Page 1
تـقـديـم
مثلما تأخذني الأحلام أخذتني هذه الرواية في عالمها الذي يشبهنا·· بسهولته الممتنعة العصية على تفكيك شيفرته··
أمنية قبل الموت تحوك أحلام حواء، بكل صخبها وانتظاراتها وخيباتها وانتصاراتها·· ثم تمزقها لتولد من جديد بأبهى حلة، وتحل ألغاز الروح لتخلق المزيد من الألغاز··
استمتعت بهذه الرواية كطفلة تقرأ إحدى قصص الخيال·· أميرة محبوسة في جسدها تحررها ربى الدرع في هذه الحكاية؛ لتجعل منها كتاباً سحبني من أول كلمة ولم ينج مني حتى الكلمة الأخيرة·
ري عبد العال
شاعرة وقاصة سورية
رواية مميزة، تجعل للكاتبة نفساً خاصّاً بين الكتّاب لا يضيـع، مزجت فيه بين الواقع والخيال والأسطورة مزجاً لذيذاً ما زال طعمه بين عيني وفي خلايا عقلي·· وليت المذاق يطول···
حالة من الصفاء والتحليق فوق عالم البشر أخذتني إليها الرواية، فانكببت على قراءتها في جلسة واحدة، وتمنيت أن لا أقوم من مجلسي لأرتطم بواقع الحياة· فقد أبكتني وجعلتني أتمنى·· وأتمنى لو تتحقق أمانيَّ كياسمين، ويكفيني من هذه الرواية صدق الإحساس، ونبل الكلمة والغاية وشفافية الروح والرغبة·
حنان أسد
كاتبة سورية
مثلما تأخذني الأحلام أخذتني هذه الرواية في عالمها الذي يشبهنا·· بسهولته الممتنعة العصية على تفكيك شيفرته··
أمنية قبل الموت تحوك أحلام حواء، بكل صخبها وانتظاراتها وخيباتها وانتصاراتها·· ثم تمزقها لتولد من جديد بأبهى حلة، وتحل ألغاز الروح لتخلق المزيد من الألغاز··
استمتعت بهذه الرواية كطفلة تقرأ إحدى قصص الخيال·· أميرة محبوسة في جسدها تحررها ربى الدرع في هذه الحكاية؛ لتجعل منها كتاباً سحبني من أول كلمة ولم ينج مني حتى الكلمة الأخيرة·
ري عبد العال
شاعرة وقاصة سورية
رواية مميزة، تجعل للكاتبة نفساً خاصّاً بين الكتّاب لا يضيـع، مزجت فيه بين الواقع والخيال والأسطورة مزجاً لذيذاً ما زال طعمه بين عيني وفي خلايا عقلي·· وليت المذاق يطول···
حالة من الصفاء والتحليق فوق عالم البشر أخذتني إليها الرواية، فانكببت على قراءتها في جلسة واحدة، وتمنيت أن لا أقوم من مجلسي لأرتطم بواقع الحياة· فقد أبكتني وجعلتني أتمنى·· وأتمنى لو تتحقق أمانيَّ كياسمين، ويكفيني من هذه الرواية صدق الإحساس، ونبل الكلمة والغاية وشفافية الروح والرغبة·
حنان أسد
كاتبة سورية
Page 2
ياسمين
استلقت مدينة حلب الوادعة الهانئة في إحدى ليالي أكتوبر الصافية، فوق هضبتها ونامت باستغراق شديد، فغفت عيون بساتينها الخضراء، وحل الهدوء في أوردة أنهارها وشرايينها، وانسدل شعر ليلها الطويل فوق كل المدينة، ليُعلِن نهاية يوم طال انتظاره·
وبالرغم من كون غدها ذاك عطلة رسمية لكل البلاد ومشارفها، ورغبتها هي شخصياً في النوم طويلاً حتى علو شمس نهارها بعد يوم طويل من العمل والتّجهيز، إلا أنها استيقظت باكراً جداً·
فقد ارتفعت أصوات التكبير والتهليل في مساجدها العتيقة بتناغم لا يحدث إلا مرتين كل عام، وأقبل إليها الناس، رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخاً، في منظر بديع·· وكلما امتزجت أصوات المؤذنين بعبارات .الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، الله أكبر، الله أكبر···.، كلما اختشعت نفوس البشر، وامتلأت فرحاً وحبوراً·
في بيت صغير بالمدينة، لم يشارك أهله تلك الفرحة، إلا بإنصاتهم لما يصل أسماعهم من تلك الجلبة المحبّبة···· كانوا مشغولين بأمر آخر جلل·· فالزوجة، في حال مخاض متعسّر، تهلل وتكبّر، علّ الله يُيسّر لها هذا الألم الذي لا يشابهه ألم·· والزوج، الذي طال انتظاره للولد، إلى أن ملّه الانتظار نفسه، كان في حال يرثى له من القلق والكدر، يبتهل بدعاء السلامة· حتى الخروف الذي أعدّ للأضحية، ذلك العيد، كان في حالة غضب شديد، أهاجه طلوع النهار، في بيت غير بيته، جعله ينطح كل مكان في البيت امتدت له المسافة التي استطاعها حبله المربوط بأحد أعمدة فناء الدار، فكان على استعداد أن يحطم البيت لو استطاع ليعود فقط إلى حظيرته·
Page 3
في المقابل كانت الوليدة تُدافع للخروج للحياة، فهي في بيت جعله الله لها كأجمل ما يكون، فلماذا تنزل إلى تلك الحياة الصعبة القاسية؟! والأم في تلوٍّ، وشهيق وزفير قاتلين، تريد الخلاص، بأي شكل من الأشكال، قد أنهكها طول الألم واشتداده·· حتى نزلت رحمة الله بفضل ذلك اليوم على الجميع، فانتهى مخاض الأم بولادة محت من ذاكرتها تلك الشدة، وجاء للبيت من أراح الخروف من عذاب غربته عن بيته، وفجأة لم يعد يُسمع صوت في البيت سوى بكاء الطفلة، يعانق أصوات التسبيح والتهليل، فكان لذلك العناق الروحي أثراً كبيراً على كل من حضروا هذا المشهد، فانهمرت أعينهم بدموع الفرح وانقضاء ساعة الهم والغم، وأخذوا يفكرون باسم للوليدة، يكون له شأن ولادتها نفسها، فاحتاروا، وكثرت الخيارات أمامهم، وتعالت أصواتهم المبتهجة، الضاحكة، إلى أن قالت الأم: .لطالما تمنيت أن يكون عندي ابنة جميلة كزهور الياسمين، تملأ رائحتها الزكية الدنيا بأسرها·· أريد أن أسميها ياسمين، تلك الزهور الفوّاحة العطرة.
ورثت الفتاة عن أمها، لون عينيها العسليتين الواسعتين المخضبتين بالخضرة، شعرها الأسود الطويل، ملامحها الدقيقة اللطيفة، قوامها الممشوق النحيل، لون بشرتها القمحي المُشرق الذي لا يعكر صفاءه سوى تورّد وجنتيها الدائم، وورثت عن أبيها فمه الممتلئ الصغير، أنفه القوقازي، حاجبيه الدقيقين، رشاقته، ومرونة حركته، ابتسامته العزيزة، همته العالية، نظرة عينيه الثاقبة، وكانت في أخلاقها أقرب لأمها من أبيها، فقد أخذت عنها انفتاح عقلها وتنوّره، نشاطها، واستدراكها السريع للأمور، حاستها السادسة القوية التي دأبت على تدريب ابنتها عليها، وتقوية بصيرتها وغرائزها تجاه مواقف الحياة المختلفة·· ومع أنها خُلقت إلى ذلك بحياء وحساسية شديدين، إلا أنها كانت جريئة، متحررة، وارتجالية، لا تأبه لأحد، كما لو كانت امرأة في الأربعين، ولم يكن للأبوين ذلك الخلق أبداً، بل كانا مستمسكين بعُرى المجتمع وقوانين التقاليد إلى أبعد حد·
Page 4
كانت فرحة الأهل تكبر يوماً بعد يوم وسنة تلو أخرى؛ لاشتداد عود ابنتهم الوحيدة، وتميّزها بين أقرانها، فكانوا يولونها كل الاهتمام، ويحرصون على تعليمها، وتربيتها خير تربية، فنشأت متقدة الذهن، منفتحة العقل، محبة للمعرفة، قارئة، كاتبة، كثيرة الأسئلة، وكانا لها خير مجيب وطبيب، فلم يُرزقا بولد غيرها، ولم يكن لهما همٌّ بعد تأمين لقمة العيش سواها·
واختارت الشابة الحسناء، دراسة الأدب الإنجليزي، وانطلقت للجامعة، مع بنات جنسها وسنها، كل حسب هدفه، ومستواه الفكري، ففرح الأهل بقذفها إلى عالم الناس الحقيقي، لتكتشف وحدها عناصر الحياة الفريدة، وتتعلّم بنفسها كيفية التعامل مع الواقع·
.لقد أفسداها بكثرة الدلال، فأصبحت جانحة الخيال، متمرّدة، متنمّرة. كانت إحدى الحاضرات تقول، في اجتماع شهري للثرثرة بين فتيات الجامعة، ردت عليها أخرى وهي تضحك:
.ألا تذكرين موضوعها الإنشاء في الصف العاشر···.، ولم تستطع إكمال جملتها من فرط نوبة الضحك التي انتابتها، فأكملت لها صديقتها، وهي تقلّد باستهزاء ياسمين حين قامت تقرأ موضوع الإنشاء الذي كتبته على مسامع من الطلبة:
- .في أجمل مكان يمكن أن يوجد فيه المرء بين السماء والأرض···.
- إذاً تذكرين .موضوع مدينة أتمنى زيارتها.
Page 5
- الغبية، تريد أن تذهب إلى مدينة في سويسرا! وكأنها بنت الباشا!
- يتمنى المرء زيارة لبنان، دمشق، السعودية، لكن مدينة في سويسرا!
وعادت للقهقهة، لدرجة جعلتها تتلوّى من ألم في معدتها، من كثرة ما ضحكت رغماً عنها، فقالت الصديقة:
- يتمنى المرء أمانيَ منطقية، يستطيع البوح بها للناس، يسمح لنفسه باستدراجها لصندوق الأماني الخاص به دون خجل، يحاكي بها نفسه، ويسعى لتحقيقها، أمّا سويسرا؟!···
وعادتا للضحك مجدداً، لدرجة جعلتهما أشبه بمتعاطي الحشيش بين الجمع المحتشد، لكنهما خفّفتا من نبرة حديثهما، وانتقلا لصيغة أكثر رزانة، فقالت إحداهما:
- ألا ترين كيف هي مكبّة على دراسة الإنجليزية، ليل نهار، تتكلّم بلغة الأعاجم، وكأنها ستصبح منهم؟
- فلتذهب إليهم ما دامت شغوفة بهم؟
- تقول أمي: .إنها مثل أمها، لقد كانت أمها كذلك قبل أن تتزوج بأبيها، متمردة على التقاليد، جانحة الخيال، ولكن بعد الزواج···
ضحكت وقالت وكأنها حكيمة، تبلغ من العمر تسعين عاماً:
- ألا ترين كيف تصبح فتاة عادية بعد الزواج في مجتمعنا، تصبح جارية صغيرة·· فكيف بفتاة مسترجلة؟
Page 6
- وأمها···؟
- أمها أصبحت ككل الفتيات بعد الزواج، مسلوبة الإرادة والتفكير، لا تستطيع أن تتصرف إلا بمشورة زوجها وأهل زوجها، وحتى أحياناً المجتمع كله·· ولذلك فقد باتت مقموعة، وضعيفة، لدرجة جعلتها أضحوكة بين النساء··
- الغبية، لا يجدر بها تربية ابنتها على سجيتها تلك، ألم تستفد من خطئها؟!
- عندما تتزوج ياسمين ستصبح مثل أمها·· هذا إن تزوّجت!·· وإن حدث ذلك فحتماً سيكون الطلاق، نهاية عاجلة لذلك الزواج·
كانت الصديقتان تتكلمان بنهم بالغ، وهما تنهشان لحم ياسمين بحديثهما، وتضحكان دون أن تفطنا لوجود نوال، إلى جانبهما تستمع بازدراء شديد لذلك الحديث·
خرجت نوال فوراً من ذلك الاجتماع وقد عزمت على تنبيه صديقتها ياسمين، إلى تلك الأمور، دون أن تجرح مشاعرها، فانطلقت إلى بيتها، وبعد أن حيّت والدتها، طرقت باب غرفتها، ودخلت·· قامت إليها ياسمين والفرحة تملأ عينيها، وقالت: .أهلاً نوال، سررت جداً لقدومك، أنا مشتاقة لك كثيراً.، ردت نوال:
- أهلاً بك، وأنا أكثر··
وبعد أن تبادلتا كل كلمات المجاملة، قالت نوال:
Page 7
- ياسمين·· بماذا تحلمين؟!
ضحكت ياسمين بهدوء، وقالت:
- أحلم بالكثير·· كثير جداً من الأشياء!
- مثل ماذا؟
قالت ياسمين ممازحة، ضاحكة، وبشيء من التهريج:
- مثل أن أحضر مسرحية .هامليت. يؤدي دوره فيها آدم بورتمان الممثل الموهوب! على مسرح برودواي بمدينة نيويورك!
ولمّا انتهتا من الضحك، قالت ياسمين:
- ولكن لماذا تسألينني هذا السؤال الغريب، والآن، هل حدث شي؟
- لا·· فقد·· تذكّرت اليوم موضوع الإنشاء .مدينة أتمنى زيارتها.؟
- نعم أذكره·· في الصف العاشر·· ما به؟
- قصدت هل ما زلت تؤمنين بما قلتيه ذلك اليوم؟
ضحكت ياسمين بهدوء مجدداً، بينما كانت الصديقة برزانتها المعهودة تنتظر كل إجاباتها بسكون طويل، إلى أن قالت:
- طبعاً أؤمن به، ولا زلت أحتفظ بكل دفاتر الإنشاء، لجميع سنواتي الدراسية·· إنها ارشيفي الأدبي···
Page 8
- أقصد·· خيالك الواسع··· سويسرا!
ابتسمت ياسمين في وجه الصديقة المحببة، فقد عرفت بإحساسها، قصدها من هذا الحوار منذ البداية، وتمنت في نفسها لو دخلت في الموضوع مباشرة، وأسرّت لها بما تتناقله الفتيات عنها وقالت:
- لذلك خُلق الخيال·· لنستخدمه!
تلعثمت الصديقة وقالت بتردد:
- لكن لأمثالنا··· يجب أن يكون هناك حدود لخيالنا·· سويسرا بالنسبة لنا كإلدورادو··
قاطعتها ياسمين بهدوء، وتعطّف:
- سان موريتز، ليست كإلدورادو، إنها موجودة، وما دامت موجودة يحق لأي إنسان على سطح البسيطة أن يتمنّى زيارتها، فأرض الله ليست حكراً على أحد·· وعلى فكرة حتى إلدورادو قد تكون موجودة، والبحث عنها جارٍ حتى هذه اللحظة!
- كم أنا معجبة بك ياسمين·· عالمك الخاص يجذبني لشخصك يوماً بعد آخر··
- وأنت صديقتي الوحيدة··
- هيا نتمنى أمنيات، نقيّدها على الورق، ونطلق عنانها في السماء··
Page 9
- بالطبع·· هات ذاك الكتاب الموضوع على ناصية السرير·· سنكتب عليه أمانينا، وسيكون شاهداً على كلامنا!
كانت الفتيات المتخرجات من الجامعة، كعقد لؤلؤ منظوم، انفرط فجأة بين يدي منضّده، فأقبل الخاطبون ينتقون ويتخيّرون من لآلئه التي لن تعود لسابق عهدها أبداً، وكان نصيب ياسمين ونوال من أولئك .الغربة.، وبالرغم من اشتداد كرب الأم والأب للبُعاد الذي سيقض مضجعهما، إلا أن ياسمين كانت أقل كدراً منهما، بسبب ذهاب نوال معها إلى دبي، فهما كالأخوات، وكان عدنان خطيب ياسمين، مهندس معماري، انتقل للعمل في دبي منذ سنتين أو ثلاث، ولم تكن الأختان سعيدتين بالخطيبين، قدر سعادتهما أنهما لن تفترقا كحال باقي الزميلات، وإن كانت نوال قد أحبّت خطيبها فريد حباً جماً، إلا أن ياسمين، لم تستطع أن تُحب عدنان، رغم أنه تقدّم لخطبتها بإلحاح ثلاث مرات، طوال فترة دراستها الجامعية، وكانت ترفضه بحجة رغبتها في استكمال تعليمها، إلا أن ذلك لم يكن السبب حقاً، فقد بدا لها من أول لقاء بينهما، فظّاً، غليظاً، لا يتمتع بأي قدر من الوسامة، والأهم من ذلك لم يكن لديه الحد الأدنى من الشاعرية التي تنشدها الفتاة في رفيق دربها، وكانت كلما أقدمت على فسخ خطبتها، لامها المقربون، .من أين ستجدين زوجاً مثل عدنان·· إنه رجل عظيم الشأن·· من عائلة محترمة·· ولديه كل ما تحلم به الفتاة·· فهو على خلق، ودين·· ناهيك عن حبه الكبير لك···.
ولمّا أن حانت ساعة السفر إلى دبي·· جاءت الأم إلى غرفة ياسمين مساءً، وجلست قبالتها، وقالت لها بحزم:
- ياسمين·· إن لم تحبي عدنان، فهذه فرصتك الأخيرة لقول كلمة .لا.
- لا أعلم يا أمي، شيء يقربني منه، بالرغم من وجود مئات الأشياء التي تبعدني عنه·
- إن لم تريديه يا ابنتي فقولي ذلك الآن، ولا حرج·· ما زلت على بر الأمان·· ولن يلومك أحد·
Page 10
- لكن كل من حولي يصرّون أنني لن أحظى بزوج أفضل منه·
- لا يا ابنتي، أنت وحدك من تقررين ذلك، ولا أحد غيرك، أنت صغيرة، وجميلة، ومتعلمة، لن يحظى أي رجل بأفضل منك، فلا تقللي من شأنك·· وفكري بعقلك، وقلبك، وإحساسك العميق بالأشياء، واسأليهم جميعاً، هل حقاً أريد أن أتزوج هذا الرجل؟
وغادرت الأم غرفة طفلتها ودمعة كبيرة رافقت ليلتها تلك كنهر جارٍ دون توقف، وتركت ياسمين في عالم آخر غير عالمها·· عالم ضبابي من التفكير، والحل والعقد·
ولمّا دقّت الساعة الثانية ليلاً، كان كل من في البيت يقف على رجليه، فهي ساعة الرحيل، والطائرة ستقلع السادسة صباحاً، ويجب أن يكونوا في المطار في أقرب وقت ممكن، وكانت ياسمين قد جهّزت نفسها، وحقائبها كلها قبل يوم كامل، كأنها في مهمة رسمية، تعود منها بعد حين، وكان الصمت سيّد المكان، وذلك الليل البهيم خادمه الأمين، وركبوا جميعاً الحافلة الموصلة إلى المطار، كلٌّ يذرف دمعته·
وبالرغم من جمال ذلك الطريق في نهار كل الأيام، إلا أن ياسمين لم ترَ أشد قبحاً منه في تلك الليلة، فقد كان طويلاً بألمه، قصيراً بالوقت الذي أنهى أيامها بأبويها وبالجزء الأول من حياتها الطفلة اللامبالية، وكان لصوت محرك الحافلة في أذنيها دويّ، كدوي المطاحن، لكنه مستمر، ودائم، دون ذرة طحين واحدة، ولو كان لها الأمر في تلك اللحظة لارتمت بين أحضان تلك المطاحن، وأنهت تلك المعاناة المستميتة مع القلب والعقل والإحساس، فكانت تبحث بتسبيحها واستغفارها وتكبيرها المتواصل بين كل تلك الضوضاء الساكنة روحها عن أمل، ولو كان نجمة بعيدة في السماء المطبقة على الأرض، أو شجرة قريبة من شارع الحنين ذاك، والذي ظلّ امتداده في روحها سنين طويلة، كسر خلالها كل حواجز المنظور وقواعد الرسم، وأكمل طريقه في حياتها·· لم تستطع الخروج منه، فقد ظل شعور الغربة في ذلك الطريق يأسرها كلما ألمّت بها الكروب والمصائب، فلم تكن تعرف أكان ذلك الشارع ملجئاً لها في ساعات ألمها، أم كان صورة من صور ذلك الألم، إلّا أن جُلّ ما كانت تعرفه، هو أنها لم تحد عن مساره يوماً·