eKtab
EN ع
امرأة لن تتكرر
Read free sample

امرأة لن تتكرر

by عماد أنيس بيطار

Page 1

لا تشرق الشمس على اللاشيء أبداً...

فإلى الرائعة التي تركتْ

ذكراها لتلطيف أجواء عمري...

عماد

Page 2

كانت تمنح ابتسامة مهذبة لا يمكن نسيانها أبداً...

وابتسامتها نوع من اللطف الذي يشعرك بالمتعة

والاطمئنان معاً... فتأخذك إلى عالم أكثر جمالاً وإمتاعاً...

وكل هذا قبل أن تفتح فمها لتقول شيئاً... وإذا قالت!

فبكلمات بسيطة تمسّ قلبكَ مسّاً لطيفاً

ويكون لها شأن في حياتكَ.

Page 3

عند هذا الحد، تركتُ القلم وتوقفتُ عن الكتابة للحصول على استراحة قصيرة كي أسترد فيها حيويتي قبل الشروع في الكتابة من جديد. كانت الساعة تشير إلى العاشرة وخمس دقائق ليلاً. لم يعكر استراحتي سوى مجيء شخص! لم يكن حضوره متوقعاً على الأطلاق في هذا الوقت المتأخر! كان القادم حريصاً على إخفاء حركته، لعلَّه كان يتوخى ذلك! والدليل، أن تلك النقرات الناعمة التي استخدمها بالطرق على الباب كانت خافتة تماماً، لم أسمعها، ولم أنتبه اليها لولا أنّ دفعة جديدة من النقرات قد تتالت من بعدها بوتيرة أعلى. عندئذ عرفتُ بأن زائراً يدق بابي. نهضتُ عن مقعدي لأستكشف هوية القادم من غير موعدٍ ولا استئذان مسبق. وحين فتحتُ الباب، وجدتُ أمامي جارتي "نيفين" تبتسم ابتسامتها المعهودة، هي ابتسامة لا تشبعكَ أبداً، فتتمنى في قرارة نفسكَ ألَّا تخفيها عنك لحظة.

ـ مساء الخير سيد عماد... إني آسفة على إزعاجك... ولكن الذنب ليس ذنبي...

"إنها خفيفة الظل كعادتها... كلماتها تشبه الورد، فلا تمل النفس منها... حركاتها مهضومة إلى آخر الدنيا... وإضافة إلى ابتسامتها، فرؤيتها أمامك تدخل المسرة إلى روحكَ... وتشعركَ بأنك أمام ساعة من الزمن لا تفوّت ". فكرتُ في كل ذلك قبل أن أرد عليها:

ـ إذن... ذنب من يا نيفين؟

ـ الذنب كله يقع على هذه الرسالة التي أحملها في يدي...

ولولاها ما كنتَ لتراني الآن واقفة أمامك (ازدادت ابتسامتها اتساعاً)

أكثر ما كنتُ أفتقر اليه في تلك الأيام هو فتاة أحبها حتى الثمالة. ليس أية فتاة، بل نيفين بعينها. فأنا أستأنس بوجودها، لذلك ابتسمتُ لها مؤكداً أنَّ حضورها يسرني ويزيد من سعادتي حتى لو كان الوقت متأخراً. رمقتها بنظرة توحي بالتقدير والاعجاب. فرمقتني هي الأخرى بنظرة من عينيها لتخبرني شاكرة أنها مرتاحة إلى مضمون تلك النظرات. ثم سألتها:

ـ ما هذه الرسالة يا آنسة نيفين؟

ـ أرجوك قل نيفين فقط... ودعكَ من لقب "آنسة"... فهذا يشعرني بالرضا.

ـ حسناً... إذا كان هذا يسركِ...

ـ جاء رجل من مكتب المحامي ابراهيم عزت قبيل ظهر اليوم ولم يجدك في المنزل... فتركها عندي لكوني جارتك الوحيدة في هذا الطابق كي أسلمها لكَ حينما تعود... وها آنذا أنهي مهمتي... تفضل خذها...

ـ شكراً لكِ... أنتِ دائماً صاحبة فضلٍ عليّ.

ـ لا كلفة بين الجيران... والآن تصبح على خير.

ـ وأنتِ من أهلِ الخير يا آنسة نيفين.

ـ سيد عماد... ألمْ نتفق على إلغاء لقب "يا آنسة"!

ـ عفواً... لقد نسيتُ... أعذريني أرجوكِ...

ـ الآن سأدعكَ بسلام.

ـ مع السلامة... وشكراً لكِ.

Page 4

"شيء من الغرابة في تلك الرسالة. لا بد أن في الأمر خطأ ما! فأنا بعيدٌ جداً عن هذه المواضيع، ولا صلة لي بأي محامٍ منذ ولادتي! إذن... فهناك حلقة مفقودة ؟! ". هذا ما فكرتُ فيه حين جلستُ بهدف قراءتها. كانت كلماتها قليلة، ولا تزيد على السطرين:

"لا بد من حضوك إلى مكتبنا عند الساعة العاشرة من صباح الغد لأمر ضروري، يتعلق بشخصكم ومستقبل حياتكم".

في تلك الليلة، لم ينفع مرور الوقت ودوران الساعة من العاشرة إلى الحادية عشرة فالثانية عشرة، في إيجاد حلٍّ لهذا القلق الذي يسدُّ عليّ كل سبيل إلى النوم. ولا مبالغة إذا قلتُ، إن القلق قبيح وفظيع على الرغم من أنّ وجوده في تلك الليلة أمرٌ طبيعي. فرأسي يضج بالأسئلة لحد الامتلاء، وذاكرتي تعمل منذ ولادتها على مراجعة سجلاتها القديمة لعلّها تجد شيئاً ما قد يربطني بقضيةٍ تستوجبُ حضوري إلى مكتب المحامي! لم أصل إلى أيّ شيء يُذكر. كررتُ المحاولة تلو المحاولة إلى أن غلبني النعاس، فنمتُ ولله الحمد.

"كثيراً ما نجد صعوبة في اكتشاف أننا على خطأ. فهل هناك شخص آخر يحمل اسماً شبيهاً باسمي !؟ وقد التبس الأمر على المحامي! ". حدثتُ نفسي بهذا الأمر وأنا في طريقي إلى مكتبه. وحديثي مع نفسي لم يخلُ من فائدة. فقد زاد في إصراري على كشف الحقيقة، وأصبح العمل الوحيد على جدول أعمالي لهذا اليوم هو معرفة أمر هذه الرسالة. لذلك لم أتوقف عن محاورة نفسي الا حين وصلتُ إلى مكتب المحامي. هناك جلستُ في غرفة الانتظار. كان الهدوء واضحاً لدرجة كنتُ أسمع فيها صوت صرير القلم الذي تستخدمه الموظفة. ذلك الهدوء لم أنسهُ فيما بعد، إذ كلما عدتُ بالذاكرة إلى ذلك المكتب، فصوت القلم هو أول شيء استرجعه.

استدعاني المحامي إلى غرفة مكتبه الخاص. كنتُ أتخيله صغير السن، فأذا به أكبر من سور الصين، ولا يصلح إلا أن يكون سطراً في كتاب التاريخ. استقبلني مرحباً: "أهلاً وسهلاً بالسيد عماد". وعلى الرغم من ترحيبه بي، شعرتُ بهول هيبته، وبدوتُ أمامه مثل فرخ عصفور.

بعد الترحيب، أخبرني بأمر صدمني على نحو بالكاد يُصدق! كان أمراً خارج حدود التفسير العقلاني.

لم يصدر عني الا همهمة غير مفهومة! كان القصد منها أن تُظهر للمحامي ذهولي من الموضوع الذي حدثني بشأنه. حاولت ترتيب أفكاري بطريقة أستعيد فيها طبيعتي وأدفع عني الدهشة التي شلَّت حركة السير في رأسي، وعطلت إشارات المرور الضوئية كافة. فقلتُ له:

ـ هل نحن أمام عمل تلفزيوني؟

ـ ماذا تقصد بالضبط يا سيد عماد !؟

ـ أقصد مثل أي برنامج فيه خداع ومقالب على غرار برنامج "الكاميرا الخفيّة".

Page 5

ضحك المحامي بشكل مفرط، وكادت وجبة أسنانه تسقط من فمه، فتراءى لي بأنه لم يضحك في حياته كلها مثل ما يفعله الآن! ثم نهض عن مقعده مثل شاب رشيق الحركة وتقدم ناحيتي. توقف أمامي مباشرة، وانحنى برأسه لتزول المسافة الفاصلة بين رأسينا. لمس أنفه أنفي! لكنه سرعان ما تراجع مسافة شبر إلى الوراء، رافعاً يده ليمسك بنظارته ويعيدها إلى مكانها المناسب بعد أن تزحزحت عنه قليلاً. نظر اليّ عن كثب من خلف عدسات سميكة، إذ كان يعاني من قصر نظر في عينيه. إنه طراز قديم من البشر. قليل الكلام ويحرص على ألَّا ينفق منه أكثر مما ينبغي. فهذا النمط من الناس لم يعد يتم تصنيعه حالياً، ويندر وجوده في هذه الأيام. وربما هو القطعة الوحيدة المتبقية على وجه الكرة الأرضية. لكن الغريب والعجيب أن تستخدمه تلكَ السيدة المتوفية وكأنه آخر محامٍ على قيد الحياة. راح يحدق بي. ولم يكن لدي مجال للتذمر والاحتجاج! وعند هذه اللحظة رد على سؤالي الذي سألته إياه قبل قليل:

ـ لا يوجد كاميرا خفية ولا من يحزنون... فأنا لا أمزح يا سيد عماد... ما قلته لك كان صحيحاً مئة في المئة.

ـ إن ما ذكرته لمغرٍ جداً... ولا يسعني الا قبول رغبة تلك السيدة المتوفيّة... ألا توافقني الرأي يا سيد ابراهيم؟

ـ يا سيد عماد... يمكنكَ الرفض إذا شئتَ... وأن تعود إلى حياتك السابقة.

ـ إذا لم أوافق على قبول شروط الوصية، فسيعتبر تصرفي هذا إساءة بحق المرحومة... ويُعد تصرفاً طفولياً لا معنى له.

إنه حقاً لأمر عجيب! لم يكن بمقدوري أن أفرح للنتائج التي آلت اليها المحادثة مع المحامي فحسب، بل لم أكن أصدق ما جرى من فرط السعادة التي حلّت بيّ فجأة. فلأول مرة في حياتي كنتُ مشحوناً بجرعة كبيرة من الأحساس بالنشوة والاعتزاز بالنفس لدرجة لا يمكن تقديرها بأي آلة قياس. فهذه الوصية غيّرت رؤيتي إلى الحياة. فلم أعد ما كنتهُ بالأمس، ذلك الانسان الذي ودَّ أن يتوقف عن الوجود ويكف عن القيام بملء رئتيه بالهواء. بينما الآن، وبفضل هذه الوصية غدوتُ أعشق الوجود وكل موجود، حتى من كان على نسق هذا المحامي العتيق الذي قال لي:

ـ من الآن وصاعداً... عليك بنسيان حياتك الماضية، والاستعداد إلى ما هو أبعد بكثير من حياتك الحاضرة... فأنتَ الآن أمام لحظة، "ولا في المنام تراها".

تابع حديثه وأنا لا أزال مشتت الانتباه، وعدم انتباهي لم يكن يوحي بأي مغزى سوى أني لم أزل مشوشاً من الفرحة. حاولتُ جاهداً مراجعة وقائع الأحداث لتبدوَ أقرب إلى الفهم لأن ما يحدث هو شيء رائع للغاية، شيء شديد البعد عن عالم التصديق ويمكن وصفه بعبارة واحدة فقط، ألا وهي: "صدق أو لا تصدق".

مرت أفكار كثيرة في رأسي. لم أدرِ أية فكرة أريد! ما أريده في هذه اللحظة هو نسيان الماضي والّا أعود إلى ذاتي التي عشتها سابقاً. فذكرياتي القديمة تحوّلت الآن إلى كومة نفايات، ومن يرغب باسترجاع النفايات؟ حتماً لا أحد. بقيتُ مسترسلاً في تخيلاتي. وسبب ذلك أني في كنف ساعة ميمونة حملت السعادة اليّ، فحق لي أن أحلم. ولم يسعفني أحد في العودة إلى اليقظة سوى ترديد اسمي لأكثر من مرة: "يا سيد عماد... يا سيد عماد...يا سيد عماد". وذلك بعد أن لاحظ المحامي غياب أية ردة فعل من جانبي تجاه حديثه! فاستيقظتُ قائلاً:

ـ نعم... نعم أسمعك يا سيد ابراهيم... لكن هل تكرر ما قلته للتو من فضلك.

ـ أمامك ثلاثة شروط في هذه المرحلة... وعليك الالتزام بها... وإلا ستؤول الثروة بكاملها إلى الهيئات الخيرية.

ـ سألتزم حرفياً بالنص الوارد في الوصية... وإذا شئتَ أن أكون أكثر دقة في التعبير... سأتقيَّد بالضمة والفتحة والكسرة.

ـ حسناً تفعل يا سيد عماد (يبتسم)... والآن تفضل وخذ هذا الدفتر. (يعطيه دفتراً).

ـ ما هذا؟

ـ دفتر مذكراتها اليومية... لقد تركته لكَ لتقرأه وتتعرف إلى شخصيتها وكأنكَ تعيش برفقتها... وهذا الأمر قد أكّدت عليه في وصيتها.

ـ لا يهمني إطلاقاً أن أعرف شيئاً عن شخصيتها أو عن يومياتها في الوقت الحاضر! ألمْ تمت؟

ـ بلى

Page 6

ـ إذن... يمكنها الانتظار.

ـ لا بد لك من قراءة المذكرات يا سيد عماد...

ـ حسناً... سأفعل بأقرب وقت ممكن... أما الآن فلنعد إلى شروط الوصية.

ـ أولاً يجب أن تكون عازباً أو مطلقاً أو أرملاً بلا أولاد... وأن أبقى شخصياً مشرفاً على ثروتك وأعمالك إلى يوم مماتي.

(في أعماق نفسي قلت: الله ياخدك).

ـ يا سيد عماد... هل أنتَ عازب؟

ـ نعم... لاأزال عازباً... فأنا لم أعثر على نصفي الآخر بعد... وإني على استعداد تام كي أبقى مضرباً عن الزواج، إذا كان يرضيكَ هذا؟

ـ لا... لا... ليس لهذه الدرجة (يبتسم).

ـ أما كونكَ مشرفاً على ثروتي وأعمالي... فأنتَ كل الخير والسعد يا حضرة المحامي.

ـ والشرطان... الثاني والثالث (يقاطعه عماد).

ـ موافق عليهما بالعشرة.

ـ تمهل يا سيد عماد... واصغِ إليّ جيداً... إنَّ المرحومة كانت تعشق الدقة والاتقان في كل شيء.

ـ رحمها الله... يبدو أنها كانت صعبة المراس في كل شيء.

ـ الشرط الثاني ليس صعباً كونه يتعلق بكتابة قصة حياتها وتحويلها إلى رواية أدبية... نخرجها إلى النّاس بمظهر أنيق لنخلِّد ذكراها...

ـ ومن سيكتب الرواية؟

ـ حضرتكَ يا سيد عماد... ألستَ كاتباً؟

ـ بلى... لكني كاتب مغمور!

ـ اغتنم الفرصة إذن... وهاكَ دفتر مذكراتها... خذ ما شئت منه... انما احرص على صدق العبارة يا سيد عماد...

ـ سأفعل ما في وسعي على الرغم من أني لم أكتب سوى أقصوصة واحدة في حياتي... وكان عنوانها "الكاتبة الصغيرة".

ـ إنها فرصتك الذهبية لتصبح كاتباً مشهوراً... ولكن... (يتوقف عن الكلام).

ـ ولكن ماذا؟ يبدو أن وراء سكوتك مصيبة ما !

ـ لا... لا... كل ما في الأمر أنه يتوجب عليك الانتهاء من كتابتها في خلال سنة كحد أقصى... وتبدأ المهلة في الاحتساب من وقت دخولك إلى منزلها والعيش فيه.

ـ سنة قد لا تكفي لكتابة رواية! ألستُ محقاً في ذلك يا حضرة المحامي؟

ـ إن لم تفعل... تخرج من المولد بلا حمّص... أي لن ترث شيئاً... ولكنني أظنك قادراً على تنفيذ هذا الشرط.

ـ أنا لا أعرف عنها شيئاً! والبحث عن معلومات قد يستغرق وقتاً طويلاً.

ـ يا سيد عماد... هذا هو الشرط الثاني... أتقبل به أم لا؟

ـ مكره أخوك لا بطل... لقد رضيتُ به.

ـ بحوزتك المذكرات... هذا أولاً...

ـ أي أن هناك ثانياً أيضاً!

ـ ثانياً... إن ساتيا ستساعدك في كتابة الرواية.

ـ ساتيا! ومن تكون هي الأخرى؟

ـ مثل حالتك... كاتبة مغمورة على غراركَ وستعملان معاً. ً

ـ لا أحب أن يشاركني أحد في كتابتها!

Page 7

ـ هذا الأمر منوط بالشرط الثاني... وعليك التقيّد به.. ثم إن ساتيا تعرف أدق التفاصيل عن حياة المرحومة وأسرارها... إضافة إلى ذلك، فهي جميلة جداً... تشبه نور الشمس عند الفجر... لطيفة فوق الحد... ستحب رفقتها بكل تأكيد.

ـ يبدو أن المرحومة صعبة المراس حتى في مماتها! وإلا ما معنى هذا الشرط!

ـ لا تستعجل في الحكم على ساتيا... فحين تراها ستغير رأيك كلياً... أما الشرط الثالث يا صديقي فهو الأصعب.

ـ الأصعب! بدأتَ تخيفني! الله يستر!

ـ ليس هناك من داعٍ للخوف.. فكل الحكاية أنك لن تحصل على الثروة (يقاطعه عماد).

ـ ماذا قلت! لن أحصل عليها؟! فلماذا وضعتْ المرحومة شروطها إذن...؟

ـ تريث ولا تنفعل يا سيد عماد... فأنا أقصد بأنك لن تحصل عليها إلا بعد انقضاء عام كامل على وجودك في منزلها حيث ستكتب روايتك هناك برفقة ساتيا... اضافة إلى أمرٍ آخر سنتحدث عنه في حينه..

ـ من أين جاءتني ساتيا هذه؟ من أي قمقم سحري خرجت لي !

ـ قلتُ لكَ لا تُصدِر أحكاماً غيابية يا سيد عماد...

ـ على حظكِ يا مسكينة سكروا المدينة... لقد ورثتُ ثروة يصح فيها قول المثل: "شم ولا تذوق".

ـ كل ما تحتاج إليه من أغراض وحاجيات يومية... فأنا أهتم بها شخصياً... كما يحق لكَ خلال هذه السنة... وفي أي وقت تراه مناسباً أن تأخذ مبلغاً من المال وقدره مئة ألف دولار نقداً في حال قررت الانسحاب والرحيل.

ـ لن أنسحب ولن أرحل.

ـ لا يزال هناك تفصيل صغير يا سيد عماد.

ـ أيضاً! ألن ننتهي بعد؟

ـ لا يحق لك الزواج إلا بعد الانتهاء من كتابة الرواية... وهذا أمر متروك إلى المرحلة الثانية... وسنتكلم عنه في حينه...

ـ لماذا اسمي أنا فقط؟ من بين كل الأسماء تذكره المرحومة في وصيتها؟ !

ـ إن اسمك لم يأتِ من فراغ... ولم يهبط عليها من السماء... فلا شك أن في الأمر سراً... ولا بد أن تكتشفه لاحقاً.

ـ متى أنتقل إلى منزلها؟

ـ سأعمل على إنهاء الإجراءات القانونية كافة لتأمين انتقالك خلال يومين على الأكثر.

ـ ألا يكفيك يوم واحد فقط؟

ـ تريث يا سيد عماد... فالعجلة من الشيطان.

ـ كيف لا أتعجل الأمر! والثروة تقدر بخمسين مليار دولار.

ـ لن تنال منها شيئاً في الوقت الحاضر... فلمَ العجلة؟

كانت الأمور تسير بلطافة ما بعدها لطافة. لم أنتبه لمرور الوقت، ساعة من الوقت وأكثر مضت بسرعة غير معقولة! شعرتُ فيها وكأني كنتُ في هذا المكان لدقيقة أو لدقيقتين وليس أكثر من ذلك. فالثروة كانت مفاجأة كبرى بالنسبة اليّ. كنتُ مشدوداً إليها. بل كنتُ، والحق يقال، فرحاً بها. فرحة ما بعدها فرحة. واجتاحتني أفكار عبثية بأعلى مستوياتها: " أفكار رشيقة كالصبايا، تحمل شيئاً من الطيش الذي نعهده في مرحلة المراهقة. وأعني به، السفر إلى الخارج... لقاء فتيات حسان، صغيرات كالعصافير... مواعيد غرام"، وأنتم تعلمون الباقي. إنها أفكار من النوع الذي يركض خلفه الجميع من وراء الكواليس والأقنعة التي يلبسونها.

هذه هي الحقيقة. فالثروة شقلبت دماغي في تلك الساعة على الرغم من أني لستُ من هذا الصنف الرديء الذي ذكرته آنفاً. لكن للمال أثره السيء في النفوس. وهذه ظاهرة طبيعية نفسية شائعة، لا علاج لها الا بالثقافة والمعرفة.

بعد عودتي من مكتب المحامي، كان الشك قد أخذ مني مأخذه، فلم أهضم الفكرة بعد! إذ كيف يمكن لامرأة لم ألتقِ بها يوماً، ولم أسمع باسمها، ولا أجد لها مسودة في ذاكرتي لا من قريب ولا من بعيد، أن تهبني كل ثروتها؟ وهناك أمر ثانٍ لا أخفيه عنكم، فأنا خائف من حدوث التباس في الأسماء عن طريق الخطأ، مما يعني أنّ هناك في مكان ما إنساناً آخر يحمل الاسم ذاته. وقد يكون هو صاحب الحق في الميراث ولستُ أنا! لكن معاذ الله ألف مرة بل مليون مرة أن يكون ذلك صحيحاً. ولا أظنه صحيحاً البتة، بدليل أنّ المحامي قد أكّد هويتي وأصرّ على أني صاحب الاسم المقصود والمطلوب بلحمه وشحمه وعظمه وبجلده أيضاً. وحين توصلتُ إلى هذه النتيجة، سرعان ما راحت الشكوك، في داخلي، تصغر شيئاً فشيئاً حتى غدت في نهاية الأمر مثل رأس دبوس، ولم تعد تشكل هاجساً. لكن يبقى السؤال: "لماذا أنا بالذات ذاك الشخص المعني؟ وهذا ما أحاول أن أجد له إجابة في الصفحات القادمة!".

Page 8

غرابة ما بعدها غرابة أن أعود إلى الحي الذي أعيش فيه بمعنويات رائعة، ما عرفتُ مثيلاً لها منذ قدومي إلى هنا. إنّ حيّنا منذ ولادته لا يعرف الراحة نهاراً، ولا الهدوء ساعة، ولا يخلو من الأطفال وعجقتهم لحظة. المارة فيه كثيرون. ونداءات الباعة المتجولين لا تكف عن الصراخ لكثرتهم. غضضتُ الطرف عن أي مشهد يعترض طريقي. لم أرد رؤية أية تفاصيل تذكرني بانتمائي إلى هذا المكان البائس. ولتشتيت انتباهي عما حولي، أخذتُ أعيد تسلسل الأحداث بسرعة ليتأكد لي أن حياتي القديمة قد انتهت فعلاً، وأن كل لحظات ذكرياتي السابقة لم تعد تخصني باستثناء ما يجمعني بـ"نيفين"؛ فكل يوم عرفتها فيه هو يوم مميز بالنسبة إليّ، إذ إنّ التفكير فيها، بحد ذاته، له وقع جميل في نفسي. أما حضوري اليوم إلى هنا فليس سوى زيارة حتمية سرعان ما يزول مفعولها خلال يومين فقط. ولا بأس بأن أزيدكم علماً بما فكرتُ فيه في تلك الساعة. فكرتُ في أشياء كثيرة لا أعرف من أين تأتي! وطرأ على بالي فجأة ما حدث مع الفيلسوف البريطاني "برتراند راسل" حين كان يدرس الرياضيات في صغره. كان يفهم شرح التعريفات ويستوعبها بسرعة فائقة. ولما جاء دور البديهيات، كان عليه أن يقبلها على أنها مسلمات لا تقبل الجدل ولا تخضع للبرهنة، فاستاء "راسل" من ذلك وقـال: "لماذا ينبغي عليَّ قبول هذه الأشياء إذا لم يكن بمقدوري اثباتها"؟. فأجابه المدرّس وكان أخاه الأكبر: "إذا لم تعترف بها كما هي فلن يمكننا الاستمرار بالدرس". وأعني بهذه القصة: إن الحياة تفرض علينا أموراً ينبغي علينا الأخذ بها في كثير من الأحيان. وتسمى تلك الأمور بالمسلمات أو بالأمر الواقع. وكذلك الأمر بالنسبة اليّ أيضاً، فلو أنني لم أعترف بهذا الحي فيما مضى، ما كنتُ لأستطيع الاستمرار في حياتي. أما الآن فقد أصبحتُ في وضع يسمح لي برفض هذا الحي وكل مسلماته.

وصلتُ إلى البناية التي أقطنها. أول ما خطر ببالي "نيفين". توجهت مباشرة إلى منزلها، لكن لم أجدها؛ فعدم وجودها قضى على رغبتي في الحماسة والنشاط! وأوقف فيَّ حس التلذذ بجمال الأخبار التي أحملها. لم أعط لغيابها عذراً ولم أنظر إليه بعين الرضا. كانت الساعة تدنو من الثانية بعد الظهر. ورأيتُ في عدم وجودها إجحافاً بحق مشاعري. لقد أردتها أن تشاركني فرحتي. لكن يا للأسف. أحسستُ بضيق في صدري وصعوبة في التنفّس، وكأن الشهيق والزفير أصيبا بشيء من الأعطال.

وحين استدرت ناحية باب بيتي، عانيتُ من توتر عادي لكن فيه ما يكفي من الانفعال الداخلي لتعكير مزاجي. وفي لحظة دخولي إلى المنزل شعرتُ بالشفقة عليه بما يكفي لدفع المرء إلى البكاء. لم أكن أحب هذا البيت بقدر ما أحببت العيش قرب نيفين. ألم يقل المثل الشعبي: الجار قبل الدار.

وكم وددتُ أن تكون هي أول من أصادفه وأخبره بما حدث معي هذا اليوم. فواأسفاه، لم يحدث ذلك. وإلى هذا يعود السبب في كآبتي الآن.

داخل البيت، وجدتُ نفسي بصحبة الفراغ، لا أنيس ولا جليس. مرّت الذكريات مسرعة، لم أتوقف عند أي ذكرى على الرغم من أن كل أشيائي الخاصة التي أحببتها لم تزل تسكن هنا. لكن يبدو أن ذكريات هذا البيت تمّحي شيئاً فشيئاً ولم تعد تبث حرارتها في رأسي. وعلى كل حال، بطريقة أو بأخرى، كان البيت لا يناسبني ونقطة على السطر.

" زمن الانتظار أوقاته طويلة وصعبة". عرضت لي هذه الخواطر فيما كنتُ منتظراً مجيء نيفين. فجأة رنّ أحدهم جرس البيت معلناً عن قدومه. للوهلة الأولى ظننتُ أنها هي. قفزت عن الكرسي كالسعدان وفتحتُ الباب مثل طرزان لأجد أمامي "جناب الست أم عامر" واقفة مثل قصبة صيد السمك. إنها نحيفة وطويلة جداً بالنسبة لزوجها "أبو عامر" الذي لا يتعدى طوله حبة الخيار. فهو قصير جداً. وإذا وقف بجانب زوجته يوماً، فإنك ترى الرقم عشرة. إذن... لقد خاب ظني، فلم تكن نيفين.

جارتي أم عامر تقطن في الطابق الأسفل، ورؤيتها تنبئ بمصيبة قادمة. لقد اعتادت على الاستعارة بشراهة، فأي شيء يخطر في ذهنها تطلبه منك: "خبز، سكر، بن، طنجرة، شرشف"، أي شيء مهما قل حجمه أو كبر مقامه. ناهيك عن مساعدتي المالية لعائلتها في الأول من كل شهر بما تيسّر بحوزتي. إنها أمٌ لتسع بنات، يشبهن حبات السبّحة الواحدة في الخلقة، لكنهن يختلفن في الأحجام. فأكبرهن كالبطيخة حجماً، وأصغرهن كحبة العدس. أما أبو عامر فكان يصرّ ويعمل كل ما في وسعه ليلاً فوق جسدها لتلدَ له ذكراً يحمل اسم العائلة الكريمة. لكنها في كل ولادة مضت كانت تلد له طفلة حتى أصبح اليوم يكنى "بأبو البنات". الكبرى فيهن تبلغ من العمر ستة عشر عاماً والصغرى لم تتخط عامها الأول بعد. فماذا عساه أن يفعل وهو يعمل أجيراً بأجر يومي لا يكفي شخصه المحترم! فكيف ببقية العائلة السعيدة؟

ـ خيّ عماد... عندك شوية سكر وكم رغيف...

ابتسمتُ لها وطوّقتها بذراعيّ ونقدتها كالديك قبلة على خدها قائلاً: "عُذراً... وألف عذر منكِ عن هذه القبلة الأخوية... أنا اليوم في قمة الفرح".

ـ خير إن شاء الله... فرّحني معك خيّ عماد...

أمسكتُ يدها اليسرى ثم اليمنى وطلبتُ منها أن تتكرّم عليّ برقصة نؤديها معاً في هذه المناسبة السعيدة.

ـ خيّ عماد... أنا ما بعرف أرقص فرنجي... بعرف هز خصري... وبعدين أنت خبرني شو صاير معك... وأنا برقصلك شرقي.

تقدمتُ صوبها للمرة الثالثة ونقدتها مجدداً قبلة على الخد الآخر.

ـ يا خيّ عماد... شو القصة؟ حاجي بقى تحرقصني !

Page 9

طلبتُ إليها أن تتخطى عتبة البيت وأن ترافقني إلى المطبخ. فلبَّت طلبي.

ـ يا ست أم عامر... خذي المطبخ من أوله إلى آخره... فهو بتصرفك.

ـ خيِّ عماد... هل أنتَ مريض؟

ـ أبداً... لستُ مريضاً!

ـ طيب... عيد تاني مرة شو قلتلي هلق... يمكن سمعتْ غلط

ـ خذي المطبخ كله... والصالون أيضاً... وإذا شئتِ أن تأخذي غرفة النوم... فلا مانع لدي إطلاقاً.

ـ ليش هالكرم بالجملة... بدل ما يكون بالمفرّق أو بالتقسيط متل ما جرت العادة بيناتنا!

ـ هل تحتفظين بسر؟

ـ أنا أم الأسرار كلها... أنت قلْ ولا يهمك.

ـ ربحت الجائزة الكبرى في لعبة "اللوتو". (لم اشأ إعلان الحقيقة إلا للآنسة نيفين).

خرجت أم عامر من عندي مسرعة مثل سيارة سباق، تزغرد بلسانها زغاريد الأعراس. لكن لم يطل غيابها سوى دقيقتين أو ثلاث حتى عادت بخطى أسرع وأخف، ويرافقها على الوتيرة نفسها أفراد عائلتها دون نقصان في العدد. ناولتني طفلتها الصغرى، فحملتها. ثم توجه قسم من البنات إلى المطبخ. وقسم آخر إلى الصالون. والبقية دخلن إلى غرفة النوم. كن يتحركن مثل النمل في كل الاتجاهات. لا واحدة تخرج فارغة اليدين. والقطعة التي لا يمكن حملها بالمفرد، يحملنها بالجمع. لم ألقَ أي اهتمام من إحداهن. فأصغر ملعقة في المطبخ كانت تلقى اهتماماً منهن أكثر مني بكثير. لم أكن أخطط للأمر على هذه الصورة الفوضوية حين قلت لها: "خذي كل شيء". لكني لم أرغب في سرقة الفرحة من عينيها. ولم أشأ أن أمنع عنها بسمتها الخارجة من القلب بصدق. وبفضل طيبة قلبي خرج الأمر من يدي ودبت الفوضى. عندئذ تركتُ الأمور تجري على هواها. فاختلط الحابل بالنابل وحدث هرج ومرج مما أيقظ غفلة الجيران كافة. وما هي سوى دقائق قليلة حتى هبوا وفوداً من كل الأعمار، وكأني أقيم احتفالاً بمناسبة رأس السنة والدعوة مجاناً! فارتفع صياحهم مثل الديوك والدجاج في محاولة منهم لمعرفة الحقيقة وتفاصيلها.

ـ عماد ربح جائزة اللوتو يا عالم.

ـ الله وأكبر... الله وأكبر... الجائزة الكبرى؟

ـ أكيد الجائزة الكبرى... وهو يوزع أغراض البيت حسنة عن روح أمه.

وصل خبر الجائزة بلمحة بصر إلى آخر رجل وامرأة في الحي. فأتى لزيارتي من لم أره في حياتي، بل لم أره حتى في المنام. واستمرت الجماهير في التوافد، حتماً ليس لتهنئتي وانما كي لا يفوتهم القطار في المشاركة. وهكذا كان، أفواج تدخل فارغة اليدين، وأفواج تخرج محمّلة اليدين أو على الظهر، بحيث أن الذي يرى ذلك المشهد يظن أن القيامة حقاً قد قامت. اذ بات منزلي شبيهاً بيوم الحشر. فلا موقع قدم لقادم جديد، ولا أحداً يسأل عن أحد. فأسرعتُ ناحية مكتبتي الصغيرة، رفيقة حياتي في السراء والضراء للإبقاء على حياتها، لكن المفاجأة السارة، أن أحداً لم يمسها أو يلتفت اليها. وتبين لي أن الكتب هي آخر ما يفكر فيه هؤلاء البشر الا في حالتين: "في لف السندويشات وفي حمامات المراحيض".

في تلك الآونة، ما كانت نفسي خالية من النغص. كنتُ أرى ملامح معركة بالأيدي على وشك الوقوع، وقد صدق ظني. فها هي أم عامر تتلاسن مع أم شكيب بشأن التلفاز الصغير! وكادت الشتائم تفضي إلى إطلاق الشرارة الأولى لبدء المعركة. اقتربت لأنتزع فتيل الانفجار وفرض النظام. إلا أن شد الشعر قد بدأ قبيل وصولي مباشرة، فاضطررت إلى الفصل بين المرأتين، وقلت لأم عامر:

ـ عيب يا أم عامر أن تختلفي مع جارتك من أجل شيء تافه!

Page 10

تحولت أم عامر بطريقة ما إلى امرأة أخرى تتصف بالعدوانية في تصرفاتها، ورمقتني بنظرة غريبة وكأنها لم ترني من قبل. ثم نهرتني قائلة:

ـ أنتَ شو بيهمك... صار معك مصاري... بكرا الله بيسمعك بوضوح... بس نحنا الفقراء ما حدا بيسمعنا... روح حل عني واعطيني بنتي من إيدك.

حملت ابنتها الصغرى وراحت تبربس. لم أتوقع هذه الإجابة من امرأة مؤمنة! إنما يبدو أن الجهل والفقر يحجبان نور الله عن القلوب.

كان هدف الجميع نهب الموجودات وتحويل الحسنة إلى سرقة. حاولتُ أن أضع حداً لهذه المهزلة. فتنهدتُ واستنشقتُ نفساً عميقاً استعداداً لإطلاق صرخة مدوية تخشاها القلوب وتخرُّ لها الجموع. صرختُها من أعماق قلبي، لكن لم يشعر بها أحد وكأني لستُ موجوداً بينهم في الأصل. كل يسرق على هواه وحسب شطارته.

لم ينته العرض المسرحي إلا بخروج آخر شيء من محتويات الشقة. تلك الشقة التي أجبروها على خلع ثيابها واغتصبوا محتوياتها ثم تركوها عارية تماماً - كما خلقتني يا رب - لقد رأيت كل ذلك ولم أحرك ساكناً على غرار مجلس الأمن الدولي. لقد نظفوا البيت على أتم وجه.

الله يعطيهم العافية - حتى ثيابي الداخلية اختفت! وكيف لا تختفي؟ إذ كانت الخزانة نفسها قد اختفت هي الأخرى! والسرير أيضاً! ذلك السرير الذي وددتُ الاحتفاظ به لمدة ليلتين فقط. فإذا به خرج ولم يعد! لم أنتبه لخروجه، إذ كنتُ مشغولاً بحلّ الخلاف بين النسوة.

ما أقساك يا زمن حين يكون المرء وحيداً من دون رفقة. ها أنا ذا وحيد بعد أن خرج الجميع تاركين خلفهم الصمت والفراغ وصورة سقراط الفيلسوف على الأرض. تخيلتُ أن الصورة تشكو لي أمرها وتريد تقديم شكوى ضد الأقدام التي داستها في هذه الأمسية. مسكين سقراط، فماذا يفعل بين هؤلاء البشر؟ فهذا ليس مكانه! ألم يعلم أن من فقد مكانه، فقد مقامه؟ وأستطيع الآن أن أتنبأ بمستقبل هؤلاء الناس الجهلاء، فأرى بعين الغيب مشهداً قاتماً بانتظارهم.

جلستُ على الأرض متربعاً. تأملتُ ما جرى منذ قليل. ما كنتُ أظن أن الفقر يُخرجُ الإنسان من إنسانيته! أو كيف يجعله تائهاً في حلقة مفرغة! فالفقر كلمة قاسية بحق الإنسان، سواء أكان كبيراً أم طفلاً. إنها حقيقة تثير المرارة في النفس، لكنها من حقائق الحياة التي لا تنتهي.

ها أنا ذا أنتظر عودة نيفين. أستعجل مرور الوقت. أغمضتُ جفني لعلّي أسمع أولى خطواتها. وأنا في تلك الحال، سمعتُ صوت ارتطام كعب حذاء بالأرض. بدت الخطوات في مشيتها نسائية تماماً. فأيقنت أن نيفين قد وصلت أخيراً. سررتُ بوصولها. فهي تثير في النفس كل الأشياء الجميلة. وكم قلتُ في نفسي ما أعيد قوله الآن: لماذا تثير فتاة جميلة كل تلك المشاعر والأفكار اللطيفة فينا؟ ولا أزال أعتقد أن السبب هو رغبتنا في الاستمرار في الحب.

ولّيتُ وجهي ناحية الباب. كان مشرعاً بدفتيه. لم يمر سوى لحظات حتى طلّت بهيئتها البهية، فأعادت اليّ ما افتقدته من بهجة النفس. وقفتْ بمحاذاة الباب، ونظرتْ اليّ باستغراب شديد. أضف إلى ذلك ألف سؤال بدا على فمها حين وجدتني متربعاً على أرضية المنزل. والحق يقال، كانت محقة. فنظرتُ اليها بدوري أتأملها. فإذا بها كما عرفتها دائماً: إنسانة واضحة، طموحها أكبر حجماً من عمرها. لقد أحببتها بصدق، ومن نحبه بصدق لا يخرج من قلبنا أبداً. وأنا لستُ من الذين يرغبون في تمضية بعض الأوقات الممتعة مع فتاة وكفى. لستُ من هذا النوع. ولكن لم أكن أتصور أن الأحداث القادمة في سبيلها ستنعطف منعطفاً أكثر ألماً وبشاعة. فالأحداث القادمة لم تكن في الحسبان اطلاقاً.