Page 1
تقديم
كلمة بقلم الكاتبة اللبنانية مادونا عسكر - لبنان
قلق السؤال يجتاح عوالم الأنـثى الخفية
بتلقائيّتها المعهودة والمحبّبة، وأسلوبها اللّطيف وسردها البسيط، تغوص الكاتبة اللّبنانيّة "صونيا عامر" في حنايا الذّات لتستخرج مكنوناتها وتضعها بين يديّ القارئ. يتأمّلها، ثمّ يتأمّل ذاته فيلقى ما يعبّر عنه ويسلّط الضّوء عـلى خفايا نفسه.
إلّا أنّ رحلتها في هذه الرّواية لها نكهة خاصة ومتمـيّزة حيث أنّها تسبر أغوار الذّات الأنثوية وتطرح مشاكلها اليوميّة والتّقليديّة كما تنفذ إلى أعماقها لتبيّن قلقها الدّاخليّ والنّفسيّ الّذي قد يكون مخفيّاً ولا يظهر للعلن.
فكلّ شخصيّة أنثويّة من الرّواية، تعـبّر عن حالة معيّنة إذ تجتمع في تلك الشّخصيّات كلّ الهواجس الـتي تشغل المرأة وتؤرقها، كما يظهر لنا وجعها النّاتج عن إخضاعها لعادات وتقاليد ما برحت تنهكها حـتى إذا ضاقت ذرعاً ثارت عليها وانتفضت، من جهة، ومن جهة أخرى نتلمّس مشاعرها التّائقة أبداً إلى الحبّ الّذي ترجو أن يفيض عليها أبداً سكينة ونعيماً وسعادة.
تنتقل الكاتبة من شخصيّة إلى أخرى كالنّحلة من زهرة لأخرى، وتحاكي في كلّ جزء من الرّواية شخصيّة أنثويّة معيّنة تلامس بها حالة كلّ امرأة بشكل شخصـيّ أو عام. وقد تـتراءى للقارئ وللقارئة تحديداً، عوالم خفيّة تسكن أعماقها، تستخرجها "صونيا عامر"، وتطلق العنان لمشاكل وهواجس عدّة بين دينيّة وحياتيّة واجتماعيّة، وتطرح عدّة تساؤلات وجوديّة فلسفيّة. كما تـترك للقارئ مساحة من التّأمّل بل فسحة للبحث عن حلول. بالمقابل وهي تعـبّر عن المرأة، تشجّعها تارة بشكل مباشر وطوراً بالتّلميح إلى الثّورة عـلى مجتمعها الّذي لا يرى منها غالباً إلّا أنـثى ويتناسى إنسانيّتها الـتي تجعل منها امرأة.
لا تظهر المرأة في هذه الرّواية ضعيفة أو مستسلمة وإن كانت غارقة في متاهات عدّة وصعوبات جمّة، وإنّما تناضل وتثابر وتجتهد كي ترتقي سلّم النّجاح، ثمّ ما تلبث أن تعانق ألمها من الحبّ والفراق والرّحيل، إلّا أنّها تحافظ عـلى وجودها وكيانها كامرأة دونما الرّضوخ لألم أو لخداع أو حـتى لمفاجآت القدر.
لـ "صونيا عامر" فكر خاص وأسلوب متفرّد في تجسيد المعاناة الإنسانيّة والأنثويّة حصـراً، وبسـردها البسيط، وأسلوبها السّهل الممتنع، لك أيّها القارئ، بل لكِ أيّتها القارئة، أن تسافري معها عـلى أجنحة صفحات مترعة بالجمال والأناقة والتّلقائيّة، حـتى إذا ما أردت الوقوف لحظة أمام ماضٍ مرير أو حاضرٍ كئيب، برز لك من عمق الأوراق عبـير حـبر يعـبّر عمّا يخالج نفسكِ من مشاعر وهموم وأفراح وأتراح، وينسّم لك لفحات أمل لمستقبل زاهر تحصدين فيه ثمار الجهاد والمثابرة والتّعب.
Page 2
مقدمة
صونيا عامر
يأتي عريس الغفلة، ليسأل الوالد ابنته وفاء، هل توافقين عـلى محمد زوجاً لك؟
تسـرح وفاء بالخيال لتجد نفسها قد تزوجت بعمر الثامنة عشـر من شاب يكـبرها بأربعة عشـر عاماً، بناء عـلى رغبة والديها وتشجيعهما. يسافر زوجها محمد مخلفاً وراءه العروس الشابة ونطفة علقت في أحشائها عـلى أمل رؤية المولود الصيف القادم إن شاء الله تعالى، فالزوج لا يستطيع اصطحاب زوجته معه لظروفه المادية. كما جاء غـيره من بعد، جاء الصيف وعاد المغترب وفرح بولده، كما وتشاجر مع زوجته لمبالغتها في توسيع البيت وهدر الأموال عـلى تلك الصالونات الفارهة وغرف النوم الراقية، ومن ثم سافر ليعود وهكذا دواليك. مرت السنوات وأثمرت زياراته للزوجة العشيقة الـتي يزورها مرة في العام عن ابنتين وولد، ومـنزل كـبير نسبياً وخلافات لا حصـر لها ولا عد مع عائلته وعائلتها نتجت عن غياب الزوج وتدخل الأهل بشؤون الأسرة المستهدفة، كما تصفها وفاء. إلى أن أتى اليوم الذي كـبرت فيه البنات وطلبت فيه يد إحدى البنتين للزواج، فعارض الزوج المهاجر دون أي مراعاة لحب الفتاة لطالبها. وبناء عليه، ترغم فاتن عـلى الزواج بابن عمتها رائد، حيث لا يمكن رد طلب الأقارب كما جرى عليه العرف قبل أن يهاجر محمد. تحمل فاتن البنت المسكينة وتنجب لتجد ابنتها مشوهة بوجهين والسبب في ذلك حالتها النفسية وعدم إجراء الفحص الطـبي المطلوب أثناء الحمل، كما ويعود الأب محمد ليجد زوجته وفاء الـتي أصبحت جدة مـصرة عـلى الانفصال. تنتفض وفاء عـلى نداء والدها، لتـصرخ بأعـلى الصوت، لا لا أريد زواجاً تقليدياً، علي أن أحب أولاً، أن أقتنع، لا أريد محمداً زوجاً لي.
Page 3
الجزء الاول : زينب
إنه صباح الأحد وكلوديا موظفة مجتهدة، هي من الشعب الكادح، كما وتذهب للكنيسة صباح الأحد. اليوم بالذات لم تستطع كلوديا الاستيقاظ لا لشـيء سوى لـبرد قارص في الخارج ولألم شديد بالمعدة، إنما صديقتها مـنى تلح وتلح عليها بالنهوض والإسراع فالقداس كاد يبدأ دونها، لا يعقل ذلك طبعاً!.
تنهض كلوديا وفي قلبها كل الإيمان الذي خزنته عـلى مدى ثلاثين عاماً، مقاومة بذلك رغبة جامحة بالنوم ولا شيء سوى النوم، ولكن ها قد وصلت ودخلت لتلتحق بصديقتها مـنى بالصف الأمامي من المقاعد الخشبية الدافئة بتأثير الصلاة والشموع ورائحة البخور.
بعد القداس أحست كلوديا برغبة شديدة بفنجان شاي أخضـر وكرواسان، فـهي عـلى حمية منذ الأمس، وهذا كثـير بالنسبة لآنسة عاملة في مجال الصحافة تتنقل من مكان لآخر لتغطي أخبار البلد والجوار الملتهب.
تذهب الصديقتان إلى مـقهى محبب لهما في وسط البلد، المكان المحبب الذي يصعب لكلوديا فيه تجنب المعارف والأصدقاء والمعجبين الذين يتابعونها عـلى شاشات التلفزيون. تحب الظهور كلوديا، وهي تعرف بأنها عـلى حياد، وتحاول دوماً أن تنأى بنفسها، رغم عملها بأكـثر من محطة محلية وإقليمية إلا أنه نسب لها الموضوعية بطرح المواضيع وإدارة المناقشات، مما يسبب لها الكثـير من الضغط والقلق الوظيفي حين تتعرض لسياسة المحطة الـتي تعمل لديها أو تخالف الخط الإعلامي المتفق عليه.
لمـنى رأي آخر، مغاير لفكر كلوديا، فمـنى سيدة كانت متزوجة وأنجبت. تعتـني بابنتها الوحيدة الـتي رزقت بها بعد عناء، لا يعنيها الشأن العام، فـهي محررة في جريدة وما يعنيها فعلاً، راتب آخر الشهر، هي تعرف لا بل متأكدة بأن لا أمل في هذا البلد. عموماً فاليوم الأحد، ومـنى قد أودعت ابنتها بيت أمها منذ الأمس، يوم السبت الذي غالباً ما ينـتهي بسهرة في أحد الملاهي الليلية الـتي تفرغ فيه شرباً هستيرياً كلوديا ومـنى عناء الأسبوع من توتر وقلق. كلوديا شخصية متحررة لكنها لم توفق حـتى الآن بـشريك تمـضي معه ما تبقى لها من عمر، أما مـنى فـهي سيدة مطلقة متحفظة، سيدة مسيحية تزوجت حبيباً شيعياً، وانفصلت عنه بفعل المجتمع، الذي أبى وبكل ما لديه من ظلم وتعصب أن يبقيهما زوجين تحت سقف واحد، إلى أن انفصلا. فـهي الآن أم زينب، وبطيبة خاطر، أحبت حسن وعشقته حد الجنون، وخالفت الجميع وتزوجته، ومن ينسـى قصة مـنى وحسن؟!، وكذلك أحبت الاسم وهي من اختاره، زينب.
مـنى ابنة السيدة جانيت مسيحية كاثوليكية، متزوجة من جان البروتستانت، وجاء اسمها مسلماً "مـنى" تلبية لنذر كانت قد نذرته جدتها لأمها الـتي تمنت أن ترزق جانيت ببنت تسميها مـنى عـلى اسم أمها المرحومة السنية المذهب والمتزوجة من جدها الأكـبر بيار. نعم في العائلة تاريخ من الزيجات المختلطة، فـهي عائلة متفتحة في بلد عرف عنه الانفتاح منذ قديم الزمن.
زينب بنت مـنى الآن مسيحية، تأتي مع والدتها القداس أحياناً كما وتذهب مع والدها الحسينية، والقرار مـتروك لها، فـهي حين تكـبر سوف تختار ديناً لها، أو ربما تبقي عـلى الاثنين، فالله واحد، مهما تعددت الوسائل.
بعد مرور ثمانية عشـر عاماً عـلى مدارس الراهبات، سوف تتخرج زينب وبتقدير ممتاز، وستجتمع مـنى وحسن في حفل تخرجها، حسن مع زوجته وولديه من زوجته الجديدة الحجة أم محمد ومـنى الـتي لن تكون قد تزوجت بعد، مبقية عـلى زينب ثمرة حب معجزة.
وكذلك ولحسن حظ زينب يتفق الطرفان عـلى إرسالها الى أميركا لإتمام دراستها فـهي متفوقة ويجب أن تتخرج بشهادة بالطب، الطب النسائي. ففي ذلك خدمة كـبيرة للمجتمع الشيعي والمسيحي عـلى حد سواء، في طرفي بـيروت الأول والثاني، وسوف يمول المـشروع حسن، نعم فهو صاحب ورشة في الأوزاعي، وكل الناس تعرفه. مشهور حسن بتصنيع أجمل وأمتن شبابيك وأبواب القصور والمنازل والبنايات، ولديه من المال ما يكفي لتخريج دفعة كاملة من الطبيبات المتفوقات.
في أميركا وفي جامعة مرموقة تنتسب إليها زينب، تتعرف إلى شاب عراقي يشبهها تماماً بهمومه وتفكـيره وأحلامه المستقبلية، وبعد أن تقع بحبه من النظرة العاشرة، تكتشف زينب بأن لداود أصول يهودية، فهو عراقي يهودي، ولكنه عربي، هذا ما أقنعت نفسها به بعد إفاقتها من صدمة الدين، يهودي؟ لم تكن يوماً لتفكر بزواجها من شخص يهودي، هي المسيحية الشيعية اللبنانية الـتي اعتادت كره اليهود، قبل حـتى أن تفكر بالسبب.
تتناقش زينب وداود بشأن زواج يرضي جميع الأطراف، أو عـلى الأقل يرضيها ويرضي داود، زواج مدني، أمريكي، محايد، ولكن الظروف لن تأتي كما اشتهى الاثنين، فحسن والد زينب أعلن عداءاً تاريخياً لداود اليهودي العراقي، ومـنى تمنعت بكل ما لديها من تعصب ظهر فجأة ضد اقـتران زينب بشاب ليس من ديننا ولا حـتى من وطننا، يهودي؟!!!. هذا بالإضافة إلى ما أبداه أهل داود من هواجس وتحفظات تغطي مـشروع الزواج بغيمة سوداء كثيفة، لما لهذا الزواج من نتائج سلبية كـبيرة عـلى سمعة العائلة بالعراق والمهجر، لبنانية شيعية؟ لا يا داود، لم نأمل منك ذلك؟ تقول مسيحية؟!!
Page 4
تكمل زينب دراستها بهدوء بعد أن وعدت والديها بأن لا شيء سوى الدراسة في أولى اهتماماتها وهي لن تـتزوج من داود ولا من غـير داود إن لم يكونا راضيين مقتنعين تماماً بما ستفعله. وبعد سنوات ثمان تعود زينب إلى لبنان دكتورة نسائية برتبة امتياز مع مرتبة الـشرف بشهادة من أرقى جامعات العالم، وتستلم وظيفة مرموقة في وزارة الصحة بتوصية من صديق لوالدها عـلى مركز كـبير في الدولة. ولكن زينب تحب داود وترغب بأن تتزوجه، فتعود لفتح الموضوع ثانية محاولة إقناع والديها بأن لداود رغبة باعتناق الإسلام وبالزواج بها وهي البنت المحجبة الـتي اختارت الشيعة ملة لها ولن تحيد عنها مهما كلف الأمر.
ترى مـنى بتصـرفات ابنتها بعض الظلم لها هي الأم الـتي أمضت حياتها تحت أقدام زينب والـتي بدورها لم تقدر هذه التضحية الكـبيرة وانحازت وبكل بساطة لجانب والدها حسن، علماً بأن ذلك لم يكن غـير متوقع، هي منذ البداية تعلم بأن زينب بنت حسن ولها ما شاءت من دين. ما آلمها حد البكاء قرار الزواج بداود، فـهي بذلك لن تبقى في بـيروت، ستهاجر إلى أميركا، لأن داود لن يعود للعراق في ظل الظروف الحالية السيئة، كما وأنه لن يستقر في بـيروت ببلد لا يتسع لأبنائه ليؤمن فرصة عمل لشخص عراقي شقيق يدعي حسين بعد أن أشهر إسلامه حباً لزينب ورغبة بالزواج منها.
ترتـئي كلوديا زيارة زينب لإجراء حوار صحفي معها، مساندة منها لزينب ودعاية لعيادتها الـتي أهداها إياها حسن الوالد المبارك بتخرجها عـلى هذا النحو الممتاز. كلوديا صديقة مـنى الـتي تحولت إلى فعل الكتابة الحرة بعد أن عملت بالصحافة إلى أن وصلت حد الإشباع. امتهنت الكتابة الأدبية تعـبيراً عما يقلقها دون التعرض لأحد، أو فلنقل في الكتابة موقف شخـصي لا يحتسب لفريق ضد الآخر، فهو غـير مدفوع الثمن. كلوديا سيدة في الخمسين الآن، لم تعد تلك الآنسة القوية الـتي اعتادت قضاء الليالي عـلى صوت المدافع مغطية أحداثاً ليست هي نفسها مقتنعة بأسبابها. هي اليوم صحافية مخـضرمة تعد مواضيع معينة تعنيها وتعـني المجتمع، متحـيزة قليلاً للنساء ولكن لا ضير ما دامت تراعي حقوق الرجل، كما وهي كذلك احترفت بعض الشعر وتعز حسن وتقدره، كأخ. فقالت لها:
- حدثيني يا زينب، ما هو انطباعك وأنت وحسين في ربوع الوطن زوجين عـلى سنة الله ورسوله؟ أرغب بلقاء صحفي ممـيز، يلفت الانتباه لأهمية التقبل في حياتنا، تقبل الآخر، وتفهم دوافعه.
- شعوري مبهم، لا أعرف كيف أفسره، هو داود، فأنا أعرف ذاك الرجل، هو داود من أحببت، ولطالما كان عـلى خلق، فليناده من ناداه باسم غـير اسمه، إنما هو داود.
- اشرحي لي يا دكتورة!
- أنا يا مدام كلوديا تربيت وكـبرت في بيت أمي، مـنى بيار، درست في الراهبات وتخرجت من أميركا، نعم أنا مؤمنة بملـتي، ولكن ما لا أريده تغـيير حياة الآخرين. فلداود كما لي طقوس دينية يحبها، وهو أبلغـني أنه لن يتخلى عنها، وأنا لا أرى مـبرراً يساعدني في ردعه عما ينوي فعله.
- بما يفكر داود يا زينب؟
- لداود عائلة ولهم عليه حق الزيارة، وأنا زوجته وله علي حق إطاعته. سنزور العراق، فهو يرغب بزيارة بلدته، وهو الآن قريب، لبنان ليس ببعيد عن العراق، ونحن لن نطيل بقاءنا في الشرق، سنعود لأمريكا.
- وبسؤال جانبي محايد، خارج الكواليس، هل ترغبين بقتل والدتك، سفر مرة ثانية؟
- لا عجب من أن نؤذي من نحب بكلام لا نقصده لحظة شعورنا بقلق وتوتر شديدين، هي انفعلت صحيح حين أخبرتها، وأنا أيضاً لم أقصر حاسبتها عـلى زواجها لا بل عـلى حبها لأبي، كان من الممكن أن أتجنب ما أنا فيه لو هي أبقت عـلى حبيب من دينها وتزوجت منه دون نتائج مدمرة مثلي.
- ولكن يا زينب أنت شخص ناجح، لم هذه النظرة الدونية لذاتك دوماً، دونما أدنى سبب؟
Page 5
- كلوديا يا صديقة الماما، أنت لم تعـيشي تجربـتي، ولن تعرفي مدى معاناتي، فأنا زينب في مدرسة الراهبات، أتفهمين معـنى ذلك؟ من هناك بدأت معاناتي، هل تفهمين؟ لقد عمدتني، أنا مسيحية يا كلوديا، مسيحية القلب والعمادة، أنا شيعية الاقتناع، ومتزوجة بيهودي، أجل متفهمة، لم أقل غـير ذلك، ولكـني أتألم أخبريـني، عـلى أي دين سيكونون أولادي؟
- عـلى الدين الذي يرتئونه، أنتِ يا زينب مثال عـلى ديمقراطية الفكر والمعتقد، لم يغصبك أحد، أنت الأكـثر حظاً من بين أترابك صدقيني، أنت هي الشخصية المتكاملة، الـتي تمثل الإنسانية المحايدة، الشخصية الغنية دينياً وفكرياً.
- أنا يا كلوديا كنت أتمـنى، لا بل ما زلت أتمـنى أن أتزوج داود، زواجاً مدنياً، أن أعقد العقد، أتلاحظين، هو عقد زواج، شراكة بين اثنين، يحفظ لهما حقوقهما ويفرض عليهما واجباتهما، مع احتفاظ داود بدينه واحتفاظي بما اعتمدت من دين.
- لم تصعدين الأمور، ما بك زينب، دعي الأدوار تسير كما هي، فهذا أفضل لك، أنت هنا في بيئتك الطبيعية، وهو أي حسين متفهم، لقد اختارك، لا تكوني متعسفة.
- أخبريني كلوديا، لم لم تتزوجي بعد؟ لقد انتهيت للتو من قراءة ديوانك الجديد "ندم"، ألف مبروك، أعجبتني المقاطع التالية:
• طرق تمر بالعابرين مؤاسية والعابرون لا تخفى عليهم وعورة الدرب.
• نجماتي علقتها نيشاناً عـلى قلبك فأنت من يطفئها
وأنت من يشعل فيها الحرائق.
• روحي تفلت مني آبية إلا سماوات بلون الرب.
• خاطبها بعذب الكلام وردت بأجرحه يا له من زهرة ويا لها من شوك!
• عش البلابل فينا لحن نغرده
فمن امتقع بالصفار قلبه مقتولا
• لهبوب الهوا بثورات الحب معـنى فالعاصفة تبدأ بغيمة مارقة لو الشمس من هبوب الريح بالليل سطعت لبدا القمر في وضح النهار.
• سحابة تحط بحنايا الروح لوعة وقطرة بسويداء القلب، لتهب الريح العاتية وتطرد أي فرصة لهطول المطر.
• خذني حيث تغط الفراشات خذني إلى واد قريب في خوابي العسل نحل وكل أمنياتي وردة.
• حلق بما تشتهي من الهوا فمرجوعك لي أنا من في حـبي اكتوى قلبك وتقول: "لا أبالي؟"
• لي عتب عليك، ولي عتب علي ولي عتب عـلى الدنيا، بما حملته لك ولي من حركات محض بهلوانية، أي صدفة تلك؟
- تحبينه؟ لِمَ لم تتزوجي به؟ أهو عـلى إسلام لا سمح الله؟ مبتسمة زينب ضحكة الفاقد للأمل بتعايش مشترك، ما الذي يقلقك كلوديا، تقولين في آخر الديوان:
• في جعبـتي حدثان ونيف الأول يقلقـني والثاني يقلقـني
وما تبقى من أحداث بالفعل تقلقني.
تنهض كلوديا بحجة العمل، بعد أن أحست بضيق يعتري زينب ورغبة منها بإنهاء الزيارة، لتودعها متمنية لها رحلة سعيدة إلى رحاب العراق الشقيق، الذي لطالما غطت هي نفسها أحداثه المريرة حين كانت مازالت شابة نسبياً تستطيع التنقل والجري وراء الأحداث مهما كلفتها من ألم وجهد. هي تعرف زينب فـهي ابنة مـنى، لديها القدر الكافي من العناد والمثابرة لتنال ما تصبو إليه، دائماً، وهذا جيد، فليحفظها الرب ويبارك خطواتها.
بعد طمأنة والدتها أنها بخـير، يحدث أن تنقطع أخبار زينب لفـترة بعد زيارة العراق، وبعد أن نجت بأعجوبة وزوجها وجنينها من انفجار كاد يودي بحياتهم هم الثلاث. وذلك لا لـشيء سوى لتغـيير جوهري في مسار حياتها جاء صدفة بحتة منذ عشـر سنوات، ولكنه كان خـير من ميعاد أصابها في قلب أحب وتزوج وهاجر حيث النور والحرية، لتختتم وفي نفس الحفل الراقص الذي التقت فيه داوود ذات جامعة، رحلة عذاب دامت ست وعـشرون عاماً، مخلفة وراءها ماض لطالما كدرها، لتكتفي كلوديا بما لديها من هموم أخرى تدونها تعـني حواء وغـيرها من جواري الشرق المنطفئ، سائلة نفسها نفس السؤال، صحيح، لِمَ لم أتزوج بعد؟. كما وتتصل زينب بوالدتها مـنى لتخبرها بأن الأمور بدأت تهدأ و بأن كل شيء عـلى ما يرام بما فيهم ناتالي، حفيدة مـنى القمر، الأمريكية الجنسية، وإن كانت من أصول عربية، ستخلص لأميركا.
Page 6
الجزء الثاني : رنيم
لكلوديا صديقات كـثر، ولكن لرنيم زميلتها بالمهنة في قلبها حصة الأسد ثقافياً، لا لـشيء سوى لأنها توافقها الرأي وأحيانا تخالفها، أو ربما لأنها تستفز ذكاءها، مع أنها لم تجر معها حوارات ساخنة مباشرة من قبل، إلا أنها التقتها ذات مرة أون لاين عـلى الواتس أب، تقول كلوديا:
- أبحث عن "بدايات" للكاتب أمين معلوف، أريد إعداد مقالة فيها، استعداداً لعامودي الأسبوعي قراءة في كتاب.
- رنيم تقر، أنا جبرانيات اليوم
- أنا تخصص" العواصف"، وأنت؟
- أنا أعود لجبران ككل حين احتاج رفع روحانياتي.
- سلامة روحانياتك، إذا فأنت "النبي"!
- ربما، العواصف ثائرة متمردة!
- نعم تشبهني، حلمت "باسم الأب والابن والروح القدس"، احمنا يا عذراء، باركينا يا أمنا مريم.
- أنا وجدت إلهي بالبحر.
- وجدتِ ألفة ربما بصديقك البحر تفتقدينها بمحيطك، غربة، الله ليس محدد، هو الكل.
- أين كنت مخبأة، لدينا حوار طويل إذاً؟ أجد عندك كتاب العائد؟
- في بيت الجبل، سأجده لك.
- مشكلتي مع السماء قديمة، كما تعلمين فأنا من طائفة الإسلام السنة، وتربيت بين الشيعة والمسيحيين والدروز واليهود، وكونت قناعة أن ليسوع فضل عـلى باقي الأنبياء، يسوع أقام دينه عـلى المحبة، ينبذ العنف ولم يحقر المرأة.
- أنا عن نفـسي أتحـسر عـلى نفـسي، كنت أفضل العيش بين الأجانب، مع العرب أحس بأنـني أستاذ وهم تلاميذ، تحب الظهور كلوديا، مغرورة قليلاً ومعتزة بنفسها.
- الأجانب ليسوا أفضل منا.
- لا ليسوا بأفضل، إنما تستطيعين إقصاءهم، أما العرب فهم عطوفون بالفطرة فلا يمكنك تجاهلهم.
- أستطيع محادثتك، تعبت، لا أحب الكتابة.
- حياك، مع أني لا أحب الكلام، أفضل الكتابة، ويرن الهاتف، هلا حبيبتي.
- أرجوك، لأجلي، هههههه، شاكرة كلوديا عـلى قبول التحدث.
- أهلا فيك رنيم، وسعيدة بحديثنا، ما أردت قوله الآتي: في روايته حنا مينة يقول: لماذا؟ بعد هذا السؤال الذي لا جواب له، راح يـشرب صامتاً، في نوع من اللامبالاة الـتي تصبح الحياة معها بغـير هدف، بغـير قضية، ومن لا قضية له ينتفي حلمه، يسقط في العدم، وهذا شر أنواع السقوط، إلا أن التجارب، والمصاعب، وكل أنواع الرزايا الـتي حولت نمر، من حديدة تجمرت في نار، إلى فولاذة سقتها مياه السماء، كانت كفيلة ببعثه المنتظر، ولشد ما مات نمر، ولشد ما بعث، ولشد ما ردد، في ذاته، مع أبي الطيب المتنـبي.." كم قد قتلت، وكم قد مت عندكم ثم انتفضت فزال القـبر والكفن" والصدمة الـتي كادت تهده، لأن الـتي جاء لأجلها ماتت. ارتفعت رقاقة بيضاء، في ثنايا سحب بيض، هذه الصدمة، هذه المصيبة، مثلها مثل كل المصائب، تبدأ كـبيرة، ثم تصغر، تصغر إلى أن تتلاشى مع مرور الزمن.....من رواية امرأة تجهل أنها امرأة. كما ويقول، يبقى السؤال، عن أي فكر نتحدث؟ وعن أي فاعلية فكرية نبحث؟ والجواب واضح: الفكر الذي نريده هو فكر المجتمع المدني، التنويري، النهضوي، العقلاني، العلماني، الذي يرسخ المؤسسات الدستورية، عـلى أسس من الديمقراطية، مع كل ما يتفرع عنها، ويزدهر بها، من حرية القول والعمل، في حقـلي الثقافة والسياسة معاً، وفي تعدديتهما أيضاً..... رواية "أشياء من ذكريات طفولتي"، حنا مينة.
Page 7
- كل ذلك ستقولينه كتابة؟ أيتها المجرمة؟ تريدين قتـلي هههه؟ يا لك من صبورة... نعم صديقتي، أصدقك، حـيى الله الأدباء السوريين، في ديوانه "قاموس العاشقين" بالعام 1981، لخص الشاعر نزار قباني حالات العشق الأكـثر شيوعاً، ووصف وبكل الشغف حالات الحب المفرحة وكذلك الحزينة الـتي تعـتري الحبيـبين، حيث كان ينـعي بـيروت وليلها وخسارتها في ذلك الوقت. ما لفت نظري في ديوان نزار قباني تكرار المشهد، فالأحداث تتكرر عـلى المستوى العالمي والعربي ولو بوجه مختلف، فالضائقة الاقتصادية، المستمرة، وقلة الحيلة والتلطم العربي الانتمائي والتخلف والجهل المستمر. ومما لفت نظري كذلك مدى إصرار ذلك الرجل الشجاع عـلى الاختصار، فلقد ضامه ما حمله تاريخ العرب من شروحات وشروحات لا تخدم أبداً القضية. "كل الدراسات عن شعري مزورة، كل الرسوم لوجهي، ليست تشبهني، لا شهريار.. ولا عبد الحميد.. أنا لو تعلمين كم التاريخ يظلمـني، فلا ذبحت حبيباتي كما زعموا أنا الذي كانت الأحزان تذبحني".
- لقد انتهيت للتو من "إبحار في الذاكرة الفلسطينية"، للكاتبة حنان بكـير، ولا أخفيك سراً أنـني شعرت بـشيء من الدوار الذي سببته لها السكين السيف، وضيق التنفس الذي أحدثه عفريتها الخبيث ذات سنة. لقد تفضلت بالتنويه بذاكرتنا المريرة معاً، بما فيها من روشة، بوريفاج وجنوب لبنان مروراً بالمزة. يا رنيم، بي غصة بالحلق لا أقوى عـلى بلعها ولا حـتى عـلى ترجيعها، هي عالقة بالروح باتت تشوهها، ولولا بصيص أمل لا أعرف مصدره ولست واثقة من نتائجه، صديقتي، عـلى ما يبدو حالياً ذاكرة سورية تضاف إلى الملف المنـسي، ولا يسعنا سوى التنويه بأختها العراقية وستر الرب ما بقي من فرعون. إنما، عندي إيمان يا رنيم، سنرجع يوماً إلى حيِّنا.
- نعم صديقتي، كلامك سليم، لطالما قالوا لنا المرأة من ضلع الرجل، ودرسنا عن متوازي الأضلاع، ولطالما اشتكينا الضلع المكسور. يراودني شك حول علاقة الضلع بالمرأة، وتؤرقني الوساوس، أحسها تشك بالخاصرة، فكيف لها أن تتساوى إذن؟
- أن تفصح عما في داخلك جميل، بل الأجمل أن تـعي حقاً ما في داخلك. أظن في ذلك الإجابة!، نحن نساء الـشرق أعداء أنفسنا، نحن من يربي الرجال عـلى تصغـيرنا والإقلال من شأننا، بتهمة حظ الذكر من حظ الأنثيين والشرع حلل له أربعة....
- هي ابتسامة، وردة وفنجان قهوة، كافية لبدء نهار جميل، السؤال الذي يطرح نفسه، هل نحن رهينة حكم مسبق عـلى الأمور أم أننا وليدي اللحظة؟!.
- عـلى الأغلب مـبرمجين، التغـيير وما لهذه الكلمة من تأثير كـبير عـلى حياتنا. اليوم صباحاً تلقيت عرض وظيفة جديدة، وظيفة جيدة جداً، ولكـني رفضتها دون حـتى أن أفكر، ليس لشيئ سوى لخوفي من التغـيير. كنت دائماً ألوم المترددين، أخـشى التغـيير هل أصبحت مثلهم، أم أن للسن علينا حق؟!
- في يوم من الأيام صادفتني شخصية غريبة، مما حذا بي لاتخاذ قرار شجاع بكشف سبر أغوار تلك الشخصية، والأغرب من ذلك أنـني اكتشفت بالنهاية أن تلك الشخصية هي أنا ولم أكن أعرفني بتاتاً من قبل.
- بالفعل يا فيلسوفة، فإحصاءات الطلاق تتزايد حسب المحاكم الـشرعية، البعض يعزو ذلك للإنترنت والانفلات الإعلامي. الرجال يلومون النساء والنساء يلومن الرجال، وغالباً الكل مسؤول، والسؤال هو: هل سنذهب بعيداً رحلة الغرب الاجتماعية نحو التشتت الأسري ومن ثم نعود؟ أم أن زمن الـسرعة سيخـتصر علينا بضع سنين وتجارب؟.
- أتعلمين؟، التقيت صدفة بصديق خرج لتوه من مستشفى المجانين، هي ليست مستشفى بالمعنى الحرفي للكلمة إنما معتقل، ما استنتجته أن الفلسفة لا تأتي جزافاً، أو ما يسميه البعض جنوناً فيما يخص معشـر الكتاب، إنما هي نتيجة تجربة مرة قد تودي بحياة الشخص، ولكن الرب يتدخل باللحظة الأخـيرة وينقذه مودياً بعقله فحسب، ليصبح فيلسوفاً عـلى هذا النحو أم ذاك.
- أما أنا يا صديقتي، فلقد مر بي الخـبير منذ فـترة وجـيزة، ونصحني بالتعقل، لا ألومه، حقاً لا ألومه فالعاقل يعقل أن للتفـكير أصول ومبادئ نقيس عليها نسبة النجاح والفشل، كما وأنها قد تدرس كخطط واستراتيجيات للحياة. كل ذلك منطقي، يعجـبني، لم أعـترض. ما لا أفهمه هو مدى مصداقية الأسس الـتي نبـني عليها الرؤية للمستقبل في حال متحرك. فعلاً هي احتمالات، وهذا مقبول كحد أدنى من أصول التنظيم والسير بخطة عمل، مع جدول زمـني لتحقيق هدف. هنا أيضاً يطرأ تساؤل آخر، تحديد الهدف، أحدث وسائل تحديد الهدف. في لحظة حظ رائعة، قد تجدين نفسك عـلى تل المجد العظيم، طوبى لمن يعرف طعم الإنجاز. ما يحزنـني أن أصحاب المجد هم أصحاب التجربة، أصحاب العذابات أما التل والمجد فهما الإرث. أحيانا أحسد الإرث الإنساني، التاريخ الذي قد يكون الرابح الوحيد. نعم زرت متحف جـبران "النـبي" الصيف الفائت، نعم تأخرت بالزيارة أعرف، إنما كما تعلمين بداعي الهجرة، عـلى العموم زرته وحدثته وسمعني، هو رجل طيب يحب البشرية، ويدعو لخلاصها، أظننا صديقين. وبعد أسبوع عـلى المكالمة المطولة، تتصل رنيم، هل وجدت ضالتك؟
Page 8
- بدايات؟ نعم قرأتها، رواية "بدايات" أعتبرها واحدة من أجمل روايات الأديب معلوف، وأجمل ما يميزها استنادها إلى وقائع حقيقية حاكت تاريخ المؤلف شخصياً. في بداية القراءة لم أستطع التأكد فيما لو كانت أحداث الرواية تخص فعلاً لعائلة معلوف الحقيقية أم أنها مجرد رواية تنطبق عـلى معظم عائلات لبنان في ذلك الزمن، إلى أن تأكدت من اعتماد الرواية عـلى رغبة حقيقية من الكاتب لتدوين تاريخ عائلته بعيداً عن الجاه والسلطة وهنا يكمن السر.
من محاسن الرواية أنها غطت حقبة تاريخية وعـلى الرغم من معرفتنا جميعاً بها ألا وهي ما بين الحربين الأولى والثانية، إنما بأسلوب مختلف، أكـثر صدقاً وواقعية ويحاكي جمهوراً أوسع من المواطنين وليس فقط السياسيين ورجال الدين. فلقد سلطت الضوء عـلى معاناة كل من تسوله نفسه في ذاك الزمن أن يكون مختلفاً ومتحرراً من قيود وهمية لا تخدم سوى أصحاب النفوذين الأسوأ. لقد شرحت بأدق أعراضها الجانبية هجرة اللبناني نحو اللاعودة وما شابها من مآسٍ ومـسرات عـلى نحو متواز.
- أكملي أكملي، شوقتني.
- دارت رواية معلوف حول أسرتين مسحيتين بروتستانت وكاثوليك وثالث ثائر عـلى الطائفـتين توج ثورته بتأسيس أول مدرسة مختلطة ذاك الزمان، وعـلى مسار مواز شرحت بأدق التفاصيل حيوات إخوته الأكـثر واقعية والتزاماً وعرض أوجه الاختلاف والتلاقي عـلى حد سواء، وبأسلوب محايد تماماً كمدقق في قضية جنائية يبحث عن الحقيقة والحقيقة فقط. وهذا حقيقة ما اعتدناه من الأديب الكـبير الدقة والحياد بما يقدمه من معلومات. لغة الرواية اتسمت بالسهل الممتنع، فاللغة متمكنة مدروسة من ناحية الـسرد، أما الرسائل المرافقة والمستشهد بها فجاءت عـلى شكل خليط من العامية المحببة والفصحى. كما أن للمترجمة نهلة بيضون فضل كـبير بجمال ترجمة الرواية من نصها الأساسي بالفرنسية.
- ما هدف الرواية، إذاً؟
- هدف الرواية كما هو واضح دحض التعصب الديني وحث التطور والسعي نحو المعرفة، وبذات الوقت سلطت الضوء عـلى تكرار الأخطاء الـشرقية، فالقارئ يلمس اليأس والإحباط المزمن من حالنا نحن العرب أو بالأحرى الـشرق المتخبط والغارق بالتفرقة، وهكذا تتعاقب الوصايات من تركي لفرنسي وغـيره.
وهكذا تستمر السيدتان بالتهاتف يومياً تقريباً، وبكل الجدية والوقار والمنافسة الـشريفة حول ما تحمله نفسهما من أثقال روحية وفكرية تكاد تقض مضجعهما، لأنهما وعـلى ما يبدو مصابتان بالوسوسة، بوسوسة الشك والعياذ بالله، الشك بالمسلمات كافة، مهما كانت بديهية، فمن قال أنـني عـلى حق وأنك مخطئة؟ أو العكس؟ لمجرد أنك لست عـلى ملـتي أو ديـني؟ فالله عزّ وجّل دعا لعبادته وبشتى الطرق. ليأتي اليوم الذي تظهر فيه رنيم قلقها قائلة: أشتم رائحة الربيع التركي،،،، أهو تابع الـشرق الأوسط الجديد؟.
Page 9
الجزء الثالث : بسمى
عـلى الكاونتر الخاص بنقل الركاب، في المطار وعـلى عجل، تستعيد بسمى شريط الواجبات المترتبة عليها قبل مغادرتها المـنزل، حـتى ولو ليومين فقط بداعي العمل. لقد أعدت طعاماً كافياً للفتاة ووالدها، ونظفت البيت، وأنهت كل ما هو عاجل في المكتب وأرجأت كل ما يحتمل التأجيل لأن زميلها الذي ينوب عنها كفيل بأن يسبب كارثة إدارية إن لم تتدارك المواضيع الهامة وتقوم بإدارتها وملاحقتها بنفسها مسبقاً.
قالت لي ابنـتي داليا بأنها ليست بخـير، فركضت بها إلى دكتور العائلة وعدنا بكم من المضادات الحيوية وخافض للحرارة، ولكن تشجعي بسمى فـهي بخـير الآن، لم الإحساس بالذنب من غـير داع!. والسيارة، يا إلـهي كيف نسيت؟ كان عـليّ إدخالها الكاراج للسيرفس؟ فيومي سفر يعتـبران أفضل فرصة لصيانة سيارة لا أستغني عنها نهاراً بكامله. لا يهم بسمى، ما هذا الوسواس القهري الذي بـتي تعانين منه! وسواس قهري؟ وتجيب نفسها مكسورة الخاطر، ظننته مجرد فوبيا من ضغط العمل!، ذاك الذي يجعلـني أستيقظ شبه مختنقة خلال الليل مرتجفة هلعة!. كم أنا مدينة لعائلتي، فأنا بت شبه مجنونة في الآونة الأخـيرة! مجنونة؟ أرأيت، كم تبالغين بالتقليل من شأن نفسك يا أنا، أحبيـني أرجوك، فأنا من ستدوم لك، أحبيـني أنا روحك المعذبة وجسدك المرهق وعقلك القلق.
وتستيقظ بسمى عـلى صوت الموظف شاكياً أن رقم التذكرة موجود، لكن اسمها ليس من ضمن المسافرين، فتضحك بسمى لمعرفتها بالموضوع مسبقاً فـهي وبالأمس راودتها فكرة مماثلة، فكرة تشاؤمية بعدم سفرها لطارئ ما، ولكنها اتصلت بمكتب السفر وتأكدت بنفسها من وجود الحجز المؤكد أكـثر من مرة!، إذاً ما الخطب، أين اسمي؟ فيصيح ماجد، الموظف الثاني، أهلا بك كاتبتنا بسمى، كيف الحال؟ لم نرك منذ مدة، ويخاطب زميله طالباً جواز السفر حيث قام وبنفسه بإتمام المعاملة ودعاها إلى تناول القهوة في قاعة التـشريفات مع أنها عـلى درجة الاقتصادية Economy، متمنياً لها رحلة آمنة وحفل توقيع ممـيز يليق بروايتها الجديدة كذلك ولا أخفيكم سراً، ليطلعها عـلى ما يجول بخاطره، ويقول: بين ما أريد وما تريد، هناك من يفعل ما يريد، مبدأ الفشل المسبق، ما نتقنه أن نندب بلادنا، لطالما أسأنا الاختيار وما زلنا، بتطبيق مبدأ العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم، الثأر المتوارث بين السلطة والشعب، نحتاج الكثـير من الخـبرة في الفكر السياسي واحتواء الآخر ومبدأ الـشراكة والديمقراطية. نعم سيدتي، فأنا حين أشتاق لقريـتي الـتي لطالما أحببتها، أستعيد شريط ذكرياتي الجميلة، حيث أنـني لا أفكر قط بزيارتها حين أشتاق، فقريـتي ليست قريـتي وزيارتها مرغماً لا تزيد سوى خيبة أملي المتكررة. ولكنـني لم أتخذ القرار بعد بعدم الاشتياق، حيث أنـني أخـشى أن يكون قراري ذلك بدءاً لمرحلة محو منظم للذاكرة المرة، لقرية فاقت كل توقعاتي بمدى جهل قاطنيها. لست أكن الحقد بعد، إنما يعتريـني الازدراء الذي أقاومه تعصباً لتلك الذاكرة اللعينة الـتي لطالما كانت تؤرقني. كما وأنـني لا أبحث عن حل، لا وقت لدي للأمور التعسة ولا لإصلاح الكون، وجل ما أفكر فيه هو التركـيز فيما أتيت الدنيا لأقوم به من بحث عن كلمات تخفف الألم في عالم يغرق بالدم؟.
− جميل؟! أتكتب الشعر؟
− بعض ما عندكم.
− أسمعني!
Page 10
− رطب الكلام نسيم حروفه وطنين الشوق عمق المسافة
− كشعاع الشمس تلمست الروح مـشرقة تخرق غيماً أسود!
− لكل ما نوى، لا تقل شئنا وشاء.... فبالإضافة إلى انقطاع الكهرباء وعدم قدرة المضخات عـلى توزيع الحصص من عين الضيعة، وسرقة معظم الحصص من قبل المدعومين عن طريق فتح عيارات المياه، إن أنابيب جر مياه الشفة في القرى اللبنانية يعود تاريخها لعهد الانتداب الـفرنسي، وهي من مادة الأترنيت المـسرطنة، ونظراً لتآكلها فقد أودت بحياة المئات من المواطنين بالمرض الخبيث. الحل المبتكر بـشراء غلنات المياه المعبأة ذات السعر المعقول رغم ضيق اليد، ساعد قليلاً رغم ما خلقه من حالات التسمم وسوء التخزين، يبقى الحل الثالث بالاعتماد عـلى قناني المياه المعدنية كالصحة وندى وريم وصنين وغـيرها من موزعيها وليس من البقالات الصغـيرة أو السوبر ماركات الـتي تعاني انقطاع الكهرباء رغم ثمنها الغالي نسبة للمعاشات الضعيفة الـتي يتلقاها المواطن. ويبقى السؤال، هل يعقل ألا نجد مياها نـشربها في بلد الأنهار والينابيع؟
− بالفعل، أجبت عـلى سؤالك بنفسك، وبسؤال، هل يعقل؟
− رافقتك السلامة!
− أشكر لطفك، تمـنى لي حظاً جيداً، وإلى اللقاء، سلامي للجميع، بسمى متجهة نحو البوابة رقم 23 بعد أن سمعت النداء الأخـير عـلى الركاب المتجهين إلى بـيروت التوجه حالاً نحو الطائرة. مشت برأس يلفه التشويش الكثيف متسائلة، إلى مـتى عـلى سلم الطائرة؟ هل سيأتي اليوم الذي أنام فيه قريرة العين في غرفـتي في قريـتي، مواطنة لا يكدرني قلق تجديد الإقامة وخوف الإبعاد لمجرد كوني مقيمة؟ حينها سألف العالم، ولكن سياحة، السفر في دمك، لا تنكري. وتردد خافتة الصوت والملمح " وطن التمديد أنا هنا، حدث أتذكر من أنا؟، كلنا للوطن والوطن لهم، وهكذا إلى أن بلغ عدد اللبنانيين في المهجر ما يناهز...... الملايين. حكام عـلى من؟ عـلى أنفسهم؟ أم عـلى ملايين اللاجئين الذين اجتاحوا البلد بسببهم.! أين المواطن اللبناني؟ جاري البحث والتدقيق... أما التمديد فاقتضاه الوضع الأمـني الخطـير الذي تمر به البلاد، والذي لا يـعي أهميته المواطن اللبناني الجاهل بالسياسة ومكنوناتها. دعوا السياسة للسياسيين وانشغلوا بأوجاعكم الـتي نحن السبب فيها، متم وعاش الإقطاع، عاش السلطان العثماني وحريم السلطان. "أحبك هيام، يا جميلة الجميلات، يا سلطانة فعلية، من أخوات إن الفاعلات حقاً".