Page 1
في البدء كانت القارورة
قبل الولوج في عوالم هذه الحكاية مع (امرأة القارورة) العجيبة، يهمني أن أعلمكم منذ الآن أني لست مسؤولا عنها ولم أشارك في أي من أحداثها وخيالي بريء منها· في الحقيقة إني أجبرت على نشرها من باب الواجب لا أكثر· منذ أن عثرت على هذه الحكاية بطريق المصادفة، قبل أسابيع، وأنا متردد في إحراقها أو رميها في البحيرة· وقد فشلت جميع جهودي لاكتشاف شخصية كاتبها الحقيقي· إني أنشرها ولم أحاول أن أغير في سطورها أية كلمة، تركت المخطوطة كما سلمتني إياها سيدة الحانة·
لعله من الضروري أن أحكي لكم باختصار عن ظروف حصولي على هذه المخطوطة، لكي تحكموا بأنفسكم على طبيعة علاقتي بها· وربما تساهمون معي في معرفة شخوصها وحقيقة أحداثها· تم الأمر عندما وصلت منذ أسابيع إلى مدينة (جنيف)· أقول (وصلت)، إنما في الواقع، وجدت نفسي فيها· بعد تيه عظيم خلال أعوام في سوح الحروب وفقدان في عوالم الانفاق، خرجت من أعماق الأرض لأجد نفسي في فجر يوم بارد من شباط 1988، بين صخور شواطئ بحيرة (جنيف)· خرجت مبللاً أبحث عن دفء، فقادتني أقدامي، انا المبهوت، في شوارع المدينة حتى دخلت إلى حانة مطلة على نهر (الرون)· هناك قدمت إلي صاحبة الحـانة كأس نبيذ أحمر وهذه المخطوطة·
لم أجد حتى الآن أي تفسير لكيفية حدوث هذه المعجزة· فجأة وجدت نفسي أنتقل من جبهة الحرب بين الأهوار والصحارى الى مدينة لم أعرفها إلا من خلال السمع والقراءة· فأنا ببساطة، كنت امضي عامي السابع في الحرب· منذ الشهر الأول على اندلاعها عام 1981، مسكوني في الشارع وحشروني في بدلة عسكرية، ودربوا يدي على استخدام السلاح، ثم وضعوني في شاحنة مع رجال من أشباهي· رمونا بين الأهوار وقالوا لنا:
ـ هذه ارض الأسلاف احفروا فيها مواقعكم، وإن تراجعتم عنها فإننا سنرجعكم إليها مرة ثانية، ولكن على هيئة جثث لندفنكم فيها·
طيلة سبعة أعوام لم أكن أدرك من الوجود غير أهوال الحرب وذلك الشوق الدفين للهروب نحو حلم تملكني منذ صباي :(أوروبا)! ما مضى يوم إلا وكنت أرسم من عذابات ورعب الحرب لوحة لأوروبا، كإله تعس يصنع من أطيان كوارثه مخلوقاً سامياً قادراً على منح اللذة لخالقه· من شبقي المكبوت نحت جسد أوروبا، ومن تجارب حُبي الفاشلة صنعت قلبها، ومن حاجتي إلى الراحة والأمان رسمتُ ملامحها الخضراء، ومن توقي إلى العدالة والانعتاق خيطتُ لها ثوباً أبيض فضفاضا يرفرف كأجنحة فراشة ويضمني بين ثناياه كما تضمني أم في عباءتها السوداء· أوروبا صارت مخلصي المنتظر وأرضي الموعودة· حتى عذاباتها كنت أراها تختلف عن عذابات الشرق· جوعها وتشردها وعنصريتها وبؤسها، كان أكثر استساغة من أمثالها في بلادي·
خلال سبعة أعوام الحرب قمت بسبع محاولات هرب، انتهت ست منها بالفشل· أما السابعة فنقلتني إلى (جنيف)، لأنها لم تكن بالضبط محاولة هرب قدرما كانت تيهاً في أنفاق المجهول· وإذا كان الحظ قد حالفني في شيء، فذلك بأني خلال سبعة أعوام، تمكنت بأعجوبة من أن أنجو من حكم إعدام نفذ بحقّ الآلاف من الفارين مثلي· أعدموا وعُلقت جثثهم أمام منازلهم ليكونوا عبرة للآخرين، بل إن عوائلهم قد أجبرت على دفع ثمن طلقات قد أعدم بها أبناؤها·
يمكنكم أن تقولوا عني إني لم أكن شجاعاً في الدفاع عن بلادي، ولكن إذا كانت الشجاعة في عرفكم تعني التضحية بالنفس، فإني على العكس منكم تماماً، إذ تقاس شجاعتي بمدى تمكني من حفاظي على نفسي· ثم خبّروني باللّه عليكم، هل من الضروري أن تنسحق روحي وتتقطع أوصالي، لكي يجلس القادة المحترمون في النهاية إلى طاولة المفاوضات لتقاسم بضعة كيلومترات عند حدود ملطخة بدماء ملايين بائسة، ثم هل تضمنون لي أن هؤلاء القادة، بعد الانتهاء من مفاوضات الحدود، سيتفاوضون مع الرب لارجاع حياتي التي نهشتها دباباتهم وبعثرتها قنابلهم؟
أشد ما كان يقززني ويدفعني إلى التمرد والهرب، صورة شاذة كانت ترتسم في مخيلتي في أثناء تفاقم المحنة:
إن قادة الدولتين يتناكحون فيما بينهم ونحن جحافل الجيوش عبارة عن حيامن معتقة يقذفونها في بعضهم البعض· ننسكب نحن شهداء ملذاتهم وهم يرتعشون شبقاً في خطبهم وشتائمهم وتهديداتهم لبعضهم البعض· بعد أن يتعبوا وينتهوا، ينبطحون على ظهورهم في سرير المفاوضـات ويمسحون جبهاتهم ومؤخراتهم من جثثنا، ثم يتعانقون بحب!
شجاع إذا ما امكنتني فرصة فإن لم تكن لي فرصة فجبان ··
كنت أردد قول (معاوية بن أبي سفيان) هذا خلال جميع أعوام حربي السبعة وجميع محاولات فراري التي بدأت من المصادفة ونمت إلى الضرورة لتنتهي بمعجزة لا واقعية تخطت قوانين الزمان والمكان· فجأة انتقلت من متاهات أنفاق التاريخ، مثخنا بجراح الآلاف من أسلافي وابناء جلدتي، لكي أخرج الى نور الحاضر وهو يغمر مدينة لا أعرف منها غير اسمها وهذه الحكاية العجيبة التي سأعرضها لكم في فصول قادمة·
Page 2
قبل معجزة انتقالي إلى (جنيف) كنت امضي سنتي السابعة في جبهة الأهوار· بعد فشل محاولة فراري السادسة، رموني هنا وقالوا لي :
ـ انت هنا لن تحارب، إنما عليك ان تشبع بطون المحاربين· رصاصات البندقية لن تنفع دون رصاص الطعام الذي ستحشو به بطونهم
كنت لا اريد من حياتي غير السكينة والنوم· وبينما خطوات العسكر تضرب في رأسي، كنت اتوهم اني لن أستيقظ إلا بعد أن يكون العالم قد غط في نومه الأبدي·
كان مطبخنا قاعة كبيرة في أعماق الأرض· جدارها الصخري مليئاً بنقوش أثرية لملوك قدماء وهم يصيدون ويقتلون ويتسلمون شرائع ويخوضون حروباً ويتناسلون· بجانب حوض غسيل الصحون اتكأ على الجدار نصب امرأة بالحجم الطبيعي· كانت واقفة بشموخ وهي تمد اليد اليمنى بقارورة صغيرة بحجم كأس، وقد التفت على ذراعها اليسرى أفعى، محشور رأسها بين نهديها· سمعت الجنود يقولون إنها قاعة ملوك قدماء عثروا عليها في اثناء حفر الخنادق·
وكرر أحدهم حكاية (ملاّ يوسف) عريف المطبخ، عندما تلمس لحيته المصبوغة بالحناء، وتعوذ من الشيطان، وكشف لهم سر هذه القاعة، محاولا أن يضفي على لهجته الجنوبية بلاغة اللغة الفصحى· قال:
ـ إنهم ملوك شعب من الزناة، لم يفرقوا بين عشيقة وأخت وأم، فلطشهم الله على الحجر، وها هي آثارهم عبرة لمن يراهم· أما هذه التي ترونها أمامكم فهي ملكتهم وأمهم وعشيقتهم جميعاً· منها تعلم البشر الفسق، وقد صنعها الشيطان من لحم الأفعى التي تنكر بها لإغواء آدم وحواء، لتكون أول غاوية في التاريخ· نجحت في إغواء حتى الأنبياء والحكماء، منذ قابيل وهابيل وإبراهيم وسليمان ولوط ويوسف، ولم يقف بوجهها إلاّ (الإمام علي) الذي عندما عرضت عليه جمالها غضب وضربها بسيفه (ذو الفقار) هنا قبل أن تهرب
صَمتَ (ملاّ يوسف) مرتعباً وهو يشير إلى أثر الجرح الذي تركه السيف على امتداد بطنها كفطر طويل غير مرئي يشبه الجرح، امتد من العنق حتى اسفل البطن· ثم بعد أن استغفر وتعوذ وبسمل استطرد بحكايته عن كيف أنزل الله عليها عقابه ومسخها مع عشاقها وأسلافها إلى حجر، إذ ضجت الأرض والسمـاوات بأدعية المؤمنين وشكـاواهم ليخلصهم الله من فسقها· أغمض (ملاّ يوسف) عينيه، وفرك مسبحته السوداء، واتخذ وجهه المحروق بالشمس والحرب هيئة بلوطة ناضجة، وكشف السر الأكبر:
ـرغم تحولها إلى حجر فإنها ما زالت قادرة على التأثير على القلوب والاستجابة لنذور العشاق وأتباع الغواية·
صحيح أن الكثير من الجنود قد سخروا من حكايتـه بإعتبارها محض خرافات، وادعوا أن هذه القاعة ما هي إلا آثار من بقايا ملوك سومر واكد· لكن الزمن كان يبدو لصالح تصريحات (ملاّ يوسف)، إذ مع مرور أعوام الحرب وما تخلفه في قلوب المحاربين وابدانهم من جروح وعاهات وكوابيس ونكبات، شاع بينهم ما يشبه طقوس التقديس لتمثال هذه المرأة التي راحوا ينادونها بـ(سيدة القارورة)! لم يقتصر الأمر على مصدقي الخرافات والمتدينين وحدهم، بل حتى المعتنقين لمبادىء علم وحداثة· جميعهم ساهموا دون قصد أو بقصد في خلق نوع خفي من الطقوس الصامتة والسرية أحياناً من دون أن يدركوا بالضبط من هو المسؤول!
هكذا كأنهم ورثوا هذه الطقوس عن أسلافهم، فترى التمثال قد استحال مع الزمن إلى لوحة خط عليها الجنود كلمات عشقهم وشتائمهم وحكمهم ورسومهم الفاحشة· الفنانون منهم، فطريون وأكاديميون، كانوا يلطخونها بألوان إبداعاتهم المتنوعة، وقد رسموا لها ثوباً شفافاً تبرز منه جميع تفاصيل جسدها حتى المخفي منها عادة في عريها· يوماً تراها شقراء كممثلة خليعة بعيون زرق أو خضر حسب زاوية النظر، بعدها بأيام ينهض احدهم وهو ثمل ويحيلها إلى سمراء بعيون داجية وشفاه راقصة غجرية·
في شهر رمضان وأيام عاشوراء وعيد نيروز يعمد الجنود إلى إضفاء الوقار عليها وغسل المكياج عنها وإلقاء نوع من الحجاب الأسود الشفاف عليها، فتبدو كأمّ حزينة· وفي أعياد الفصح ورأس السنة، يعمد الجنود المسيحيون إلى إضفاء بعض الألوان الخفيفة وإشعال الشموع في قاروتها وفي فم أفعاها وعلى نهديها ثم تنثر عليها أغصان الآس والزيتون لتصبح أشبه بعذراء سريانية· خلال سبعة أعوام قد زين الجنود عنقها ورأسها وذراعيها، بل حتى كاحليها، بأنواع من مزق قماش أخضر وحُلي رخيصة، بعضها صنعوه بأنفسهم من أسلاك دبابة إيرانية محطمة·
لقد شاء القدر أن تكون لي هذه المرأة ملجأً وحيداً، استمد من وجودها بقربي ذلك الدفء اللذيذ الذي ما عرفته إلا أني أدركت وجوده الغامض· فرشت بطانيتي قربها على الأرض، وجعلت وسادتي بين قدميها، وأمضيت جميع ليالي سنتي السابعة وأنا أرقب هيبتها وأتنصت إلى دقات قلبها حتى أغفو· في بعض الليالي عندما تشتد وحدتي بين رعب القتلى والجرحى والمنتحرين، كنت أغافل الجنود وهم نيـام لكي أحتضن معبودتي وأهمس لها بعذاباتي وبأسرار محاولات هربي الست التي لو علم بها قادتي لاستحق علي حكم الاعدام ست مرات متتالية· وكانت هي تواسيني خِفيَة بعينيها وتهمس لي بكلماتها·
إني على يقين من أني وحدي بين الجنود وافقت المرأة على ان تكشف لي أسرارها· قالت إن حكاية (ملا يوسف) هي شذرات من حقيقة، أما جوهر الحقيقة الذي لم يكتشفه أحد غيري فهو أن التي مسخها الرب إلى تمثال هي شذرة من وجود أعظم·· شذرة من روح أنثى شاملة تمكث حية في شهوات الرجال·
أخبرتني بسر لم يكتشفه قبلي إلاّ القلائل :
Page 3
إني اعيش عالم حلم في رأسها· الوجود بأجمعه ما هو إلا خيال في رأس هذه المرأة التي تعيش في عالم آخر هو ايضاً خيال لكنه في رأس كائن أعظم· كل هذا التاريخ من آلاف وآلاف الأعوام والأقوام والأوطان ما هو إلا دقائق من الحلم في رأس امرأة تمارس رعشتها الأولى في احضان عشيقها· هما يعيشان في عالم آخر من حلم يدور في رأس الكائن الأعظم· إننا حلم رعشة، بعنفها وهمجيتها والمها وبهجتها وترددها بين تلاحم وتناء· شعوب تولد وتفنى·· حروب تخاض وحضارات تقام وبشر يمارسون لذة وتناسل، وارتعاشة هذه المرأة ما زالت تمنح الحياة لحلم وجودنا· في دمها وتلافيف رأسها يعيش جميع أسلافنا، رحلوا إلى الأعماق لينقلوا إشارات لذتها في أنحاء جسدها· خالدون في أعماقها بين عوالم بدنها الشاسع، يمضون خلودهم في رعشة ابدية وتناسل سرمدي وتناسخ في أبدان الأحفاد·
يا ترى، كم من لحظات رعشة قد استغرقتها سنوات حربي ومحاولات فراري الست؟ لا أتذكر من حياتي غير الحرب، وقد تحددت مراحل عمري بمحاولات فراري· لم تجبني المرأة عن سؤالي إن كان لي ماض آخر؟ جلبوني هنا دون أن يعرفوا عني حتى اسمي· اندمجت في تقمصي لدور الرجل المعتوه، مسخرة الجنود، الأخرس، المجهول الهوية والأصل·
لا أتذكر من حياتي السابقة غير سبعة اعوام حرب امضيتها طريداً بين خنادق موت وأهوار وصحارى وجبال· أتذكر انه بعد بضعة اشهر من اندلاع الحرب، كنا في طريق البصرة الصحراوي عندما هاجمت الطائرات شاحنتنا وفجرتها مع جميع الجنود الذين تخلفوا فيها ولم يتح لهم الهروب معنا· انتثرنا كوحوش كسرت أقفاصها، بين رمال وصخور ومرتفعات، بعيداً عن أعين طيار أحمق تخلف عن جماعته، وظل يلاحقنا برشاشه بإصرار عجيب كأنه يعرفنا شخصياً·
شاءت المصادفة أن تمر من هناك قافلة من البدو قادمة من الحدود الجنوبية في طريقها إلى الحدود الغربية· التجأت إليهم عندما وجدوني هائماً في الليل وقد عزمت أن أظل أجول في الصحراء حتى الموت ولا أعود إلى الجبهة· استغثت بشيخهم :
ـ أنا دخيلكم·· خلصوني الله يخلصكم··
الآن، وأنا في (جنيف)، يمكنني أن أجزمبيقين أن شيخ القافلة ذاك، رغم بساطة مظهره، كان ذا هيبة ملوك ووقار أنبياء· تلوح في ذاكرتي الآن صورة مشوشة لذلك الشيخ الذي تناديه عشيرته (أبو يحيى)· كان كمرآة احتفظت بآثار أماكن وعصور وأقوام انعكست فيها صورهم· إنه ساحر خرافي وحكيم متفقه وبدوي متمرس· عندما أصغى إلى حكايتي هز رأسه محدقأ في خطوط رمال رسمتها أصابعي· قال لي أشياء كثيرة لم أصدقها إلا بعد أن عشت أحداثها· أخبرني بجميع ما سيحصل لي في سنواتي السبع القادمة : محاولات فراري وانتقالي، بل إنه كشف لي شيئاً أعظم من هذا: حكاية (امرأة القارورة) التي سأتعرف عليها بعد سبعة أعوام في جنيف·
لم أصدقه·· نخوته أن يوصلني إلى الحدود· سأحاول عبور الفرات والتسلل إلى سوريا ثم إلى لبنان لتدبر جواز للسفر إلى أوروبا· قال إنه من أجل خاطري سيحاول· لكنه بعد ثلاثة أسابيع، كما تنبأ، اضطر إلى تسليمي إلى فرقة عسكرية أوقفتنا في الطريق· اكتشف ضابط الفرقة ذو الشارب الأحمر والعينين الزرقاوين اني غريب بين العشيرة· في البدء رفض الشيخ أن يسلمني إليه· وكادت بسببي ان تنشب الحرب بين الطرفين، لولا أن اكتشف الضابط أخيرا أن هؤلاء البدو هم فرع من عشيرة أخواله·
رأيت الضابط يختلي بشيخ العشيرة خلف بقايا معبد مهجور، ليقررا مصيري· عندما عادا، اقنعني الشيخ أن أسلّم نفسي إلى العسكر بعد أن تعهد الضابط بشرفه ان يضمن حياتي وينجيني من حكم الإعدام بتسليمي إلى السلطة على أني كنت تائهاً في الصحراء ولست فاراً·
بعد أقل من عام قمت بمحاولة فراري الثانية· ذات يوم خريفي أخرجت رأسي من الخندق، فرأيت شمساً غاربة تفرش على الأهوار حلَة ذهبية وتنشر في الفضاء رائحة عفن· إزاء ذلك الصمت الموحش أحسست بصخب في أعماقي بين حشود بشر تتجادل وتسخرمن بعضها البعض· قلت لأهرب عسى أن تسكت، فزحفت على بطني وتوغلت في أحراش البردي· كانت الخنازير الوحشية وأفاعي الماء والطيور والجواميس لا تزال تعيش صدمة استقبالها لنا، نحن أحفاد سادتها قد عدنا بحيوانات حديدية ووسائل دمار حديثة، حفرنا خنادقا ورحنا نعبث بلعبة جهنمية· حتى هذه الحيوانات الوحشية قد صُدمت مشاعرها وفقدت شجاعتها وراحت تهرب من أية حركة حتى لو كانت صادرة عن حيوان آخر·
قلت أهرب وألتجىء إلى العشائر النائية عسى أن أجد فرصة للتسلل إلى الخارج، لكن جنود الجيران انبثقوا فجأة من الأحراش مثلما يحدث في سينما المغامرات· كانوا يصرخون : اللهو أكبرو، وارتموا فوقي· رغم استسلامي، شاء أحدهم لكي يضمن خضوعي تماماً، أن يطعنني بالحربة في كتفي، وجرّوني ورائهم مقيداً ككلب·
الآن وبعد أعوام على هذ ا الحادث، إذ طالعت حكاية (امرأة القارورة)، يمكنني القول إني في يوم هربي ذاك قد عشت جوّاً غرائبياً شبيها بأجواء هذه الحكاية· بينما كانوا يقودونني بين الأهوار إلى موقعهم، كان المساء قد حل وجراح كتفي ما زالت تنزف· حشود روحي راحت تصحو من غيبوبتها وتتمطى وتطرح علي أسئلتها التي استفحلت بسرعة إلى شكوك وعتاب وشتائم ودق على جدار صدري· شرعت بذرة من الكآبة تكبر وتتكور وتستحيل إلى لهيب يحرق أحشائي ويمتد إلى رأسي وأطرافي·
Page 4
فجأة، دون أن أدرك كيف، هزت الكون صرخة ما سمعت مثلها قبلا، ومادت الأرض من تحتي وقدح ضوء كبرق ثم لا أدري بعدها ماذا حدث·· كأنني تفتت وتبعثرت في الوجود؟! بعد تيه في عوالم من نور وألوان وأشباح، كانت تتوضح على هيئة جنان خضراء فيها منازل بيضاء كالثلج تنتثر بين حدائق وأعشاب وغدائر تصب في بحيرات تطفو على سطحها مواكب عشاق وحوريات كقديسات وملائكة كأطفال· وأنا كائن بدائي مثخن بجراح وعار هزيمة، أزحف على الشاطىء أريد أن ألحق الأصحاب في مواكبهم، لكني كنت أغرق في دوامة ماء·· أغوص وأغوص و··· لحظة لفظت رمقي الأخير، فتحت عينَي!!
صحوت على نفسي في شاحنة وجندي مخدَش الوجه، ممزق الثياب، قاسي الملامح، يصب على وجهي ماءً· خاطبني وهو يفك بندقيته ويمسح حربته من الدم: شوف كيف حررناك منهم·· الحمد الله القنبلة ما قتلتك·· هم، بعثناهم إلى جنتهم كلهم دفعة واحدة··
وعندما أردت ان أتحرك، تجمدت اطرافي إذ شعرت بقطع لحمي المحروق تتساقط وتلتصق بأسمالي·
ما مضت أشهر حتى قمت بمحاولة فرار ثالثة· قبل ان تتيبس حروقي وتلتئم جروحي ارجعوني إلى الجبهة· منذ أن البسوني بدلتي العسكرية من جديد، هبت فجأة حشود روحي التي كانت غافية في أثناء فترة العلاج· من جديد وبعنف أكثر نطت إلى رأسي فكرة الفرار·
في حزيران 1984، لم تكن قد انتهت بعد السنة الثالثة على الحرب عندما شرعت في الاتصال ببعض الأصدقاء من المهاجرين المصريين· بعد مداولات ومحاولات عديدة عرفوني بشاب قال ان نصفه صعيدي ونصفه تونسي، لهذا فانه كان يمتلك جوازين بإسمين شبه مختلفين ومن دون علم الدولتين· من حسن الحظ ان هذا الشاب كان يشبهني الى حد مدهش، حتى ليبدو انه شقيقي التوأم! بسبب هذا التشابه تعاطف معي ومنحني ثقته من اول لقاء· قرر اعارتي الجواز التونسي على امل ان ارجعه له بعد استقراري في اوربا· وخلال ايام علمني مفاتيح اللهجة التونسية التي لم تختلف كثيرا عن اللهجة العراقية·
كان حلم (اوروبا) يستحيل في أعماقي إلى صرخة تمرد راحت تنشدها حشودي وهي تدق على جدار روحي· كان مساء خميس عندما نزلت في إجازتي من الجبهة· الساعة الخامسة وصلت إلى موعدي مع صديقي المصري التونسي، وفي الساعة السابعة كان الجواز بحوزتي· الساعة العاشرة كنت في الباص الراحل إلى اسطنبول·
لم يكن يشغلني ماذا سأفعل هناك· المهم أن أخرج من الجحيم وبعدها لا يهم أين· طيلة ساعات الطريق وحتى أيقظني رجال الأمن في الفجر، عيناي كانتا مغلقتين على آخر أنوار بغداد، وقد انبجست في رأسي صورة مدينة متلألئة تتوسطها بحيرة تفرش مياهها بين سلسلتين جبليتين، عرفت بعد سنين انها جنيف!
شاء سوء الحظ أن يكتشفوا تشابها بين اسمي في الجواز واسم أحد المطلوبين، فاوقفوني· في الليل، قبل ان يستجوبوني ويكتشفوا حقيقة هويتي، تركت لهم الجواز وهربت من النافذة· عدت إلى وحدتي العسكرية دون أن يكتشف أحد محاولتي
المحاولة الرابعة كانت في شتاء 1985· هربت مع أحد الأصحاب إلى أعماق الهور، وانضممنا إلى جموع عصاة فارين من الجيش· كان صاحبي هذا مهووساً بممارسة اللذة على خيال نساء أعدائه· ابتدأ عندما كان صبياً على صورة وهمية صنعها لـ(غولدا مائير)، ثم بعدها انتقل إلى (مسز تاتشر) ليجعلها تصرخ كل ليلة بين ذراعيه!
كان يفوقني بجنونه ولهفته إلى (أوروبا)· التجأنا إلى عصاة الأهوار أملا في العثور على طريق خلاص· رحنا نمارس حرباً أخرى لا من أجل الأرض بل من أجل اغتصاب قوتنا اليومي· كنا نتنكر برتب عسكرية كبيرة، ونوقف القوافل لنسلبها بأوامرنا المزيفة· كنا نتنقل مجموعات مجموعات، بعيداً عن أعين الطائرات المروحية التي كانت تقذف برشاشاتها الحارقة على أحراش مأوانا· كنا كحيوانات كاسرة مهددة من جميع الأنحاء بمصير الانقراض الزاحف : عسكر بلادنا من الغرب، وعسكر الجيران من الشرق، ومن الداخل هناك عملاء السلطة من أبناء عمومتنا·
ضربات الطبيعة ونكباتها كانت لنا بالمرصاد: بعوض، ملاريا، ولسعات افاع وعقارب ونهشات خنازير، وما تجلبه لنا السماء بين حين وآخر من قنابل وصواريخ قد أخطأت اهدافها لتسقط على رؤوسنا· وقعت أنا فريسة لسعات البعوض وانتشرت في دمي جراثيم ملاريا، فكنت في نوبات الحمى أغمض عيني وأشاهد دواخلي قد لوثها الموت وصارت مثل الأهوار قد امتزجت مياهها ببارود ونفط وجثث عسكر·
صاحبي مات بجانبي وهو يواسيني· انحنى على الشاطىء فجائته رصاصة وهي ترن واخترقت الرقبة· بهدوء استلقى على ظهره كأنه قد تهيأ كعادته لتخيل صورة زوجة قاتله، وابتسم بألم وهمس بلهجة معتذرة :
ـ ماشي الحال·· هذا نصيبي·· ومات···
عدت منتكساً إلى بغداد بعد أن شتتت الطائرات والخيانات الكثير من جماعاتنا، واستهلكت الملاريا دمي· عدت، لا لكي اموت بين أهل وأصحاب لا أتذكرهم، بل لأني لم أكن امتلك خياراً آخر· لكنهم لم يعدموني· لا ادري لحسن حظي ام لسوئه، اعتبروني مشمولا بعفو صادر عن الفارين· ادخلوني المستشفى وعالجوني حتى شفيت واعادوني إلى الجبهة·
Page 5
المحاولة الخامسة كانت ذات ليلة من ربيع 1986، عندما قررت أن أقطع ذراعي بتفجير قنبلة يدوية في كفي· تبا لذراعي·· سوف اضحي بها قربانا لخلاص بدني وروحي·
بالحقيقة ان الفكرة ما أتتني صدفة، صحيح اني سمعت عنها هنا وهناك، لكن ثمة ذئب شجعني على اتخاذ قراري· نعم ذئب قد رأيته ذلك المساء يزحف امام خندقنا وهو يأن ويعوي بنشيج اشبه بنشيج البشر· انكسر قلبي عليه فزحفت خارج الخندق من دون علم اصحابي واقتربت منه· عندما رآني لم يخف ولم يغضب بل راح يرمقني بألم كأنه يطلب الرحمة· عرفت ان لغما قد انفجر به إذ كانت الدماء تنزف من انحاء جسمه· رغم مشاهد الموت والجراح التي عايشتها مع رفاقي طيلة سنوات الحرب، الا اني لسبب اجهله حتى الآن، شعرت بتعاطف مع ذلك الذئب لم اعرفه من قبل! اخترقتني نظراته المحتضرة كأني ارى فيها نفسي· بدت ملامحه بشرية اكثر من البشر، قريبة، اليفة، وكأني عايشتها لحقب طويلة مجهولة· من دون تفكير انحنيت عليه واحتضنته ورحت ابكي· لم انتبه الى الساعات التي مرت، بل صحوت على نداءات اصحابي وهم يفتشون عني في البرية· كان الذئب الجريح قد مات والليل قد خيم·
عدت الى الخندق وفي رأسي فكرة واحدة وحيدة : ان اقطع يدي لكي اهرب· قلت لا يهم الأمر، سوف اسافر بعدها الى اوربا واضع ذراعا صناعية افضل من ذراعي الاصلية· في آخر الليل أخرجت يدي اليسرى إلى حافة الخندق ورجوت احد الأصحاب أن يسحب المسمار من القنبلة لأن يدي الأخرى قد شلها الرعب· أتذكر، رغم انه وافق وسحب المسمار، ارتمى فجأة علي وراح ينحب كطفل، ليثنيني عن تفجير القنبلة في اللحظة الأخيرة·· لكنها انفجرت· ولأنها كانت نصف فاسدة، فهي لم تنهش مني غير إصبع واحد!
ادخلوني المستشفى وعالجوني ثم أرجعوني إلى الجبهة بعد ان اخبروني أنهم يشكون في ادعائي بالحادث· لولا شهادة الأصحاب لأعدموني· أنذروني ان أي تكـرار لمحاولتي فإنهم سوف يلبون رغبتي بأنفسهم بوضعي في مدفع وتفجيري على مواقع العدو·
محاولتي السادسة تمت رغماً عني· كانت هروباً من الموت أكثر من كونها هربا إلى الحرية· كانوا قد رموني في جبهة (الفاو) في موقع أرضه من أطيان وقبور جماعية سرية، تجعل الأرض تنز دماً حينما تمر فوقها شاحنة أو دبابة· يوماً بعثني ضابطي إلى الخندق المجاور، وما أن خرجت حتى قصفته الطائرات· ركضت إلى خندق اخر، فطردني الضابط وأمرني بالعودة، وما أن خرجت منه أيضا حتى قصفته الطائرات! أربعة خنادق متتالية لا تقصفها الطائرات إلا عندما أتركها!؟ سمعتهم يتشاورون بينهم بأني إما نبي وإما جاسوس، فهربت·
عدت إلى بغداد· وعن طريق صديق قديم كان سياسيا وتحول إلى مهرب محترف بعد أن بزغت مواهبه المنسية يوم قبضوا عليه فتنكر لقضيته لقاء ضمان حمايته· تمكنت من عبور الجبال للالتحـاق بالعصاة في شمال الوطن· أخبروني في بغداد أني سأستطيع من هناك التسلل الى تركيا ومنها سأشق طريقي إلى أوروبا· في مثلث الحدود العرا قية ـ التركية ـ الإيرانية، في أودية محاطة بجبال صخرية تهابها أعتى الجيوش، كان ينتشر آلاف الرجال المسلحين مع عدد أقل من النساء، يقيمون في كهوف وتحت سقوف صخرية لا تفتتها أشد القنابل فتكا· آلاف من الحـالمين، أكراد بغالبيتهم ومعهم عرب وسريان وتركمان، مسلمون ومسيحيون وصابئة ويزيديون وملحدون، طلاب وعمال وفلاحون وعسكريون، في طبيعة قاسية من ثلوج وأمراض وقنابل طائرات ومؤامرات خفية·
كنت من قبل في حرب نظامية بين جيشين متجابهين، أما الآن فأني في ساحات حروب بين جيوش سرية وعلنية، قبائل وعوائل ومشايخ ومهربون وتجار، يرتدون اثواب ثورة ويرطنون بمدن فاضلة، ويخوضون حروباً فيما بينهم· بعضهم مع دولة وضد اخرى، وبعضهم ضد هذه ومع تلك، وبالنتيجة فإن الجميع يتعاملون مع الجميع وضد الجميع!
ذات يوم كنت منحدراً في واد مع مجموعة من الأنصار، مسربلين بأشعة نحاسية غمرت المكان· ثمة شيء ما غامض كان يضفي على المشهد شحوبا غريباً ينبىء بكارثة، وقد ارتسمت على وجوه الجبال ملامح ترقب وحذر· لقد تعمق لدي هذا الشعورعندمالمحت مجموعة غربان سوداء تحوم فوقنا بين اغصان البلوط· لا ادري أية قوة غريبة دفعتني إلى ان اتلكأ في مشيتي ووقفت لأتبول خلف صخرة· فجأة لعلع الرصاص في الغابة وتقطعت الأغصان واختلط نعيق غربان مع صرخات بشرية جريحة· عندما ركضت وقع علي رفيق جريح· سقطتُ وسقط هو فوقي· كان وجهه فوق وجهي وقد جحظت عيناه في عيني ونزفت دماء من ثقب في جبهته· رغماً عني تسربت قطرات من دمه إلى فمي وامتزج طعمها حاراً حامضا مع لعابي، فأحسست لحظتها بتقزز كما لو ان آلاف الثعابين قد تسللت إلى احشائي· كنت أصرخ وأنا لا أفكر إلا بشيء واحد : كيف أزيل دم رفيقي من احشائي· لقد شربت دمه وهو يموت!
لم اعد أدرك شيئاً من الوجود· تلاشت لعلعة الرصاص وانفجارات القنابل· رحت اركض واركض وأنا أبصق· بصقت حتى دمي·
Page 6
بقيت هائماً بين جبال وغابات أياماً لم احسبها، اقتات على أعشاب وثمار، وأتحاشى البشر وقد تمزقت عني ثيابي وصار لوني بلون الأرض· كنت ملتزماً صمتاً مطبقاً لكي أصغي جيداً إلى حوارات صاخبة جارية بين حشود بشر روحي· رغم كثرتهم فإني كنت أراهم حشدين متجابهين في جدال يمزج بين خصام وتفاهم، واحد من حكماء وآخر من معتوهين، وجميعهم قد اثملتهم الأحداث وانهكتهم·
ذات نهار ربيعي عثر علي أحد الرهبان· كنت مستلقيا في غدير، والماء يغطيني حتى أنفي· عيناي مغمضتان وأنا أصغي إلى صخب حكمائي ومجانيني ممتزجاً بخرير الماء· فتحتهما لأرى مصدر صوت بشري صدح في الوجود· عبر الماء الشفاف، شاهدت وجهاً نورانيا مرسوما على صفحة السماءٌ!
لم اتحرك، كنت أنظر إلى الوجه وأنا في خدر ولا مبالاة مطلقين· كنت أحس بنفسي في انفصال عن الواقع، كأني في ذاتي طائر غير مرئي أحوم مراقباً حشود حكمائي ومجانيني وهي تضطلع بعملية إدارة بدني على الأرض·
قادني الراهب إلى ديره القريب من مدينة الموصل، وهناك اطعمني وآواني· كنت امضي وقتي بمشاركة الرهبان في تراتيلهم، وحينما اشعر بالملل كنت اصعد الى السطح حيث تنتشر اعشاش طيور اشاركها مناجتها·
عرفت ان راهبي ينادونه(عمو توما)، لكنه لم يستطع ان يعرف مني اسمي، فراح يناديني بـ (آدم)! رغم انه كان يتميز ببشرته الحليبية وشعره الفضي، الا انه كان يشبه في شخصيته كثيرا (الشيخ ابو يحيى) الذي التقيته في البادية· ظل راهبي الطيب حتى يوم فراقنا في حيرة أمام نحيبي كلما صدحت في الدير تراتيل الرهبان· والحقيقة أني لم كن أكثر معرفة منه بذلك!
اتى اليوم الذي أمسكني فيه العسكر قرب الدير· فشل (عمو توما) في تخليصي· لم تكن بحوزته أية أوراق تثبت هويتي· كبلوني ولم يكلموني بعد أن عرفوا بخرسي وخبلي· قادوني من موقف إلى آخر ومن معسكر إلى آخر وهم يعلفون بي بلا سؤال· بعد أيام، أتاني ضابط ذو صوت طفولي غير منسجم مع وجهه المكون من شارب فاحم كث وبضعة ثقوب اقل وضوحاً من النجوم الملتمعة على كتفيه· تحسس بعصاه لحمي وهز رأسه إلى (رئيس العرفاء)· أدركت أنه أمر بضمي إلى القطيع·
ذالك اليوم، أعادوني إلى الجبهة بعد ان رموني في الحمام وحلقوا شعري وألبسوني بدلة عسكرية مرقمة ثم حشروني في الشاحنة بين الارزاق· منذ ان وصلت قبل اشهر إلى هذه القاعة المحفورة في الأرض، وأنا يوماً بعد يوم أرقب بحذر انتفاخ بطن تمثال (سيدة القارورة)! كنت في أثناء صمتي وخرسي المخبول، ارقب عيون الجنود لأقرأ فيها ما يعبر عن شكوكهم فيما يخص انتفاخ بطن المرأة· لعلهم كانوا يتحاشون الفضيحة لأنهم كلهم مشتركون فيها مثلي! لا ادري ماذا سيفعلون حينما يأتي اليوم الذي سيصبح فيه من المستحيل إخفاء الأمر، ثم من يعلم أي مولود سيخرج من بطن مجروح بسيف؟
ذات ليلة من شهر شباط 1988، وبعد مرور تسعة أشهر على وجودي معها، كنت احدق في البدر المتوهج من فتحة في الجدار خلف رأس المرأة· كنت أشكو لها حيرتي أمام مصيري المجهول بعد ان فشلت جميع محاولات هربي الست· كنت وحيداً بين آثار اسلاف من الزناة، أخرس، اطرش، فاقداً للذاكرة· أهمس لها بصلوات الرجاء لتعينني على الخلاص من عالمي هذا· لتنقذني إن كانت هي حقاً سيدة وجودي وصانعة حياتي من حلم ارتعاشتها· كيف لي أن امضي العمر وانا لا احمل في دمي غير ذكريات سبعة اعوام من حروب وتيه بين أهوار وبواد وجبال من أجل فرار من جحيم حاضر نحو عالم سام ومجهول؟
كانت حشود حكمائي ومجانيني تدفع بجسمي نحو التمثال وتشدني إلى أحضان المرأة وكأني أكاد ألتحم بها وأغور في دواخلها· فجأة اهتزت القاعة بإنفجارات متتالية امتزجت بأصوات الطائرات وصرخات الجنود· عندما انهار السقف وتعالت من اطراف القاعة صرخات الأصحاب، ميزت بينهم عريفنا (الملاّ يوسف)·
في الوقت الذي أخذت فيه الأحجار فوقي بالإنهيار، كنت أكور نفسي على صدر المرأة، ورحت بالتدريج انزلق في فجوة أحضانها· انهارت صخور بطنها من جرح نازل من العنق حتى أسفل البطن وإنكشف نفق عجيب يمتد من جذعها إلى أعماق الأرض خلال الجدار!
أجهل حتى الآن كم من زمن قد مر علي وأنا أزحف بين متاهات أنفاق قادتني إلى عوالم وعوالم عشتها خلال آلاف الأعوام· كأني استحلت إلى طاقة من نور، أطوف بين عصور وأوطان وأقوام· مئات المرات إنولدت، ومئات الشخصيات عشتُ ومن ثم مت· أمضيت حُقباً وحُقباً من تاريخ رعشتها، وكانت هي صانعة حيواتي وحافظة نسلي ومديمة تناسخي في تلافيف حلمها· حتى وجدت نفسي أخرج من بين صخور شواطىء بحيرة (جنيف)·
ليست معجزة انتقالي وحدها ما يثير عجبي، إنما كذلك ادعاء سيدة الحانة أني صاحب مخطوطة هذه الحكاية، وأني نسيتها عندها منذ أيام، وأنها تعرفني من رواد الحانة منذ سبعة أعوام، وأني غريب الأطوار، وأني وأني··· ولم أعقل منها كلمة واحدة، لأني بكل بساطة لم أكن هنا أبداً ولم أعرف هذه المدينة إلا منذ أيام، ولقد أمضيت السنوات السبع السابقة في جبهات الحرب والفرار، بدليل أني لا أتذكر سواها لأني عشتها هي وحدها لا غير·
لكي اجنبكم متاعب شكواي وإسهابي، اعرض عليكم الحكاية، كما وجدتها في المخطوطة، لتحكموا أنتم بأنفسكم·
Page 7
إنبعاث سيدة القارورة
منذ أعوام، دأت حكاية الشاب (آدم) مع تلك المرأة العجيبة : (امرأة القارورة)·· حكاية ستبدو لكم لا معقولة واندهاشية الى حد بعيد، لكنها رغم ذلك حقيقية· من الصعب التأكد إن كانت المصادفة البحتة وحدها التي جمعتني بأبطال هذه الحكاية أم هي قوة القدر المتلبس بهيئة مصادفة بريئة؟
قبل أن يلتقي (آدم) بحورية قارورته، قبل هذا الحادث بأكثر من تسعة أعوام، بالضبط في شتاء عام 1978، قرر الرحيل عن بلاده ومدينته بغداد· كان عمره قد تجاوز العشرين بعامين· مثل معظم أبناء جيله، كان يعيش وضعاً قلقاً بسبب الأوضاع السياسية المربكة والعنيفة، إضافة إلى فشله في مشاريعه الحياتية، وتفاقم خيباته مع النساء· هذا ما رسخ قناعاته بإستحالة تحقيق أحلامه بالحرية والمجد إلاّ خارج الوطن·
يوم رحيله، كان (آدم) مرتبكاً قلقا بسبب خوفه من حدوث أي طاريء قد يؤدي إلى منع سفره واعتقاله· بعجلة جمع أغراضه في كيس بلاستيكي، وخفية ألقى نظرة وداع أخيرة على أمه واخوته· قبّل اخته بسريّة لأنها الوحيدة التي كانت تعرف بقرار رحيله·
ما أن شرع في خطوته الأولى نحو الباب، في تلك اللحظة لم يدر اي نداء سحري رجّ بين جدران صدره يدعوه إلى أن يعود أدراجه· كالمجذوب، اتجه مباشرة إلى الغرفة الكبيرة· من تحت سرير والديه أخرج صندوقا خشبياً عتيقاً يحتوي على بقايا ذكريات أبيه الذي توفي العام الفائت· كانت هناك اكوام ذكريات مُغبرة، تختصر حياة رجل هجر أهوار الجنوب وهو فتى في بدايات القرن بعد حكاية غرام خائبة· أتى إلى بغداد ليصبح عسكرياً يخوض الحروب ضد قبائل الوطن المتمردة، حتى هدّه العُمر ليموت على سرير محاطٍ بأبناء وبنات، نظراتهم ذكّرته بزعماء القبائل التي حاربها·
كان (آدم) حائرا، لا يدري عما يبحث· هناك صور شاحبة وخنجر يمني معقوف ومسدس انكليزي وحربة عسكرية على حواشيها دماء صدئة وقطع نقدية من عهود بائدة وأصداف بحرية وتعاويذ دينية ولوحة فطرية تمثل(الإمام علي) محروساً بأسدين، ثم مفاتيح وأقلام وتماثيل أثرية تعود إلى حضارات الوطن المختلفة··· هناك وقعت عيناه على القارورة! كانت قارورة جميلة منحوتة من خشب الصاج الأحمر، ذات هيئة متماوجة كجسد أنثى· دون تفكير امتدت يده إلى القارورة· وضعها في الكيس ورحل خارج البلاد·
فاتني أن أخبركم أني كنت أعرف (آدم) منذ أن بدأنا معاً ندرك الحياة· لا أعتقد أن ثمة شيئأ في الوجود يحيطه الغموض بالنسبة إلينا مثلما يحيط علاقتنا· ربما سيتاح لكم فهم ذلك في مجرى الحكاية· المهم أننا كنا في وضعية خاصة، نعيش معا، لكن في فصام دائم وصراع حاد يكاد يصل إلى العنف، لولا قوة مصير جبارة كانت تحتم علينا حباً وتعاوناً· سافرنا معاً، ومعاً خضنا تجربة اغتراب وتفتيش عن حلم· كنا كعنصرين سالب وموجب، بإندماجنا نصنع كهرباء وجودنا·
في طفولتنا كنا عندما يحل المساء، نحن اطفال احياء الطين المنتثرة كبثور في جسد بغداد، بعد ان نكون قد أمضينا نهارنا في قتل عصافير وكلاب وقطط، وتعاركنا بحجارة، وغرق أحدنا في مستنقع أو في نهر دجلة القريب، وسرقنا وتمرغنا بالأتربة وتعفرت أجسامنا بخدوش وجروح وامراض، وتعلمنا شتائماً فاحشة جديدة اثناء مزاولتنا لـبرائتنا بحرق قوافل النمل، في المساء نهرب إلى بيوتنا لتستقبلنا (أحضان) أمهاتنا بصفعات واعقاب نعل بلاستيكية مصحوبة بلعنات ومشاجرات بين الجيران والإستغاثة بسلطة الله واب جبار· في الليل نغفو في عراء على رؤى سماء تتوهج بأقمار ونجوم تشبه عيون الحيوانات التي قتلناها·· نغفو ولم تزل ملتهبة عنيفة ذكريات نهارنا وحكايات امهاتنا عن سعلوات وطناطل وكائنات ممسوخة وجن قاطنين في طبقات أرض سفلى، يخرجون لنا متنكرين بهيئات قطط وأشباه بشر! كم من ليال أمضيناها مختنقين تحت أغطيتنا خوفاً من (عزرائيل) ملاك الموت ومن جهنم، حتى نستيقظ في الصباح مبللين بعار ورعب عقاب منتظر·
شاءت المصادفة أن أكون سبباً في إنقاذ القارورة· كنا في الباص الراحل من بغداد إلى اسطنبول، وما أن رأى (آدم) رجال الأمن عند الحدود حتى استبد به خوف وأراد أن يرمي القارورة خشية أن يجدوا فيها دليلاً ضده ويقتادونه مثل كبش عيد بأيدي حجاج متعجلين· أخرجها من حقيبته وكاد يرميها عند خرائب الحدود· لا أدري أية قوة خفية دفعتني إلى أن أتشبث بها، كما لو كانت بطاقتي الحزبية المحشورة في بطانة سترتي· أمسكت يده المرتجفة وتناولت منه القارورة من دون كلمة ووضعتها في حقيبتي، وتوكلت على الشيطان· بعد أن اجتزنا الحدود دون متاعب تذكر، أخرج (آدم) القارورة، قبّلها وقبلني ثم دمعت عيناه كطفل·
Page 8
دون أن اطيل عليكم سرد التفاصيل، ولكي تكونوا على بيّنة بظروف العلاقة بين (آدم) و(إمرأة القارورة) هذه، فإنه قبل أن نصل إلى جنيف كنا قد أمضينا أعواماً من الترحال بين مدن الشرق الأوسط وشرق اوروبا· مشاغلنا أنستنا تماماً تلك القارورة القابعة في أعماق حقائب عتيقة وغرف فنادق رخيصة ومخيمات تدريب عسكري وقطارات وغابات وقصور مهجورة· بعد ثلاثة أعوام ترحال بين بلدان وتجارب خائبة، استقر مقامنا في مدينة جنيف ببحيرتها المتموجة بفضة زرقاء خضراء، والراقدة بين سلستي جبال الألب وجيرا·
وصلنا صيف 1981، أوائل اندلاع الحرب· ثلاثة أعوام عربيدة من البحث والتجوال حتى قادنا قطار الزمن إلى هذه المدينة المهذبة· اختلفنا أنا وإياه كثيرا وتصارعنا كثيراً، وتحالفنا وتعاونا كثيراً· قد يصح القول إنه كان الفكر والتعقل والخوف والإنطواء، وأنا كنت الروح والشهوة والتهور والاندفاع· للخلاص من منفى وطن اخترنا أوطان منفى، بعد ان غدت حياتنا كقطار سريع يفرض علينا التعرف إلى أناس والمرور بمُدن وتعلم لغات جديدة وأسماء مزيفة وأفكار وأحلام وثورات وانتكـاسات، مندفعين إلى الأمام بلا عودة إطلاقا· تعلمنا لغة السلاح، خططنا لثورات خائبة، تشردنا وجعنا وسرقنا وسجنا· امضينا ليالي في قطارات وبيوت مهجورة ونحن نحلم بسجن نظيف لعله سينقذنا من الموت برداً في حدائق أوروبا، حتى استقر بنا المقام هنا·
منذ ان وصلنا إلى جنيف اختار هو الزواج والاستقرار والعزلة وتكريس كل شيء من اجل المستقبل· أتقن اللغة وتعلم إدارة الحاسوبات واشتغل· يحلو له احياناً أن يهمهم أمامي بعبارة مكررة:
ـ ماضيّ موحش وقاسي كالدغل، كلما اقتلعته، رغماعني ينبت في حديقة حاضري!
لا أدري إن كان يعتبرني أنا أيضاً من بين ذاك الدغل؟
قبل أن تظهر لنا (سيدة القارورة) وتفتننا بخوارقها وعجائبها، كان (آدم) يمضي حياة هادئة في شقة صغيرة مع زوجته (مارلين)، فتاة وديعة من بنات هذه المدينة· كانت تشاركه ذلك الشغف العظيم إلى الجمال المقدس· لعله قد وجد فيها الكثير مما حرم منه في حياته: بتواضعها ورقتها وصفاء روحها وجد بعضاً من توقه إلى حنان الأم وشفقتها· في ملامحها الطفولية وعينيها الخضراويتين المندهشتين وجد صورة (ايمان) معبودة طفولته إذ لا تزال جذورها حية في أعماقه· في ذكائها وفضولها للمعرفة والبحث وجد فيها رفيقاً أنيساً يشاركه في لعبة السؤال والجواب السرمدية· خصال زوجته هذه كانت كافية لكي يعشقها ويخلص لها، لكنه ظل أبداً يحس بحرقة نيران التوق إلى (سجينة) رأسه، تلك المرأة الغامضة التي سوف احدثكم عنها فيما بعد· منذ عشرين عاماً وهي تقطن روحه· منذ أن فارقته لتدفن حية لبثت في ذاكرته لتقض مضجعه وتسبب له كآبة وحيرة مشاعر إزاء جميع النساء!
هكذا اكتفى (آدم) بحياته العائلية وإنقطع تماما عن كل ما يمت الى الوطن بصلة· رغم تعاظم الفرقة بيننا، إلا اني كنت الشخص الوحيد من أبناء بلده الذي يلتقي به، وبين فترات متباعدة·
أما أنا، فقد تفاقم عبثي وتعاظمت شهواتي لكل ما هو ممنوع ومحرم في حياتي السابقة وحيوات حتى أسلافي· كنت أنا دائماً ذلك المراهق الطائش، الشهواني العربيد المتشبث بتلابيب الحاضر حتى يرد إليّ أضعاف وأضعاف ما اغتصبه مني في الماضي· انغمست بعنفوان قياسي في عوالم من نساء وخمرة وحشيش ورقص حتى الفجر· جربت كل المحرمات ومبدئي أن أفعل كل ما اشتهيه ما دام لا يؤذي الآخر·
مع الأعوام وتطبع(آدم) على الحياة الجادة المنظمة، كانت روحه تهرم أكثر فأكثر حتى صار اشبه بشيخ عاقل بعد ان يأس من حلم نبوّته وثورته الفاضلة· يبدو انه وجد في عوالم حاسوبه (الكومبيوتر) تعويضاً عن فلسفات التغيير ونظريات تعقيم الشعوب، وفي حنان زوجته ما يعوضه عن دفء أحضان القضية!
كان يحلو لي احياناً أن أمزح معه بوصف معضلتنا بأننا كنا سمكتين بلون واحد هو الأحمر، ثم إنحدر بنا الزمن إلى نهر ماؤه أصفر وسمكه أصفر· أنا احاول البقاء بلوني الأحمر وهو يحاول أن يستحيل إلى أصفر، بينما الواقع يفرض اكتسابنا لوناً برتقالياً ينتج عن امتزاج الأحمر والأصفر· إننا كما يقول الروس، خرجنا من الريف ولم نصل إلى المدينة· ربما يكون (آدم) مثل معظم الأخلاقيين والمحافظين، يستغنون عن الشيء ويتجنبونه، لا لأنهم يمقتونه أو يرفضونه، بل لأنهم يئسوا من امتلاكـه والسيطرة عليه!
مهما فكرت يصعب علي تحديد الفوارق بيني وبين (آدم)· لم يكن تناقضنا وحده هو الفارق بيننا، إنما لأن في كل منا تناقضات تجمعنا وتشتتنا في نفس الوقت، أشبه بجيوش مهزومة قد ضاعت فيها الأمجاد والمراتب· يحدث أحياناً أني أنعته بأوصاف أجهل بأني احملها ايضا! من الصعب تكوين رأي بخصوص بعض الفوارق الحياتية الواضحة بيني وبينه· كان يكافح ماضيه بنسيانه وتجنب كل ما من شأنه أن يذكره به، وخصوصأ ابناء وطنه·· أما انا فكنت اعرف جيدا ان ماضيّ وحش يلاحقني اينما رحلت، وليس هنالك من حل غير الإلتفات اليه ومراوغته واللعب عليه لعلي انجح بتدجينه وتحويله الى كلب وفي
ذات يوم، أعتقد في شتاء 1988، هبط (آدم) إلى القبو ليجلب أدوات التزحلق على الجليد ليمارس رياضته المعهودة مع زوجته· أثناء نبشه الأغراض المتراكمة في الزحمة، لمح القارورة! كانت مركونة في زاوية مثخنة بعتمة ورطوبة وخيوط عنكبوت، متكئة على حائط كأنها تستريح من انتظار· رغم عجلته وانتظار زوجته، فإن رعشة تأنيب ضمير سرت ببدنه واشتعلت في قلبه جمرات حنين إلى ماضيه· تذكر موت أبيه وحاجياته العتيقة· تخيل مشهد أمه وحيدة في دار خوت من أبناء وبنات· الذين لم يخطفهم الزواج والقبر والمنفى، فإن الحرب قد أتت وأتمت خطف الباقين· أعوام تسعة مضت على فراقهم، صورهم امتزجت بصور حرب كان يتحاشى حتى الإنصات لأخبارها· سبعة أعوام الحرب قد فاقمت في ذاكرته شحوب صورة الوطن وقتامته· لم يرث من تاريخه غير الخوف· في طفولته، كان يمضي ليالي أرق خوفاً من الموت، ان ينام ولا يستيقظ· كان يخاف جهنم بعد أن وصف أبوه انواع عذاباتها التي تجعل (حتى شعر الأصلع ينبت ويقف)، هكذا علقت بذلك امه ذات مرة وهي تشير إلى رأس ابيه· كان(آدم) في حقيقته يتمنى الموت مبكراً· لأنهم قالوا إن الله يغفر ذنوب الطفل حتى سن السادسة· طريقه مضمون إلى الجنة! منذ ذلك اليوم تعرف أحدنا إلى الآخر، هكذا كأننا توأمان في بدن واحد· هو عاشق للموت من أجل نسيان بؤس الحياة ولبلوغ الجنة، وأنا من أجل نسيان الموت كنت اخلق لذة الجنة في لحظات الحياة·
Page 9
امتدت كف (آدم) إلى القارورة، وراحت أصابعه تمسدها وتمسح عنها الغبار· تساءل من أين حصل عليها أبوه: هل ورثها عن أهله أم اشتراها أم غنمها في حرب·· من يعلم؟ فكر في السّر الذي جعله يجلب هذه القارورة ويحملها معه عبر تلك المدن والأعوام· رغب ان يأخذها ليضعها بين تحفيات بيته، لكن يداه ترددتا بلمسها· خشي أنها ستكون عذراً للآخرين لأن يسألونه عن بلاده· الماضي يرعبه· كان مثل سجين هارب يتحاشى لقاء سجانه· لكني أعرف جيداً أن (آدم) مثلي، لم يمر أسبوع دون أن يعيش كابوس عودة مرعباً: حلم خانق، يجد فيه نفسه قد عاد إلى الوطن·· لا يعرف كيف حدث هذا؟ إنه بلا أوراق شرعية والجميع يطاردونه·· حتى عائلته تتجنبه لأنه سيجلب لها الدمار! لحظات من كابوس تعادل في عذاباتها ورعبها ساعات يقظة·· دماء وخوف وعيون جاحظة وحواجز عسكرية وضياع وسؤال صارخ :
كيف عدت وكيف أهرب مرة أخرى؟!
انه كابوس جميع من في المنفى· نجحنا في الهرب من سجن الماضي، ولم ننجح في جعله يهرب منا·· انه يصرخ فينا ساعات صحونا، ويستولي علينا ويحبسنا في زنازينه ساعات نومنا!
على اي حال، بينما هو في القبو أمام القارورة، انتبه إلى أصابعه تتلمس حافة غطاء قابل للتحريك· لم يكن يخطر في باله أن للقارورة جوفاً وغطاء! حرّكه واداره حتى تراخى وأخذ يرتفع· انتابه إحساس غامض من الرهبة كأنه مقبل على لقاء عزيز ينتظره منذ اعوام· كان في لهفة بدائية لإكتشاف جوفها· قال إنه سيحولهاإلى مزهرية تتدلى منها وردتان، واحدة بيضاء كحليب، واخرى حمراء كنبيذ·
فجأة، اندفع الغطاء بقوة خارج القارورة! نفذت أولا رائحة بشرية مألوفة، تشبه مزيج تعرق وعطر··· ثم بششش··· شـ·· شـ·· وإهتزت القارورة!!
خرج منها شيء ضبابي مصحوباً بصفير خافت وحزين!!
غاب عنه بصره، وتراجع· تحاشى سقطة، وتداعى على صندوق كارتوني انفطس به وحشره بين الأغراض!
قبل أن تتضح له الرؤية، سمع صوتاً إنسانياً كهمس في حلم، بث فيه قشعريرة وأفقده قواه على النهوض :
ـ سيدي·· لا تخف·· أني لك، ولأجلك·· جسدي لجسدك وروحي لروحك·· ملذات عشرات القرون والأسلاف أمنحها لك···
تدريجاً، مع همس أنثوي ناضح بغنج ورجاء، انبجس مشهد حلمي وتكشف:
أنثى بجسد عار وشعر منثور وقامة باسقة كنخلة في صحراء! خصيلات ليلكية متوهجة تجري سواقي على نهدين وحلمتين نديتين!
دهشته عقدت لسانه وجمدت تفكيره، لكنه ما فقد قدرته على إدراك الجمال:
خصرها ووركها كانا كأساً بلورية ترسبت في قعرها قطرات نبيذ حمراء·· فخذاها كانا طويلين بضين مخضبين بحمرة مداعبات شرسة!
رغم العتمـة، فإن (آدم) أبصر وجهها بوضوح: شفتين رطبتين كشريحتي بطيخ أحمر، وعينين مسبلتين برمشين كثين اسودين يحميهما حاجبان بهيئة سيفين معقوفين!
من يرى (آدم) في تلك الساعة سيتعرف بسهولة إلى ملامح غريبة ارتسمت على وجهه: حالة من يعيش خوفاً وشهوة في ذات الوقت·· كذئب يلتهم فريسته وعيناه على طلقة صياد قادمة· لكن خوف (آدم) لم يكن من موت بل من خطيئة· تجمد في حيرته· روحه استحالت إلى حلبة صراع همجي بين خوفه أن تنمسخ هذه المرأة الخرافية إلى أفعى تلتف عليه وتقصمه وتدنس بسمومها دماءه، وبين شهوته المتصاعدة لإلتهام هذا الجمال الذي تجاوز أشد الأحلام إغواءً·
إطمأن قلبه قليلاً وهو يراها تتحرك مثل بشر وتتضح بهيئة حورية في لوحة عارية من عصر النهضة· فتحت عينيها ورسمت إبتسامة طفولية ثم أمالت رأسها بغنج وأسبلت كفاً بين فخذيها وغطت بذراع نهديها· كانت قديسة حين تسبل رمشيها وتستحي، اما حين تفتح عينيها لتلتهم ما حولها فإنها ملكة داعرة!
هيئتها العجيبة جعلت (ادم) يسترجع صورة الحورية التي رسمها في خياله مع حكايات طفولته· ابوه كان يحكي عن جنة عرضها السماوات والأرض، فيها أنهار عسل وخمر ولبن، لكل مؤمن قصر فيه اربعون غرفة، وكل غرفة فيها أربعون سرير، وعلى كل سرير هناك أربعون حورية، وكل حورية من شدة جمالها وشفافيتها فإن الماء يبان وهوينساب في بلعومها! امضى عمره وهو يحلم بهذه الحورية لتمنحه لذة إحساس بالمطلق·
Page 10
راح (آدم) يتفحص بدنه والأشياء حوله، عله يتيقن من حقيقة وجوده وعدم غوصه في وهم· فتح فمه وأصغى إلى صوته، انطلق كصراخ مكتوم في كابوس خانق :
ـ من أنتِ؟!
جاءه صوته نشازاً كأنه يسمعه عبر مذياع· انه في اعماقه، لم يكن ينتظر جوابها، فأحس بنوع من الأسف من سؤاله خوفا من ان يكون صوته سبباً في اختفائها· لكن شكوكه بواقعية ما يحدث امامه قد تعززت عندما رآها ترمقه بعينين خمريتين، وتفتح شفتيها وتتكلم بصوت ذي نبرات حلوة كضحكات طفل، وحادة ذات رنين كقعقعة سيوف:
ـ أنا ياسيدي منذورة لك ولذريتك· أسلافك جميعهم امضوا شطراً من حياتهم معي··· كنت عشيقتهم السرية ورفيقتهم في ملذاتهم وانتصاراتهم، وفي متاهاتهم ونكباتهم وساعات احتضارهم· آخر رجالي كان أباك، ورثني عن أبيه وأسلافه·· منذ قرون لا تحصى وأنا أمضي خلودي في هذه القارورة، يتوارثني أبناء عن آباء· من يمتلك قارورتي يمتلك أسرار روحي وجسدي···
ظل مبهوتاً، وقد تدلى لسانه في فم فاغر! كل شيء كان يمكن أن يخطر على باله إلا هذا···! إمرأة خالدة الشباب والجمال طوع أمره ولإرضاء ملذاته! الآن فقط قد رأى بأم عينيه حورية أحلامه التي استقرت في أعماق طفولته· كان (آدم) عكسي، توقـه إلى الموت يمتزج بلذة خلود روحه في الجمال المطلق، بينما انا خوفي من الموت يذوب في ارتعاشات الجسد وملذات الحياة· كم مرة منعته من الإنتحار ليتخلص من جسده الفاني وليطلق عنان روحه نحو أعالي كون متسام عن وضاعة الدنيا ودونيتها! وكم مرة منعني هو من ارتكاب خطايا تبتغي الإنتقام من المسؤولين عن بؤسي·
استطردت المرأة بعد ان وجدت منه الصمت:
ـ تمهل واسترح··· هاك تلمسني وتيقن مني· إني بأجمعي لك فلا تخشني· دعني أدنو منك لأمسح عنك غبار العمر بحكاياتي عن أسلافك· هم كانوا ماضيّ، وأنت الان حاضري، وذريتك مستقبلي·· ديمومة نسلكم سر خلودي و···
وانقطع كلامها بصوت (مارلين)· كانت تهبط درجات القبو وهي تنادي على (آدم) أن يستعجل قبل فوات موعد القطار· تلبك في حيرته وكاد يصرخ بزوجته أن تأتيه لتشاركه المعجزة، إلا أن المرأة ارتمت عليه بسرعة مستغيثة به هامسة أن لا يفضحها·· حياتها له وحده وكشفها للآخرين يعني نهايتها· قالت إنها ستعود إلى قارورتها حالاً، وعندما ينوي لقائها يكفيه أن يفتح غطاء القارورة فتخرج له· ثم أغمضت عينيها وكورت نفسها حول القارورة كأفعى في لهيب· طفق جسدها يتلوى ويهتز ويتمطى ويتقلص، ثم غابت في القارورة مثل زوبعة ابتلعتها صحراء في حلم صامت·
طبعاً، أنتم تتوقعون ما يمكن أن يقوم به صاحبنا· في اليوم نفسه وصل مع زوجته إلى قرية (ناندا العليا) الراقدة بين قمم الألب المثلجة· بعد منتصف الليل تسلل تاركاً اياها نائمة في المنزل الجبلي· حمل حقيبته السوداء الصغيرة حيث تختبىء القارورة، ووضع تحت إبطه سكينة مطبخ، تحسباً للمفاجآت السيئة· مضى خارج القرية يطبش بين ثلوج ذاب بعضها بأشعة شمس عابرة·
بلغ باحة مرتفعة ينتصب في وسطها عمود بث تلفزيوني· كانت باحة مفتوحة وآمنة ونظيفة ومتنعمة بنور تتخلله التماعات حمراء قادمة من قمة العمود· أخرج القارورة من حقيبته ووضعها على حافة السياج الإسمنتي المطل على الوادي· اختار هذه النقطة ليسهل عليه عند الخطر دفع المرأة من الحافة لتسقط في أعماق الهاوية· كانت السكين بيده بينما أصابعه تجهد لفتح الغطاء· عادت إلى قلبه ارتعاشات اللذة باللقاء المرتقب، والرعب من أن مارداً جباراً قد ينبثق ويمسك به من شعره ويرميه كحجر في اعالي الفضاء!
انفتح الغطاء، ونفدت إلى أنفه رائحة انثوية مألوفة، واندفع فحيح خافت! تراجع (ادم) بعداً عن السياج وقبضته تشتد على السكين·· ثم، هكذا، عارية متوهجة وقفت أمامه من جديد، كما لو أن يداً إلهية خفية متمرسة بنحت الثلج والقمر قد امتدت وصنعت تلك المرأة العجيبة!
هيئتها وصوتها بثا تراخياً في قبضته···لأول مرة في حياته تدمع هكذا عيناه ليس حزنا ولا فرحا، بل انبهاراً!
ـ د··ثر·· ني··· ارجوك··الثلج يؤذيني··
عندما أدرك أن نبرات الصدق في صوتها موشاة بنغمات مريبة مغرية، تفاقم تردد مشاعره بين شيمة شجعان وحذر مخدوعين· في أثناء ارتجافتها كانت المرأة تقترب منه منسابة على أطراف قدمين حافيتين، جاعلة الحصى الناعم يصدر صوتاً كحفيف حيوان زاحف· راحت بهدوء تلقي بذراعيها على كتفيه، واضعة قدميها على حذائيه حتى التصقت به· آنذاك فقط،خضع (آدم) لشيمته وخلع سترته الجلدية ودثرها بها· أحس بعريها عندما امتدت كفاه دون قصد إلى ردفيها· لم تنتابه رعشة لذة بل رعشة ترقب وتساؤل، كصانع مبتدىء يتفحص بضاعته· كان ينصت لأنفاسها المتقطعة ويتساءل إن كانت أنفاس برد أم شهوة· عبقت في أنفه رائحة شعرها خليطا من حناء وأنواع عطور شعبية شائعة لدى ريفيات الوطن· لعن في سره نساء بلاده· راودته أحاسيس هي مزيج من ضغينة وأخوة، تنتابه في كل مرة يلتقي بإمرأة قادمة من الوطن·