الإهداء
إِلَيكَ ثمّ إليكَ ثمّ إليك,
هل علّقت قبلي امرأة بدن شوقِهاَ جِسراً لِعُبُورِ العشق؟
أحبُّكَ.. هَل سَمِعْتَهَا دافِئَةَ النبض هكَذّا
كَغَوصِ نُقْطَةٍ في سطر؟...
إِلَى عَكّا وإِلَيْكْ...
في القرن الواحد والعشرين يا سيّدي، ستعثر على امرأة واحدة على الأقل يفتنها شكل الورق، هي أنا، لا تؤمن تماما بالحضارة ولا بالعولمة، بل ربّما بالعودة قليلا إلى الخلف. أوّل الأشياء بسذاجتها المطلقة، كي تتخيَّل أوّل مرّة قبّل فيها رجل امرأة بشغف دون أن يكون بحاجة لكلّ النظريات الفارغة في فتح شهيّة الحب وصناعة مقبلاته.
في عصر التخلف يا سيّدي، كان الحب ممارسة لا يهجس في تعريفاتها أحد. ومنذ أصبح علما مستقلا ومعقدا استقال من كتلة الأعصاب الّتي تتحرك بنا، وأقالنا نحن منه، جلس في أحذيتنا اللامعة ومشى معنا إلى كلّ مكان، خلاف المكان المخصص ِله، ولذلك قررت في يوم الحضارة هذا أن أصبح امرأة تمتهنُ التخلف بفنية عالية وتكتب لك بأظافرها المتَّسِخةِ هذه الرسالة.
الفصل الأوّل
فكّ أزرار المغلّف بأصابع راعشة شوقا أو رعبا، لا يعرف، لكنّهُ سمع ضربات قلبه تقفز فوق السّطر، عثر عليهِ ممحوّاً بأحمر شفاه أزرق، ثمّ صفعته موجة انبعثت من وهج رائحة حرّيفة لامرأة بخمرِ قرنفلة. تشبه ما فكّر أن يكتبه ولم يجرؤ،تعبّأه الصّوت، ثمّ لم يسمع غير أنفاس نهمة لقبلة تلاحق شفاه.
" ترى هل توقعتُها؟ رسالة ببريد مستعجل مثل بريدي، أم أنّ المفاجأة عقدت سحابة غائمة بين حاجبيك؟ لقد وعدت نفسي بالإقلاع عن التوقع بشأن ما سيكون منك ما دمت شريكة غائبة عن السطر، وحدها الكلمة تزاحم الآن مزاجك العصبي كي تحضر معه، فلا بأس إذن من ردود فعلك مهما تكن.
لم يحدث أن اضطربت هكذا، وأنا أكتب رسالة، لكنّ يبدو أنها رسالة غير عادية لرجل لم يعد عاديا. كلامها مشتت في أقصى درجات تركيزه، ورغما عنه. لم أخطط لها، إنّما هي من كتبت كلامها. فمن عادتي ألاّ أكتب رسائل لرجال، لأنني لا أعرف أين يذهبون بها. وربّما لو كنت أعرف مثلا أين ستأخذ رسالتي هذه لامتنعت عن كتابتها. لا، آسفة، لم يكن أمامي غير هذا الخيار. فحين تنعدم الخيارات المنطقية أمام امرأة، تحيل قلبها إلى رصاص وتطلقه على مساحات بيضاء يسمّونها رسائل. بلا ترتيب، وبدون ضوابط. لأنّها تكتب حينذاك بلا قلب.
تململ قليلا، وهو يغيّب السّطور تحت كفّيه، ويلوّن قلبه بالشّوق. مدّ رموشه إلى السّطر، وقرأ:
إذن أريدُكَ أن تعرف أنّني أكتب برصاص ينبض عنّي. كيف حدث ذلك؟ لا أعرف. عذرا نسيت سيجارتك، هل ترغب في إشعالها الآن، أم أنّها ذابت بين أصابعك من أوّل سطر؟ هل قلت لك أنّني أرتجف شوقا، وخوفا ربّما. وأنّ الكتابة إليك كانت مخاطرة منذ الكلمة الأولى؟ وغير منطقية تماما؟
هكذا شاءت صرعة القرن. أن نستعيض عن هاتف المكتب باللاسلكي وعن اللاسلكي بالخليوي وأحيانا نستعمل عنه البرقيات الهوائية، هكذا أحبّ أن أسمّيها، فما هو المنطق إذن برصاص يذوب بين جفني السطر كي يحفر إحساس امرأة مهما يكن؟ منطقي ربّما في اعتبارات امرأة ضاقت بها السبل. وأعني ترتجف مثلي بمجرد أن تتخيل الورقة البيضاء مستلقية بملء عافيتها بين يديك. كيف؟ ولم تمت حين مزّقتَ طرف المغلّف وبدأتَ تسحبها بنفاذ صبر؟
تهدّجت أنفاسه، والتفت حوله، كأنّه خاف أن يُضبط متلبّسا بتقبيل الكلمات الّتي تداور عينيه. بشيء من العصبيّة أطفأ عقب السّيجارة. دفنها في عمق المكتّة، وأشعل واحدة جديدة.
استفزّته الكلمات من جديد حين حرّك طرف المغلّف الممزّق..
"أنا لا أعرف كيف تفتح مغلفات رسائلك لكنّني شبه متأكّدة أنّك لا تلجأ للآلات الخاصة بالرجال المهمين. لا زال في أصابعك رائحة النزق الأولي وسلوكياته، حزرت من الطريقة الّتي كنتَ ترسلني بها إلى الغرف المحترقة بأنفاس البشر، وتجرى راسما في الهواء حركة غريبة من يدك، وتعني سأعود إليكِ أو سأجدكِ. وكنتُ أحتار كيف ستجدني بين هذا الخلق الهاجم على البلاط والحجارة والكراسي والطاولات والأصوات.
بصراحة لم أعتد على هجمات البشر المنظّمة، وأخاف من الحشود، وقد أهرب دون تفكير إذا وجدت نفسي وحيدة. فجأة تذوب قوّتي وجاذبيتي أيضا، وأشعر بأنني طفلة ضائعة. هل يفهم رجلٌ هذه الأحاسيس المركبة عن امرأة تُذهِب عشرة رجال إذا علت أصواتهم إلى مقبرة؟ مؤكد لن يفهم، لذلك يجوز ألا يكّف مثلكَ عن إرسال عينين مستأجرتين خلفها حتّى تفرَغا عيناه الاثنتان مما يشغلهما.حكّ ذقنه، وقطّب ما بين عينيه حين رآها واقفة محنيّة القلب تعترف:
لم أكتب لرجل وأنا في حالة هستيرية كما أنا الآن. وغريب أن ألجأ إلى الورق، وأجعله رسولا مكان صوتي إليك. ماذا أفعل ولم تترك من ذاكرة مكانك غير حفنة رسائل مسجّلة وكومة أرقام ليست لك. مرّة واحدة سألتك عن هاتفك وتنصلت عن الإجابة. قلتَ كلاما مبهما مشتتا مثلك، فهمت بعد أن ضرَبتُه يمينا وشمالا للأسلاك أنّك بلا رقم وبلا عنوان، وضحكت منك.
كيف لا يملك رجل اسمه معلقاً في كل مكان علامة لوجوده؟ فهمت لاحقا أنّك من النوع الطيّار. مثلي تقريبا، ولا تحب أن يعثر عليك أحد ولا حتّى قلبك، على اعتبار أنّه لا يسكنك، كما أعلنتَ وضحكت.
كان من غير الممكن أن أحتمل غرورا كغرورك، (تراجع خطوة إلى الوراء، وعاد ينغمر برائحة الكلام)، لكنّني كنت متأكّدة أنّك لا تقصده تماما بل تتسلّى بأبعاده كي تتحلل من ذاتك. كيف وصلتُ لهذا الحل؟ لا تسأل لكن قد أعترف لك، لم يكن صعبا تماما أن أعثر على عنوانك. لم أطلب هاتفك، قلت في نفسي مادام غير راغب بذلك فمن غير اللائق أن أزعجه. ومن غير اللائق أيضا أن يجيبني صوت نسائي فيقتل لهفتي ويسحق اللعاب المحتفل باحتقانه في فمي.
كنت مشتاقة إليك لدرجة لا يمكن أن تفهمها لأنك لم تعش ما عشته خلال الأياّم الفائتة. لقد ارتجفت أسبوعا كاملا بك. لعنتك بداية، وأقسمت أن أنساك. لم أنم جيّدا بعد قسمي. عند الفجر أستيقظ ثم أعود إلى النوم ساعة قصيرة قبل طلوع الصباح. أُشاغل نفسي بكلّ شيء، وحين تعلن ساعة الحائط عشر دقائق قبل العاشرة بالتوقيت الّذي زامن رنين صوتك، ولا أسمعك يختلّ عقلي. أملأ البيت بهايدن وماياكوفسكي وكورساكوف. بيتهوفن وموتسارت، وماركيز وكل ما تقع يداي عليه. أصول وأجول مثل فرس بلا رسن، كأنني لم أنجز تمارين الصباح جيّدا، أو كأنني استعرت طاقة غيري لرفع الكرات الحديدية وتعذيب الدراجة الهوائية من موقعها مقابل قطعة البحر الزرقاء. لم أحبّ البحر أزرق تماما في الصيف. وتمنيت كل صباح أن تنزل الغيوم وتغتسل به كي يمتلئ بالغبار، لونه أجمل بدون طيف جسد، جميل وهو مغيّب عن المادّة، مثل الصيف، أما الزرقة الكالحة فهي من نصيب الشتاء.
ضرب رأسه كأنه يتذكر لحنا، رقّص رماد سيجارته فوق المساحة البيضاء، رسم نوتة لوجه أسمر، تبعثرت شعيرات لحيته أمامه...
أحيانا أترك "ريتا" تصبّح عليك، تناديك عبر رسالتها الأولى لعشيقها. عفوا، لا أعرف إذا كانت الأولى حقا، فلديها عشاق كثر، بغضب أو فرح يوقّعُهُ مزاجها:
"سلام لك/ رفعتْ المدينة مراسي الليل/ وجذّفتْ في العتمة/ أكتب إليك لأنّي وعدتْ / رغم أنّي لا أملك ما أكتب عنه/ انطفأ سر في كلّ نافذة/ عادت ساعة الزمن إلى الهاوية".
أرسَلَ أصابع رشيقة إلى خواتم شعره الكستنائي، وأعاد قراءة الأغنية. صفّرها أوّلا، ثمّ صمت وهو ينعفها فوق زرقة بحر مُتَخيَل. سمع ورقها يجتذبه ثانية:
.. كنتُ عكس تلك اليمامة اليمنيّة تماما، فلديّ عتمة روحك أجذّف فيها وأملك كلّ الكلام الممكن كي أكتب إليك، وكلّ الأسباب المقنعة كي لا أتراجع. لم أعدك بالكتابة لكنّك وعدت بهاتف لم يأت إلي، وبدعوة لم تصل بالبريد الجوي أو الأرضي. الأسرار أعرفها وحدي، وأنا من أطفأها داخل النوافذ لئلا يصل إليها بحارة الليل، وساعاتي كلّها تنفّذ هجوما مدروسا إلى الأمام، ليس مدروسا بالضبط، ولكنه هجوم حتمي على روحك.
تُرى هل فهمتَ ماذا كنتُ أعني حين تمنيت أن أقبّل روحك؟ هل فكّرتَ لماذا لم أقل فمك أو خدّك أو شعرك؟ لقد كنت بحاجة لما يؤكد روحانية حضورك معي. بحاجة حين أتذكرُك أن أتصوّف بمفاهيم أحاسيسي. بحثت عن مسميات مجرّدة لتبقى في مطلق فضاءاتي نفسا حائرة.
أحببت ألاّ يشغلني أحد عنك، كي أدرسك على مهل، والأصح أستشفك على مهل. أكنتَ تعرف أنني أتداهى لهذا الحد وأنا أراقبك من زجاج الباب المقفل؟ لكنني حقا بعد الّذي رأيته في القاعة الجانبية تركتُ الحضور وبحثت عنك، بل جرؤت على فتح الباب الثقيل وترك رأسي تقلب كل زاوية تتوقع أن تلجأ إليها في محنة ارتجاج القاعات بوجوه وأحذية لا تعرفها. ولم أجدك. بحثت كي أقل لك أنّني أريد الآن أن أقبّل روحك.
أخيرا عثرت على إحدى السيدات اللواتي يعرفنك، فقالت بابتسامة غير بريئة، كل النساء يبحثن عنه، ولأنني لا أدخل ضمن "كلّ النساء" اللواتي يبحثن عنك. قلت لها، أعتقد أنّه بالإمكان الاستغناء عنه. وهكذا قررت أن أضيع منك، ولجأت إلى كل الأماكن التي لا تفكر بالمجيء إليها. ترى، هل بدأتُ أرتجف منذ كاشفتني تلك المرأة العابرة بالنساء اللواتي يبحثن عنك؟ بدأت أعرق أكثر مما اعتدت حتّى أنّني رفعت شعري ببكلة تذكّرتُ الاحتفاظ بها في حقيبتي الجرّار.
حين رفعْتُه ونظرتُ إلى المرآة ابتسمت، وهمست لنفسي على استحياء، سيعتقدون أنني أحمل بيتي في هذه الحقيبة. لكن أعجبني مظهري هكذا، وشعري معلق أعلى كجسر ضوء يمرجح نظرات الرجال في الهواء. والحقيقة أن ثمّة رجلاً لم يترك تسريحتي الفوضوية في حال سبيلها، ولم يسحب نظراته من عيوني حتى خيل إلي أنّه ربما سيسحبهما من مكانهما، أكثر من مرة هربت وعثر عليّ. ليته عثر عليّ بين أعشاب الحديقة، بعد عودتي من مدينتك، عثر عليّ في كلّ مكان ذهبت إليه. لقد أصبح الرنين غير المُعنوَن هو الّذي يرهق مسائي وصباحي، والعشر دقائق بالذات الّتي خصّصتها بأنانية شديدة لصوتك.
هل تفهم كم كان سيّئا أن تجعل أرقامك كلّها غير مُعنوَنة وعناوينك بلا أمكنة وقلبي بدون نافذة ينطفئ فيها؟
لا يسمع سؤالاتي عنك غير ورق المساء، عندما يأتي من الغرب يبدأ جسدي بالتآكل، لماذا يأتي المساء كلّ ليلة ليرهقني بك, أو ليزوّجني بهواجس فقدت صوابها وهي تكتبك؟ لقد أحببت المساء قبلك، فلماذا أرتعب منه إذن هكذا ألأنّه يأتي هذه الأيّام بدونك؟
كل شيء يمكن الإفصاح عنه، وأنت تقرأه فقط. أنّني مشتاقة، وأنني مرهقة وأنّني أحتاج أن أراك وأنّني..لا أعرف ماذا. أين ذهبت هكذا دون أن تترك بعدك شذرات ضحكة؟ حين تقرأ كلماتي سلّم لي على البحر الّذي يصبّح عليك، وقل له أنّني دائما سأحقد عليه.
لو كنت قادرة على قراءة ما تحسّ به الآن وأنت تطالع تمزّق الأيّام الفائتة بين ساعاتي لامتلأتُ بنفسي. لكن، ماذا يهم بحقّ السماء، ما دمتَ أعلنتَ كل ما سجلتُه في دفتر ملاحظاتي الصغير طوال لحظات لقائي بك دليل امتلاء؟
أحسّ قامته تطول، ومن صدره تخرج شّوارع المدينة مستقيمة كأوّل مرةّ فكّر بنساء تمشي عليها. أطلق نصف ابتسامة، ومجّ نَفَسا طويلا من رأس السيجارة، ثمّ ترك ابتسامة مشاغبة تشرب أنفاس المرأة الّتي تتلوّن أمامه..
"لقد فهمت أنّ رسالتي ستصل لأحد الشوارع الحرّة في المدينة، تُرى، هل كانت الصدفة وحدها من ألقته عليك، أم تطلعاتك لمستقبل أجمل في مدى أشدّ اتّساعا من الكلمة؟ لا أعرف، لكن الحقيقة، حين أملت السيّدة اسم الشارع على قلمي ضحكت. سألتني لماذا أضحك، فقلت أنني أتخيّل أحد أقواس النصر تكلّل مداخل المدينة، وأنّها خالية من المستعمرين، ولا يهدل على قبابها غير الحَمام.
ضحكت هي أيضا، وهمست باستغراب، يخيّل لمن يسمعك أنّك من دولة أخرى. أجبتُها بحزن: كنتُ. قلتها وسكتُّ. تذكرت فجأة كلامك الغاضب عن أمك، وخيل إلي لنفس السبب الّذي يجعلك تتحدث عنها بهذه النقمة الصافية، أنّك الدولة الّتي أحببتُ أن أستوطنها.
هل أقول هذا الكلام لأنّني كرهتك أم لأنّني أردتك؟ لا أعرف، ولا أفهم للآن لماذا توقعتَ منها أن تمرر أصابعها في شعرك وأنت أكبر منها تقريبا صحّة وعقلا. هذا هو الشيء الّذي ربما يجري خلفك ويتعبك. ربّما لا تمتلئ جيّدا بصوت امرأة، رائحتها، عيناها، اسمها، عادات قلبها، غمزات خدّيها، أعمار حكاياها. تمنيت حين قلت ومرّرْتَ شعرك الجميل بين أصابعك أن أمدّ يدي إليه وأُخربطَه من الأمام إلى الخلف، ومن الخلف إلى الأمام، وعلى الجانبين، ثمّ أصفعك بقوّة، لماذا تنتظر منها هذه اللعبة المغرضة؟ كأنك لا تفهم أن الحبيبات هنّ من يتقنّ هذه اللغة. إنّ أصابعهنّ النحيفة وحدها تعرف كيف تربط آخر الشعرة بأولّ الروح. وأنت كنت بحاجة لأصابع تحرّك روحك. ليس لأمك ولا لعمّتك. بل لحبيبة تأتي بها من الموج الّذي يطاردك كلّ صباح. هل فهمت الآن لماذا رفعتُ نظرات صامتة إلى شعرك، وانتظرت أن تضيف شيئا جديدا إلى جملتك؟
رآها الآن بعيون قلبه تحدّق بأزرار أصابعه السّاخنة، متوهّجة الوجنة. سمع وشوشة أناملها تدحرج خرز حنينها إلى حنجرته، وترتعش ..
لقد كتبت نفسي بسرعة قياسية أستغرب لها. توقعت أن تستغرق أيّاما ثلاثة على أقلّ تقدير. لكن يبدو أنّ تماريني المسائية على رصيف الشارع الرئيسي لمدينتي الّتي تُجنّ في الليل هي من ملأني على هذا النحو، ودفعني إلى اعترافاتي الغريبة.
ضحك معها وهي تتراجع.. أهي اعترافات أم مهاجسات؟ وهي بين يديك تذكّر أنّني سجنتها الأيّام الثلاثة الّتي خصصتها لها، وأنّك وأنت تطالعها بهذا الملل أو بهذه اللهفة أتهيّأ للسفر. أرجو بعد هذا الكلام أن أتوقف عن التّداخل في ذاتي."
امرأة الرّسالة،
آب، 1988
هواجس
-1-
همست لنفسها، وهي تقبض على مضمون الرّسالة الغريبة، وتجري بها باتّجاه الحافلة.. هل يحتاج إلقاء رسالة في صندوقه كل هذه المسافات البعيدة خلف سائق حافلة مرهق؟ قطعتُ المدينة طولا وعرضا، وأنا أفتّش عن بريد ملائم أرسل منه أوراقي. لا، لم أكتف بابتسامات عاملات البريد في حيّي الجميل، ولم يعجبني وسط المدينة ولا المدينة التحتية. ونفيت نفيا قاطعا أن يكون لمركز البريد المتواضع قرب قهوتي المفضلة نصيب في مقاسمة ساعي البريد المركزي فرحة حمل مغلفي المستطيل داخل كيس الإرساليات الخاصة.
للمرّة الأولى أحسست أنني أحتفل بقدومي إلى رجل ببذلة غير مستعملة. ولا أعرف لماذا اعتقدت أنّ البريد المركزي سيقيم حفلا كبيرا بشموع ومشاعل مستقبلا، هذا المغلف الخمري الّذي يصر أن يكون خاصا جدا. ربّما أنا الّتي أوعزت لعاملة البريد بأهميته وربّما نوعيّة ورقه الفاخر. على العموم مضت ساعتان على أقلّ تقدير وأنا أرفض هذا البريد وأفكّر في ذاك، حتّى لمعت في وجهي ابتسامة عاملة البريد الرومانسي في الجامعة، ودون تفكير هذه المرّة غيّرتُ وجهة سيري وركبت الحافلة ربّما للمرة العاشرة وسافرت إلى الجامعة. ظلّت الحافلة تلمّ الناس من كلّ مكان وتفرغهم في كلّ مكان أيضا، وأنا جالسة في المقعد الأخير أراقب بصبر ما يحدث لركاب السائق الّذي يطمئن على وجودي في مرآته كلّما دخل راكب أو خرج منها.
حين وصل إلى محطته الأخيرة أعلى جبال المدينة لمحني في مرآته ثانية أقبض على مغلفي الأنيق داخل كيس نايلون أبيض؛ لئلا يسيل الحبر الّذي سجّلت بأسوده العنوان. تنفسنا أنا وهو الصعداء. ابتسم كأنّما أحالنا مشوارنا الطويل في أنفاق المدينة إلى أصدقاء قدامى، وصاح من بعيد: "هذا كلّ شيء" ابتسمتُ له أنا أيضا، وقلت: "لا يوجد أفضل من ذلك". لعنت السيارة الّتي تحرن في كلّ مرّة تعرف أنني ماضية إلى البريد أو المحكمة، لا بدّ أنّ لونها الترابي يجعلها نكدية لهذا الحد، وقررت في سرّي أن أستبدلها عند أول فرصة سانحة.
نزلتُ بخطوات سريعة كي ألحق طرود الإرساليات الخاصّة الّتي تغلق عند الثانية عشرة بالضبط. كانت عاملة البريد ترتاح في مكتبها المكيف ويبدو أنها تنتظرني، ابتسمت حين لمحتني أجذب يد الباب الكبير مثل كلّ مرّة بالاتجاه المعاكس، فأصدرت حركة من يدها مشيرة إلى الاتّجاه الصحيح. لم أشكرها كالمرّة السابقة بل خجلت قليلا وأنا أحصي المرات السبعمائة الّتي قبضت يدي على سكّرة الباب بالمقلوب، وبقيت بعد كلّ زيارة عنوانا لمغامرة.
همست بشيء من الضّيق.. ولا بدّ أنّها تتندر بضيق بصيرتي أمام عماّل النظافة، وأضَفْت: "لو أنّ هذه المرأة الفرنسية صاحبة الشعر الكستنائي القصير عرفت أنني منذ السادسة والنصف صباحا ألفّ مراكز البريد بحافلات مرهَقَة، أجهزة التّبريد في معظمها معطّلة لما اكتفت بابتسامة عذبة، بل ربّما جرت إلي وأجلستني فوق المقعد الشاغر إلى جانبها، وقدّمت لي قهوتها المائعة"
لم أفهم لماذا يزهد اليهود لهذا الحد بملاعق القهوة. ولماذا لا يسمحون بأكثر من ملعقة صغيرة لفنجان واسع كالّذي قدمتَه لي حين أتيتُ لزيارتك.
وقفت أمامها مثل كلّ مرّة بابتسامة عريضة، وهمست ككل مرّة تلاحظ مغلّفاتي الطويلة، "مستعجل جدا". ملأت الاستمارة البيضاء الّتي دفَعَتْها إليّ رغم أنّها اعتادت أن تملأها بنفسها. نقّطْتُها بالحروف الأولى من اسمك، ثم كتبتُ بخط بارز اسم شارعك الحرّ اسم المدينة، ووثّقَتُ بقلمها الساعة والثانية. هل تَرى كم كنتَ مهما بالنسبة لمركز بريد حالم فوق أعلى جبال المدينة؟ على خلفية المغلف لم أسجل غير رقم بريدي ومدينتي حتّى إذا اختلطتْ على ساعي البريد الأمور وضاع بين الشوارع الحرّة الكثيرة، عاد إليّ. همستُ، وأنا أتميّز من شدّة الاستغراب، صحيح اختلطتْ على سكان المدينة مترادفات اللغة، وأصبح كلّ شارع منحل يسمّونه حرّا أيضا. حين أغضبتني الفكرة تساءلت فيما إذا كانت بلديتكم تستطيع أن تحل هذا الإشكال. بلديتنا مثلا لا تعاني من البلبلة في تعريف الأسماء. وعمالها النبهاء خطوطهم واضحة ومنمقة، وتعاني فقط من أخطاء إملائية قاتلة، أمّا عندكم فاللافتات كلّها مرتبكة أو مقلوبة أو مكفيّة على وجهها. تُرى هل ألقيت بالا لهذا الوضع الخطير الّذي تتردّى فيه المدينة؟ لكن، ماذا يهمّك أنت ما دمت لا تخرج من صفحات الكتب إلا لتنام أو تتناول بعض الفودكا؟ أنا هي من تقلق على مستقبل المدن الّتي تتمتع بقدر معقول من المعاقل الحرّة.
وهكذا خرجت من الباب الرئيس وجهاز التبريد الحر مثلوجة، أتأمل الاستمارة كأن عاملة البريد منحتني شهادة تفوق في الإرساليات الخاصّة وليس استمارة عادية من الورق الرخيص.
نظرتْ أسفل الاستمارة، فعثرتُ على الرقم الّذي تحبّه مصفوفا بعناية وبأرقام مربّعة لا تملكها طابعتي اليدوية. قيل لي بعد ذلك أنّ المؤسسات الحكومية تتوفر على شبيهاتها. وقبل أن أنسى، لم أخبرك أنّ رقمك المفضّل واحد وعشرون هو الرقم الذّي خرجتُ من بين مقطعيه إلى الدنيا. هل يعجبك أم أنّ عليّ أن أتوقع أنّك ستستبدله حالا برقم يناسب امرأة غيري؟ على العموم لا يهمّني بعد أن أرسلت أسراري كلّها داخل مغلف خمري إلى شارعك المحرر.
-2-
بدأت أحلم بشارعك الحر كأنّه حقيقة لا لبس فيها. على جانبيه الشجر الأخضر، وداخل مساحاته العازلة الجوري والدُّفلى وقامات الزنبق، وربّما ياسمينة هنا وريحانة هناك. لم أفكّر بشارع قميء تربته جافة وشجره يابس، وعصافيره تركت خطوطه البيضاء لعصافير لاجئة.
بعد انتظار طويل حضر سائق الحافلة الّتي استأجرتني كي أوصلها إلى محطّتها الأخيرة.ّسائقها اعترف أنني من أتى به وبها بسبب بريدي الرومانسي. لم يحتل المقاعد الشاغرة غيري، والآن أيضا في طريق العودة سأصحبه معي إلى أحدى المحطّات المغمورة كي نصبح أصدقاء مستقبليين. صعدت الدرجات النظيفة وسلّمت عليه بلطف. شكرني لأنّني انتظرته كلّ هذا الزمن. فطمأنته، كان لديّ مشروع رسالة مرهق نكبني بكلّ شيء في هذا المكان المفزع. بدون سياّرة طياّرة كسيارتي صعب أن تنهي عملك خلال ساعة ولو استغرق دقيقة. هموم شعبك وقلبك تعضّك أمام كلّ واجهة سفّاحة من النوع الّذي أراه هنا. ضحك مندهشا من الكلمات الكبيرة الّتي أتصرف بها بحرية وطلاقة. طمأنته مرّة أخرى، هذا يأتي عادة بسبب هواجس الشوارع الحرّة في دول محتلّة. ابتسم بضيق عند آخر كلمة ففهمت أنّ صداقتنا على وشك أن تلفظ أنفاسها. لا بأس، قوميته ودولته بألف خير، ماذا يريد من قيامتي ومخيّماتي، أتؤذيه مشاعري المهزومة لهذا الحد؟
السماء مكفهرّة. تداخلت في دخانها الأحمر كل الطيور الّتي قررت الانتحار؛ لأنّها لن تجد مأوى إذا هبّت عاصفة من سماء تعيش على مزاج مكتئب. تمنيت حين لمحت الناس يملأون الأرصفة بتمارين الليونة المسائية خاصّتي، أن يسرع قليلا كي لا أضطر لامتصاص وحول الفصول الأربعة بضربة واحدة. يجب ألا أنهمك الساعات الّتي تفصلني عن رياضة المساء بغسل ملابس تحب تعذيبي كلّما اتّسخت. توقفتِ الحافلة أمام مركز البريد القديم القائم إلى جانب محطّة القطار الأرضية فسخرت من تخلفه، وساءلت نفسي كما ساءلتها في السابق، لماذا لا يحسّن هندامه قليلا. لا يبدّل بوابته الحديدية الصدئة مثلا، يجدد ألوان جدرانه المهلهلة، ليته يصعد مرّة واحدة إلى بريدي الرومانسي أعلى الجبل لينتفض على الدولة ورئيس حكومتها. أماّ مغلفي الخمري فقد استراح داخل الطرد الّذي يجمع إرساليات خاصّة جدا للناس المهمين. لكن هل أنت رجل مهم حقا؟ لا أعرف، لكن مما لا شكّ فيه أنّ مغلّفي وإشعاره الرسمي سيمنحك وسام الأهميّة مادمت امرأة، وأنت رجل. فالنساء هنّ من يسبغن الخصوصية على الرجال تماما كما يمنحها الرجال للسيدات. ولسبب ما اعتقدتُ أن جميع المغلفات الّتي لاحظتُ تدنّي قيمة ورقها ولونه تغار من مغلّفك، وتحاول جاهدة أن تعرف وجهته. كنت واثقة أنّه يحفظ سرّه لنفسه، ولن يضعف أمام أيّة بطاقة مورّدة. بقي شكله الجميل يملأ مخيلتي حتّى لفّت الحافلة لفّتها الطويلة في شارع المدينة، وعادت إلى محطتي المتواضعة.
أنجزتُ مشغولياتي وفق برنامجي المدروس بهدوء ومحبّة حتىّ سقط الليل في منامتي وبدأ يستثير دمي ويدفع سكنات قلبي ليهرب ثانية منّى. أهذا هو التورط في العشق. حين تقفز أعضاؤك جميعها معا وأنت هادئ تماما تحلم بالشتاء وعناوين الجرائد الهامشية؟ وتأتي النجوم إليك صاغرة ويجلس القمر مبهورا على كتفك؟ وتبدأ تهذي أو تقول ما لا يفهمه غيرك والغائب الذي لا يظهر بسهولة كي تعترف له بحمقك وشوقك؟ أم أنّه كلّ ذلك داخل التمزق والموت؟
-3-
الثانية والنصف بعد انتصاف اللّيل.
صوت ريتا الجميل يملأ همس البيت بهمس مضاعف. أسند أفكاري إلى طاولة المطبخ. أمزج كأسا من النبيذ الأبيض وأرشف من زجاجه على مهل. أمام القنديل الزيتي الذي أشعلته ساعات الأرق، أرى وجهك حزينا أكثر مما كان أمام المعبد. ترمش عيناك البنيّتان في قاع الكأس الممتلئة وتسأل لماذا أعذّب الكلام، ولا أدع العتمة تذهب إلى فراشها؟ حين أنام يا سيدي، سأترك الكون ينام ما يزيد عن صباحين أو ثلاثة. مددت أصابع باردة إلى خدي الباردة وطلبت برفق أن أغفو كما تعلمت دائما أن أفعل. لكنّها اللّيلة الّتي سيعقبها صباح يصل فيه مغلفي إلى شارعك الحر وقد يأتي صوتك بعده أو لا يأتي. هل سأحتمل عاقبة أشواقي؟ سأغادر المدينة غدا إلى أي جهة غامضة كي أتخلّص من وحدة هذه الأغاني البائسة الّتي يلحّنها قلبي خصوصا. يعلو همس ريتا من جديد:
" ألبس فستانا أبيض/ قرب طاولة المطبخ / أشعل شمعة/ لا تذهب الفكرة/ لكنّها تذهب تذهب، وتصبح ذكرى". أجل ذكرى. لا تلائمني هذه الرومانسية تماما، وثمّة عشّاق حقيقيون تخلبهم أكثر منّي.
أقبَلَ صباح لا يشبه ما جاء قبله. صورة البحر أجمل لوحة لأهازيجه. السماء اغتسلت تماما في ملوحته وصارت أشد بياضا من الثلج. كأن الملح يعيد الأشياء إلى ألوانها الأساس بمجرد أن يصافحوه. لكن لا شيء منك كما توقعت. رسالتي الأولى إلى رجل تاهت في بريد مدينتك، ومؤكد لم تصل إليك. ماذا إذن؟ هل أعترف بإهمالك نهارا وليلا كاملين لمفردات تفزع الحيتان إلى إناثها، ولو كنّ في أعلى جبال؟
كعادتي بدأتُ أخترع تبريرات جائزة لا أساس لها. لعلّ ساعي البريد عندكم لا يوقظ الناس من النوم صباحات الجمعة والسبت. على العموم كان أسوأ سيناريو ليوم لم أتوقع فيه شيئا غير وصول أوراقي متَّسخة بأشواقي الساخنة. سأضع أعصابي في ثلاجة، لا أملك حقا في الاحتجاج ما دمتُ أنا من بدأ هذه الحرب المسلحة على لا شيء. سوف أبدأ بترتيب ملابسي داخل حقيبة السفر الصغيرة. لن أحتاج لملابس كثيرة، فعمّان مزاج سمائها أفضل من سمائنا. أحبّ عمّان، ولا زلت ممتنة للرجل الّذي أحبّني لأنّه انصاع لفكرة البحث عن امرأة تفهم أشواقه أكثر منّي.
تُرى، أكنتُ أعرف أنّني في يوم صيفي قائظ؟ آب لا أحبه، سأقف على رصيف شارع يجمع الماضي بالحاضر. يمد لي رجل يده، يكون أنت، ويهمس بما لم أسمعه من رجل فاتن لهذا الحد "سعيد هذا الصباح بك يا سيّدتي". جميل أن يحضرني الصباح إلى أماكن لم أسجّلها على جبهتي أو في عروق يدي. داخل القبو المعتم أحببت صمتك، كنتَ خرافي الصوت، وأنت تتحدث عن رجل ليس أنت، ثم تعلن في آخر السطر أنّه يشبهك. ترفع سبابتك فوق المنفضة الغارقة بالرماد وتهمس، متى ماتت كل هذه النساء، وتضحك بمقاطع واضحة. فاتنة ضحكتك حين تسقط مكاحلها فوق الطاولة السوداء. وخيّل إلي حين أفرغت ضحكتك الرماد من المنفضة مثل جبل من القتلى، وجلستُ بفرح مكانه،إنّك الرجل الفوضوي الّذي سأتورط به خلال الأيام اللاحقة.
لم أكن امرأة صالحة لرجل يريد فروض حب ثابتة ولا مهاتفات بالدقيقة والساعة، ولا همسات. وكنت رجلا يصلح لكلّ ذلك ولا يصلح لشيء أبدا. فهمت من الحروف الأولى المحفورة أعلى باطن يدك أنّك فتّشت دائما عن علاقة لم تحدث لامرأة. لماذا؟ هذا ما ستقوله أنت. وكانت تلك العلاقة لم تحدد أبعادها، أو مفرداتها.
-4-
هل تشربين قهوة؟ أطلقتَ سُؤالكَ لفضاء الغرفةِ كحمامة فرّت من قلبي لشفتيك.
ابتسمتُ بحذر، أحبّ ذلك. سوداء! كنتَ تقرر وحدك. أكّدت لك بإشارة من عينيّ، سوداء وثقيلة. أكنتُ أقرّر حقيقة التصلّب الّذي ستلحقه ببدني؟ معذِّبا لهذا الحد؟ لن يفهم الرجال قلب المرأة ولو شرّحوا عضلاته عضلة عضلة. الرجال-هذه حقيقة- لن يفهموا امرأة. لماذا يعبدون الجري خلف الأحذية العالية؟ يتدلّهون بتحريق النساء لأعضائهم، وتقليمهنّ لأظافر عواطفهم حين تكون صدفة على قيد الحياة. لماذا إهمالهم حدّ الموت سيظلّ حلا وحيدا أمام الحياة؟
أكنتُ أقتلك بلامبالاتي، هل أقسو عليك كما أفعل للقطّة الّتي تلحقني كلّ صباح على الدرج، وهي ترى الخبز والحليب بيد والهاتف الّذي يستهدفه رصاصك بيد؟ هل أحيلك إلى قطّة. آسفة، لا أحب القطط، أحب الكلاب، وأن أعاملك كما أفعل لكلب سيّدة شتاينر؟ شيء قمىء جدا. أخافا الاقتراب منه، وحين ألاطفه فمن بعيد، وهي ممسكة بالطوق المذهب الذي يزين فروته. أقذف له بعلبة المارتديلا الفاسدة، وأصعد إلى شقتي بخطوات عجلى دون أن أنظر إلى الخلف.
متى سيفهم الرجال إذن، وأنت، كيمياء الحبِّ المعقدة كي يرفعوا منسوب الزئبق قليلا في شرايين سيقانهم، ويتخلوا عن عادة الإسراع إلى زوايا لا يرى الحب منها أسماءه واضحة، مثل كومة الرماد التي جلست أمامنا فوق الطاولة.
-5-
أحين تموت الشموع تمتلئ المنافض بالغياب؟ ولماذا الموت يختصره الرّماد دون سواه من ألوان المادّة؟ كان أوّل سؤال طرحته عليك حين وصلتُ إِلى عكّا.
ضحكتُ، تلك الضحكة الخجلى، وأضفتُ: "حالات المادة يدرسونها في الصف الرابع الابتدائي. قلتُ: "أريدُكَ أن تكون من يدرّسها لي، لديّ معلومات ناقصة في علم الأحياء، لم أعاشرهم جيّدا كي أتعلم شيئا عنهم". "لكنّ الشموع ليست أحياء"، قلتَ: "بلى يا سيّدي، كيف لا تعرف أنّها حين تضيء تصبح كذلك، غريب كيف لم يدرّسوكَ هذه الحقائق في فلسفة الطبيعة!". " قالوا لنا أشياء كثيرة، قلتَ لكنهم يبدو أنهم تركوا بعضها لكِ"، وضحكتَ بخبث.
ابتسمتُ لاعترافك، ونظرت إليك بملء عيوني. كان الحليب الذي يشرب منه طحلبان عميقا الخضرة يسطوان عليك، كأنّهما من عالم لا تعرف كيف يتشكل فجأة ويجلس مكان عينيك. بعدهما لا ترى أحدا. كنت سأسألك كيف يحدث لك هذا الأمر، ولم أجرؤ. رأيتُ أعصابك في أصبع قدمك، واعتقدتُ لو أنني أضفت أي شيء عادي لمزاجك الاستثنائي لما بقي على الطاولة غير صورتي المخربشة أمامي وصوتك المرتجفِ في شعري المنبوش.
متى تفهم ثورة امرأة لم تحب الحبّ قبلك، تتهجّاه كأنّها تخاف الحياة، أو أنّها تخافها حقا وتجد بك ذريعة لإعلانه هكذا عاديا وتلقائيا ومألوفا. كأن الحياة دارت معي جيلا كاملا ولم تعثر على رجل تؤسطره وتلخصّني من خلاله غيرك. لكن هل تلخّص المستحيلات؟ فمشروعك واضح، أن تذهب إلى السراب، ومشروعي أن أرسمه بكوعي، أو ربّما بعنقي، أو ربّما بالجزء الّذي لا كبريت فيه كي يشعل من حوله الأشياء، وأنت أحدها.
صباح الغد أتى سريعا، أو ربما أبطأ مما اعتقدت. وقفت سيارة أجرة بانتظاري إلى موقع الإقلاع، وأعني السفر. ومنذ صعدت لم أر غيرك، ابتسامتك المعلقة على جانب فمك رسمتها على وجوه من احتلّوا المقاعد المجاورة. كأنّها قطعة تنزع وتثبت بنفس الطريقة، وتنتقل إلى وجوه لها شفاه مثل شفاهك بآلية تحْسُدُ الحضارة عليها نفسها.
هل قلتُ لك أنّني في إحدى المرات مددتُ يدي إليك وأردتُ انتزاعها؟ اعتقدت أنها قطعة معدنية متحركة يكفي أن تلوح لها كي تستسلم ليديك. كيف يصبح الحب حالة مرضيّة على هذا النحو؟ لا شعوريا بدأتَ تتكلم في قلبي. يومي الأخير قرر استعادة وقته معك. بدأ يحكي ما اعتقدت أنّه لا يعرفه، أو لا يذكره. لم أملك إجابة عن السؤال، كيف أتذكرك بهذا الوضوح؟ شعرك الهارب إلى الخلف، قامتك العالية، وجهك الأسمر، عيونك الحالمة دائما بلون تسرقه على غفلة، وكُمّ قميصك العالق بأعلى كتفك. لم أحبب في رجل كلّ ما أحببته فيك.
كلّ هذا الزمن لم ألتقِ بك، وحين دفعوني لذلك رفضت. قلتُ باستخفاف، ماذا يعني أن أقابل رجلا يقفز كالقِرَدة تحت الأضواء؟ لكنّ الحقيقة أن الأضواء كانت تقفز إِليك. كنتَ تمسكُنِي من قَلبِي وتَشُدّهُ إِلَيك. هل تعرفُ كيف؟ من انحناءَتِهِ الصغيرة باتّجاهِ الأمام، كَما يَفعلُ طفلٌ لِكوعِ أُمِّهِ حينَ يلحُّ فِي طلبِ شيء! أين كان هذا الزمن الحار بكلّ أبعاده المدهشة؟ استعدتُ حالة الفزع الّتي استولت علي، ومعها جوعي وفقدي. هل وصل بريدي كما يُعتقد؟ همستُ بحياء للنافذة التي يغطس منها البحر مع أشجار الكرمل وسفوح تلاله المتحاضنة، لماذا لا تحضنني مثل هذه الأشياء؟ مشيتُ إلى البيوت القريبة من الشرفة، تحتها مباشرة بيت العجوز، ضاربة البيانو، وبعدها بقليل رغوة الموج الضاحك للصباح، صباح يشبه اسمي. أوشكت أن ألتهم وحدتي وأحوش الصمت بمرفقي كأنّي أحوشك أنت.