Page 1
أمل من وسط الظلام
من تلك الغرفة المعتمة، حيث كل شيء يشي بالإهمال، فعلى أرضيتها تمدد ذلك الجسدُ بتراخٍ، لتحيط به فناجين القهوة المنتشرة في كل ركن، وأقلام محطمة تدل على غضبٍ وسخط، وكرسي مهشم تحطم من كثرة ما تم ركله أثناء نوبات الغضب، وسرير متهالك يخشى صاحبه الجلوس عليه، لكي لا يستمع لصوت صريره الذي يتفجر في أرجاء الغرفة الهادئة، وسلة مهملات اكتظت بالأوراق.
أخذ صاحب الجسد يتأمل الغرفة مرة أخرى، كأنه يخشى أن يكون هنالك ما نسي تأمله، ثم تنهد وأغمض عينيه ليتذكر ذلك الطفل الذي كان يخرج كل صباح، متظاهراً بالذهاب إلى المدرسة، بينما في الحقيقة كان يذهب ليجري بين البساتين، ويملأ جيوبه بالفاكهة، ويرسم ما يشاء على كل حائط يجده أمامه، من ثمّ يدق الأبواب ليجري هارباً، ليستمع للأصوات المؤنبة خلفها باستمتاعٍ عجيب، بعد يومٍ حافل يعود إلى منزله بفرحة غامرة، ونشوة طفولية، وأقدامٍ عارية لا تتعب.
في صغره كان كل شيء في نظره جميلاً ممتعاً، أما الآن فلا شيء سوى الملل والسخط على كل ما تحويه الدنيا، ثم عادت عيناه تتأملان الغرفة.
فتنهد قائلا:
- آه... لو استطعت التخلص من كل هذا.
حملت له العبارة فكرة مخيفة، ولكنها راقت له بشكل مدهش، ثم راح يخطط للتنفيذ. وبنشاط لم يعتده، أمسك جالون كاز، وراح يسكب محتوياته على أثاث غرفته البالي، وأشعل عود كبريت.
***
Page 2
- أين أنا؟
نطق الكلمة وهو يتأمل المكان الذي هو فيه، كان مُستلقياً على ظهره والظلام يلف المكان. المكان ضيق لا يكاد يستطيع التنفس فيه، تحسست يداه الأرضية، إنها وعرةٌ بعض الشيء ورائحة الأتربة تزكم أنفاسه.
في الحقيقة كان يعلم أين هو، ولكنه حاول أن يكذب على نفسه وفشل، لأن الحقيقة كانت الشيء الوحيد الذي يسطع ضوؤه في المكان.
أحس ببعض الدموع تحاول الفرار من سجنها، فقال كمحاولة لإقناعها بالكف عن المحاولة:
- لماذا الندم والدموع الآن؟ كان علي فعل ذلك، لماذا نتمسك بالحياة إن لم تكن جديرة بأن تعاش؟ الأهل والأصدقاء تفرقوا ولم تعد تراهم، أعيش في هذه الدنيا غريباً، زمن انقلبت به الموازين، ومجتمع لا يرحم، كيف لا وقد وجدت نفسي في ساحة حرب، وأنا لا أمتلك سوى أسلحة من الخشب، وسهامٍ لا تصيب مقتلاً، فهجرت الدنيا ولم أحمل من أمتعتها سوى ذكريات، وبعض الهمسات.
خفت أن يطلبوا مني فتح الحقائب، ويقولوا لي: ممنوع تصدير الذكريات.
إذاً ماذا يأخذ المسافر إلى العزلة؟
عندها تساوت عندي كل الأحاسيس، وبات الفرح والجمال كلمات لا تجدها سوى في الأغاني، فكثرت أسبابي، ومن كثرتها لم أعد أذكرها.
Page 3
لكن الدموع انهمرت لتبلل خصلات شعره لأنها تعلم أنه يكذب، تعلم أن صاحبها فقد الأمل، وفقد كل شيء معه.
"الأمل"
- آه.. كم هذه الكلمة رنانة
فجأة تناهى إلى مسامعه وقع أقدام في الأعلى، وصوت أُناس يقرؤون الفاتحة، ثم صوت بكاء خالطته عبارات المعزين، ولكنه قد ميزه بوضوح، كان صوت بكاء أمه التي كانت تبكي وتلومه على انتحاره.
آه كم هو مشتاق إليها بعد هذه السنين، كان يريد أن يصرخ قائلاً:
- أرجوكم لا تبكوا عليَّ فأنا لا أزال حياً.
وقبل أن تُفلت العبارة من بين شفتيه أحس بسخافتها، فابتلعها لتقف بحلقه الجاف، فأغمض عينيه وهو يشعر بالندم والألم يجثم على صدره ويحطم أضلاعه.
كيف فعل هذا؟
ألم تكن الحياة يوماً في نظره جميلة وذات ألوان ساحرة.
أحبها منذ طفولته، وداعبت أحلامه، وابتسم لها، ماذا حصل ليتخلى عنها بهذا الشكل؟
Page 4
لحظة عابرة في حياته دمرته، نزوة شدت الحياة منه فأفلتها، لأنه يمتلك أصابع متهالكة لا تقوى على الصمود.
شعر بها للحظة بأنها أفلتت من بين يديه، وتحطمت، وتناثرت شظاياها في الكون كله، ثم بنسمة هواء حملتها معها بعيداً، وخبا بريقها إلى الأبد.
- لماذا هجرتني أيها الأمل، لو كنت معي لما خسرت؟
عادت عيناه تتأملان الظلام، المكان مُظلم جداً، لا ترى فيه شيئا، وهو مُخيف أيضاً.
- وبعد......
حملت له العبارة مُصيبة أخرى، لم يرد طرحها، هذه الكلمة ذكرته بأن ما فعله خطيئة.
- إذاً ماذا سيحدث بعد ذلك؟ عندها أحس بألف لعنة تحوم حوله وأجراس الفضيلة تقرع في رأسه. أحس بجسده يرتعش وهو يجتر فظاعة الموقف.
لماذا تقرع هذه الأجراس بعد فوات الأوان.
على فكرة المكان هادئ لا بدّ أن المعزين قد رحلوا، لأن المكان أصبح كالمعبد الذي لا تسمع به سوى صوت أنفاسك، لكنه لم يكن يسمع سوى صوت نبضات.
Page 5
إنه قلبه ينبض، تحسس صدره بمرارة وقال:
- آه أيها الصغير بجوفي، أما زلت مُصرّاً على الخفقان؟!
أغمض عينيه ليستمتع بصوته، صوته يعلو ويعلو حتى أصبح كالوحش الذي يريد الخروج من سجنه، أحس به يريد تحطيم أضلاعه، ليفر هارباً قبل أن تحرقه جحيم الأفكار التي تسكن رأس صاحبه - وهو لا يلومه - شعر بالمرارة، حتى قلبه لا يريد أن يشاركه المصير، صوت النبضات يعلو ويعلو ويدوي في المكان، ثم أحس بصوته قد خرج من داخله ليصبح قريباً منه.
لحظة إنه الباب الذي يُدق وليس قلبه !! نظر إلى الباب بشرود، ثم نهض ليفتحه، فلم يجد أحداً خلفه، لكنه لاحظ أن أحد الأطفال قد قام بالرسم على بابه، فابتسم وأغلق الباب خلفه وقد تنبه بأنه يمسك بعود كبريت مُطفأ، ورائحة الكاز تملأ المكان، فعاودته الرغبة في تأمل المكان، الذي بدا له واسعاً مُشمساً وذا أثاثٍ جميل، عندها أدرك أن الأمل لم يهجر حياته، والجمال ليس في الأغاني فقط.
Page 6
لوحات بلا ملامح
تبدو تلك الوجوه غريبة دون ملامح، تشعر بنقص هائل وأنت تتأملها.
كان هذا رأيي وأنا أتأمل المشهد الذي حولي، حجرة اكتظت باللوحات، ووجوه دون تعابير أو ملامح، وطريق طويل حوله أشجار صفراء شاحبة، تسير في وسطه طفلة لم يظهر وجهها، هذا ما كان خلف إطارات لوحاتي، ثم تأملت الحائط الذي يحملها، أحسست بأنه يقف بتأفف وضيق، كأنه محكوم عليه بحمل تفاهاتي وجنوني طوال حياته ما دام منتصباً... لوحاتي بلا ملامح لأني أردت أن أرسم تعابير عجيبة لا تشبه تعابير البشر، ولا تعبر عن أي حالة. لا تعبر عن حزن، لأنها ستكون وثيقة اعتراف بما أردت إنكاره، لا تعبر عن سعادة، لأني لا أريد أن تناقضني تلك اللوحات بل تكون جزءاً مني، لم أرد رسم أي ملامح، لذا رسمت تلك الطفلة موليةً ظهرها لكل شيء.
ثم تسلل إلى مسامعي صوت بكاء مكتوم من الشقة التي أسفل شقتي، كنت أسمع صوت أنفاسه اللاهثة، نشيجه المكتوم، شهقاته كأنها شهقات احتضار، كنت أسمع هذا الصوت كل ليلة، مع ذلك كنت أحس بجسدي يرتعش، أنفاسي تختنق، أقاوم رغبة بالبكاء، قلبي يدوي في المكان، وبشعورٍ يحرك دمي، هكذا كنت أشعر عند سماعه، بعد لحظات تختفي كل مشاعري ويحل محلها الفضول، حتى إني في الصباح لم أكن أقاوم الركض نحو النافذة عندما كنت أسمع صوت باب شقته يفتح، كي ألقي نظرة عليه، وأستغرب حينما أرى نظراته التهكمية، وابتسامته الساخرة. تنهدت... وعدت أنظر إلى ما حولي من لوحات، ثم لم ألبث أن اقتربت منها، ورحت أتحسّسها بأصابع متشككة لأتأكد أن الحياة لم تسطُ عليها.
أحسست بأني أسمع صوت أنين، لم يكن صوت جاري.
Page 7
اعتقدت أني أصبت بالجنون حينما اقتربت من صورة تلك الطفلة لأتأكد مما سمعت. حاولت أن أبحث بنظري عن وجهها، لأني توقعت أن أجدها تبكي.... صوت الأنين يعلو، أحسست بصورة الطفلة ترتعش تحت باطن يدي، مع أني كنت أعلم أن يدي هي التي ترتعش، وصوت الأنين لا يفارق أذني، عندها أحسست بوحشٍ داخل صدري يكبر ويتمدد، والصمت يصرخ داخلي ويعلن عن وجودي... دهور مرت وأنا لا أزال أقف مكاني.
كانت تلك الطفلة لا تزال تسير، ولم تصل بعد. لم يتغير شيء.
وما زلت في داخلي أبحث عن شيء... شيء حتى لو كان وهماً وسراباً، شيء لا يصاب بمقتل، ولا يمسه العجز، ولا تنال منه السنون، شيء لا تزحزحه الأيام، ولا يدفن، ويملأ كل فراغ فيّ، كالمواكب حين تملأ شوارع المدينة، شيء عنيد لا يقبل الطيش والهفوات.
كيف تموت الآمال والروح لا تزال تنبض بالحياة؟ سؤال ٌ يدفعك للبكاء على وحل واقعك، لذا رحت أبكي على الأحلام التي ضاعت، وفني الذي مات، لأعيش وحيدة غريبة، عندها سمعت صوت باب شقة جاري يفتح.
اقتربت من النافذة ونظرت إليه، كانت تلك الابتسامة لا تزال تعلو وجهه، وتطفو على صفحة وجهه الهادئ وهي تموج بالصمت.
Page 8
هذه المرة لم أستغرب بل قلت لنفسي:
- فليبتسم.. ألا يكفي تجهم الحياة؟
نظرت طويلاً لابتسامته، ثم نظرت إلى ما خلف تلك الإطارات وتمنيت بصدق لو كانت تحمل تلك التعابيير، وتلك الابتسامة التي تجاهد اليأس والألم، شيء في داخلي يقول لي بأني وجدته، وهذا الشيء هو الحلم والسعادة، هو الفن والإبداع، هو شيء يشمل الكون، وتحمله وجوه الناس.
عندها نمت في داخلي فكرة مجنونة.
اقتربت من صورة الطفلة، ومددت يدي إلى اللوحة ممسكةً بذراعها و أنزلتها من على اللوحة لأوقفها بجوار إحدى اللوحات.
وقفت الطفلة بحياء، لا تدري كيف تُداري قدميها المتسختين بالطين، وهي تُحس بنعومة الأرضية المصقولة تحت قدميها بدل الأرض الوعرة.
شعرت بالذنب تجاهها، لكن لا بأس ببعض الخيانات الصغيرة. ثم أمسكت فرشاتي وبدأت أرسم في نهاية الطريق صورة أخرى بدل صورة الطفلة، صورة بملامح يعشقها قلبي، وبابتسامة تطابق ابتسامةً تنتظرني كل صباح تحت النافذة.
فحتى وإن كانت الطريق التي باللوحة طويلة وشاحبة، أريد أن يتربص بي الأمل في نهايتها.
Page 9
مشكلات عائلية
خيم السكون، وأسدل الظلام ستاره على أحيائنا وشوارعنا، فأُضيئت في الخارج مصابيح الشوارع، لتنيرها بضوءٍ باهت.
كانت ليلة لم يعكّر صفوها سوى صوت مشاجرة شوّشت هدوء الليل، ليتعالى صوت صراخ ينبعث من أحد الطوابق السفلى، ولم تمضِ سوى دقائق، حتى كان درج العمارة قد ازدحم بالجيران الفضوليين، الذين تجمهروا ليشاهدوا ثلاث نساء يتشاجرن أمام أحد البيوت في الطابق الأول، كانت إحدى النساء الثلاث جارتنا الجديدة التي لم يمضِ على زواجها أكثر من ثلاثة أشهر، ثم استنتجت أن المرأة البدينة هي حماتها أما الثالثة ذات الأنف الطويل فكانت أخت زوجها، أما الزوج فقد كان يقف على عتبة بيته يراقب الشجار كأي جار فضولي، حيث كانت زوجته تصرخ بوجه حماتها:
- أنا حرة.. لن أبيع قطعة واحدة من ذهبي.. أنا لست رجل البيت لأنفق على ولدك وأسدد ديونه... أنا لن أضحي بقرش واحد من أجله.
أما الحماة:
- ستبيعين ذهبك رغماً عن أنفك... وستساعدين زوجك في سداد ديونه.
Page 10
ثم بدأت مرحلة تجاذب الأيدي، والأطراف والملابس والشعر حيث تكاتفت الحماة وابنتها على زوجة ابنها، وانهالتا عليها بالضرب، والزوجة تحاول أن تحمي وجهها بذراعيها وهي تصرخ طالبةً المساعدة من زوجها، الذي أدرك في تلك اللحظة حجم الفضيحة التي زج نفسه بها، حيث وقف يحدق مذعوراً بالرؤوس التي تطل عليه من الأعلى، بينما وقف الأطفال حفاة الأقدام يفركون أعينهم من شدة النعاس، وأحد الجيران كان لا يزال يمسك بقطعة خبز بيده، وهو يلوك لقمة في فمه، حيث كان واضحاً أنه كان لا يزال يتناول عشاءه عندما بدأ الشجار، عندها أدرك الزوج أنّ مشكلاته المادية وخلافاته مع زوجته أصبحت معروضة للتداول بين جميع الجيران، عندها أخذ يتلفت حوله بيأس، محاولاً القيام بأي مبادرة لترميم رجولته التي تصدعت أمام أعين الملأ، محاولا أن يثبت بأنه الذكر الوحيد في هذه المعمعة النسائية التي كشفت الستار عن سخافة مشكلاته بطريقة وضيعة.
فأخذ يصرخ بزوجته وهو يهز إصبعه مهدداً:
- كفى.... وإلا أقسم بأن أعيدك إلى بيت أهلك.
ولكن الزوجة المهددة بالعودة إلى بيت أهلها كانت مختفية تحت ثقل جسدي حماتها وابنتها، وصوت الشجار والصفعات جعلت صوت الزوج يضيع لأن عدم الاكتراث كان مداه، ليعود صوت صداه ضاحكاً ساخراً لغباء محاولاته.