مقدّمة
ألم تسمع يوماً صوتاً يَصدُر من أعماق قلبك يقول لك:"إلى أين تذهب؟ توقف، اسمعني أرجوك....."
أغمض عينيك وحاول الإستماع إلى أعماق روحك. دعنا نمضي سوياً في رحلة إلى أعماق أنفسنا, لإكتشاف السعادة المزروعة في قلوبنا.
يحتوي هذا الكتاب على العديد من الأمثال التي تدفعنا إلى التفكير والتأمل، إلى التوقف ولو للحظة والإستماع إلى حفيف أوراق الأشجار، إلى الرجوع لطبيعتنا الخيّرة المعطاءة.
ليس بمقدورنا أن نُجبِر الآخرين على حبِّنا, يمكننا فقط أن نعطي لأنفسنا الفرصة لذلك.
أمثال بوذية
بكلمة واحدة
زار حاكم أثناء سفره معلماً ليقدم احترامه له وسأله: أشغال الدولة تنتظرني، ليس لدي وقت لأحاديث طويلة، هل تستطيع أن تختصر جوهر الدين في كلمتين لإنسان مشغول مثلي؟.
– لحضرة جلالتك أستطيع أن أختصر ذلك بكلمة واحدة.
أمر لا يصدق! قل لي بسرعة ما هي هذه الكلمة العجيبة!. –
الصمت. –
وكيف الوصول إليه؟. –
بالتّأمّل. –
وهل أستطيع أن أعرف ما هو التأمّل؟. –
الصمت. –
أعطِ نفسك للحرية
سأل تلميذ: ما هو السبيل؟.
أجابه المعلم: السبيل هو الحياة اليومية.
– وهل يمكن تعلّمهُ؟.
إذا حاولت ذلك ستبتعد عنه. –
– لكن كيف يمكنني معرفة السبيل إذ لم أتعلمه؟.
– السبيل لا ينتمي إلى العالم المُدرَك، كما أنّه لا ينتمي للعالم غير المُدرَك. الإدراكُ وهمٌ، عدمُ الإدراك بطلانٌ. إذا أردت الوصول إلى السبيل الحق، سلّم نفسك للحرية التي تملكها السماء.
افتح خزائنك الخاصة
زار دايدزو مرّة المعلمَ ماسوباشو في اليابان، فسأله باشو: عمّ تبحث؟.
أجابه دايدزو: عن الإستنارة.
– إنك تملك خزائنك الخاصة، فلماذا تبحث في الجوار؟.
أين هي خزائني؟. –
خزائنك هي في أنّك تسأل. –
عندها استنار دايدزو وأخذ بعدها يقول لأصدقائه:"افتح خزائنك الخاصة، واجمع الكنز من هناك".
فن عظيم
طلب إمبراطورٌ من فنان أن يرسم له جبالَ الهملايا على جدران قصره. كان الفنانُ مُعَلّمَ زن*، وأجاب على طلب الإمبراطور أنّه بحاجة للعيش مدة ثلاث سنوات في تلك الجبال.
سأله الإمبراطور: هل سيستغرق منك ذلك ثلاث سنوات؟.
أجابه الفنان: إنني أطلب الحد الأدنى من الوقت، لن أستطيع رسمها قبل أن أُصبحَ جزءاً منها، عليّ أن أذهب إلى هناك وأذوب فيها.
بعد مرور الوقت المطلوب، رجع الفنان ورسم تلك الجبال خلال ثلاثة أيام, ثم جاء الإمبراطور لرؤية عمله.
كانت معجزة، لم يرى في حياته جبالاً خلاّبة مثلها. وقف مطوّلاً يتمتع برؤيتها، ثم قال:إنّني أرى طريقاً ضيّقاً هنا، إلى أين يُؤدّي؟.
أجابه الفنان: هل تحب أن نذهب ونرى؟.
فذهبا ولم يرجعا.
انتظار الشّكر
كان عند تاكوا أتباع كُثر، وكان من بينهم شيخ غريب الطّبع. حدث مرّة أن بعث هذا الشيخ خادماً إلى تاكوا يعزمه إلى بيته.
قال الشيخ للخادم: مهما كان طعامي بسيطاً أريد أن يتناول المعلم الرز والشعير المسلوق في بيتي.
كان المعلم يحب ذلك الطبق، فقَبِل العزيمة بكل سرور وذهب إليه. تم تقديم صحن كبير من الرز والشعير المسلوق، ولم يكن عند الشيخ أية بهارات لرشّها على اللّبّة، لم يكن على الطاولة حتى فجلٌ. فكّر تاكوا في نفسه "ألن يقدم لي الشيخُ مع الرّز حتى القليل من الملح؟", لكنه لم يطرح ذلك السؤال لأن فمه كان ممتلئاً باللّبّة اللّذيذة.
كان الشيخ جالساً بهدوء ينتظر انتهاء ضيفه من الطعام. بعد أن ملأ المعلم معدته وقف ليغادر،لكن الشيخ أوقفه قائلاً:أيها المعلم, لقد قدّمتُ لك الرز المسلوق، أما أنت فتغادر من غير أن تشكرني، أهكذا يتصرف الرهبان؟.
أجابه المعلم: لقد دعوتني لتناول الطعام، ولم تَدْعُني لتقديم الشكر. ومن غير تردد خرج من البيت. انزعج الشيخ من ذلك الجواب وقرّر الإنتقام. في تلك اللحظة دخل المعلم راكضاً وصاح: إنّها تمطر بغزارة! من فضلك أعطني مظلّة وغيتاً (الغيت: نوع من أنواع الأحذية يُصنع من الخشب يتم ارتداؤه عند هطول الأمطار, حيث له ارتفاعاً أكبر من أنواع الأحذية الأخرى).
فرح الشيخ بذلك وقدّم باحترام كبير ما طلب منه المعلم، كان على ثقة أنّه في هذه المرّة سيشكره. لكن ذلك لم يحدث، حيث خرج المعلم بسرعة وذهب.
عندما وصل إلى بيته، سرعان ما بعث راهباً ليرجع ما استقرضه لصاحبه. لكن الرّاهب كان يشبه معلمه فلم يَشكر الشيخ.
بعد عدّة أيام، التقى الشيخ بالمعلم وهو يشرب الشاي، ورأى أنّه الوقت المناسب للحديث فبادر قائلاً: لم يحالفك الحظ في ذلك النّهار عندما هطل عليك المطر، أليس كذلك؟.
– نعم، لم يحالفني. أظن أنّ الرّاهب قد أوصل إليك مظلتك وغيتتك.
– كان ذلك لطفاً منك.
قال الشيخ ذلك ملاحظاً أنّه قد قام بشكر المعلم من غير قصد، وفكر في نفسه "كيف سمحت لنفسي بارتكاب مثل تلك الهفوة؟".
كان المعلم يبتسم وهو جالس مقابل الشيخ الذي لم يستطع كتم غضبه فقال: أيّها المعلم، إنك سيّء التربية، عليك أن تشكرني على الأقل!.
– إذا قمتُ بشكرك، سأكون بذلك قد قمتُ برد الجميل.
ثم قال بصوت هادئ: إنني أشكرك في نفسي دائماً، ولا أنسى أعمالك الطيبة. إذا انتظر الإنسان الشكر على أفعاله الخيّرة، فإن تلك الأفعال غير حقيقية. عليك ألاّ تحسب نفسك مصدر سعادة الآخرين فتنتظر منهم كلمات الشكر والحمد، لأن الأعمال الخيرة بنفسها عليها أن تُدخِل السعادة إلى قلبك، وإذا قمت بتقديم شيء أو بمساعدة أحد ما، عليك ألاّ تنتظر المكافأة منه. ذلك هو عمل الخير الحقيقي. إنك تكذب على نفسك إذا قمت بفعل الخير بدافع الغرور أو الخيلاء، لأنك بهذا تسمح للظلام بتملّكك. الإنسان ميّال إلى الطّمع، عندما يقوم بعمل صالح لأحد ما، فإنه يسعى للحصول على شيء بالمقابل. لكن إذا كنت تسعى في كل عمل لمساعدة الآخرين، لن تصل إليك خيبة الأمل.
كي لا تَغفلْ
سأل تلميذ معلمه: هل أستطيع أن أفعل شيئاً ما لأستنير؟.
– يمكنك فعل القليل جدّاً، بقدر ما يمكنك فعله لتجعل الشمس تشرق في الصباح.
إذاً، لماذا كل تلك التدريبات الروحيّة؟. –
كي لا تَغفل عن شروق الشمس!.–
نُزهة ليليّة
كان سينجاي معلم زن يقوم بتعليم تلاميذه التأمل. وكان واحد منهم يقوم كل ليلة بالقفز عن سور المعبد والذهاب إلى المدينة للتسلية.
في أحد الأيام، ذهب سينجاي لتفقد غرف النوم, فلاحظ غياب ذلك التلميذ، ووجد كرسيّاً طويلاً بجانب الحائط كان قد استخدمه التلميذ للقفز. فقام بإزاحته ووقف مكانه.
عندما رجع المتشرّد لم يعرف أنّه قد وضع قدميه على رأس معلمه الواقف بدلاً من الكرسي. لكنه عندما قفزعلى الأرض ورأى الذي فَعَلَهُ، صُعِقَ.
قال له سينجاي: إنّ الجوّ باردٌ جدّاً في الصباح الباكر، احرص على ألاّ تمرض.
بعد تلك الحادثة لم يغادر التلميذ ليلاً.
إنسان عادي
سأل أحدهم مرّة سودزوكي عن معلّمهِ: بماذا كان يتميّز؟.
– الميّزة الوحيدة التي لن أنساها، أنّه كان إنساناً بسيطاً وذلك هو الأكثر خرقاً للمألوف. لم أقابل حتّى الآن إنساناً يظن عن نفسه أنّه إنسان عادي، لأنّ كل عقل عادي يظن نفسه غير عادي.
انظروا
قال معلم: لا تبحثوا عن الرب ، فقط انظروا وسترون.
– وكيف ننظر؟.
عندما تنظرون إلى شيء ما، حاولوا ألا تروا غير ذلك الشيء.–
حيّر ذلك الجواب التلاميذ فحاول المعلم تبسيط الأمر عليهم: مثلاً، عندما تنظرون إلى القمر، حاولوا أن تروا القمر.
– لكن ما الذي يمكن رؤيته غير ذلك ونحن ننظر إليه؟.
الجائع يرى قطعة جبن، والعاشق يرى وجه محبوبته. –