Page 1
مقدمة
ارتبط شوقي في بداية حياته بقصر الخديوي، فتفرغ للشعر والأدب، وتهيأت له أسباب الشهرة، ولكن هذه الفترة قصرت انطلاقته وتطوُّر أساليبه فجاء معظم شعره مدحاً للخديوي وبلاطه.
ثم كان لمنفاه في الأندلس أثر كبير في حياته، حيث أتيحت له الخلوة إلى النفس والتأمل في أحضان الأندلس وفي تاريخها ومجدها، بعيداً عن حياته في القصر. وعند عودته إلى مصر استقبله الشعب استقبالاً رائعاً، مما هيأ له انفتاحاً جديداً بين قضايا الشعب بعيداً عن القصر. وراح يتغنى في كل مناسبة وطنية، هذه المرحلة صنعت مجده الشعري، وبويع أميراً للشعر، فذاع صيته وتدفق شعره، وكأنه أحس بمسؤوليته عن شعره وأدبه، فجاء هذا الكم الهائل من قصائده المتنوعة في المدح والوصف والرثاء والشعر التعليمي وشعر الأطفال، ومسرحياته الشعرية التي جاءت تبحث في التاريخ وتقص حكايات الزمن لأخذ العبرة والعظة.
كثرت المؤلفات والمقالات عن جوانب حياة شوقي، ولم يترك الأدباء زيادة لمستزيد في الشعر والنثر، وقد جاءت المؤلفات بعناوين متنوعة وكلها تصب في بحر هذا الشاعر العظيم.
ومع علمي بصعوبة البحث في حياة هذا الشاعر ، وتتبع ما كتبه المفكرون والنقاد ووفاءً لقدر شوقي، أضفت محاولتي هذه إلى ألوان أدبه وما أبدعه واستنتجه وما تنبأ به من خلال إنتاجه العظيم وغزارة ما تركه بأسلوب سهل، وحاولت جهدي أن يأتي الكتاب وفقاً لذوق الدارس والباحث، فتناولت خلاله حياة الشاعر وبداياته الأولى، ثم سفره لدراسة الحقوق وعلاقته بالقصر، ثم انتقلت إلى دراسة شعره في المنفى وإبداعاته بعد عودته إلى وطنه ثم أوضحت آراء النقاد ومواقفهم منه بعد وفاته، ثم تدرجت في الكتاب إلى العوامل التي أثرت في شعره وموهبته الشعرية، وجعلت عنواناً خاصاً لسينيته المشهورة وتناولتها بالتحليل والشرح.
وأخيراً أثبت مختارات نثرية شملت خواطر أمير الشعراء ورسائله، ثم مختارات شعرية تمثل بعض جوانب شوقي الشعرية.
وقد قمت بهذا الجهد راجياً أن أكون قد قدمت عملاً مفيداً للدارسين والباحثين، ومكملاً ما بدأه الأساتذة الأفاضل قبلي.
والله ولي التوفيق.
يوسف عطا الطريفي
2009
Page 2
حياة شوقي
سيطر الأتراك العثمانيون على البلاد العربية، ولم تكن مصر بعيدة عن سيطرتهم التي خضعت لسيطرة فرنسا سنة 1798، وجلبت معها علماء في الطب والهندسة وغيرها، حتى قيل إن حملة نابليون بونابرت كانت بداية النهضة العلمية والأدبية في مصر، حيث شارك علماء وأدباء وشعراء من مصر في هذه النهضة.
وما بين الحملة الفرنسية واحتلال الإنجليز لمصر سنة 1881، تعرضت مصر لتقلبات سياسة كثيرة ومعها المنطقة العربية بجملتها. فقد نشبت حروب بين روسيا والدولة العثمانية، نتج عنها قضم بعض أطراف الدولة العثمانية، مما دفع محمد علي إلى غزو مناطق كانت تخضع للدولة الضعيفة حتى اقترب من الأستانة، فاجتمعت عليه إنكلترا وفرنسا وروسيا خشية أن يقيم ما يزعجهم في عاصمة العثمانيين، وخاصة عندما شاهدوا انتصاراته الباهرة، لكن الغارات لم تتوقف على جيوش الأتراك، فكانت حرب القرم 1853، وازداد ضعف الدولة التركية، ثم عادت الآمال ثانية لإحياء دولة الخلافة التي كادت أن تنهدم.
وبدأ المصريون يعملون على نيل حريتهم واستقلالهم عن تركيا، فاستقل إسماعيل باشا سنة 1873 بإدارة الدولة والتشريع، وأنشأ جيشاً يقوم باحتياجات دولته والدفاع عنها، لكن فرنسا وإنكلترا خذلتا إسماعيل باشا وقضت عليه بحجة الديون المترتبة على مصر، ودفعتا تركيا إلى خلعه، وانتهى الأمر باحتلال مصر بعد الثورة العرابية.
وسط هذه الأحداث المريرة، وفي عام 1868 وُلد أحمد بن علي حليم النجدة لي شوقي في حي من أحياء القاهرة يقال له «الحنفي»( 1) وحمل اسم جدّه وكان ذلك زمن الخديوي إسماعيل، وُلد من أسرة ممتزجة العناصر مختلفة الأصول والأعراق، فكان من أب كردي وأم تركية ينتهي نسبها إلى العرب، وجدته لأبيه شركسية، وجدته لأمه يونانية، فكان كما قال عن نفسه: «أنا إذاً عربي تركي يوناني جركسي» وتألفت شخصيته على حد قوله من: «أصول أربعة في فرع مجتمعة»، فكان لهذا الموروث أثره الكبير في تكوين شخصية شوقي النفسية والفكرية والاجتماعية. كما كان له أثره في مدى تطوره وتجديده، أو كانت سبباً في تفجر الإبداع أو تفجر عبقريته فيما بعد.
________
Page 3
(1)أحمد شوقي أمير الشعراء، فوزي عطوي، ط2، 1973.
عمل والده أميناً للجمارك المصرية، وقد أضاع ثروته في الإسراف والتبذير حيث قال شوقي: «سمعت أبي رحمه الله، يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب، وأنه قدم إلى هذه الديار - مصر - يافعاً يحمل وصاة من أحمد باشا الجزار إلى والي مصر محمد علي باشا، وكان جدي وأنا أحمل اسمه ولقبه يُحسن كتابة العربية والتركية خطاً وإنشاءً، فأدخله الوالي في معيَّته، ثم تداولت الأيام وتعاقب الولاة الفخام، وهو يتقلد المراتب العالية، ويتقلب في المناصب السامية إلى أن عيّنه سعيد باشا أميناً للجمارك المصرية، فكانت وفاته في هذا العمل عن ثروة راضية، بدّدها والدي في سكرة الشباب، ثم عاش بعمله غير نادم ولا محروم، وعشت في ظله وأنا واحده، أسمع بما كان من سعة رزقه، ولا أراني في ضيق حتى أندب تلك السعة...» ( 1).
هكذا وُلد شوقي بين أحضان الترف والثراء، وكبر فاحتضنته جدّته اليونانية (تمراز) التي كانت وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل. فأدخلته معها إلى الخديوي وهو في الثالثة من عمره، وكان بصره لا ينزل عن السماء ربما لعلة مرضية، فطلب الخديوي قطعاً ذهبية ونثرها عند قدميه، فتقدم إليها الطفل يعبث بها وينشغل بجمعها، فقال الخديوي لجدته: هكذا اصنعي معه فإنه لا يلبث أن يعتاد النظر إلى الأرض فقالت الجدة: «هذا دواء لا يخرج إلا من صيدليتك يا مولاي ...» وكانت تقصد الخديوي، وطلب منها أن تحضره معها متى تشاء، وهذا كان أول عهد شوقي بالقصر والخديوي إسماعيل(2 ).
شعر أهل شوقي ميلاً عنده إلى العلم، فأرسلوه إلى مدرسة الشيخ صالح في القاهرة، وكانت مدرسة بسيطة تهتم بعلوم القرآن الكريم، وتفتقر إلى أبسط طرق التربية، فتلقى عن شيخه تعليمه الأول بحفظ آيات من القرآن الكريم، ولكنه لم يمض فيها وقتاً طويلاً ثم نُقل إلى المدرسة الخديوية التي كانت تُعرف بالمبتديان وكان عمره آنذاك أربع سنوات، انتقل بعد ذلك إلى المدرسة التجهيزية، ولما بلغ السادسة عشرة من عمره أنهى دراسته الابتدائية والثانوية، ورغم صغر سنّه فقد التحق بعدها بمدرسة الحقوق، فلم ترق له دراسة الحقوق، فالتحق بقسم الترجمة في الكلية، وتخرج من قسم الترجمة وهو يحمل الشهادة النهائية.
ثم بعثه الخديوي توفيق إلى فرنسا سنة 1882 لمتابعة دراسة الحقوق على نفقته، وفي فرنسا أحيط بعناية خاصة منذ أن نزل في مرفأ مرسيلية، حيث أمر الخديوي مدير البعثة المصرية أن يهتم بشؤونه.
أمضى شوقي سنتين في مونبيلية، زار خلالها إنكلترا بصحبة مدير البعثة المصرية، ثم زار الجزائر في رحلة استشفائية إثر مرض أصابه. قضى فيها قرابة الشهرين، ثم عاد إلى فرنسا لإكمال دراسته(3 )، حيث نال الإجازة في الحقوق، أقام بعدها ستة أشهر ينعم بمشاهدة متاحف باريس وآثارها ومعالم حضارتها، حتى إذا بلغ به الشوق مبلغه، عاد إلى وطنه، وفي طريق العودة عرّج على الأستانة وذلك سنة 1891.
Page 4
وصل شوقي إلى مصر، فالتحق بقصر الخديوي، ثم تدرج في الوظائف حتى صار رئيساً للقسم الإفرنجي في القصر(4 ) نظراً لأدبه وإتقانه العربية والتركية والفرنسية، ثم ما لبث أن أصبح شاعر البلاط في عهد الخديوي عباس، فأصاب في القصر ثراءً وحظوة وجاهاً عريضاً، وعاش في القصر حياة رتابة تقليدية وتحتم عليه بحكم وظيفته أن يرفع المدائح في المناسبات، وأن ينظم القصائد مشيداً بآل إسماعيل وكان لسان حاله:
الملك فيكم آل إسماعيلا
لا زال بيتكم يُظلُّ النيلا
_______________
( 1) انظر مقدمة شوقي في ديوانه (الشوقيات)، ط1.
( 2) من حديث الشعر، د. أحمد ماهر البقري، ص62.
( 3) تاريخ الأدب العربي، حنا الفاخوري.
( 4) أعلام الجيل الأول، أنيس المقدسي.
لمع اسم شوقي وذاع صيته بسبب صلته بالقصر والخديوي، ثم اختير بسبب نبوغه الأدبي لتمثيل مصر في مؤتمر المستشرقين بجنيف؛ وذلك عام 1894، وفي المؤتمر ألقى قصيدته المشهورة (كبار الحوادث) ومطلعها:
همت الفلك واحتواها الماء
وحداها بمن تقل الرجاء
والقصيدة طويلة، تحدث فيها الشاعر عن تأليه الملوك، وعن آلهة المصريين حتى أشرق نور المسيح .
ثم تزوج شوقي، وحملت له زوجته ثروة كبيرة من أبيها، ورزق منها بابنة هي (أمينة) وولدين هما (علي وحسين) ( 1).
Page 5
نالَ شوقي حظوة كبيرة، ونَعِمَ بخيرات كثيرة بسبب اتصاله بالقصر، لكن الأيام دول، فما لبثت أن قامت الحرب العالمية الأولى، فانقلب الحال وبدأ شوقي يعاني آلاماً شديدة بسبب اتصاله بالقصر، ومنع الإنجليز الخديوي عباس من العودة إلى مصر، حيث كان يصطاف في تركيا وخُلع من منصبه بتهمة الاتصال بتركيا وعُيِّن مكانه حسين كامل عام 1915، واضطهد الإنجليز عدداً من أعوان الخديوي عباس، وشردوا المقربين منه وكان منهم أحمد شوقي، فأراد الإنجليز نفيه إلى مالطا، فتوسط له حسين كامل فخيّر بمكان نفيه، فآثر شوقي أن يكون نفيه إلى الأندلس وفيها راح يتذكر أمجاد العرب، ثم نزل برشلونة، واتخذها مقراً له، حتى أصبحت سجنه الذي يبكي فيه جراحه، ويحن منها إلى وطنه. وبقي فيها إلى أن فرّج الله كربته فعاد إلى مصر عام 1919.
أعرض شوقي عن عباس حلمي في بداية عهده، بسبب إهمال الخديوي له، حيث كان عباس يظن أن شوقي شاعر فقط، وهذا ما أُدخل عليه، وكان في تلك الفترة بحاجة إلى سياسي يعينه على ما كان يجري بينه وبين الإنجليز خاصة بعد زيارة الخديوي وادي حلفا فلما عرف عباس باشا قيمة شوقي وأزيل ما أُدخل عليه، أعاد شوقي إلى مكانته وقرّبه منه، وأناط إليه مهاماً كثيرة، قام بها شوقي بصدق وأمانة واقتدار، فقدمه الخديوي على جميع رجاله وأولاه ثقته(2 ).
أصبح شوقي قريباً من الخديوي ملازماً له، كما كان المتنبي لسيف الدولة، مادحاً ومثنياً، ومحاولاً إرضاءَه بكل ما أوتي من قوة وهكذا كانت مرحلة شوقي الأولى.
يقول أحمد زكي عن شوقي لدى دخوله مدرسة الحقوق سنة 1885: «كان في جملة الوافدين سنة 1885 فتى نحيف، هزيل، ضئيل، قصير القامة ، وسيم الطلعة تقريباً، فتى بعيون متألقة تحقيقاً، ولكنها متنقلة كثيراً، فإذا نظر إلى الأرض دقيقة واحدة فللسماء منه دقائق متمادية، وإذا تلفت صوب اليمين، فما ذاك إلا لكي يرمي ببصره نحو الشمال، وهو مع هذه الحركات المتتابعة المتنافرة، هادئ، ساكن وادع، كأنما يتحدث بنفسه إلى نفسه، أو يتلاغى مع عالم الأرواح، ما كان يلابسنا فيما نأخذ فيه من اللهو والمزاح، ولا يتهافت معنا على تلقف الكرة بعد الفراغ من تناول الغداء أو حينما نتنفس الصعداء لانتهاء مواقيت الدراسة...» (3 ).
______________
Page 6
( 1) تاريخ الأدب العربي، حنا فاخوري.
( 2) شوقي شاعر العصر الحديث، د. شوقي ضيف.
( 3) شاعر النيل وأمير الشعراء، جمع أحمد عبيد. والشوقيات المجهولة، د. محمد صبري.
وقد ورد عنه في الشوقيات المجهولة أنه كان شديد الحياء يكره الدخول في زحمة الناس، ولم يكن يلتقي الجماهير والتحدث إليهم، فكان يختار أشخاصاً يطمئن إليهم ليقوموا مقامه في إلقاء قصائده، وإلى جانب ذلك فقد كان رقيقاً وديعاً، مهذب اللفظ عفّ اللسان ينفر من الهجاء وهو القائل:
وتشهد ما آذيت نفساً، ولم أضر
ولم أبغ في جهري ولا خطراتي
وكان ديوانه حافل بالدعوة إلى الخلق الكريم، فدعا إلى الفضيلة وحض عليها، ونادى بطاعة الله وحب الدين واحترام الوالدين، وحب الوطن واتحاد أبنائه وإكبار السلف والعطف على الفقير، وتأييد الحق ونصرة أهله، وكان قليل الشكوى، راضَ نفسه على الصبر، ومالَ إلى المداراة أحياناً، وكان ناصحاً مرشداً:
أعبدِ الله بعقل يا بنيّ
وبقلب من رجاء الله حيّ
أرجه تعط مقاليد الفلك
واخشَهُ خشية من فيه هلك
وكان وطنياً صادق الولاء لبلده، يذوب شوقاً وحنيناً، وهو الذي قال بعد عودته إلى أرض الوطن:
فيا وطني لقيتك بعد يأس
كأني لقيت بك الشبابا
Page 7
هذه الصفات لم تكن تنم عن شخصية انطوائية، ولكنها شخصية متألقة تتغلغل في أعماق نفس إنسانية تستكشف خفايا هذه النفس، وكأن من ينظر إليها يحس بأنها مضطربة حائرة في بعض نواحيها، ولكن إذا تعمقنا قليلاً في بيئته وما يجري حوله فربما نجد أنها نزعة مسيطر عليها. فقد وُلد من أصول أربعة، حمل منها مواهب فطرية فكانت خير حافز لتسنم ذرى الشعر، أضف إلى ذلك خياله الواسع والحس المرهف والنفس الطموحة والعيش المترف في القصر والعناية الفائقة من الخديوي وسعة ثقاته واطلاعه على الآداب الغربية ومعرفته بحرية الفكر في رحلاته وأسفاره والحوادث السياسية الخطيرة، فكان في شعره صدىً عميقاً جعل منه أميراً للشعراء دون منازع، ووضعه في مكانة عالية من الأدب، وأنه الشاعر الذي لا يشق له غبار. فمضى يجود نظمه ويسدد سهمه في تجويد معانيه، وهذا ليس غريباً أن نرى منزله الفخم «كرمة ابن هانئ» الذي اجتمعت فيه لشوقي زينة الحياة، فالمال موفور والقصر لا يضن عليه بشيء وعنده البنون، وهو بهذا أعفي من مشاق العيش مما جعله يتفرغ لأدبه وشعره وهو القائل: إنها راحة النفس، وقد ترنم فيها بقوله:
حف كأسها الحبيب
فهي فضة ذهب
أو دوائرٌ دررٌ
مائج بها لببُ
أو فم الحبيب جلا
عن جمانه الشنب
أو يداه باطنها
عاطل ومختضبُ
أو شقيق وجنته
حين لي به لعبُ
راحة النفوس وهل
عند راحةٍ تعب؟!
Page 8
إمارة الشعر
عاد شوقي إلى وطنه مصر، وقد وجد أحوالها السياسية قد تبدلت، ووجد أرضها تخضبها دماء الشهداء في ثورتها الوطنية، فانقلب حاله وترك القصر، ليعيش طليقاً يدير أملاكه الخاصة ويتصل بالشعب ويعيش معه في نضاله من أجل الحرية والاستقلال، وبدأ يفكر بالسفر إلى تركيا أو يصطاف في أوروبا بعد أن قصر اصطيافه على جبال لبنان، وهكذا انتقل إلى مرحلة جديدة في فنه مخلصاً لشعبه، فتغنى بأغاني الوطن الرائعة التي تصور العواطف الوطنية، وتجسد حياة الأمة السياسية. وقد أصبح يقضي أغلب أوقاته ينظم شعراً يتفق مع الوعي القومي، فطارت شهرته واستطاع أن يكسب تقدير الأمة واحترام الأدباء، ليحين اجتماع الأدباء العرب في دار الأوبرا الملكية سنة 1927 ويسجلون تكريمهم الرائع ويقدمون تاج الإمارة لأحمد شوقي في سائر الأقطار العربية عبر ممثليهم ويخرج حافظ إبراهيم ليعلن بيعته بإمارة الشعر في قوله:
أمير القوافي قد أتيت مبايعاً
وهذي وفود الشرق قد بايعت معي
وهكذا أصبح أحمد شوقي أمير الشعراء. وعلى أثر ذلك عكف شوقي على شعره دون أن يستكين أو أن يهدأ، بل راح يحقق أمل دعاة المجددين، فمالَ إلى الشعر المسرحي، وانصرف إلى تأليف الشعر التمثيلي، وخاصة في سنوات عمره الأخيرة، فكان رائداً في هذا العمل الذي لقي نجاحاً منقطع النظير.
وظل شوقي يتمتع بصيت عالٍ وشاعرية كبيرة، حتى توفاه الله في الثالث عشر من شهر أكتوبر/تشرين أول لسنة 1932، فهزّ موته روح الأدباء والشعراء، وأقامت له وزارة المعارف المصرية آنذاك حفلاً تأبينياً يليق بأمير الشعر، اشترك فيه كبار الشعراء والأدباء وقد لقي ربه وهو لا يزال على أشد ما يكون من نشاطه وإنتاجه الأدبي.
Page 9
العوامل المؤثرة في شعر شوقي
يكاد يجمع النقاد والأدباء؛ أن شوقي يتمتع بشاعرية خصبة فياضة، وأن هذه الشاعرية ذات اتجاهات متعددة على الإجادة في كل اتجاه، فما هي العوامل التي أثرت في تلك الشاعرية؟ وما تلك العوامل التي منحتها القدرة على الإجادة؟!
اجتمعت عند شوقي عوامل مختلفة على خلق تلك الشاعرية الفذة، والشخصية الأدبية الرائعة، فانسجمت هذه العوامل حيناً وتنافرت حيناً آخر. وأقصد بذلك العوامل الثقافية والعوامل الجنسية الخاصة.
فقد وُلد شوقي وفيه من المؤهلات ما كان كفيلاً بإيصاله إلى إمارة الشعر، وتوفرت له عناصر العبقرية من أصوله الأربعة حين اجتمعت فكان عربياً تركياً شركسياً يونانياً، وبهذا الاجتماع إيحاء بأنه سيكون شاعراً له ميزات كما أن الجمع بين العربي واليوناني إيحاء أقوى لما لهما من قدرة في عالم الشعر والشعراء.
إلى جانب ذلك فإن شوقي كان يتمتع بمواهب طبيعية، ولّدت عنده الارتقاء في ذرا الشعر، فقد كان صاحب ذاكرة قوية ساعدته على تخزين ما كان يقرأ، وهو صاحب خيال واسع استطاع من خلاله الابتكار والإنشاء، كما كان صاحب إحساس مرهف ذو صلة وثيقة بالحياة وما يجري فيها، وفوق كل ذلك؛ فقد كانت نفسه تطمح إلى مجاراة كبار الشعراء على اختلاف أزمانهم وتباين ثقافاتهم وتنوع فنونهم وأغراضهم.
هذا من جانب، أما الجانب الآخر، وهو الجانب الثقافي الذي تمتع به شوقي وربما عز على نظيره. فقد اجتمعت لديه إجادة العربية والفرنسية والتركية، وإن كانت هذه الأخيرة أثرها القليل، فقد كان للعربية والفرنسية أثرهما الواضح في شعره، فقد كان لكتاب الشيخ حسين المرصفي (الوسيلة الأدبية) أثره الواضح في بداية حياة شوقي، بل كان المصدر الأول الذي اعتمد عليه، حيث ضم هذا الكتاب أروع النماذج الأدبية القديمة، كما ضم بعض نماذج من روائع البارودي الحديثة، فتمثلها شوقي خير تمثيل، لأنه أعجب بها أيما إعجاب، كما تأثر أيضاً بالبحتري وأبي نواس والمتنبي وأبي تمام، إلا أنه اختط لنفسه أسلوباً خاصاً عُرف به فقد احتذى القوالب العباسية، وعارض كبار الشعراء، وهو يعلن ذلك ويصرح به، ولا يجد غضاضة فيه.
واطلع شوقي على الآداب الغربية، ولا سيما الأدب الفرنسي، وكيف لا يكون ذلك! ونحن نعرف أنه سافر إلى فرنسا وعاصر بعض أدبائها الكبار فكان ذلك غذاء لشاعريته، فتشبه بلافونتين في أمثاله، وبموسيه في صراحته، وبلامارتين في غزله، وبكورنيه في رواياته التمثيلية، وكان فيكتور هوجو أكثر الشعراء الغربيين تأثيراً على شاعريته. كما كان هوجو لسان الوطنية الصادقة وصوت فرنسا في الحرية.
Page 10
لقد لاحظ شوقي في فرنسا الحرية الفكرية والعلمية فتأثر بها، وتمسك بها، فظهرت جلية واضحة في شعره بعد عودته إلى مصر.
كما تأثر شوقي بصاحبه إسماعيل صبري، الذي كان يعرض عليه شعره في بداية حياته، فينبهه إلى لفظ قلق أو معنى يحتاج إلى تقويم، أو نشوز مواقع الجمال، لكنه ما لبث أن استقل بمراجعة شعره وتمكن من نظمه، حتى نظم الشعر في كل زمان ومكان، والشواهد على شعره كثيرة، ومنها ما قام به في دمشق حين أتم قصيدته المشهورة «النيل» في ليلة واحدة ليلة تكريمه في المجمع العلمي العربي وكان مطلعها:
من أيِّ عهد في القرى نتدفق؟
وبأي كفٍّ في المدائن تغدق؟
وهي من روائعه في الوصف.
ومن العوامل المؤثرة في شعره، حياة الترف التي عاشها في القصر الخديوي، وما أفاده ذلك من منح وعطايا وهبات، أضف إلى ذلك ما جلبته له زوجته من ثروة كبيرة واسعة، مما كان له أثر كبير في معانيه الرفيعة وأخيلته البديعة ولفظه الأنيق، مما جادت به قريحته الشعرية وأمتع به القارئين وهو يصف منطقة الجزيرة على الحافة الغربية لنهر النيل:
وخميلة فوق الجزيرة مسَّها
ذهب الأصيل حواشياً ومتونا
كالتبر أفقاً والزبرجد ربوة
والمسك ترباً واللُّجين معينا
وقف الحيا من دونها مستأذناً
ومشى النسيم بظلها مأذونا
وجرى عليها النيل يقذف فضة
نثراً ، ويكسر مرمراً مسنونا
عاش شوقي في فترة حبلى بالحوادث السياسية، حين اشتد الصراع بين الوطنيين والإنجليز، وكان اتصاله بالقصر قد أغناه بأسرار كثيرة سياسية واجتماعية، فكان شاعر القصر وهو فيه، وكان شاعراً وطنياً يدافع عن الشعب ويكافح من أجله ويدعو إلى يقظته واستعادة مجده أثناء وجوده خارج القصر. وقد تمثلت هذه الفترة في الصراع بين الشعب والمحتل في الحرب العالمية الأولى وثورة 1919 ثم رفع الحماية عن مصر 1922 ثم تنازع الأحزاب المصرية آنذاك مما كان له أثر كبير في فكر شوقي وتوجيه فنه الشعري.
وكان شوقي كثير الأسفار، فقد أحب الرحلات منذ كان في فرنسا، وظل هذا ديدنه، فكان يسافر إلى تركيا موطن الخلافة، ثم سفره إلى لبنان أكثر من مرة وحبَّ الحياة فيها، لكن رحلته إلى الأندلس منفياً كان لها أكبر الأثر، فقد أفادت تجربته الشعرية كثيراً، وسّعت مداركه وأطلعته على بيئات مختلفة من الطبيعة والحضارة والناس. وكانت رحلة المنفى من أشد وأبرز العوامل المؤثرة في شعره، فقبل منفاه كان شاعر القصر، وأصبح بعد النفي شاعر الشعب والوطن وظهرت بين المرحلتين سمات وآثار واضحة في شعره.