eKtab
EN ع
أمل في الظلام ( حكاية أم مع طفل التوحد)
Read free sample

أمل في الظلام ( حكاية أم مع طفل التوحد)

by خلود خوري رزق

Page 1

الإهــــــداء

الإصرار والمحبة كفيلان بالنجاح...

إلى تلك العيون التي علّمتني على الإصرار.. والدي.

إلى رفيقتي في معاناةٍ مشتركة.. حنين...

إلى قائد السفينة وربانها ..زوجي الحبيب، والابنة الجسورة ..

إلى كلِّ أمٍ عربية تتعرض لمصاعب حياةٍ بلا سابق إنذار...

إلى روحي المُستقرة في عالم آخر.. والتي علمتني معنى العطاء.

Page 2

المقــــدمــة

عندما وصلني كتاب السيدة خلود خوري رزق للاطلاع والنشر، لما أكن أعلم بما يضم بين دفتيه من قهرٍ نفـسي، وتعبٍ جسدي، ومعرفةٍ جديدة..

فقط فكرت بـسرعة نـشره لعدة اعتباراتٍ إنسانية منها: أننا كعرب نرفض تلك الحدود المصطنعة بيننا..، وثانياً لأنها من فلسطينيي الداخل، وهم كالكبد في الجسد..

إذن لا بد من نـشره لإبقاء التواصل بين الأهل، وإرساء الروح الإنسانية التي جذّرتها أدياننا السماوية بغضِّ النظر عن ما نراه من سفسطة وجهلٍ بروح الدين وقيمة المجتمع الإنسانية..

اطلعت على الكتاب، وأدركت كم تعاني تلك المرأة العربية التي عليها أن تبني أسرةً متكافلةً متضامنةً ترتوي بالمحبة وتتغذى بالإيمان والقوة.. وسط بيئةٍ تعيش على السجية وتتطور بالصدفة وتترك الأقدار والتقاليد تتحكم بها..

إن أكثر اللحظات إيلاماً للأبوين حين يسمعا بأن طفلهما يحمل إعاقةً عقلية ستظل معه طوال العمر..

والأكثر إيلاماً جهل مجتمعنا بهذه الإعاقات ونواحي مسارها والخجل منها واستخدام مصطلحاتٍ غامضة لحماية الأسرة من الأقاويل وكأن جرماً قد وقع بفعلٍ فاعل..

لم تكن أم وسيم تعرف شيئاً عن هذا المسمّى "التوحُّد" وما زاد بتوهانها جهالة من اعتمد الطب كتجارةٍ أو مصلحةٍ حيث يزيد من متاهات مسار الأسرة والمريض.. فواجهت الواقع بمرارته وقسوته بمحاولة معرفة ماذا كان هذا الطارىء المفاجىء على الأسرة.. وكيف التخلص منه؟؟ مما سبب لها الكثير من المعاناة النفسية والجسدية والمادية والحياتية..

كان على هذه الأم، وهي أم البكر المنتظر، أن تعمل ليلَ نهار بكل إصرارٍ وعزيمة لهزيمة هذا الغاصب لاستقرار الأسرة، فكانت تبكي أحياناً، وأحياناً أخرى تعقد العزم على الصمود، وهي التي تعيش صراعاً مريراً بين عقلية الممرضة والمرافقة والمربية، وعاطفة الأم الجيّاشة المستعدة لأن تجرف كل شيءٍ في سبيل وليدها الذي لا ذنب له..

ما زاد في قهر هذه العائلة العربية وجودها القـسري في مجتمعٍ ماديٍ عنـصريٍ احتل بلدها وبنى على دم أمتها أمجاده وسعادته..، و بيئتها العربية المحيطة لم تكن تعرف شيئاً عن هذا المرض، وهي كذلك، لكنها جعلت من يديها أجنحة تحمل ذلك الطفل وتدور به بين الأطباء والعيادات شبه المتخصصة، ثم تعود لمنزلها لتعمل مرافقةً وممرضةً وأماً للإخوة وزوجةً للرجل الذي يعمل ليلَ نهار حتى يستطيع إكمال المسيرة مع تلك الصابرة...

أرادت خلود خوري رزق من نـشر هذا الكتاب أن يكون مدماكاً أولياً لبناء المعرفة حول التعامل مع هذا المرض و توجيه ربات البيوت ولفت نظرهم .. وليكون نبراساً وقدوة عن دور المرأة ومعاناتها مع مجتمعٍ لا يعطي للعلم قيمة بقدر ما يعطي للتقاليد والعادات البالية أهمية..

إنه إصرارٌ من امرأةٍ عربية أن تكون قويةً فكرياً وروحياً قبل قوة الجسد، لأن في قوة المرأة العلمية تماسكاً في الأسرة وازدهار، وهي الكفيلة ببناء مجتمعٍ ناشطٍ وحضاري ومتمكِّن من العيش بركب الحضارة الإنسانية...

فالمرأة العارفة لمحيطها لا يهزمها أي داهمٍ لمملكتها الصغيرة او لوطنها الكبير.

الناشر

Page 3

للخيال حقائق .. وللحقائق وهم .. أقنعة تتوّرد في كوانين .. وأصول تنصهر في تموز .. متناقضاتٌ نحن أولها .. وهي آخرتنا

في حياتنا، مشاعرٌ تتملكنا، تُميتنا قبل أن تُحيينا..، تجاربٌ نعيشها ونتساءل: هل تموت المشاعر فينا؟ فلا نُفرّق بين قُوّة التحمّل وزحمة الحياة والتعايش على مبدأ الهدوء.

كلما حسبتها فُرِجَت ضاقت حلقاتها...

تملّكني هذا الشعور منذ بداية المطاف الذي تجمّد فيه الإحساس، وعصره الألم بجفاف دموع الحُرقة.

تساؤلات راودتني وتراودني دائماً: على يَدِ مَن تُقتَل الأحلام ولماذا!، ويدُ مَن تشارك في جريمة حفظها القدر بين طيات الزمان؟؟..

حاولت استرجاع أيامي وأحلامي المُبعثرة هنا وهناك، مع الألم المُرافق لذكرياتي، حيث قُتل الأمل داخلي عند أوّلِ دخولٍ لنا إلى عيادات الأطباء وقضاء ساعات من الجدل بيني وبين أولئك الذين يرتدون الثوب الأبيض، والذين يحملون في صدورهم قُلوباً مُلَوّنة. هم يُحاولون إفهامي ما كُنت أرفض أن أفهمه؛ لا لأنني لا أعرف! بل لأنني أخاف معرفة ذلك المرض الذي نحاول أن نهرب حتى من ذِكرِ اسمه، ولو بـشيءٍ من الأمل.. نحاول أن نجد طرق المُعالجة الطويلة من مرضٍ رافق أعز الناس. إنه الزائر المجهول الذي أدمى القلب، لم أسمع به من قبل ولم يخطر ببالي أبداً.

Page 4

ولادة الحكاية

على اعتاب المخاض تولد الحكاية ، تستقبلها الحياة ، تتزعزع بين الذكريات ، تجري في انهار الامل ، تسمو بخصوصيتها نحو الافق

تجسّد الحلم مع أوَّلِ صرخةٍ وُلدت في مملكتي، إذ جسّده وليّ العهد الذي كان هو المولود الثاني لعائلةٍ وُصفت بالسعيدة. عقدنا الآمال..، بنينا هرماً من الأفراح والآمل يبثّ شعاعاً ساطعاً من الأماني...

لم أجد وصفاً يليق بتلك العينَين اللتَين حملتا أمانـي وجمالاً يختلفان كثيراً عن أقرانهما. حملتا نسيم الربيع الذي سبقه في الولادة. وُلد ليُحيي حرارة الشمس، يُقَدّس أشعتها حين تُلقي عليه التحيّة...

لقاؤنا الأول به حمل سعادةً ممزوجةً بشعورٍ يختلف عن إحساسنا بالمولودة الأولى التي سبقته بالوصول لمحطة الانطلاق في مسيرة لا يعلمها الا الخالق. غرس طابعاً خاصاً في وجداننا، وأخفى سعادة الدنيا خارجَ محيطنا ليزرعَها داخلَ قلبه فقط، جعل أيامنا بطيئةً، ولكنها كانت تحمل معها خوفاً ما من شيءٍ ما...

أخَوفٌ هو من الحب، أم من المستقبل المجهول، أو من نظراتٍ عابرة تجرح النفوس!؟ لا أعلم لماذا انتابني هذا الشعور، إنه إحساسٌ لم أفهمه ولم أستطع أن أزيله من مخيّلتي.

هو مَن رفض الحياة منذ الطلّة الأولى، حيث انتهز قوانينها ليجعل لها بنوداً خاصة بشخصه لا يفهمها أحدٌ سواه...

فمنذ الساعة الأولى رفض أن أضمّه إلى صدري لأسقيه حنان الأمومة، وفضّل غذاءً اصطناعياً ليرجعَه في الساعة الثانية على ثيابه، تلك الثياب التي أعددتُها خِصّيصاً لأصطحبه وهو يرتديها عند عودتنا لبيتنا الذي أُعِدّ لاستقبال الزائر الجديد بكل ما تحمله فرحة الاستقبال لكل زائرٍ مُنتظر.

حزنتُ كثيراً ولففته في ثيابٍ خُصِصَت للمواليد الجدد الذين يقيمون في المُستشفى فقط.

عُدنا أدراجنا إلى البيت، وبسمةً عريضةً تحتل وجه زوجي الذي عاش فرحة الحياة حين ناديناه بأبي وسيم، ولم يلحظ الخوف الظاهر في عيوني..

خلال أيامي معه تعلّمتُ أن الحياة تختلف عن البسمة، وأن الفم الذي يُعلن عن ضحكةٍ كاذبة تشهد للعالم بفضله، من الممكن أن يحتفظ لنفسه بأشياءَ كثيرةٍ مكبوتة.

اختلفت أيامه الأولى عن أيام هؤلاء الذين عشقوا الحياة... رفض الطعام وكأنه يحارب أسباب البقاء...

حملت هذه اللحظات خوفاً مبهماً وغريباً، تأكّدتُ من صِحته مع كل يومٍ يمر. هذا ما دعانا لإدخاله للمرّة الأولى إلى غرفة الأشعة لمعرفة سبب إرجاعه للطعام، وكان "الحل" وصفَ حليبٍ خاصٍ له..

Page 5

ها هي الأيام تُثبت صِحّة إحساسي.. كانت عيناه اللتان غاب عنهما البريق، تـشردان إلى ما وراء الأفق، مُحدقة في اللانهاية من الكَون. هكذا كنتُ أشعر بصمت، كم تمنّت أذني أن تسمع نغمات حنجرته الذهبية...

كانت ضحكاته وابتساماته تملأ الحياة دون سبب يُذكر، عَلِمتُ لاحقاً أنها علامة من علامات مَرَضه الذي أخفاه عن عيوننا بضعة اشهر..

لم أدرك في ذلك الوقت حجم المأساة التي ستواجهني أو التي أواجهها. يبدو أن الأيام التي تنتظرني ستكون شاقة أكثر، لكنني كنتُ عازمة عل حماية ولدي المبتسم الذي انتظرته طويلاً.. أجهّز نفـسي وأعدّ الأسلحة كي أحارب حالة لم أسمع عنها من قبل، لكني عشتها بحذافيرها لحظة بلحظة..

هو بطل أحلامي.. ذلك الطفل الذي باتت رؤيته أمراً يُحيي غضباً مستكيناً... الآن، وأنا أذكر ملامحه، أذكر احتلاله للمساحة الأكبر من حياتي، ولم يترك أي فراغٍ لـشيءٍ آخر. شغلت عيناه مهام لسانه فبات يُعبّر بهما عن الحزن والفرح، عن الغضب والألم في آنٍ واحد، كأنهما اختصرتا ألم وسرور الدنيا داخلهما فقط...

هل من عدل القدر أن أكون أمّاً لا تسعد "بنغنغات" وتلعثم حروف مولودها؟..

عجز لسانه عن الكلام، وَدَخل في صمتٍ تُحَرِّكه بعضُ صرخاتٍ بين الحين والآخر، وُلدت عندي أزمةٌ مباغتة دون أن أرى لها نهاية. في بداية الأمر، لم أدرك السبب الأساسي لِعدَم إطلاق سراح الحَرف وتأخّره عن الكلام مثل باقي الأطفال... نظراته اختلفت كثيراً وأصبح لغزاً يحتاج إلى حل!

الآن، اشتقت إليه حقاً.. تمرّ الأيام وأنا عاجزةٌ عن الذهابِ لرؤيته خوفاً من الألم الذي يسكنني.. لستُ الأم الوحيدة التي عاشت مع طفل التوحّد، فقد علمتُ مؤخراً أن مرض التوحّد منتـشرٌ ومعروف، وتُجرى إلى يومنا هذا أبحاثٌ لكشف سره وأسبابه.

منذ أن تنبّه العلماء للأعراض التي سمّوها فيما بعد التوحّد، ما زالت الأسباب غير معروفة بصورةٍ دقيقةٍ وثابتة (وأحياناً مبهمة)، وذلك لِعدم وجود عارض بعينه، وإنما هناك مجموعةٌ من الأعراض تختلف من حيث الشِدّة وَالنوعية من طِفل إلى آخر، ومن حالةٍ لأخرى، وأن هناك فَرَضياتٍ مُتَعدّدة تُعنى في أسباب التَوَحّد، وَلَكِنها سُرعان ما تَنهار أَمام الفَرضِيات الأكثر حداثة.

أعود بذاكرتي إلى أربع عـشرة سنة مرت، هي عمر ابني وسيم، الذي جمع ما بين دموع الآن وقهقهة الزمان. إن ضحكه المستمر بسبب لا شيئ وبكائه المتواصل دون أسباب، ظنّه البعض أنه طفولي، لكنني وحدي ووالده (بشعورنا الفطري الداخلي) عَلمنا ما يخبّئ داخله؛ إنها دموعٌ حارقة يحارب بها عالماً لا يريده ولا يجد لذاته مكاناً فيه.

منذ الأشهر الأولى لولادته وأنا أبحث عن سببٍ واضحٍ لعدم تجاوبه مع نغماتي... أغنيات ربيعي الذي انطفأ وولّى ليترك مكاناً لخريفٍ قادمٍ دون استئذان من الصيف الحار...

كان حلمنا، أنا ووالده، يتلاشى في عيون المُقرّبين، أصحاب النظرة اللائمة وتعابير الوجوه الـسريعةِ الغضب. علامات استفهامٍ تجول في خاطرهم عن سبب اختلافه عن باقي الأحفاد، لم يكتفوا بحكم القدر لكنهم تعمدوا دائماً باتهامنا بأسباب مرضه الذي لا نعلم عنه شيئاً..

في أصل الحكاية لم يكن في عائلة وسيم الكثير من الأفراد (العزوة) كما سماها العرب القدامى، كان وسيم الطفل الذكر الثاني في عائلةٍ تترجى النهوض بأبنائها حيرة جده الذي تمناه الحفيد الأفضل تكـسر ضلوعي ألماً، كما أضناني حزن والدي الذي يخبئه عن كل الناس إلا ناظريَ....

Page 6

رحلة البداية

نحن لا نكتب عن الحياة هي من تكتبنا بضمير الغائب

ذهبت في زيارةٍ إلى طبيب العائلة، لوهنٍ أصابني، متجاهلةً برد الشتاء القارس. كان وسيم لم يبلغ شهوره السبعة بعد، في ديسمبر سنة 2000. حملتُه معي لأني لا أود مفارقته حتى عند الطبيب، كانت نظرات الطبيب مُوجّهة نحو طفلي وهو يكتب لي وصفته الطبية. كان غارقاً في فكره وقال لي:

"هذا الطفل يعاني من مشكلة ما.. إبحثي الأمر عزيزتي".

تلك كانت الصدمة الأولى في رحلتي.. رحلتنا نحن وطفلنا.

يبدو أن المتألم وحده يحمل ثقل أَلَمه..

لم أتذكر من كلمات الطبيب الكثيرة التي أظهرت خبرته ومعرفته سوى القاسي منها، والذي ترك أثراً عميقاً في نفسي.

في أعقاب هذه الزيارة بدأنا، أنا وزوجي، بالبحث عن مراكز متخصّصة لإدراك ما يحدث مع طفلنا، ولنتعلم قليلاً عن كيفية التعامل مع طفل التوحّد دون إيذائه أو زيادة ألمه، لأنه يحتاج – وكان هذا واضحاً - لكثيرٍ من الاهتمام وقليلٍ من الحَيرة.

كانت رحلتنا شاقةً ومريرة، وأثر علقمها ما يزال في فمي وكياني..

كدتُ أنـسى أنني أعيش وسط عائلة، واقتـصر تفكيري واهتمامي وحياتي في الاهتمام بالـسرِّ العظيم الذي تجسّد في طفلٍ لم يكمل السنة الأولى بعد من حياته...

في نهاية السنة الأولى تردّدتُ كثيراً إلى مراكز علاج النطق، ظناً منا أن المشكلة لا تتعدى التأخر البسيط في الكلام، وعشنا على أمل شفائه من مرضٍ لم نعلم بوجوده بعد..

مرّت أيامنا جافةً ومليئةً بعلاماتِ استفهامٍ لا حصر لها..

في احتفال يوم ميلاده الأول، تمنّى الأصدقاء والأقارب أن يتلفظ طفلي ببعض الأحرف في سنته الثانية.

أخذتُ بالإبتعاد شيئاً فشيئاً عنهم، عن هؤلاء الأصدقاء والأقارب، وأنا التي أحب كثيراً الحياة الاجتماعية والاختلاط .. وارتبطتُ فقط بأسرتي التي كنتُ بحاجةٍ لها أكثر من حاجتي لأي مخلوق على وجه الأرض.... وأكثر من أي وقتٍ مـضى، شعرتُ أنني بحاجةٍ لالتفاف الأسرة حولي.. والاهتمام بهذا الزائر الذي لا يريد، أو لا يستطيع أن يكون سعيداً بيننا.

Page 7

السنة الثانية

لاجلك احببت الوجود

علمتني ان للصمت حدود

اجتمعت فيك صفات الورود

اهديت ايامي لك

اقيم صلاتي بين المغيب والسحور

اعي وادرك ما اقول

لي الانتظار .. ، ولك الروح

ولربي صلاة سجود

تقترب ثقيلةً جافةً وباردة، تحمل معها هماً يفوق مدى صدمتي في السنة الأولى. هكذا شعرتُ حين أدركت ماهية هذا المشوار الطويل الذي يفصل بيننا وبين الحياة بصورة منتظمة. أذكر تلك الأيام جيداً كما اليوم، تعيشني كما أعيشها..

بدأ وسيم يخطو خطواته الأولى بثقةٍ فوق الأرض، كانت ابتسامته تملأ الدنيا أمانياً لا تتكرر، لكنه اكتفى بها بدل الكلام، لم يُعِر اللغة اهتمامه. كان تفكيرنا منصباً بتطويره، وقدّرنا أن المشكلة الأساسية تكمن في الكلام والقدرة على النطق. ودخل الشك في قلوبنا، هل يفتقد وسيم نعمة السمع أيضاً، ولهذا لم يقـوَ على الكلام؟ إنه لا ينظر إلى عيوننا ولا يتجاوب مع توجيهاتنا المستمرة.

كان علينا الـشروع بخطواتٍ ملائمة للعلاج، فبدأنا بزيارة طبيب الأطفال الذي كان له دوراً هاماً في نظرتي للبـشر لم تُسعفه خبرته وعلمه الطَويل من اتخاذ طريقةٍ لَبِقة للتعامل من ذوي الاحتياجات الخاصة..، ففي زياراتنا الكثيرة إليه كان ينبغي أن أنتظر المرضى الذين سبقونا إلى عيادته، في الأوضاع المُتعارف عليها أقبل هذا، أما في حالة وَسيم الذي لا يَستقر في مكان، في أغلب زياراتي كنت أعود أدراجي إلى البيت دون أن أعالجه لأن الجالسين يرفضون منحي دورهم، والطبيب رفض إعطائي هذا الحق من ضمن صلاحياته.

Page 8

هُو الطبيب الفذّ صاحب القدرات الهائلة عجز عن تشخيص حالة وَسيم وما كان منه إلا بوصفها تأخر في النمو العقلي وأسهب قائلاً:

"مش ضروري يطلع دكتور متلي بكفي ينزل ع "مفراتس" (منطقة صناعية) للعمل وهذا يكفي.

بين ثقته الزائدة وخبرته الكاذبة عزمت على تغيير الطبيب ورفضت معاني الشفقة وجرح النفس..

كانت طفلتي، التي تكبره بسنتين، تتمتع بقدرات جسديّة وذِهنية فائقة وذكاءٍ غير محدود. أحسّت ولاحظت بوجود أزمة في العلاقة مع أخيها، وهي لم تتعدّ الأربع سنوات بعد. أخذت تتساءل عن سبب عدم تمكّن أخيها من التكلم معها، ولماذا لا يشاركها اللعب مثل باقي الأطفال. هي الأخرى اشتاقت لصوته مثلي. كانت عيونها تدمع رغم أنها اخفتهم ببراءتها، فقد وُلدت في بيتي أمّاً ثانية مع ولادة مشكلة يكاد حَلها يَبتعد كثيراً عن الواقع.

توجهنا إلى مركز لفحص السمع وكانت النتيجة إيجابية، فهو يسمع حتى رنّة الإبرة كما وصفه المختص، فلماذا إذن التأخر في النطق!!؟ هذا ما أربكنا أكثر وجعل الحزن والحيرة يأخذان مساحة أكبر في حياتنا.

اليوم، مع فنجان قهوتي، وحيث الأبواب مـشَرعة على مـصراعَيها، تَجول في خاطري ذكرياتٌ مضت، حينما كان شُغلنا الشاغِل هو إغلاق الأبواب خَوفاً على وسيم من الخروج إلى الشارع، لأنه ببساطة عشقَ الأماكن المفتوحة ليجري بِها دون هدف. لم أدرك آنذاك أسباب عِشقه لهذه الأماكن.

آثرتُ أن أُدخله إلى الحضانة في عُمر السَنَتَين، رغم أنني لم أعمل في حينه خارج البيت، إلاّ أنني فضّلتُ، بتَوجيهٍ من عاطفتي، أن يختلط مع الأطفال، عساه أن يتعلم منهم بعض الحروف، وقد رحّبت المربية في بداية الأمر بوسيم وبفِكرة وجوده بين أولادها...

بدأ وسيم بالخروج من البيت صباحاً والعَودة مع التلاميذ ظهراً. اكتَنفتني السعادة المؤقتة. شَعَرتُ لأول مرةٍ بأنه يشبه الأطفال أبناء جيله. كان الوقت الذي يقضيه خارج البَيت بمثابة هدنة أختلي بها مع ذاتي وأرمّم أفكاري علّني أجد حلاً لحالته، وبدلاً من إكمال دراستي والبحث عن المعرفة، قضيت هذا الوقت في النوم العميق.. لا أعلم هل هو هروبٌ أم استعدادٌ لبقية نهارٍ شاق ينتظرني؟!

في الاجتماع الأول مع مربية الحضانة، اقترحت المربية أن نتوجه بوَسيم إلى مراكز العلاج بالنطق لمساعدته على لَفظ بعض الحروف، وأضافت إنه يعاني من مُشكلة الحركة الزائدة، فهو يتمتع بصحة وافرة والحمدلله، لم تنجُ منه المقاعد ولا الطاولات المُعَّدة للتعليم والرسم لأنه اعتبرها وسيلة لتفريغ طاقته والصعود من خلالها إلى أقرب منفذٍ يرى منه أماني النهار خارجاً.

Page 9

لم أجد حلاً أنسب من اقتراح المعلمة التي حَمَلت عبئاً بوجود وسيم بين تلاميذها. توجّهنا أنا ونجيب (والد وسيم) بطلبٍ إلى مركز تطوّر الطفل وانتظرنا دعوةً منهم للفحص والإرشاد..

في هذا الوقت كنا نفكر في حقيقة الوضع وأسبابه. كانت أماني (شقيقة وسيم) تعيش مرارة الحدث معنا..، تتألم بصمت وتبتسم ببراءة.

أخيراً وصلتنا الدعوة إلى مركز تطوّر الطفل ولقاء الطبيب المسؤول للبدء بخطواتٍ سريعة وتحسين ما صنعته فجوة الأيام.

كان الموعد صباحاً. استيقظنا باكراً لنسافر إلى حيث الأمل الذي سينقلنا إلى الضفة الثانية من حياتنا..، صامتين ركبنا السيارة التي بدأت تتهادى بمشوارٍ بدا لي طويل المسافة. أغمضتُ عينيَّ ورُحتُ أفكر في الكلام الذي سيقوله الطبيب، ولم استيقظ إلا في لحظة وصولنا إلى المركز. "لقد وصلنا.. استعدوا للنزول" ردّد نجيب..

كان الطبيب المتقدّم في السن بمثابة جَدٍّ آخر لوسيم. استقبلنا ببسمةٍ عريضة ودعانا للجلوس مُراقباً تَـصرُّفات وسيم وتحرّكاته في الغرفة الصغيرة. ومع كُل مُحاولةٍ مني بإمساك يَد وَسيم، ولَو لِثانية، لكي يَجلِس بَهُدوء، كان الطَبيب يرمقني بعينيه. فهمت هدفه من النظرة الأولى: "أُتركيه يَفعَل ما يشاء" ردَد بإصرار، واستَمر بفحص وسيم من رأسه لقدميه. وبعد نصف ساعة، قرر أنه لا يعاني من أي مشكلة عضوية، وأن ما يحتاجه هو العلاج بالنطق والتشغيل. لم يواجهنا بحقيقة مرض التوحّد في ساعتها، بالرغم من اكتشافه له من النظرة الأولى...

هكذا تكون البدايات صامتة دون ألم ودون أفراح. تُعَلِمنا مَعنى الصَبر، تَغفِر لَنا زلاتِنا، لِنَخطّ صِعابنا فوق ورقة بيضاء دون المَساس بأخطاءٍ ماضية، رُبَما لأنها لا تَحتَمِل مشقات الماضي والحاضِر معاً...

مَع جُرعاتٍ قليلة من الأمل، واظبنا على زيارة مركز العلاج بالنطق أسبوعياً على أملِ الشفاء. لقائي الأول بمعالجة النطق كان خاصاً جداً، كانت جميلة المظهر صغيرة السن هادئة الأعصاب وتشاركني بعض الصفات إلا درجة الحرارة، فهي تشاهد يومياً الكثير من هذه الحالات... الألم لا يزعجها ولا يترك في نفسِها أثراً. هذا هُوَ الفَرق المَلموس بَين الإحساس بالألم الذي أَشعر به والعَمل التي تَقوم به كلما دخل إلى عيادتها على الرَغم من إنسانيتها وطول أناتها....وطالما رأينا أن ثمرة هذا العمل تُزهِر بشكل بطيء جداً.....

Page 10

وأخذ الأمل يتراجع

الحياة تحمل اكثر من الأناقة والجمال ..

انها تخفي الكثير داخل إناءٍ مزخرف

يتخفى جماله بملامسة الحقيقة

لاحقتني المُعالِجة بنظراتها الباردة القلقة تحاول الإبحارَ في نهر دموعٍ تجمّد بين جفوني. اقترحت عليّ أن أنتظر بالخارج ريثما تنهي جلستها. رَفَضَت الاعتراف آنذاك أنها فقدت القدرة على العمل بوجود عينين تائهتين.

قرّرت إيمان المعالجة تحديد جلساتٍ أسبوعية حتى يتسنّى لها إصلاح ما يمكن إصلاحه، واقترحت علينا متابعة أخصّائية نفسية لتوجيهنا لكيفية التعامل مع وسيم بحذرٍ ومهنيةٍ أكثر...

لقائي مع الاخصّائية النفسية كان بمثابة تجربتي الثانية في استقاء جرعات ألم الحياة. وجدتُ نفـسي أمام سيّدةٍ أنيقة مبتسمة نظرَت إليّ نظرة تختلف قليلاً عن باقي الحالات. وجدتني ابنة الرابعة والعـشرين أسأل بشغفٍ عن طرقٍ للتعامل مع وسيم، ربما أنا بحاجةٍ للعلاج قبل المعرفة...

استقبلتني نـسرين الاخصّائية ببسمةٍ ساحرة وَصلتْها بكلماتٍ كثيرة لا أذكر منها الّا جُملةً واحدة باتت مأثورة بالنسبة لي: "الحياة تحمل أكثر من الأناقة والجمال، إنها تخفي الكثير داخل إناءٍ مزخرف يختفي جماله بملامسة الحقيقة".

كل الكلام الذي تفوهت به كان عادياً بالنسبة لي، سمعته كثيراً "الصبر، وقوة الإرادة والحياة التي تحمل كثيراً من الألم وكيفية التعايش معها". أما وصفها للحقيقة والجمال تجذّر في فكري ولم يخرج منه إلى يومي هذا..

على هذا المنوال بقينا ما يقارب العام، تجلّى الأمل خلاله مع كل شروقٍ للشمس واختفى مع كل غروب لها. مع بداية ظهور تعب النهار، لا نتائج تُذكر عن العلاجات الكثيرة التي واظبنا عليها، ونظرات من يحيطون بنا تنقلنا إلى عالمهم وحزنهم..

انتهى العالم بانتهاء آمالنا، بين نظرات الشفقة والغضب التي تلُفّنا والتي باتت تافهة، فأنا لا أبالي بنظراتهم السطحية فهي لم ولن تفهم عمق مشاعري تجاه وسيم وحزني عليه.