات المتحدة ·
وأخيراً هذا الكتاب جاء نتيجة جهد عامين ونصف بذلت خلالها كل جهد ممكن في الرصد والمتابعة من مختلف المصادر الصحافية والإعلامية لكل ما يصدر عن الإدارة الأمريكية ومراكز البحث والتفكير التابعة لها ، ونتيجة لهذا الرصد تراكم لديّ 76 مصطلحاً ، رتبتها بشكل أبجدي وعرفت كل مصطلح من خلال الظرف التاريخي الذي برز من خلاله والجهة التي عملت على بلورته واطلاقه بالشكل الذي انتهى إليه ، ثم اتبعت هذا كله تحليلاً نابعاً من رؤية شخصية ومحاولة ذاتية لفهم الأحداث ووضعها في سياقها التاريخي والموضوعي ، ليكتمل بذلك هذا الكتاب كمحاولة أولية من قبلي لفهم الإمبراطورية الأمريكية ··· حتى يتسنى لمن يريد أن يتصدى لهذا المشروع الأمريكي أن يستعين بـبينة ·
نبال تيسير خماش
آلة الأكاذيب
Apparatus of lies
نَشر البيت الأبيض مطلع عام 2003وثيقة من 23 صفحة تحت عنوان آلة الأكاذيب ندَّدت الإدارة الامريكية من خلالها بما أسمته: استغلال النظام العراقي للإسلام ومعاناة مواطنيه، وتأجيج المآسي من حوله من أجل الإبقاء على نظام صدام حسين ورفع العقوبات المفروضة على العراق· وقالت الوثيقة إن بغداد تستخدم برنامجاً متطوراً جداً وضع وفقا لنظام دقيق وتنظيم حديث من أجل دعم النظام العراقي بفضل عملية خداع مميزة ورافق نشر هذه الوثيقة حملة تصريحات سياسية من مختلف مواقع القرار في الإدارة الامريكية لإثبات أن العراقيين يخدعون فرق التفتيش، ويكذبون على المجتمع الدولي بإنكارهم امتلاك أسلحة الدمار الشامل·
وفي سياق الحملات الخطابية والتصريحات الرسمية برز آنذاك خطاب حال الاتحاد للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش أواخر شهر كانون الثاني 2 0 0 3كشاهد على مدى تغلغل الكذب وغياب المصداقية عن إدارة الرئيس بوش· ففي هذا الخطاب أعلن الرئيس الأميركي للعالم ولشعبه أنه أمهل الرئيس العراقي صدام حسينومنحه الكثير من الوقت لاعلان ما يمتلكه من أسلحة دمار: لكنه من الواضح الآن أنه لا يقوم بذلك وأضاف في خطابه مستنداً إلى معلومات استخبارية أكيدة بأن الحكومة البريطانية علمت أن صدام حسين يسعى مؤخراً للحصول على كميات كبيرة من اليورانيوم من أفريقيا(1)، وهذه الفقرة تحديداً هي التي اصدر بشأنها مدير المخابرات الأمريكية، جورج تينت، بيانا تحمل بموجبه مسؤولية مزاعم حصول العراق على يورانيوم من أفريقيا، قائلاً: إن هذه الكلمات الـ 61 كان ينبغي ألا يتم تضمينها في نص الخطاب الذي أعد للرئيس(2)· وتلا هذا الخطاب التلفيقي تصريح على شاكلته أدلى به في نفس اليوم مساعد وزير الخارجية ريتشارد ارميتاج، قال فيه إن الرئيس العراقي: لن ينـزع أسلحته طوعاً على الإطلاق، وأن الناس الذين يصدقون ذلك يمنحونه ثقة عمياء وينظرون إلى تمنياتهم على أنها واقع!
بيد أن إدارة الرئيس الأميركي، وفي غمرة حديثها عن الكذب وآلاته، نسيت نهج الكذب الذي اعتمد كسياسة رسمية لها، وهي التي ما فتئت خلال الأزمات التي مرت بها في اختراع الذرائع الموغلة في التلفيق وتزوير الحقائق والاستخفاف بعقول البشر· ومن الطبيعي في ظل سلسلة الأكاذيب التي حاكتها ولا زالت الإدارة الامريكية تحيكها منذ الحادي عشر من أيلول حول مبررات حربها على الإرهاب أولاً، ومن ثم على العراق، كذلك إقرارها الحرب الوقائية كاستراتيجية ثابتة لها، أن تذكرنا حلقات هذه السلسلة بسلوك الرؤساء السابقين للولايات المتحدة، هذه الشخصيات العالمية التي ما انفكت تروج لنفسها من خلال توجيه الموعظة والنصح للعالم بضرورة التمسك بالمثل السامية والقيم الرفيعة· جزء من هذه الحقائق عرضته المؤلفة سامنثا باور في كتابها مشكلة الجحيم والذي قالت فيه إنَّ أيا من رؤساء أميركا إلا ومارس الكذب بشكل منهجي ومنظم بخصوص ما كانوا يعرفونه ومتى عرفوه، مثل المذابح التي جرت للأرمن الأتراك، واليهود الألمان، والأكراد العراقيين، ومسلمي البوسنة، وغير ذلك من الشعوب والأجناس التي تعرضت لمذابح جماعية، ولم تقم الإدارات الامريكية بشيء إطلاقا للحيلولة دون وقوعها، أو كشف النقاب عنها للرأي العام، أو حتى الاعتراف بوقوعها· وأضافت أنّ كثيراً من الرؤساء الأميركـيين فـي القـرن العشـرين قـد تعهـدوا مـراراً وتكـراراً، بعدم الكذب ثانية، ثـم تناسـوا وعـودهم ولـم يلتزمـوا بهـا، وفـي كـل مـرة كان هؤلاء الرؤساء يجدون من الأسباب، والأعذار ما يبررون بها مواقفهم أو سبب لجوئهم إلى المراوغة والنفــاق(3)·
وزيادة على الحقائق التي ذكرتها الكاتبة الامريكية في مُؤلَفها، فإنّ كثيراً من الأحداث والوقائع السرية عن كيفية إدارة الحرب الامريكية في فيتنام خلال عهدي الرئيسين ريتشارد نيكسون وليندون جونسون قد تكشفت، وأنّ هذه الحقائق أظهرت لنا كيف كان الكذب سياسة رسمية ومعتمدة لخداع الشعب الأميركي والعالم بما يبرر تعمد إطالة أمد الحرب خدمة لمصالح شركات إنتاج الأسلحة في الولايات المتحدة·
والغريب أنه رغم الخسائر البشرية الفادحة التي لحقت بالقوات الامريكية في فيتنام، (أكثر من 0 0 0 ,85 قتيل و0 0 3 ,3 0 3 جريح)؛ إلا أن الشعب الأميركي وبسبب التبريرات الكاذبة للحرب لم يعرف ذرائع الحرب الحقيقية إلا بعد سنوات طويلة·
ونضيف كذلك إلى سجل أكاذيب رؤساء الولايات المتحدة كذب الرئيس نيكسون في فضيحة ووترغيت وهي الفضيحة التي جعلت من نيكسون أول رئيس أميركي يستقيل بسبب أكاذيبه وكذلك فضيحة إيران كونترا التي لم تتورع إدارة الرئيس كارتر في أسلوب معالجتها للأزمة عن تضليل الشعب الأميركي والكذب على الكونغرس، ونستذكر كذلك مبررات الرئيس ريغان لغزو غزيرة غرينادا بعد أيام من تفجير مبنى المارينـز في بيروت عام 2 8 9 1وسقوط 0 4 2 قتيلاً أمريكيا· ويذكرنا كذب الإدارة الامريكية الحالية كذلك بكذب والد الرئيس الأميركي، جورج بوش الأب وهو يعد الشعب الأميركي بعدم رفع ضرائب جديدة، يوم أن قال مقولته المشهورة read my lips: no new taxes لكنه طبق عكس ذلك· ويذكرنا كذلك بمأزق الرئيس السابق بل كلينتون وممارسته للكذب وهو تحت القسم المقدس في قضية مونيكا لوينسكي·
آلة الأكاذيب وثيقة أميركية رسمية ادعت وتبعا لتقارير مخابراتية: أميركية - بريطانية أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وأن النظام العراقي على ارتباط بتنظيم القاعدة؛ وعلى هذا الأساس تجب محاربته وإسقاطه، وهذا ما تم فعلا في عملية الغزو التي أطلق عليها الحرية للعراق· ليستمر من ثم مسلسل الأكاذيب حتى بعد سقوط بغداد بأيدي الجنود الأميركيين· وليتواصل صدور بيانات وتصريحات تؤكد أن الأيام المقبلة ستكشف للحلفاء قبل الأعداء أن واشنطن ولندن كانتا على صواب في قرار الحرب وتتويج هذا القرار بالاحتلال· بل إن الرئيس الأميركي ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حين فاجأ المراقبين بعثور القوات الامريكية على الدليل القاطع لامتلاك العراق أسلحة دمار شامل، عندما قال عبر محطة التلفزيون البولندية خلال زيارته لبولندا في شهر أيار 3 0 0 2: لقد عثرنا على أسلحة الدمار الشامل، لقد عثرنا على مختبرات بيولوجية، وسوف نعثر على المزيد من الأسلحة مع مرور الوقت، وأخاطب الذين قالوا إننا لم نعثر على أجهزة التصنيع أو الأسلحةالمحظورة،وأقول لهم إنهم مخطئون، لقد عثرنا عليها(4)·
هذا الإعلان وأشباهه من التحريفات الموائمة للسياسة الامريكية، لم تكن منسجمة مع واقع عمليات البحث المحموم التي بذلتها آنذاك الوحدات العسكرية الامريكية في طول العراق وعرضه طوال أسابيع متتالية بحثاً عن دليل يظهر ولو نية العراق لامتلاكه أسلحة دمار شامل· ولما فشلت هذه الوحدات في إيجاد ولو أشباه أدلة، وتحت ضغط الرأي العام الأميركي والبريطاني في معرفة الحقيقة ومدى صدقية الحكومتين في مبررات الحرب، بدأت أقنعة الكذب بالسقوط، ليعلن البيت الأبيض بداية أنه بالغ في تصوير مساعي العراق للحصول على اليورانيوم من أفريقيا لاستخدامه في برنامجه النووي، تلاه اعتراف الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش خلال زيارته لجنوب أفريقيا (تموز 3 0 0 2) أنه بالغ في تصوير مساعي العراق للحصول على اليورانيوم، مناقضاً بذلك الفرضية الأساسية التي أعلنتها إدارته لتبرير تدخلها العسكري·
إن أميركا بفضل إدارتها اليمينية ورسم المحافظين الجدد معالم سياستها الخارجية والداخلية فقدت مصداقيتها أمام الرأي العالمي والمحلي وهذا ما زاد من عزلتها دوليا، من الناحية الأخلاقية على الأقل ، رغم أنها بلغت بفضل قوتها العسكرية ذروة السيادة على العالم· كل ذلك بسبب الركون إلى الكذب والخداع، حتى أن كاتب العامود، في صحيفة نيويورك تايمز كتب مقالاً وصف فيه الرئيس جورج دبليو بوش بأنه لا يكف عن الكذب، واعتبر أن هذا الكذب الرئاسي يتجه إلى تدمير شبكة الأمان الاجتماعي في الولايات المتحدة، وأضاف أن رئيسا أمريكياً لم يكذب إلى درجة بوش الذي كذب في كل شيء بدءاً من قضية الضرائب وحتى قضية الحرب على العراق·(2) هذا الكذب كشف الكثير من خفاياه المسؤول السابق في مكافحة الارهاب في الولايات المتحدة ريتشارد كلارك، والذي أكد عبر أكثر من مناسبة وفي أكثر من لقاء أنه منذ 11 أيلول وادارة الرئيس بوش عقدت العزم على استخدام مأساة 11 أيلول من أجل غزو العراق واحتلاله·
ولحصر كل المخالفات التي حدثت داخل ادارة الرئيس بوش والتي تم استخدامها لاقناع امريكا والعالم بشرعية الحرب على العراق، قام فريق من الكونجرس الامريكي باعداد دراسة لهذه الغاية اشرف عليها السينارتور الديمقراطي هنري وكسمان، وكشفت هذه الدراسة مدى المخالفات التي ارتكبها المسؤولون الكبار في الادارة الامريكية بحق كل الاعراف والقواعد الاخلاقية والسياسية ، وكيف أن الرئيس الامريكي ومن حوله من المقربين: نائب الرئيس ديك تشيني، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وزير الخارجية كولن باول ، ومستشارة الامن القومي كونداليز رايس، قد كذبوا 7 3 2 كذبة من أجل اقناع الرأي العام الاميركي والعالمي بضرورة الحرب على العراق· وأكدت الدراسة أن ما أسمته نادي الكذابين الخمسة قد استطاع الكذب بقدرة فائقة سواء بالنسبة لاسلحة الدمار الشامل العراقية أو علاقة تنظيم القاعدة مع صدام حسين أو التهديد المباشر الذي كان يمثله صدام حسين على العالم· ووجدت الدراسة أن الرئيس بوش وحده كذب 55 مرة أما نائبه ديك تشيني فقد كانعددمرات كذبه 15 كذبه، أما وزير الدفاع رامسفيلد فقد كذب 25 مرة، ووجدت الدراسة أن وزير الخارجية باول كذب 05 مرة، فيما كذبت رايس 92 مرة(5)·
يبدو أن الكذب بالنسبة للإدارات الامريكية المتعاقبة هو حرفة، وأن الكذب المنهجي والمراوغة والتزييف قيمة سوف يستمر الترويج لها والدعوة بتعميمها على حساب القيمة الإنسانية الخيرة· ويبدو كذلك أن الحقائق التي أظهرت أن أميركا وبريطانيا دخلتا الحرب على أساسه ليست سوى أقوال مضللة وأكاذيب استخباراتية، وسيكشف مقبل الأيام عن مزيد من الحقائق التي ستظهر مدى الفجوة التي تفصل بين هذه الإدارة ومبررات حربها على الإرهاب·
إختفاء أعداء الديمقراطية
The Disappearance of Democracy Enemies
عنوان وثيقة أعدها مستشارون في البيت الأبيض رسموا من خلالها ملامح خطة واشنطن إزاء الشرق الأوسط الجديد في عامي 2003، 2004· أما الفكرة الأساسية التي ارتكزت عليها الخطة فهي عنوانها أي اختفاء من أسمتهم بأعداء الديمقراطية والسلام من الشرق الأوسط وهم بالترتيب الرؤساء: العراقي صدام حسين، الفلسطيني ياسر عرفات، السوداني عمر البشير، الليبي معمر القذافي، والسـوري بشار الأسد· ولاعتبارات من أهمها تجنب الصدام مع إيران في فترة صدورها على الأقل، فإن هذه الوثيقة خلت تماماً من ذكر الإيرانيين والأوضاع الداخليـة لهم·
صحيفة الأسبوع المصرية نشرت المحاور الأساسية لهذه الوثيقة وأهم الأفكار الواردة فيها والتي أبرزها:
- تقوم الوثيقة في أساسها على فكرة الارتباط الأوروبي-الأميركي، وإقرار القيام بعمليات عسكرية مباشرة ضد كل من أسمتهم بـ أعداء الديمقراطية في الشرق الأوسط وهذا يتطلب إنشاء قواعد عسكرية متطورة لحلف الأطلنطي بعد إسقاط نظام صدام حسين، على أن يكون قوام هذه القوة 1 2 0 ألف جندي أميركي-أوروبي· ولن تقتصر مهام هذه القوات على العراق، إنما ستمتد في مهام أمنية وعسكرية إلى بقية دول المنطقة·
- حددت الوثيقة نسبة اقتسام الغنائم البترولية في الشرق الأوسط على الشكل التالي: 04% للولايات المتحدة و06% يتم تقسيمها بين دول الحلف·
- أشارت الوثيقة إلى ضرورة التوصل لفهم مشترك من أجل تقديم حل للنـزاع العربي-الإسرائيلي، بحيث لا يجد العرب طرفاً آخر وسيطا يوافقهم على كل أو بعض مطالبهم، فيضطرون إلى قبول ما هو معروض عليهم·
ونشرت الصحيفة المصرية في مادتها المطولة النص الحرفي المتعلق بهذا الجانب من الوثيقة، حيث ورد في هذه المادة : لقد عانت منطقة الشرق الأوسط كثيراً بسبب أحداث النـزاع الذي ألقى بغيوم سوداء على المصالح المستقرة في هذه المنطقة، ولكن في العامين الأخيرين أصبح مؤكداً أن الإرهابيين بدأوا يلعبون الدور الأكبر في تحويل دفة الصراع، وأصبحت لهم الغلبة الأساسية حتى توارت الحكومة الشرعية الفلسطينية· كما بدا يقيناً للأميركيين، وفق ما هو وارد في الوثيقة، أن حكومة عرفات تدعم هذا الاتجاه الإرهابي، لتخلص الوثيقة في النهاية إلى وضع تصور يتم من خلاله القضاء على الجماعات الإرهابية، واعتقال كافة عناصرها من خلال تدخل القوات اأطلسية، لتجري من ثم انتخابات فلسطينية يتم على أساسها اختيار حكومة فلسطينية جديدة·
- بعد الانتهاء من هذه المرحلة ستتجه أنظار قوات الأطلسي إلى ليبيا، وسيكون المدخل هو التفتيش عن أسلحة دمار شامل، وعملية التفتيش لن تأخذ وقتاً كما كان الحال مع العراق، وسيتم الانتهاء عسكرياً من نظام القذافي في أقل الخيارات الأمنية المتاحة، وتقترح الوثيقة أن يتواجد في ليبيا عدد لا يزيد عن 20 ألف مقاتل من قوات الأطلسي·
- بعد ليبيا يأتي الدور على السودان من خلال تذكية الخلافات بين الحكومة السودانية والجنوبيين الأمر الذي يدفع بقوات حلف الأطلسي للتدخل وإسقاط نظام البشير·
- أما بالنسبة لسوريا فسوف يتم افتعال العديد من الأزمات معها، تارة بتوجيه الاتهام إليها بحيازة أسلحة دمار شامل، وتارة باحتضانها منظمات إرهابية، وفي النهاية تتقدم قوات الأطلسي تحت هذه المبررات لإسقاط حكم الأسد وتولية حكومة تقبل بالسلام والتعاون مع إسرائيل(6)·
كانت الإستراتيجية المعتمدة للولايات المتحدة في حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي تقوم على مبدأ الاحتواء والردع وهي التي مارستها الإدارات الامريكية المتعاقبة باقتدار من خلال أجهزتها المتعاونة؛ غير أن إدارة الرئيس جورج دبليو بوش تخلَّت بالكامل عنها ولترسم من خلال رموزها اليمينية استراتيجية مختلفة تماماً، تقوم على مبدأ الحرب الوقائية وهي استراتيجية جديدة تعني مهاجمة الأطراف المستهدفة سياسياً وعسكرياً وبشكل انفرادي كلما سنحت الفرصة، وقلب موازين القوى القائمة في المنطقة ضمن تخطيط سياسي متحرك من منطقة إلى أخرى، هذه الاستراتيجية وضع معالمها ورسم حدودها تيار المحافظين الجدد الذي يتزعمه : نائب وزير الدفاع بول وولفوفيتز ، مستشار الوزارة ريتشارد بيرل، والرجل الثالث في نفس الموقع دوجلاس فيث· وقد وجد هذا التيار في أحداث 11 أيلول 1 0 0 2 كانت فرصة مناسبة لاعادة تقديم استراتيجيتهم هذه والتي كانت قد عرضت سابقاً على الرئيس جورج بوش بعيد إنتخابه إلا أنه رفضها· ونتيجة لأحداث أيلول تم إتخاذ قرار رسمي في البيت الأبيض بخوض حربين: الأولى بسرعة ضد أفغانستان، والأخرى بعد أشهر من انتهاء الأولى وموجهة ضد العراق الذي ستستخدم أراضيه بعد الاحتلال كقاعدة عسكرية للجيش الأمريكي تمكن الإدارة الأمريكية بموجبها من ممارسة ضغوط مباشرة بحق عدد من الدول العربية وفي مقدمتها سوريا·
غير أن المخطط اليميني الذي أُعد له تحت ذريعة أنّ الحملة الأمريكية هدفها نشر وتعزيز الديمقراطية في العالم العربي لم يكتب له النجاح كما رسم له، فبعد فترة وجيزة من الاحتلال الأمريكي للعراق أصيب هذا المشروع بالصميم بفضل المقاومة الوطنية للعراقيين التي تمكنت نتيجة للخسائر الفادحة التي ألحقتها بالجيش الأميركي والمتعاونين معه، من زعزعة الخطة الأمريكية وتعريتها أمام الرأي العام العالمي الذي أخذ يتساءل إن كانت الديمقراطية يمكن تحقيقها بحملات عسكرية هنا وهناك·
وبالفعل أخذت الإدارة الأمريكية بإعادة رسم سياساتها وأعادت أكثر من مرة تقييم خطط وزارة الدفاع الواقعة تحت نفوذ المحافظين الجدد، الذين تراجع نفوذهم ولو ظاهرياً بعد أشهر من غزو العراق·
التعديل الأول، والذي تناقلته وكالات الأنباء ونشرته عدد من الصحف في العالم نقلاً عن مصادر دبلوماسية أمريكية وأوروبية، أن مسؤولين فرنسيين وروس بارزين زاروا واشنطن في أيلول 3 0 0 2 تلقوا تأكيدات من كبار المسؤولين الأمريكيين بأن إدارة بوش تخلت نهائيا عن خطط سرية وضعها المحافظون الجددبالتنسيقوالتفاهم مع إسرائيل وتهدف إلى استخدام الخيار العسكري الأمريكي المباشر ضد سوريا ولبنان، ودولٍ أخرى بهدف زعزعة أنظمة هذه الدول أو تغييرها(7)·
التعديل الثاني اقتضى إدخال عناصر جديدة على الخطة الأصلية للمحافظين الجدد اوهموا من خلالها الرئيس الأمريكي بأن الحرب على العراق ستكون افضل الحروب في التاريخ وأن تبعات هذه الحرب وموجات التغيير التي ستليها ستكون كلها لصالح أمريكا· هذا التعديل اقتضى إدخال عنصر جديد في الخطة، وهي إسرائيل باعتبارها عنصراً أساسياً من تحالف الراغبين، وهو تحالف يضم عدداً من دول المنطقة تتعهد بتنفيذ مهام سياسية أو أمنية أو عسكرية لصالح الولايات المتحدة· من هنا جاءت الغارة الجوية التي نفذتها الطائرات الإسرائيلية على عين الصاحب القريبة من دمشق (5/01/2 0 0 3)· وبعد أشهر من الغارة الاسرائيلية، شهدت بعض المناطق في سوريا اضطرابات ومواجهات عنيفة بين الاقلية الكردية وقوات الامن السوري، وطالب الأكراد في هذه الأثناء تدخل القوات الاميركية للدفاع عنهم والوقوف إلى جانبهم ضد السلطات السورية، وهذا التطور جاء في سياق تصاعد الضغوط الامريكية على سوريا بمثابة رسالة أمريكية موجهة لسوريا وكافة دول المنطقة، انه بالرغم من الفشل الأمريكي في العراق، فإن هناك اذرعاً موالية وحليفة للجسد الأمريكي قادرة على إتمام المشروع المتعثر وتحقيق غاياته في إعادة تركيب المنطقة كلما اقتضت الاستراتيجية الامريكية ذلك·
الأدلة السرية
Secret Evidence
مع انهيار مبنى التجارة العالمي ببرجيه في نيويورك، بدا أن قيم الحرية والمساواة التي كانت الولايات المتحدة تفاخر بها الدنيا لعقود خلت قد انهارت معه، وأصبح للنظام الأميركي الذي كان يعتمد معياراً واحداً يُطبق على الجميع بالتساوي عدة وجوه ومعايير في التعامل مع المواطنين والوافدين نتيجة استخدام الرئيس بوش، الذي جاء بشرعية مشكوك فيها،سلطاته وهالته الحربية لإسكات منتقديه وقمع الحريات المدنية داخل الولايات المتحدة الامريكية · ففي تشرين أول (1 0 0 2) أي بعد مضي شهر على حادث أيلول، تقدم وزير العدل الأميركي جون اشكروفت إلى الكونغرس بأربعة مشاريع قوانين تطالب بمجملها صلاحيات واسعة لأجهزة الأمن والشرطة في أميركا لملاحقة واعتقال المشتبه بهم ومداهمة المباني وغيرها من الإجراءات الأمنية بدون غطاء قانوني أو دلائل مؤكدة تثبت تورط المتهمين بأي نشاط إرهابي·
واحد من هذه القوانين الأربعة أطلق عليه اسم قانون الأدلة السرية أو القانون الوطني للولايات المتحدة الأمريكية Usa Patriot Act الذي وقعه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في 62/01/2 0 0 1والذي أعطى بموجبه مطلق الصلاحية لأي وكالة فيدرالية تنفيذية أن تخل أي منـزل أو مكتب وتأخذ الدليل مع إبلاغ المواطن المتواجد في المكان، لتستخدمه في ما بعد لإدانة القاطن بجريمة ما·كما ألزم هذا القانون المحاكم الامريكية الاستجابة لطلب الشرطة بعدم إطلاق سراح أي شخص مشتبه به احتجز للتحقيق معه بشأن حادثة تتصل بالإرهاب، ويكفي في هذه الحالة أن تدعي الشرطة أن لديها أدلة سرية دون أن تبرزها، بمعنى آخر فإن حجة الاعتقال تحت غطاء الأدلة السرية هي عمليا الاعتقال بدون دليل أصلاً· كما لم يعد مطلوبا وجود إذن من المحكمة لمراقبة أجهزة الهاتف أو البريد الإلكتروني للمشتبه بهم، ولا إلى الاعتراف بالأدلة التي تجمعها المخابرات الامريكية بغض النظر عمَّا إذا كانت هذه المعلومات جمعت بشكل قانوني أو غير ذلك أو حتى إلى الاعتراف بالقرائن التي تجمعها مخابرات الدول الأخرى وأن يكون لهذه القرائن حيثية في الحكم· وقد أصدرت محكمة الاستئناف الامريكية عدداً من الأحكام الخاصة بمشروعية إستخدام الحكومة الامريكية لقانونالأدلة السريةفي عمليات متعلقة بتجميد أموال وممتلكات هيئات وجمعيات إسلامية باعتبارها منظمات إرهابية·
وقد انتقد النائب الأمريكي دنيس كوسينيتش بشكل لاذع قانون الأدلة معتبراً أنه مخالفة مباشرة للدستور الأمريكي، وتساءل: لمَ يجدر بالولايات المتحدة أن تضع جانباً ضمانات العدالة الدستورية؟ كيف لنا أن نبرر بشكل واقعي إلغاء التعديل الأول والحق في حرية التعبير وحق التجمع بشكل سلمي؟··· لا يسعنا أن نبرر استراق الأسلاك في العالم والمراقبة على الإنترنت بدون إشراف قانوني· ··· لا يمكننا أن نبرر منح وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية صلاحية استهداف الناس في هذه البلاد بحجة مراقبة الاستخبارات وعمل حكومة تأخذ من الناس حقهم في الخصوصية···(8)
وفي شهر أيار/3 0 0 2 وافق مجلس الشيوخ الأميركي (الكونجرس) على مشروع قانون آخر يقضي بتوسيع صلاحيات مكتب التحقيقات الفيدرالي الـ F.B.I لغايات تسهيل عملية المراقبة السرية للأجانب المشتبه بأنهم يعدون لهجمات إرهابية في الولايات المتحدة، ويكفي وفق هذا القانون أن يشتبه عناصر الـ F.B.I بأي شخص، متورط أو غير متورط، في أنشطة إرهابية أو يستعد لهذا النشاط، لتحصل عناصر الوكالة على تفويض من القاضي لإجراء عمليات مراقبة·
النظام الشمولي البوليسي، سمة التصقت بإدارة الرئيس بوش الصغير، وهي صفة ليس من السهل انتزاعها أو إخفاء آثارها أو حتى نسيانها من قبل المجتمع الأميركي الذي حولته هذه الحكومة من مجتمع مدني إلى شبكة من المخبرين السريين تلبية لدعوة أطلقها مكتب التحقيقات الفدرالي الـ (F.B.I) إلى كل مواطن أميركي تحثهم على التبليغ عن أي سلوك مريب يقوم به: أصدقاء جيران، أقرباء، غرباء··· ليسجل نتيجة هذا التبليغ خلال شهرين فقط، تشرين أول وتشرين ثاني 1 0 0 2، ما يقارب من سبعمائة ألف اتهام معظمها لشرق أوسطيين جرى ترحيل معظمهم دون مراجعة قانونية لأوضاعهم كما تم القبض على نحو 0 0 2 1 شخص، غيرأندائرة العدل الأمريكية فشلت في إقامة دعوى على مشتبه رئيسي واحد· ومع حلول 51/11/1 0 0 2 أقرت السلطات الفيدرالية بعدم وجود أي دليل يدين الأشخاص المعتقلين في هجمات 11 أيلول(9)، لتتحول بذلك الحرب ضد الإرهاب إلى حرب إرهابية ضد كل شخص مسلم أو له سحنة شرق أوسطية· وهذه الوقائع تعيد إلى أذهاننا ما كتبه المؤلف الأميركي بيرترام كروس قبل سنوات حين قال مستشرفاً ما ستؤول إليه الأوضاع داخل أميركا : إن الفاشية ستأتي إلى الولايات المتحدة بوجه ودود، من دون محاكمات، من دون أحزاب ممنوعة رسميا، أو إبطال للدستور، لكن بنفس الحماس القومي والقوانين الدكتاتورية الاعتباطية، والغزوات العسكرية العنيفة(10)·
وكما قالها الرئيس جورج بوش الابن: إما أن تكونوا معنا أو تكونوا ضدنا كأحد أكبر الانتهاكات الأمريكية للسياسة الدولية· جاءت القوانين الأمريكية التي أعقبت هجمات أيلول لتقوض مبادئ الحريات والحقوق الأساسية، وتطبيقات هذه القوانين لم تمنح المواطنين في الولايات المتحدة الأمان المفقود بزعم الناطقين باسم الإدارة، بل جعلت المواطنين اقل حرية بسبب تزايد مظاهر الرقابة على السلوك وحتى على الكلام كأي دولة مستبدة من دول العالم الثالث، وهي دعوة أطلقها رسمياً الناطق باسم البيت الأبيض آري فليشر من خلال تحذيره الشهير: إن على الناس أن ينتبهوا إلى ما يقولون وما يفعلون(11)·
الأرضية المشتركة
Common Ground
عنوان لحملة إعلامية نفذتها وزارة الخارجية الامريكية بدعوى تضييق فجوة الاتصالات والتفاهم بين واشنطن والعالم الإسلامي· أما الأساس النظري الذي استند إليه مضمون هذه الحملة فهو أن الولايات المتحدة مكان أساء الآخرون فهمه، وأنها دولة تعترف بالإسلام كواحد من الأديان السماوية، وأنها ليست في حالة حرب مع هذا الدين أو أتباعه·
نُفذت هذه الحملة من خلال عدد من الأفلام التسجيلية القصيرة التي وظفت أكثر الوسائل جذبا وابهاراً للمشاهد والتي جاءت تحت عنوان: الأرضية المشتركة: حياة المسلمين في أميركا وبأسلوب يدعو إلى التفاؤل أبرزت هذه الأفلام صوراً للحياة اليومية لعدد من المسلمين الأميركيين أو الوافدين وهم يؤدون شعائرهم الدينية ويمارسون حياتهم اليومية المعتادة في أنحاء الولايات الامريكية بشكل طبيعي وبدون إزعاجات من أحد، وسلطت هذه الأشرطة الأضواء على مختلف القطاعات المهنية والوظيفية للمسلمين الأميركيين: أطباء، مدرسين، ربات منازل، عمال··· وأعرب جميع من شملتهم الحملة عن شعورهم بالرضا والانسجام التام مع المجتمع الأميركي، وبأنهم لا يتعرضوا في أماكن عملهم إلى أي شكل من أشكال التضييق أو الإزعاج· وقد عرضت هذه الأشرطة على صورة رسائل تليفزيونية بثت خلال شهر رمضان لعام 2 0 0 2 في عدد من دول شرق آسيا الإسلامية وعدد من الدول العربية التي لم تستطع مقاومة الضغوط الأمريكية وهي : باكستان، ماليزيا، اندونيسيا، دبي والكويت· فيما رفضت عدد من القنوات الفضائية ومحطات التلفزة العربية عرض هذه الأشرطة حتى لو أخذت هذه الأفلام الصفة الإعلانية مدفوعة الأجر·كما اشترطت بعض هذه القنوات مقابل أن تبث الأفلام الدعائية للخارجية الأمريكية أن تقوم محطات التلفزة الامريكية بالمقابل ببث أشرطة يعدها الجانب العربي تصور حالة المعاناة التي يعيشها الشعب اللسطيني، والانتهاكات والجرائم اليومية التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحقه· وبالطبع لم تتلق هذه المحطات العربية رداً بالقبول أو الرفض من الخارجية الامريكية بهذا الشأن·
الذين شاهدوا هذه الأشرطة أبدوا شكوكهم حول ما إذا كانت حياة المسلمين في الولايات المتحدة بمثل هذه الصورة المشرقة الذي تعكسه أفلام الأرضية المشتركة، وتشكلت انطباعات لكل من شاهد هذه الأفلام أنه بالإضافة إلى بروز ظاهرة الدولة البوليسية في أميركا فإن آلة الإعلام هناك أخذت في اقتباس دروس من الإعلام الرسمي العربي المغرم بعمليات التجميل وإظهار الأشياء بشكل مغاير لحقيقتها، فيما وصفها إعلاميون أميركيون بأنها أشبه بالإعلانات التي كانت تذاع على موجات الأثير في الثلاثينات لتصوير السود وكأنهم سعداء في المجتمع الأميركي، على ظن بأن هذه هي أفضل وسيلة لتأكيد عدم وجود تفرقة عنصرية·
الخارجية الامريكية انتهى بها الأمر للاعتقاد أن حملة إعلامية على غرار الحملات التسويقية للمنتجات الامريكية قادرة على أيجاد حلول لمأزق العلاقة الكبير بين العالم الإسلامي والإدارة الامريكية، وأنّ حملة شبيهة بالدبلوماسية الشعبية قادرة على تحسين صورتها وسياستها في إذهان الشعوب العربية والإسلامية· وبالرغم من استمرار إذاعة هذه البرامج لمدة خمسة أسابيع في الدول الآنف ذكرها، إلا أن هذه الحملة ما لبثت أن توقفت بعد أن واجهت مقاومة عنيفة ورفضاً واسع النطاق من قبل الجمهور المستهدَف·
اعتادت وزارة الخارجية الأمريكية من خلال التقارير الدورية التي تصدرها تقييم أداء دول العالم في مجال حقوق الإنسان، وكانت هذه التقارير تظهر الولايات المتحدة على أنها الدولة النموذج المدافع عن حقوق الإنسان وسائر المضطهدين في كافة أنحاء العالم· إلا أن أحداث 11 أيلول والتغييرات التي طرأت على المجتمع الأمريكي كشفت زيف هذا الادعاء وأسقطت عن الولايات المتحدة صفة دولة الحريات Freedoms country وتحديداً فيما يخص المواطنين من أصول عربية أو إسلامية، وقد لاحظ التقرير السنوي لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية كير الصادر عام 3 0 0 2 والخاص بأوضاع الحقوق المدنية للمسلمين في الولايات المتحدة، زيادة في عدد حالات التمييز ضد المسلمين، ورصد التقرير 2 0 6 شكوى من حوادث تمييز تعرض لها المسلمون في أميركا خلال عام 2 0 0 2 وبشكل يمثل زيادة قدرها 51% مقارنة بعام 1 0 0 2· و أشار التقرير الذي يعد الوحيد من نوعه إلى أن حوادث التمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة زادتبنسبة57% عما كانت عليه منذ عـام 5 9 9 1(12)·
وفيما يبدو، فإنه كما أساء الساسة في الإدارة الأمريكية فهم أسس التعامل مع الواقع الدولي عبر سياسة خارجية ولدت أحاسيس الكراهية والعداء ليس للسياسة الأمريكية فحسب، بل إن هذه الأحاسيس انسحبت لتطال الدولة الأمريكية برمتها، لأن الرأي العام في الغالب لا يفرق بين الساسة والدول، وكما هم في سياستهم الخارجية تلك، كذلك اخفق الأمريكيون في خلق إئتلاف قومي داخل المجتمع الأمريكي بسبب سياسات التمييز خاصة ضد الفئات المسلمة التي تعرضت لأشكال عدة من التقييد والمضايقات، من ضمنها تعرض المرشدين والجنود المسلمين في الجيش الأمريكي للضغوط والمراجعات الدقيقة غير المبررة، إضافة إلى قيام البنتاغون بمراجعة إجراءات تعيين وإختيار الجنود المسلمين في الجيش(13)·
إزالة - اجتثاث - البعثية
De-Baathification
قبل أسابيع قليلة من سقوط مدينة بغداد بأيدي القوات الامريكية الغازية، كان المسؤولون في البنتاغون ومخططو السياسة يتحدثون عما اتفق على تسميته ببرنامج إزالة البعثية لنـزع كل سمة بعثية من المؤسسات الحكومية والجيش والدوائر الأمنية في العراق، وإبعاد عناصر الحزب الحاكم من مواقع المسؤولية في الوظائف العامة، والقضاء على أي صلة تربط الشعب العراقي بالحزب· وهذا البرنامج تمت استعارته من برنامج تاريخي آخر اسمه إزالة النازية الذي طبق بعد الحرب العالمية الثانية في ألمانيا·
وبعد فترة من سقوط العراق بأيدي قوات الاحتلال الامريكية- البريطانية، أعلن ناطق باسم ما يعرف بالإدارة المدنية للعراق أنه سيتم تعيين موظفين عراقيين جدد ليحلوا مكان عدد من كبار المسؤولين الذين كانوا مرتبطين بحزب البعث· وأوضح الناطق باسم الإدارة المدنية أن هذا الإجراء يندرج في إطار تطبيق المرسوم الذي أصدره الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر القاضي بإبعاد عناصر البعث من مواقع المسؤولية في الوظائف العامة· حيث كانت أُولى الخطوات التي اتخذها بريمر بعد وصوله لبغداد منع أعضاء حزب البعث من تولي أي شكل من أشكال السلطة كما وأعلن عن قائمة تشمل 03 ألف اسم لأشخاص عراقيين لا يحق لهم الحصول على وظائف في البلاد، ثم أعلن عن تسريح الجيش العراقي بكافة قطاعاته ووحداته، إضافة إلى إلغاء وزارة الداخلية ووزارة الإعلام ودوائر المخابرات والاستخبارات·
يبدو أن الإدارة الامريكية وهي تعلن عن إزالة البعثية في العراق تستحضر تجربتها التاريخية في علاقتها مع ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية وما نجم عنها من انهزام ألمانيا ومحورها وانتصار الولايات المتحدة وحلفائها· ففي تلك المرحلة تركزت الجهود الامريكية على ما عرف آنذاك بـ إزالة النازية من خلال ملاحقة كل عناصر الحزب النازي وتصفيتهم جسدياً أو إحالتهم إلى المحاكم لتصدر بحقهم أحكام كبيرة· أما الآن فيحاول الأميركيون استخلاص الدروس والعبر من هذه التجربة وعدم تطبيقها حرفياً على النموذج البعثي في العراق، لأسباب موضوعية أهمها أن زمن حكم البعث في العراق يعادل أكثر من ثلاث مرات مما حكم الحزب النازي في ألمانيا، وخلال هذه الفترة الطويلة تشكلت شريحة كبيرة من الشعب العراقي مرتبطة بدرجات مختلفة مع الحزب الحاكم؛ وهذا يعني أن ملاحقة هذا العدد من الناس ستضطر القوات الامريكية إلى الدخول في حرب جديدة هي في غنى عن تجرع آثارها· لذا لم تطبق السياسة الامريكية القديمة بحذافيرها في العراق وفتح المجال في المرحلة الاولى لأعضاء حزب البعث وبعض قياداته التاريخية لممارسة أدوارهم الاجتماعية والعيش داخل المجتمع بشكل طبيعي مقابل التخلي عن الأيديولوجيا القديمة وعدم ممارسة أي دور سياسي·
وبعد انهيار النظام البعثي في العراق، استبق نظيره السوري المحاولات الامريكية لاستهدافه ضمن يناريو إعادة رسم خريطة المنطقة السياسية، فشرعت دمشق من ذاتها إلى إجراء مراجعات شاملة سواء على صعيد السياسة الداخلية أو الخارجية، وبدأ كلام جديد يسمع للمرة الأولى عن مسؤولين سوريين حول ضرورة تخفيف قبضة حزب البعث عن مؤسسات الدولة وفعالياتها كافة، وأهمية تفعيل الأحزاب لتنشيط المشاركة السياسية· وفي قرار أصدرته قيادة حزب البعث ونشرته مختلف الصحف السورية أكدت القيادة الحزبية أن دور الحزب هو التخطيط والإشراف والمراقبة، أما إختيار الأكفاء فيجب أن يكون بين الأفضل من المواطنين بغض النظر عن الانتماء السياسي، وهي المرة الأولى التي تطرح فيها الدوائر السياسية في سوريا اقتراحات بشأن توسيع دائرة الاختيار في المناصب السياسية والحكومية الكبيرة بحيث لا تكون حكراً على أعضاء حزب البعث· حتى أن صحيفة تشرين السورية نشرت تعليقاً على هذا القرار قالت فيه: إن الرأي الصائب ليس حكراً على تجمع أو حزب، فيما كانت الثقافة السائدة طيلة عقود مضت أن الرأي الصائب هو ما يصدر عن الحزب والقائد(14)·
على المستوى التطبيقي والواقعي، فإن عدداً من دوائر القرار والمحللين السياسيين في الولايات المتحدة نظروا إلى القرار الأمريكي القاضي بحظر نشاطات حزب البعث بأنه خطأ كبير ارتكبته إدارة الاحتلال مثله مثل حل الجيش النظامي، واستدلوا على هذه الفكرة من خلال التداعيات والآثار الناجمة عن هذين القرارين، حيث تصاعدت عمليات المقاومة الوطنية إضافة إلى تنظيم المظاهرات وظهور دعوات الإضراب العام، وهذه إشارات أخذت بالظهور بشكل واضح بعد ما يقارب ستة اشهر من الاحتلال، بشكل يدل على أن حزب البعث تمكن من إعادة بناء تنظيمه رغم كثافة العمليات العسكرية للقوات الأمريكية للوصول إلى اكبر عدد ممكن من البعثتين المتخفين·
وبالفعل فإنه مع تصاعد المواجهة بين قوات الاحتلال الامريكية والمقاومة العراقية، فقد أخذت الادارة المدنية للاحتلال بالتراجع عن بعض سياساتها التي أثبتت مراجعة التجارب والوقائع فشلها، وعلى رأس هذه السياسات كان مشروع ازالة البعثية حيث أعلن الحاكم الأمريكي للعراق ، بول بريمر، بأنه سيستعين بالبعثيين من ضباط ومدنيين بعدما كان أمعن وعيداً في اجتثاثات هذا الحرب من الجذور، وبالفعل فقد تم السماح باعادة توظيف عدد من كبار المنتمين السابقين لحزب البعث في عدد من الوظائف الحكومية المتقدمة، كما وطبقت نفس السياسة في الجيش العراقي جراء المفاوضات التي قامت بها القوات الامريكية مع قيادات المقاومة اثناء حصار مدينة الفلوجة (نيسان 4 0 0 2) في انجاز اعتبر بمثابة انتصار نوعي لصالح المقاومة العراقية ضد المشاريع والاستراتيجيات الامريكية·
إذا كانت الإدارة الامريكية تعمل على إزالة البعثية أو اجتثاثها فمن الأجدى لنا كعرب لمواجهة المخاطر الناجمة عن هذا السيناريو، أن نعيد قراءة الفكرة التاريخية التي تبلور حولها حزب البعث ليصبح فيما بعد أهم تشكيلة سياسية في بلدين عربيين، وهي بالمناسبة فكرة قابلة للحياة، فكرة تؤمن بالوجه الإنساني للحكم والتعددية، والتنمية الحقيقية، وليست فكرة البعث الذي له نفس الزعيم الملهم المعصوم الذي تتجسد الدولة بشخصه، وشخصه بالدولة·
الاستثناء الديمقراطي
Democratic Exception
مصطلح سياسي جديد، استخدمه لأول مرة مدير تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الامريكية وأحد الخبراء الأمريكيين في الشرق الأوسط ريتشارد هاس الذي كان واحداً من أكثر اليهود الأمريكيين دعما لإسرائيل في إدارة بوش الأب ومن دعاة الحرب على العراق، وهو عضو في فريق مركز دراسات الأمن القومي التابع لوزارة الدفاع، وقد استخدم هذا المصطلح في المحاضرة التي ألقاها أمام مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (4/21/2 0 0 2) تحت عنوان ترويج الديمقراطية في العالم الإسلامي(15)·
جاءت المحاضرة في سياق ترويج الإدارة الامريكية مشروع شراكتها مع الشعوب العربية والإسلامية· وفي الكلمة التي ألقاها انتقد هاس سياسات واشنطن المتعاقبة تجاه العالمين العربي والإسلامي واصفاً إياها بأنها سياسةعرجاء وغير كاملة لاعتبارات أبرزها أن الحكومات المتعاقبة، جمهورية كانت أم ديمقراطية، لم تجعل من الديمقراطية أولوية بشكل كاف في العديد من أجزاء الدول العربية أو الإسلامية، إضافة إلى أن هذه الحكومات الامريكية تجنبت النظر بعمق في المسائل الداخلية للبلدان تحت مبررات مثل: كبح التوسع السوفيتي أو الإيراني أو العراقي، إضافة بالطبع لضمان التدفق المتواصل من النفط لصالح الغرب الصناعي، وانشغال هذه الحكومات في التعامل مع حيثيات وتطورات الصراع العربي _ الإسرائيلي، بالإضافة إلى مقاومة الشيوعية في شرق آسيا· ونتيجة هذه الظروف، أخفقت أميركا في تعزيز سبل الديمقراطية تدريجيا في كثير من علاقاتنا المهمة عبر خلق ما يمكن وصفه بـالاستثناء الديمقراطي فرصة لمساعدة هذه الدول على أن تصبح أكثر استقرارا وازدهاراً وهدوءاً وأكثر قدرة على التكيف مع ضغوط عالم يتجه نحو العولمة
ويعدد هاس ثمانية دروس كان يفترض أن تكون قد تعلمتها الولايات المتحدة من تجربتها العالمية، أبرزها: أن هناك نماذج عدة للديمقراطية وليس نموذجاً أميركيا واحداً سيتم تصديره، وأنه لا بد من إجراء بحث حول تكييف الأنظمة السياسية لكي تتلاءم الديمقراطية مع بيئتها المحلية، فالديمقراطية لا يمكن تصنيعها ولا يمكن تشجيعها من الخارج بل لا بد من بنائها من الداخل· وأخذت تفاصيل هذه الوثيقة و التعليق على مضامينها صدى واسعاً في تصريحات عدد من المسؤولين في الإدارة الامريكية، كما وأخذ هذا المصطلح بعداً إعلامياً مهماً لاعتبارات من أهمها أنه صدر على لسان مسؤول أميركي يحتل موقعاً مهماً في تخطيط سياسة واشنطن الخارجية، خاصة وأنه أدلى به في سياق محاضرة ألقاها في مؤسسة تعتبر من المؤسسات الهامة في رسم وتوجيه السياسة الخارجية في الولايات المتحدة · وبالمناسبة فإن الإدارة الأمريكية تبنت رؤية هاس في شأن الصراع العربي - الإسرائيلي، والذي رأى أنه بعد تجربة إدارة كلينتون وفشل مباحثات كامب ديفيد الثانية، فإن الظروف ليست ناضجة لإبرام تسوية نهائية بين الأطراف في الشرق الأوسط، وأن أقصى ما تستطيع أن تقوم به واشنطن في هذه المرحلة هو إدارة الأزمة·
متغيرات لها دلالتها طرأت على نمط التفكير السياسي الأميركي تجاه الشعوب اعربية والإسلامية، وهي متغيرات يستوجب معها طرح السؤال التالي: في ظل مشروع الصداقة الأميركي الجديد مع الشعوب العربية، ما هي النتائج الناجمة عن مثل هذا المشروع، وهل سيكون هناك تعارض للعلاقة الإستراتيجية الأميركية مع الأنظمة العربية و الإسلامية؟؟ هذه الأنظمة هي التي كانت قد توحدت مع السيناريو الأميركي لمدة خمسين عاماً تقريباً أمّنت خلالها الحكومات العربية للولايات المتحدة الامريكية مصالح اقتصادية وسياسية لا حصر لها·
إن الحديث الأميركي المكثف عن دمقرطة شعوب العالم والانحياز لحقوق الإنسان وليس لصالح الحكومات، في جوهره حديث جديد واستراتيجية تتناقض مع السجل الرسمي للحكومات الامريكية التي ساندت ولفترات طويلة أعتـى الديكتاتوريات وأسوأ الحكام في العالم طوال القرن العشرين وتحديداً خلال الحرب الباردة، فتحت لافتة مقاومة الشيوعية قامت الإدارات الامريكية المتعاقبة بدعم رموز الاستبداد والطغيان في العالم، فهناك شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي الذي تخلت عنه الولايات المتحدة، ورفضت حتى استقباله في أرضها لسبب واحد وبسيط: أنه استنفذ أغراضه· و هناك الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين الذي لاقى دعماً أميركياً كبيراً في سنوات حكمه الأولى وشكل هذا الدعم بالنسبة له غطاء مهما على كل تجاوزاته للقوانين الدولية والإنسانية· وهناك كذلك الحاكم الأوغندي المخلوع عيدي أمين· وفي أميركا الوسطى والجنوبية وهي القارة التي كانت تسمى الفناء الخلفي للولايات المتحدة، حيث تعددت نماذج الطغاة المدعومين من قبل واشنطن، مثل الجنرال الكوبي المخلوع باتيستا، وهناك أيضاً بينوشيه حاكم تشيلي المخلوع وكذلك الرئيس البنمي مانويل نورييجا·
هذا كله كان في الماضي، أما اليوم، وتحديداً منذ الحادي عشر من أيلول بدأت تحولات جديدة تظهر في الإستراتيجية الامريكية، ومن مؤشرات التحول الذي طرأ على التفكير الأميركي أن وكالة الاستخبارات المركزية الـC.I.A قدمت تقريراً احتوى على إجابات خطية عن أسئلة طرحها أعضاء الكونغرس حول الأسباب، والمبررات التي تجعل من شعوب العالم العربي والإسلامي شعوبا معادية لأميركا، لتجيء إجابة الاستخبارات المركزية في تقريرها واضحة ومباشرة ومفاجئة في نفس الوقت وهي أن شعوب هاتين المنطقتين من العالم يخضعون لضغوط كبيرة من قبل الأنظمة الحاكمة، ونتيجة هذه الضغوط تأخذ ما أسماه التقرير بـالمجموعات المحرومة Deprived Groups في الظهور والتنفيس عن كبتها من خلال الاقتصاص من أميركا باعتبارها المسؤول الأول والأخير عن هذه المعاناة· وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي تتحدث فيها علانية مؤسسة هامة في الحكومة الامريكية مثل الـC.I.A عن مجموعات محرومة في الشرق الأوسط، والتغيرات التي من الممكن أن تحدثه هذه المجموعات، في حين كان كل همّ هذا الجهاز وغيره في الماضي البحث عن سبل دعم وتعزيز حرية الأنظمة في مواجهة وقمع هؤلاء المحرومين·
الرأي السائد في العالم العربي أن الهدف الأساسي من الحملات الترويجية لإشاعة الديمقراطية في المنطقة ليس النهوض بالإنسان العربي ومساعدته في سبيل تحقيق أحلامه بالحرية و الديمقراطية، و إنما الضغط على الحكومات العربية بهذه النقطة لتصبح أكثر مرونة ومستعدة لتلبية كل ما يطلب منها، وإلا فسيتم استبدالها بأنظمة أكثر تبعية· كما وأن هذه المبادرة جاءت في سياق خضوع الحكومات العربية بالكامل للولايات المتحدة، حيث تسابقت هذه الحكومات في الإعلان ظاهريا عن مشاريع داخلية للتنمية السياسية ومكافحة الفساد وتعميم الديمقراطية وما هذه المشاريع في حقيقتها سوى شكل من أشكال الرياء السياسي للولايات المتحدة و الزيف الديمقراطي، وهي مشاريع ليس لها من الديمقراطية الحقيقية إلا القشور، ومع ذلك فيتم الترويج لهذه المشاريع محلياً و في مختلف العواصم العربية، على اعتبار أنها لب الديمقراطية، لتعيد هذه الأنظمة تجديد ذاتها بما يتفق مع المتطلبات الأمريكية·
وكل ما فعلته الادارة اليمينية في واشنطن تجاه هذه الحكومات الدكتاتورية هو انعاشها وضخها بالمزيد من الشعارات والعناوين السياسية الزائفة لتواصل الولايات المتحدة استنزاف المنطقة لمصالحها على وجه الخصوص باسم الحرية والديمقراطية·
استراتيجية العمل الجديد
New Work Strategy
عنوان لوثيقة سرية أعدها خبراء أميركيون بطلب من الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، وما لبث أن تسربت ملامحها للصحافة الامريكية والعالمية لتقوم عدد من هذه الصحف بنشر مقتطفات الأطر العامة لها·
وقد نشرت صحيفة الأسبوع المصرية أبرز بنود الخطة الامريكية، التي أوضحت بشكل صريح مدى التغلغل الخطير والمدروس الذي بدأت الولايات المتحدة ممارسته وفق خطة استراتيجية مدروسة داخل الوطن العربي، كما وحددت الوثيقة المنطلقات الأساسية لتنفيذ هذه الإستراتيجية، والتي تنص في إطارها العام على:
- التحرك سريعا للوصول إلى المواطن العربي بغض النظر عن مكان تواجده سواء كان في المدينة أو القرية أو المناطق النائية، وأنه لا بد من الوصول إلى هذا المواطن والتواصل معه بأشكال مختلفة ومن خلال قنوات عدة·
- إبراز دور السفارات الامريكية في العالم العربي وتعزيز دورها السياسي والثقافي والاجتماعي، وإعطاء أولوية لجهود هذه السفارات في علاقاتها وتحديداً مع المثقفين العرب واستمالتهم إلى لعبة التغيير الامريكية، بحيث تكون السفارة في النهاية قادرة على تقديم برنامج سياسي يتضمن قدرتها في التأثير على إنشاء منظمات غير حكومية قوية في هذه الدول، وأن تكون السفارات عنصر جذب لهذه المنظمات وللمثقفين وللنخب الفاعلة في مختلف المجالات(16)·
إن سفراء الولايات المتحدة للدول العربية بدأوا وتحت شعار مكافحة الإرهاب التدخل في الشؤون الداخلية للدول التي تقبلهم كممثلين دبلوماسيين، وبدا عدد من هؤلاء السفراء في سلوكه وحجم اتصالاته كمندوب سام على دولة لم تنل استقلالها بعد· ومن نماذج تجاوز السفراء الأمريكيين في المنطقة العربية لمهامهم الأصلية، السفير الأمريكي في مصر، ديفيد وولش، الذي أعلن أكثر من مرة عبر الصحف المصرية ضرورة إصلاح التعليم المصري، وكانت له تدخلات في القضاء المصري حيث أدان الحكم الصادر بحبس د· سعد الدين إبراهيم معتبراً أن الحكم صدر على خلفية سياسية وأن هذا الحكم أصاب بلاده بالإحباط الشديد(17)· وزاد وولش من استفزازاته للشعب المصري بسبب الزيارات المتعددة التي قام بها لمحافظات مصر، ولقاءاته مع الناس سائلاً عن أحوالهم ومشاكلهم·
وكذلك الحال بالنسبة للسفير الأمريكي في لبنان، فنسنت باثل، الذي انتقد الأداء السياسي اللبناني وأعطى رأيه في مواضيع داخلية، كما دعا في إحدى المناسبات إلى إصلاح القضاء·
بالرغم من الحرص الأميركي على الوصول إلى الإنسان العربي في هذه المرحلة بالذات بمختلف الوسائل والأشكال ومحاولات صناعة حالة وهمية من الود والتواصل، غير أن هذا الإنسان فهم بسرعة أنه محكوم بدفع ثمن باهظ في أفراح أميركا وأتراحها، وأن العدوان عليه يكاد يتحول إلى شرعية دولية من خلال الأسلحة التي تشنها عليه، وهي ليست بالضرورة أسلحة عسكرية متطورة وذكية، بل كذلك أسلحة ثقافية وإنسانية، ومطلوب منه أن يصدق أن هذه الحملات لصالحه حتى وإن كان لم يدرك هذه الحقيقة·
إن الخطورة الحقيقية في تنفيذ هذه الخطة لا تنحصر فحسب في زيادة تغلغل عملاء الـC.I.A بالمنطقة العربية، وإنما في استغلال النخب لإحداث التغيير المطلوب بما ينسجم مع تقديرات الخطة المدروسة· ووفق تأكيدات صحافية، فقد أشارت مصادر صحافية خليجية إلى أن الولايات المتحدة ومن خلال مكاتب الاتصال التي أُعلن عن إنشائها في العديد من العواصم العربية قد أجرت اتصالات مع أكثر من 0 6 1 كاتبا وصحفيا ورجال أعمال ورجال دين لهم تأثير على مجتمعاتهم في منطقة الخليج العربي، وأن نهاية الاتصال وفق تحليل المصدر هو خلق قاعدة قادرة على التأثير في الشارع الخليجي، وخلق رأي عام حيال أية قضية تريد واشنطن طرحهاأوتمريرها من خلال توجيه الكتاب والصحافيين والشخصيات العامة لهذه القضية(18)·
الإسلام الجهادي
Jihadist Islam
تجد الدراسات والبحوث الصادرة عن مراكز الدراسات المنتشرة في أنحاء الولايات المتحدة الامريكية صدى كبيراً واهتماماً واسعاً لدى صانعي القرار وراسمي السياسات في واشنطن، وتتولى هذه المراكز عادة دعم السياسات الحكومية من خلال تقديم التصورات المدروسة، والسيناريوهات المحتملة وضخ كافة الأفكار والآراء والتحليلات بشأن قضية ما، أو موضوع محدد يعترض السياسيين الأميركيين الراغبين في استطلاع كافة الآراء والاحتمالات لمواجهة هذه القضية وإيجاد حلول لها بما يتفق مع المصالح الوطنية أو بما يتفق ومصلحة طبقة سياسية أو رأسمالية محددة·
وبعد أحداث 11 أيلول كثفت هذه المراكز عملها، وصدر عنها عدد كبير من البحوث الخاصة بالحرب الامريكية على الإرهاب ومن بين هذه المراكز المهمة معهد هدسون للدراسات السياسية والاستراتيجية الذي أعد وثيقة بطلب من الإدارة الامريكية تحدد مجموعة من السيناريوهات للصراعات في العالم، وتبرير الحرب الامريكية لفترة طويلة الأمد ضد ما تطلق عليه هذه الإدارة بـالإرهاب، والصراعات التي يتعين على واشنطن مواجهتها خلال العقدين القادمين 2 0 0 2 -0 2 0 2·
وقام بإعداد هذه الوثيقة مؤسس المعهد د·ماكس سينغر المختص في تحليل السياسات، والذي رسم في وثيقته سيناريوهات معقدة للعقدين القادمين، مفترضاً أنّه حتى عام 0 2 0 2 ستقوم أطراف محسوبة على ما أسماه بـالإسلام الجهادي بقتل عشرات آلاف الأميركيين عبر كل وسائل الإرهاب المتبعة الآن، أو التي ستتوصل إليها عقول من يتولون التخطيط لمثل هذه الأعمال مستقبلاً·
وقد نشرت مجلة المشاهد السياسي مقتطفات لأهم محاور هذه الدراسة والسيناريوهات التي رسمتها، والتي من أبرز نقاطها:
- يكشف سينغر في السيناريو الأول من دراسته عن توجه أميركي جديد ونبوءة بأن تلي الهجمات التي ستشنها واشنطن على أعدائها إسقاط حكومات عربية وإسلامية وتغيير أنظمة وأن خلافات داخلية بين الأقطار الغربية نفسها ستنشأ بسبب رفض قسم منها الاستمرار في مجاراة الخطط الامريكية، كما أن شرخاً كاملاً سينشأ بين العالم العربي الذي سيصبح في بداية الأمر تحت سيطرة الإسلاميين المتطرفين بأكمله كرد فعل على مغالاة واشنطن في الانحياز لإسرائيل التي يتنبأ سينغر أن تبقى موجودة على الخارطة حتى 81 سنة مقبلة، مستفيدة من عامل التفوق الأميركي·يفترض مدير معهد هدسون أن دولاً عربية مثل: العراق، مصر، السعودية ودولاً إسلامية كبرى مثل إيران ستحصل على السلاح النووي، إلا أن هذه الدول لن تستخدم أسلحتها النووية، وستلجأ لاستخدام الأسلحة البيولوجية في الصراعات الدائرة بينها·
ويكرر سينغر في وثيقته مصطلح الإسلام الجهادي عدة مرات، فهو يقسم العالم الإسلامي إلى ثلاث فئات: فئة ممن يعتقدون أن الغرب ليس عدوا للإسلام، فئة ثانية تعتقد أن الغرب عدو ولكن ليس بالإمكان مهاجمته نظراً لامتلاكه مختلف عناصر القوة، وفئة ثالثة تعتقد بوجوب مهاجمة الغرب بوسائل عنيفة· ولمواجهة هذا التيار ينتقل زينغر إلى السيناريو الثاني·
- وفقا لهذا السيناريو فإن العالم الغربي سيرفض الاعتراف أو التعامل مع حركات الإسلام الجهادي إلا أن نجاح أميركا في دفع الغرب إلى الوقوف معها لخنق هذا التيار لن يلقى نفس النتيجة في الوطن العربي، الأمر الذي يعني توسع هذا الحضور الإسلامي لبعض الوقت في دول مثل: الجزائر، المغرب، وتونس، وستبقى مصر الدولة العربية الوحيدة التي لا تشكل تهديداً للولايات المتحدة، إذ ستحتفظ القاهرة على مناهضتها لهذه المنظمات المتطرفة من ناحية، وعلى علاقتها بأميركا واوروبا من ناحية أخرى، ولكنها لن تستطيع منع الهجمات الارهابية على المصالح العربية·
- السيناريو الثالث وكما نشرته مجلة المشاهد السياسي، فإنه يتحدث عن عشرات آلاف القتلى في عام 0 2 0 2 في أميركا لوحدها، إضافة إلى عدد كبير من الضحايا في الغرب، ويرجع زينغر هذه الظاهرة كذلك إلىالإسلام الجهادي الذي سيسيطر على دول تضم 0 0 9 مليون مسلم على الأقل، وسيقوى حتى داخل أميركا ذاتها، بما يساعد الهجمات الارهابية داخل الولايات
المتحدة، وسيكون لهذا الحضور الاسلامي داخل اميركا انعكاسات على الحياة الامريكية بشكل أكثر تأثيراً مما كانت عليه زمن الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي السابق· وأضاف أن الحضور الاسلامي يحظى بدعم وإسناد الجاليات الإسلامية في أوروبا وإفريقيا، لكنه سيُرفض في تركيا ووسط آسيا·
- السيناريو الرابع، يبشر سينغر الغرب بحتمية سقوط الإسلام الجهادي أو التيار الإسلامي المحارب ليس فقط بسبب الحرب الامريكية لهذا التيار، ولكن أيضاً بسبب قمع الأنظمة العربية الديكتاتورية لهذا التيار، وبشكل عنيف ودموي حماية لبقائها هي ذاتها، وبالتالي فإن الأنظمة العربية ستزداد في المرحلة المقبلة استبداداً وبطشا، وسيقابل هذا النمو الديكتاتوري تراجع كبير وواضح في الحياة الديمقراطية لهذه الدول·
ولتأهيل المنطقة وتعايشها مع ذاتها ومع العالم فإن الوثيقة تخلص إلى النتائج التالية:
- العمل على إزاحة الرئيس العراقي صدام حسين وأن يتولى المؤتمر الوطني العراقي الحكم بدلاً من نظام حزب البعث، وتأسيس نظام ديمقراطي تحت الرعاية الامريكية·
- أن تطلب واشنطن من الحكومة السورية سحب قواتها من لبنان، والحظر عليها التدخل في الشأن اللبناني·
- الضغط على سوريا واليمن والسودان وليبيا، وإجبار هذه الدول على طرد المنظمات الإرهابية من أراضيها، وهو ما سيمكن العالم من تقليل عدد المنظمات الإرهابية الدولية وامكانية فرص اندماجها(19)·
شكلت معاهد البحوث والدراسات الامريكية خاصة التابع منها لنفوذ المحافظين الجدد، ومن بينها معهد هدسون للدراسات السياسية والاستراتيجية مراكز مهمة لتشكيل الوعي الامريكي وتلقين الرأي العام الامريكي الاسس النظرية والايديولوجية لليمين الامريكي المتطرف، القائمة على فكرة خوض حرب عالمية رابعة ضد التهديد الاسلامي (Islamic Threat) الذي برز بعد زوال التهديد الشيوعي ومن قبله الفاشي، وهي الفكرة التي أطلق عليها فيما بعد الحرب الاستباقية (preemptive war)· وكانت هذه الفكرة برزت للمرة الاولى بشكل مشروع متكامل عبر وثيقة صدرت عام 7 9 9 1 تحت عنوان : الاعلان الامبراطوري الامريكي تقدم بها عدد من الشخصيات الامريكية المحافظة وكان من بين الموقعين عليها: ديك تشيني ، دونالد رامسفيلد، بول وولفوفيتز، ريتشارد بيرل، جيمس وولسي، ··· ولم تلق هذه الوثيقة قبولاً لدى ادارة الرئيس الأميركي بل كلينتون ، وبمجيء الرئيس جورج دبليو بوش وأفراد طاقمه من اليمين المحافظ الذين كانت المواقع الرئيسية في هذه الادارة من نصيبهم تقدموا مرة أخرى بهذه الوثيقة، إلا أن تيارات سياسية أخرى رفضت بشدة مشروع الاحتواء بالقوة العسكرية الباطشة، غير أن هذا النزاع لم يدم طويلاً، فما لبث أن وقعت أحداث 11 ايلول ليتهيأ جو سياسي جديد غلب فيه تيار الانفرادية بالعالم·
وبعد مضي عام تقريباً على أحداث أيلول، وهي الفترة التي نفذت من خلالها استراتيجية الحرب الاستباقية على الارهاب ومكوناته الاساسية وفق هذه الاستراتيجية والتي في مقدمتها الاسلام الجهادي، تنبهت واشنطن بعد هذه المدة إلى أن هذه الاستراتيجية جلبت عليها وعلى مصالحها الكوارث، وأن هذه الحرب عبأت الرأي العام العالمي ضدها بشكل عام، والاسلامي بشكل أكثر تحديداً، بمشاعر الكراهية والغضب، خاصة وأنه تزامن مع التشدد في معاقبة وملاحقة الجماعات الاسلامية والدول الداعمة للارهاب تراخ امريكي وتسامح مع ارهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني·
ولعل الاخفاق الاكبر الذي منيت به الادارة الامريكية في استراتيجتها الجديدة، هو هذا الشعور بخيبة الامل بامكانية العثور في المنطقة العربية على قوى وانظمة ليبرالية تكون مؤهلة لقيادة قاطرة الديمقراطية في المنطقة العربية والاسلامية، بحيث تتمكن هذه القوى من تحقيق نجاحات في كسب ثقة شعوبها والتأثير عليها كما هو حجم التأثير الذي تمارسه الجماعات الاسلامية· من هنا ركز الرئيس الامريكي في أحد خطاباته: على أنظمة المنطقة بدلاً من أن تنشر الكره نحو الآخرين أن تستجيب لطموحات شعوبها و آمالهم وشدد في خطابه أمام الصندوق القومي للديمقراطية في واشنطن والذي انتقد فيه ما أسماه الافتقار إلى الحرية في الشرق الاوسط ، على أن كثيراً من الدول لم تشهد ديمقراطية حتى الآن، وهي دول مهمة وأن كثيراً من النساء والاطفال حكم عليهم باليأس(20)· هذا الاخفاق الامريكي في ايجاد أنظمة مقبولة شعبيا في المنطقة العربية تكون قادرة على كسب ثقة الشعوب كما تمنحها الاخيرة للجماعات الاسلامية، واكبه تعديل في النظرة المعلنة وأسلوب التعامل مع العدو الاسلامي باعتبار الاسلام هو الجدار التأسيسي لظاهرة الارهاب في العالم، ليبدأ الحديث داخل بعض دوائر القرار الامريكي عن الاسلام المعتدل، كما واستحضرت هذه الدوائر بعض الادبيات الامريكية المتعلقة بهذا البعد، والتي كان ابرزها الكتابات التي تقدم بها النائب السابق لرئيس الـ (C.I.A) والباحث في مؤسسة راند، غراهام فولر الذي رفض فكرة مقارنة الاسلام بالفاشية أو الشيوعية، كما رفض فكرة وجود مرجعية مركزية أو نص مركزي للمسلمين، وعليه فهناك أطياف اسلامية متنوعة، وأنه إذا لم تحسن الولايات المتحدة من تعاملها مع الأطراف المعتدلة فإنها بذلك تساعد في خلق المزيد من ظاهرة ابن لادن، وبالتالي فعلى واشنطن أن تخفف من سياستها في دعم الحكومات التي تسحق الاسلاميين(21)·
بل ان عدداً من الاكاديميين الامريكيين أصبحوا لا يترددون في التأكيد على أنه لا يمكن قيام أنظمة ديمقراطية في المنطقة بدون اشراك الاسلاميين(22)·
وبالفعل أخذت الدبلوماسية الامريكية في اعادة النظر بسياسة وضع الاسلاميين بسلة واحدة واخذت بالفعل باجراء اتصالات عديدة مع قيادات الجماعات الاسلامية المعتدلة في عدد من الدول العربية أبرزها تلك اللقاءات المعلنة التي تمت في كل من الاردن ومصر والتي جاءت في سياق التقارب الامريكي مع قوى وأحزاب اسلامية معتدلة تؤمن بفكرة التنمية السياسية وتداول السلطة·
وقد أكد المرشد العام السابق للاخوان المسلمين، مأمون الهضيبي، وجود اتصالات لشخصيات اخوانية مع شخصيات امريكية وفي مراحل مختلفة، كما وأعلنت الادارة الامريكية عن ترحيبها بنتائج الانتخابات التي فاز بها تيار اسلامي معتدل في كل من: تركيا ، المغرب، ايران، وهي انتخابات دفعت بجيل اسلامي جديد إلى واجهة العمل السياسي ·
وفي هذا السياق لم تشارك في الاردن جبهة العمل الاسلامي بالانتخابات النيابية حتى عام 3 0 0 2، حيث كانت الجبهة قد أعلنت مقاطعتها للانتخابات سنوات طويلة بسبب قانون الانتخابات الذي اعتبرته غير ديمقراطي وغير عادل، ومع ذلك دخلت الجماعة الاسلامية في الاردن الانتخابات ي ظل ذات القانون الذي انتقدته وقاطعت الانتخابات لأجله·
الإصلاح العربي
Arab Reform
نشرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية وعلى صفحتها الأولى خبراً ذكرت فيه أن وزير الخارجية الأميركي كولن باول سيعقد في يوم نشر الخبر اجتماعا مغلقا مع خمسين امرأة عربية دُعين إلى واشنطن في إطار برنامج أطلق عليه عنوان الإصلاح العربي أعدته وزارة الخارجية الامريكية، وتشرف على تنفيذه إليزابيث تشيني، ابنة نائب الرئيس وزعيم الصقور الأميركي، ديك تشيني، وكانت هذه هي الدورة الأولى للبرنامج والتي بدأت في منتصف شهر تشرين الأول من عام 2 0 0 2 من خلال استضافة 50 سيدة كما مر آنفا ممثلات عن 21 بلداً عربياً(23)·
جاء انعقاد هذا البرنامج في إطار ما أطلقت عليه الإدارة الامريكية: تعزيز الديمقراطية ومساعدة دول المنطقة العربية من خلال عقد برامج تنموية في مجالات: السياسة، الاقتصاد، الثقافة، التربية··· وقد أعلنت وزارة الخارجية آنذاك بأنها ستواصل وبشكل دوري تنظيم دورات للسياسيين والنقابيين والصحافيين العرب بدوافع مثل: صقل قدراتهم في التعامل مع الآليات الديمقراطية، إعداد الفئات المدربة لتكون نواة بناء في حكومات عربية مستقبلية أكثر فاعلية، و تهيئة أعضاء نشطين في مؤسسات مدنية أكثر تأثيراً، بالإضافة إلى إعداد صحافيين أكثر جرأة وشجاعة لينتج من خلالهم صحافة عربية حرة· غير أن الإعلان الأميركي بالعمل من خلال لقاءات مشتركة ومتكررة مع لجان عربية باتجاه تعزيز الديمقراطية لم يجد طريقه للتنفيذ، لتتحول هذه المسألة إلى أمر موسمي وفق الحاجة الامريكية لإستخدام هذه الورقة في الضغط على الحكومات العربية ·
وبالرغم من الدبلوماسية النشطة التي بذلتها ، ولا زالت الخارجية الأمريكية تبذلها من خلال برنامج الإصلاح العربي أو حملة الأرضية المشتركة أو غيرها من البرامج والحملات الدعائية في سبيل تجميل صورة أميركا أمام العالم، وتحديداً أمام العربي والإسلامي، ورغم المبالغ الضخمة التي أنفقت على هذه البرامج والتي قاربت 0 0 6 مليون دولار حتى شهر تشرين الأول 3 0 0 2 ، إلا أن هذه الجهود قوبلت بالكثير من النقد والاستهانة من قبل المحافظين الجدد الذين حمّلوا الخارجية مسؤولية تصاعد المشاعر المعادية للولايات المتحدة لأنها فشلت في تنفيذ سياسة الرئيس بوش الخارجية
بفعالية، وطالب المحافظون الجدد الخارجية الأمريكية عبر مقال نشرته مجلة فورن بوليسي اليمينية إلى القيام بعملية إصلاح حقيقي للوزارة من القاعدة إلى القمة، وتعريضها لصدمة ثقافية، كما دعا ناشر المقال، عضو مجلس السياسة الدفاعية التابع للبنتاغون والصديق الحميم لدونالد رامسفيلد ، نيوت غينغريتش، إلى ضرورة وضع استراتيجية تواصل فعالة تمكن الولايات المتحدة من الدفاع عن قيمها والترويج لها بشكل نشط· وجاءت هذه الحملة التي شنها المحافظون الجدد على الخارجية في سياق الصراع المحتدم الذي شهدته الإدارة الأمريكية بين الخارجية والبنتاغون حول السياسة المتبعة تجاه الشعوب العربية والاسلامية ومدى نجاعة سياسة كسب العقول والقلوب·
إلا أن ما لم يفهمه غينغريتش وغيره من المحافظين الجدد أن القضية ليست متعلقة بفشل الخارجية الأمريكية في رسم استراتيجية فعالة لتحسين وجه الولايات المتحدة وتجميله، وأن القضية في جوهرها لا تتجاوز أن الحملات الدعائية والإعلامية التي تنظمها وتنفق عليها واشنطن من الأموال الطائلة لا تترك أثراً في نفس الإنسان العربي والمسلم بسبب سياسات الإدارة في العراق وموقفها من القضية الفلسطينية·
برنامج الإصلاح العربي يهدف في محصلته النهائية إلى مخاطبة العقول العربية المؤثرة في صياغة السياسات وصناعة وتوجيه الرأي العام لصالح تحسين صورة أمريكا، وتشكيل العقل العربي بمواصفات أميركية لتتمكن السياسة الامريكية في النهاية من التحكم في المؤسسات المدنية الفاعلة أو التي تهدف إلى تفعيلها مستقبلاً وبصورة موازية لآلية التحكم التي مارستها على مؤسسات الحكم وأنظمته في العالمين العربي والإسلامي، وبذلك تسقط مؤسسة الحكم ومؤسسة العمل المدني في كمائن السياسة الامريكية، وتتصارع هاتان المؤسستان في سبيل إرضاء واشنطن·وفيما حققت مؤسسة الحكم العربية وطيلة عقود متتالية مصالح استراتيجية واقتصادية مباشرة للجانب الأميركي، فإن المؤسسات المدنية يتم إعدادها هي أيضاً لتتحول إلى أدوات لصناعة السياسات التي ترغب واشنطن بها، وأن تصبح هذه المؤسسات بالتالي أدوات ضغط احتياطية على الأنظمة الحاكمة التي ترغب واشنطن في ظل الادارة اليمينية الإبقاء عليها وفق آليات معدلة لممارسة الحكم وصولاً إلى إعداد بدائل للأنظمة التي تخطط لإسقاطها لأن فترة صلاحيتها قد انتهت وأصبحت تمثل عبئا سياسياً·
هذا فيما تبدو الغايات والأهداف المرسومة لمشروعالإصلاح العربي ورغم تسليم الجميع وإقرارهم أن الوضع العربي ليس بخير، وأنه بحاجة إلى مشاريع إصلاح حقيقية وعميقة، إلا أن هذه المشاريع لا يمكن أن تلقى نجاحا حقيقيا إذا روج لها من خلال التدخل الأميركي أو من خلال ممارسة ضغوط من الخارج· لأنه بات واضحاً للجميع، خاصة بعد الحرب الامريكية على أفغانستان
والعراق، أن التدخل الأميركي غير معني بإصلاح حقيقي في واقع هذه الدول أو غيرها أو نشر وتعميم الديمقراطية وفق النمط الغربي، لأن من شأن هكذا تغييرات أن تصطدم مباشرة مع الأطماع والمصالح الامريكية والغربية في المنطقة، والتي تمثل المحرك الحقيقي لدعوات إصلاح مشوهة وهشة ومعرضة للانتكاس في أية لحظة، والأهم من ذلك كله، أن الإصلاح الديمقراطي الحقيقي لا يتم ولا تترسخ جذوره إلا من خلال نضال الشعوب وتضحياتها·