eKtab
EN ع
أمير الروح والمنارة المفقودة
Read free sample

أمير الروح والمنارة المفقودة

by فريدريك برونيوس

Page 1

«إنك تعلم ما أقصد»، صاح الأخير. «قدماي متجمِّدتان ولم أعد أطيق الانتظار حتى أدخل مكاناً أجد فيه بعض الشاي الساخن ومدفأةً متَّقدةً لأدفِّئ بها قدميَّ».

«أعتقد أنكَ أنت، من يجعلهما تتجمَّدان» أجاب الأوَّل. «إنك تخبر قدميك بأنهما الآن في وضعيَّةٍ مزعجة، ولكنهما قريباً ستحصلان على الدفء. إنك تخبرهما أنَّ معاناتهما الحاليَّة أمرٌ غير اعتيادي ويبنغي تجنُّبه. فيجعلهما ذلك غير صبورتين وساخطتين. وأقل مقاومةً للبرد. ماذا لو لم يكن هنالك شاي ساخن؟ ماذا لو لم يكن هنالك مدفأة متَّقدة؟ عندها سيخيب أملهما كثيراً وتحزنان. من الأفضل أن تمتدح وضعهما الحاليَّ و كأنه يُمثِّل السعادة المطلقة؛ نعم إنه من الأفضل أن تجعلهما تشعران بالرضا لكونهما باردتين. عندها يصبح بعض من الشاي الساخن ومدفأةٌ متَّقدةٌ مفاجأةً لطيفة. وستحصل وقتها على قدمين في قمَّة السعادة!».

توقَّف وهو يضحك ليُربِّت على كتف رفيقه. «لمَ علينا، على أيَّة حالٍ، أن نندفع بهذه العجالة؟» سأل الثالث. «علينا أن ننتظر بضعة أشهر حتَّى قدوم الربيع».

«إنها فكرةٌ رائعة»، صاح الأوَّل. «ولكن لسوء الحظِّ ليس بوسعنا الانتظار. الموت كما تعلم لا ينتظر أحداً. ولا الحياة»، تابع حديثه وهو غارقٌ بالتفكير. «كلاهما جزءٌ من نهرٍ لا يتوقَّف أبداً».

Page 2

نظر للأعلى ليلحظ أولى ندف الثلج، وهي تتساقط على شكل دوَّاماتٍ بفعل الرياح، وكأنها إحدى طلائع الكشَّافة التي تتقدَّم الجيش قبل انقضاضه على الجبل والممرِّ والرهبان. ارتدى الثلاثة معاطفَ وقبَّعاتٍ من الفرو السميك، لكن في مثل هذا الوقت من العام، كان من الصعوبة بمكانٍ أن تكبح لفترةٍ طويلةٍ جماح هذا البرد القارس؛ لقد أدرك الجميع ذلك.

«كيف تعلم أنَّ هذا الشيء سيعمل؟» تساءل الثالث. «قد لا يعمل، وعندها نكون، في حال نجاتنا، قد قمنا برحلتنا هذه بلا جدوى».

«نعم»، ردَّ الأول. «قد نموت طبعاً، فالموت هو الجزء الأكثر طبيعيَّةً في الحياة. ولا أعلم إن كان سيعمل أم لا، مع أني أجزم بذلك. على كلِّ حال، بعض العقول فائقة الذكاء تشاركت بعض الأفكار فائقة الذكاء؛ لابتكاره».

Page 3

خلع قفَّازه ومرَّر يده داخل معطفه، ليتحسَّس الجسم المتدلِّي من السلسلة المحيطة بعنقه؛ لقد كان دافئ الملمس.

«لكنه لن يعمل حتَّى نحضر هذه القطعة الأخيرة، وهذا سبب قيامنا برحلتنا هذه».

رفع يده ليحمي عينيه مع بدء تساقط الثلج بغزارة.

«ها هو! أعتقد أنَّ بوسعي رؤية أضواء الدير».

نيوزيلندا، 2010

«تُركت هنا لأحلامي

«أم أحلامي تُركت معي

«متسكِّعاً في انتظار لا شيء

Page 4

«في انتظار لا شيء. ما الذي يمكن أن يكون على قافية لا شيء؟» قلت ذلك وأنا لا أزال أضغط على وتر ري مينور على الغيتار.

إنه الثلاثاء ما بعد الظهر. جلستُ أنا وكايسا في غرفتي نرتجل كالعادة. أو ربَّما الارتجال عبارةٌ مبالغٌ بها. محاولة الارتجال قد تكون أصدق على ما أعتقد. عزفنا على غيتارينا، واستمعنا إلى الموسيقا، حلمنا بالشهرة والثروة، وحلمتُ أيضاً بكايسا. وإن لم تكن تعرف ذلك بشكلٍ رسميٍّ، لكني أعتقد أنها لا بُدَّ تملك فكرةً جيِّدةً عمَّا كان يدور في رأسي ذي الثمانية عشر ربيعاً. أما أنا فلم يكن لديَّ على الإطلاق أيَّة فكرةٍ عمَّا كان يدور في رأسها.

أبي وأمي كانا لا يزالان في العمل، وبيكي كان لديها تدريبٌ على كرة القدم يوم الثلاثاء؛ لذا كنا لوحدنا. أحبُّ يوم الثلاثاء.

«تركت هنا لأحلامي

«أم أحلامي تركت معي

«متسكِّعاً في انتظار لا شيء... لا شيء... لا شيء...

«لأن اللاشيء يحدث دائماً عندما تتسكَّع»، غنَّت كايسا ذلك بصوتها الجميل.

«نعم هذه هي!» رددت.

«على الرغم من أنها ليست على القافية».

Page 5

«لا، لكنها صادقةٌ تماماً. أنا أنتظر لا شيء لأنَّ اللاشيء يحدث دائماً عندما أتسكَّع في الأنحاء. اكتبي ذلك».

نفضت كايسا شعرها الأشقر عن عينيها منحنيةً لتكتب.

«...عندما تتصكع في الأنحاء...».

«إنها تتسكَّع، بالسين».

«لقد فهمت. حسناً، من البداية».

«تركت هنا لأحلامي

«أم أحلامي تركت معي

«متسكِّعاً في انتظار لا شيء

«لأنَّ اللاشيء يحدث دائماً عندما تتسكَّع».

Page 6

«سيحقِّق هذا جائزة مبيعات الأسطوانة البلاتينية، أنا متأكِّد»، قلتُ ذلك وأنا مستلقٍ على سريري. «إنها أفضل أغنيةٍ كتبناها!».

«إنها ثاني أغنيةٍ نكتبها»، قالت كايسا.

«وهي الأفضل»، شرحت بصبر. «الأمر لا يتعلَّق بعدد الأغاني التي كتبتها، وإنما بجودتها. أغنيتنا الأولى سيِّئة ولكنَّ هذه رائعة».

«لم تكن سيِّئة».

«إنها نوعاً ما سيِّئة. لكنَّ أغنيةً واحدةً رائعةً بعشرةٍ سيِّئة، لذا فنحن متقدِّمان الآن. بعض الأبيات الأخرى مع جسرٍ وجوقةٍ وستكون جاهزةً للعرض على موقع يوتيوب. وبعدها... نجاحٌ باهر. عقد تسجيلٍ وحفلات...».

«حسناً، أيَّاً يكن. عليَّ الذهاب إلى المنزل»، قالت كايسا، وهي تنهض من كرسيِّها. «عليَّ القيام بواجباتي المدرسيَّة ليوم غدٍ».

«نعم، وأنا أيضاً»، قلتُ ذلك وأنا أتنشَّق عبق عطرها وهي تمرُّ بجانبي. «إلى اللقاء يا امرأة الروح».

رميتُ غيتاري على السرير، وجلست خلف مكتبي. كان كتابي للعلوم الطبيعيَّة يتربَّص بي هناك؛ انقضَّ عليَّ كعمٍّ عجوز، يروي أكثر القصص، التي يمكن تخيُّلها، مللاً. استسلمتُ لهجومه فالمقاومة كانت بلا جدوى. قلَّبتُ حتَّى الصفحة 131.

Page 7

عصفت الرياح مجتاحة الجبال الوعرة. لم تبدأ الثلوج بالتساقط بعد، لكن الغيوم في السماء كانت تنذر بقدوم عاصفةٍ ثلجيَّة.

لا يزال الممرُّ الضيق ظاهراً على سفح الجبل، لكن سرعان ما سيُغطَّى، وفي أقل من ساعةٍ ستغيب الشمس وتترك العالم في ظلام حالك. وها هناك ضوءٌ أحمرُ صغيرٌ، يترنَّح في حركته عند الغسق، وخلفه رفقةٌ من ثلاثة رهبان يسيرون على طول الممر.

لا يمكنهم التوقُّف ولا الاستراحة. فلديهم مهمَّة.

«ألم نصل بعد إلى هنالك؟» صاح الأخير.

«ليس بعد»، ردَّ الثاني.

Page 8

«حسناً، أين يكون هنالك؟» تساءل الأول، حَاملُ الفانوس الأحمر. «ومتى يكون هنالك؟ إن أخذنا بعين الاعتبار لانهائيَّة المكان والزمان يمكننا الادِّعاء بأننا بالفعل هنالك. فنحن على الكوكب نفسه، في البعد نفسه، وفي الزمان نفسه، أليس كذلك؟ تأمل في لانهائيَّة الأماكن والأزمنة الأخرى، وفكِّر في أيِّ مكانٍ وزمانٍ كان بإمكاننا أن نكون؟ لكن لحسن الحظِّ، لسنا بحاجةٍ إلى ذلك. فلماذا لا نعتقد بأننا بالفعل هنالك؟».

«إنك تعلم ما أقصد»، صاح الأخير. «قدماي متجمِّدتان ولم أعد أطيق الانتظار حتى أدخل مكاناً أجد فيه بعض الشاي الساخن ومدفأةً متَّقدةً لأدفِّئ بها قدميَّ».

«أعتقد أنكَ أنت، من يجعلهما تتجمَّدان» أجاب الأوَّل. «إنك تخبر قدميك بأنهما الآن في وضعيَّةٍ مزعجة، ولكنهما قريباً ستحصلان على الدفء. إنك تخبرهما أنَّ معاناتهما الحاليَّة أمرٌ غير اعتيادي ويبنغي تجنُّبه. فيجعلهما ذلك غير صبورتين وساخطتين. وأقل مقاومةً للبرد. ماذا لو لم يكن هنالك شاي ساخن؟ ماذا لو لم يكن هنالك مدفأة متَّقدة؟ عندها سيخيب أملهما كثيراً وتحزنان. من الأفضل أن تمتدح وضعهما الحاليَّ و كأنه يُمثِّل السعادة المطلقة؛ نعم إنه من الأفضل أن تجعلهما تشعران بالرضا لكونهما باردتين. عندها يصبح بعض من الشاي الساخن ومدفأةٌ متَّقدةٌ مفاجأةً لطيفة. وستحصل وقتها على قدمين في قمَّة السعادة!».

توقَّف وهو يضحك ليُربِّت على كتف رفيقه. «لمَ علينا، على أيَّة حالٍ، أن نندفع بهذه العجالة؟» سأل الثالث. «علينا أن ننتظر بضعة أشهر حتَّى قدوم الربيع».

«إنها فكرةٌ رائعة»، صاح الأوَّل. «ولكن لسوء الحظِّ ليس بوسعنا الانتظار. الموت كما تعلم لا ينتظر أحداً. ولا الحياة»، تابع حديثه وهو غارقٌ بالتفكير. «كلاهما جزءٌ من نهرٍ لا يتوقَّف أبداً».

Page 9

نظر للأعلى ليلحظ أولى ندف الثلج، وهي تتساقط على شكل دوَّاماتٍ بفعل الرياح، وكأنها إحدى طلائع الكشَّافة التي تتقدَّم الجيش قبل انقضاضه على الجبل والممرِّ والرهبان. ارتدى الثلاثة معاطفَ وقبَّعاتٍ من الفرو السميك، لكن في مثل هذا الوقت من العام، كان من الصعوبة بمكانٍ أن تكبح لفترةٍ طويلةٍ جماح هذا البرد القارس؛ لقد أدرك الجميع ذلك.

«كيف تعلم أنَّ هذا الشيء سيعمل؟» تساءل الثالث. «قد لا يعمل، وعندها نكون، في حال نجاتنا، قد قمنا برحلتنا هذه بلا جدوى».

«نعم»، ردَّ الأول. «قد نموت طبعاً، فالموت هو الجزء الأكثر طبيعيَّةً في الحياة. ولا أعلم إن كان سيعمل أم لا، مع أني أجزم بذلك. على كلِّ حال، بعض العقول فائقة الذكاء تشاركت بعض الأفكار فائقة الذكاء؛ لابتكاره».

خلع قفَّازه ومرَّر يده داخل معطفه، ليتحسَّس الجسم المتدلِّي من السلسلة المحيطة بعنقه؛ لقد كان دافئ الملمس.

«لكنه لن يعمل حتَّى نحضر هذه القطعة الأخيرة، وهذا سبب قيامنا برحلتنا هذه».

رفع يده ليحمي عينيه مع بدء تساقط الثلج بغزارة.

«ها هو! أعتقد أنَّ بوسعي رؤية أضواء الدير».

Page 10

نيوزيلندا، 2010

«تُركت هنا لأحلامي

«أم أحلامي تُركت معي

«متسكِّعاً في انتظار لا شيء

«في انتظار لا شيء. ما الذي يمكن أن يكون على قافية لا شيء؟» قلت ذلك وأنا لا أزال أضغط على وتر ري مينور على الغيتار.

إنه الثلاثاء ما بعد الظهر. جلستُ أنا وكايسا في غرفتي نرتجل كالعادة. أو ربَّما الارتجال عبارةٌ مبالغٌ بها. محاولة الارتجال قد تكون أصدق على ما أعتقد. عزفنا على غيتارينا، واستمعنا إلى الموسيقا، حلمنا بالشهرة والثروة، وحلمتُ أيضاً بكايسا. وإن لم تكن تعرف ذلك بشكلٍ رسميٍّ، لكني أعتقد أنها لا بُدَّ تملك فكرةً جيِّدةً عمَّا كان يدور في رأسي ذي الثمانية عشر ربيعاً. أما أنا فلم يكن لديَّ على الإطلاق أيَّة فكرةٍ عمَّا كان يدور في رأسها.

أبي وأمي كانا لا يزالان في العمل، وبيكي كان لديها تدريبٌ على كرة القدم يوم الثلاثاء؛ لذا كنا لوحدنا. أحبُّ يوم الثلاثاء.