eKtab
EN ع
إنهيارات رقيقة
Read free sample

إنهيارات رقيقة

by هشام نفاع

Page 1
ما الذي فاجأه بعد سهرة عادية جدًا
 
كان جَدّاد بحاجة للتدقيق فيما ملأ ناظريه. كان عليه بذل جهد مضاعف ليُطلّ على هذه الغرابة المريعة التي جمـّدت جسده وسمـّرت شعره هلعًا.
 
أرعبه ما رأى حين حدّق النظر، وهو الذي يمرّ أصلا بتجربة جديدة في النظر من خلال عينيه المدعّمتين بعدستين خفيفتين خفيـّتين غطتا بؤبؤيه ولونهما الأول، كما يليق بكل من حظي بنعمة النشوء والارتقاء، والوصول حتى هذا العصر السعيد أسوة بسائر جموع الشرّائين الكرام.
 
فقد كان رمى بالنظارات الطبية قبل شهر في دُرج مخصّص لفواتير الكهرباء والماء والهاتف الخلويّ وتلك الأوراق التي صار يمكن رميها.
 
لماذا يمكن رميها؟
 
بسيطة، لأن الحاسوب بات قادرًا على أن يجود بعشر نسخ من أية ورقة مهما بلغت أهميتها في عشر ثوانٍ فقط بمجرّد كبسة زر واحدة.
 
الحقيقة، أكثر من كبسة واحدة. ولا حاجة للمبالغات الروائية الركيكة من أوّلها.
 
الطريف في الأمر، أن ذلك الدّرج الذي احتضن النظارات والذي حلّ عصر اخلائه من الوثائق المكتوبة بسبب الوفرة الكبيرة لمثيلاتها الالكترونية، كان الدّرج الثالث من الأعلى الواقع تحت طاولة الحاسوب من جيل XP. وهكذا، بصمت بالغ، تحوّلت هذه المساحة الضيّقة الى بؤرة صدام بين الحضارات: حضارة التوثيق التقليدي للأوراق المنذرة بالإصفرار، وحضارة التوثيق الرقمي التي تعرض عليك تشكيلة لانهائية من ألوان الطيف التي لا تبهت لأنها ليست حقيقية 100%، وهذه مسألة شائكة لن نخوضها هنا لأنها تعرّضنا لمخاطر الفلسفة.
 
جدّاد كان غطى بصره بالعدسات منذ التمعت بصيرته بهذه الفكرة العصرية بوحي صورة الشاب العصريّ التي تطلّ من الإعلان المنشور على الصفحة الخامسة في العدد الخاص بعنوان «شبح العولمة يهددنا» من الملحق السياسي لصحيفة «الساحة». الصادرة عن «الشركة اليسارية الجديدة م. ض.».
Page 2
والآن، وسط الذهول مما صفع بصره، حين حانت ساعة امتحان التيقـّن من قيمة العدسات وفضلها على النظّارات الـ دَقـّه قديمِه، شعر بأن العدستين تضغطان على عينيه رغم أن ما يجري حقيقةً هو العكس: فهو الذي كان يضغط على العدستين بجفنيه، ومن غير النزيه إلقاء التهمة على هاتين الدائرتين الشفافتين. ولكن هذه ليست المرة الأولى التي يتهم البشر فيها ظواهر الطبيعة بالمسؤولية عن آلامهم، فيما هم من يخنقون الطبيعة وظواهرها بغرور غبيّ حتى تنفجر فتؤلمهم. وعلى الرغم من أن جداد نفسه كان شديد الاعجاب بالنضال من أجل جودة البيئة، فقد ظل كغالبية المعجبين بمعظم القيَم: دون أي التزام بترجمة إعجابه الى ممارسة ملتزمة.
 
ولهذا السبب، كما يبدو، أي بسبب سطحية جداد المكتفية بالاعجاب بالطبيعة من دون شجاعة التعرُّف عليها والوصول الى تسوية معها، فإن روح قانون نيوتن الثاني اقتصّت منه فورًا على هذا الجهل الجبان. فهي التي لا تزال ترفض الموت، ببطولة ساطعة، رغم الهيمنة الكمومية، يعني الـ Quantum Theory، وجدت لها تفـّاحة، تقمّصتها ثم سقطت بها متدحرجة على وقع الجاذبية (g) لتحلّ هنا في عينيّ جدّاد.. فعندما حدّق بهلع، ما كان من العدستين سوى الانصياع والسلوك وفقًا للقانون النيوتوني والردّ على قوة ضغط العينين الوقح عليهما بنفس القوة وبالاتجاه المعاكس، ليروح بطلنا يتألم ويعيد توسيع فتحتي نظره، غير الواسعتين بشكل خاص بل المعمـّصتين الى حدّ بعيد، وبشكل عكـَس أيضًا جذوة المفاجأة التي تنامت مشوبة بفزع خفيف في قلبه، أو في محيط الصدر على الأقلّ - وإن كان يجب التشكيك أصلا بفرضية تفاعل المشاعر الانسانية في الحجرات الأربع لمضخّة الدم الشهيرة بالذات.
 
ولكن ما لنا ولهذه المسألة الآن.
 
فالفزع الذي لن يظلّ خفيفًا بعد عدد قليل من الثواني التي ربما تكون تضاعفت الآن فيما نحن نصف الأمر، كان بسبب ما تراءى له على بعد عشرين مترًا تقريبًا من البقعة التي أراد اجتيازها بقدميه الغارقتين في حذاء يوهمك بأن صاحبه رياضي، رغم أنه من آخِر الكسالى المحترمين لأنه يدّعي في الكسل علمًا وفلسفة، ويترجمه ممارسة حياتية يمكن القول انها ألغت الى حدّ بعيد المسافة بين النظرية والتطبيق، فظل ما ظل من هوامش التأويل الكامنة منكمشًا بحيث انسحق كل احتمال لانبثاق مشروع نقديّ جاد يتصاعد من الحيّز المحصور بين فلسفة جدّاد المتعالية في الكسل وقيمته، وبين تحقيقها الفاعل. فقد كان جدّاد من الصدق والالتزام ودقّة الانصياع العفوي لبنوده النظرية التي يفترضها هنا، بحيث قلّص حيّز التفاوت بين المادة الفكرية والفعل الملموس الى درجة صفر رياضي كلاسيكي، ومن غير خضوع لأية فذلكات نسبية. كان هذا ملخص علاقته بالممارسة المسمّاة «رياضة»، ذات الطقوس والثياب الموحّدة وشبكة المصالح والأندية والنجوم والأموال (وزناخات البعض في القدوم الى المقاهي من نوادي التدريب مباشرة بثيابهم المضحكة). هذه قصة طويلة شائكة، فضّل العزوف عنها.
Page 3
حتى تتّضح نفسيّة جداد قبل أن تركبه هذه المفاجأة، وقبل تقلـّصات عيونه على إيقاع الفيزياء في إزاء ما رأى، نقول إنه كان، ومنذ ساعات المساء الأولى، يجالس زوج صديقيه اللذين يشكلان زوجًا مستقلا بتحديد صارم الى درجة العيش معًا بثبات منهجي له استمرارية تاريخية أنشأت حتمية خاصة بها، وباتت تُعرّف بالقيم المطلقة وتحظى بوجود شبه ماديّ ومعلن ومتّفق عليه الى درجة التعاطي معه كمعطى علمي صارم، مدعّم بالوثائق المختومة برموز ألوهية دينية عابقة بروائح الصالحين والقدّيسين والموظّفين، وبإشارات رسمية، ومتعارف عليه اجتماعيًا، بالتالي.
 
قُصر الحكي: كانا متزوّجين.
 
وبالطبع فليس في الإسهاب السالف في وصف حالتهما كـ متزوجين بتلك الكلمات الكبيرة أيّ موقف تجاه علاقتهما الزوجية، ولا يسعنا سوى التعبير عن الاحترام لاختيارهما والقول: مبروك وبالرفاء والبنات والبنين وبالتوفيق.
 
لطيفان جدًا صديقاه، أو بالأحرى، لطيف جدًا الزوج الذي يؤلفه صديقاه. هذا الاستدراك والتردّد في تحديد التعريف الصحيح مردّه صعوبة تحديد الخط الفاصل، سواء أكان حقيقيًا أو وهميًا، بين الصديق والصديقة الى درجة أن أية مقولة عن الطرف الأول ستظل مرتبطة بالطرف الآخر، بما يشبه ارتباط النص بمرجعياته أو هوامشه أسفل الصفحة أو في نهاية النص.
 
مثلا: ما ان سمع جدّاد تلك الجملة الثاقبة عما شعر به النصف المذكـّر لزوج صديقيه حين وصل فيلم «حميمية قاتلة»، الذي شاهداه قبل شهر، الى ذروته التي سبقت النهاية المبكية التي كتب عنها نُقـّاد السينما مقالات ومقلتات لقوّتها التقنيّة، حتى أخذ عنه النصف المؤنث، يعني مَرَتو، واجب متابعة السرد، وقد تبرّعت بكامل ارادتها الحرّة لذلك، واصفة بدقة ما مرّ من اعتمالات في دواخل نصفها الآخر.. وبدا لوهلة خاطفة أنها من أنصار النزعة السلوكية في التفسير، تلك التي تملك بقدرة قادر تلك القدرة على قراءة مجاهيل الاعتمالات الداخلية لدى الآخر استنادًا لمتابعة تقلـّصات فتحتي أنفه وملاحظة تغيّر الألوان على شاشة المُحيّين لديه بفعل اهتزازات وتائر حركة الدم تحت جلده والمحكومة بالضرورة، برأي السلوكية، بما يتفاعل في النفس أو بالعكس. وهكذا استلّت الزوجة من بين أسنان زوجها رواية الفيلم من نصفها وتابعت واجب السّرد وكأنها هي هو، فيما كان هو صاغرا موافقا بل ممتنّا على هذا العون الزوجي الذي إن دلّ على شيء فهو يدل على عمق أواصر عقد الحياة المشتركة، والرسوخ والثبات على ما تعاهدا به الواحد للأخرى، وبالعكس، عملا بسنّة الحياة وجوهرها العميق ومنشودها الأسمى.
Page 4
جدّاد أصغى اليهما كما لو أنه يرى خيوطًا حريرية متأرجحة أو أسلاكًا معدنية دقيقة بل حتى نظام إرسال واستقبال متطوّر بل معقّد، لكن رقيق، يربط بين مكنونات صدرَي صديقيه. ومع ذلك فلم يفهم من هو صاحب الفكرة الأصلية بينهما بالضبط. ولصعوبة الاجابة وخطورة المجازفة باستيضاح الأمر، لما قد تنطوي عليه من زرع بذور الشك في معنى وتوقيت هذا الموقف، فلم يتوقف كثيرًا عند ذلك وقرّر أن يـُمشّيها.
 
وبما أن الفيلم بالفيلم يذكّر فقد تشعب الحديث، الذي هو بطبيعته ذو شجون، ليشمل مجموعة الأفلام التي طلباها عبر الإنترنت والتي ستصلهما بعد أيام حول مبادئ التربية الجمالية للطفل البكر في أسابيعه السبعة الأولى. فالمولود قادم في أي وقت لأن حملهما دخل شهره السابع، ويجب الاستعداد بآخر أدوات التربية الحديثة لهذا الحدث الجلل.
 
وبما أن الحمل بالحمل يذكّر فلم ينسَ صديقاه تكرار موقفهما المشترك المشوب بمناشدة دافئة له ودعاوى قلبية صادقة رفعاها اليه بهدف تحريك مشاعر الأبوة الكامنة بلا شك في الـ D.N.A. لديه ليقولا له بشكل إجماعي - إذ ساهم كل منهما في واجب الصياغة: متى ستحظى بهذا الشعور الكامن في انتظار طفلك؟ فأنت لا تعرف هذا الشعور، ولن تعرفه إلا إذا جرّبته!
 
وفي الحقيقة، لم تكن لدى جدّاد سوى موافقة منطقية على مبدأ الأمر: بما أنني لم أجرّب، فإنني لا أعرف. «تعجبني نزعتهما التجريبية. هذا صحيح 100%، نعم، ولكن ما علاقة هذا بالتشجيع على الخِلفة؟».
 
وهكذا ظـَلّ الالقاء الاحتفالي للبيان الزوجي المشترك يتفاعل حتى وصل غايته ووطره بـِ : متى سـ.. تتزوج؟ (أو حرفيًا: طيّب ووينتا بدّك تتجوّااز؟).
 
جدّاد خجل من القول إنه، ومع كل الاحترام، لا يشعر بأي وقع للأمر عليه، فكرر ما سبق أن كرره سابقًا دون جدوى قائلا: لا أدري.
 
في أعقاب إجابة جدّاد المقتضبة أكثر من اللازم اندلعت من سماء الصالون علامة استفهام مخلوطة بعلامة تعجُّب ونقطة أو اثنتين، وتجمّعت كلّها فوق الطاولة التي توسّطتهم، غير آبهة بالصحون الصغيرة التي تربّعت فيها كؤوس الشاي (من أعشاب طبيعية فقط)، لتشيـّد فوقها ما يشبه النصب الأبشع لأكثر ما يرعب البشر: المجهول!
Page 5
فجدّاد قال عمليـًا ما يحرَّم قوله: نعم أنا أقف على أعتاب المجهول وأدري أنني لا أدري ولا بأس بذلك!
 
حسنٌ ما قاله.. ولكن بما أنه من المستحيل اختتام قضية بذلك الوزن النوعي بعلامة استفهام وضيعة ونقطتين شاحبتين بالطريقة التي اختُزل بها الأمر، فقد انفتحت سماء النصائح الرفاقيّة من صديقيه على مصراعيها:
 
لا تضيّع وقتًا أكثر، لقد «آن الأوان»، قالا بـ أل التعريف، دون اهتمام طبعًا بشرح أوان ماذا بالضبط، أو كيف يمكن للواحد أن يعرف أن هذا الأوان هو أوانه بالضبط، وأنه حان الآن بالضبط ومن أجله هو بالذات ولهذا الغرض تحديدًا. وأسهب جدّاد محدّثًا نفسه: ولكن ماذا لو آن الأوان والشخص مسافر مثلا، أو مشغول، أو لا طاقة لديه على شيء؟ لا جواب.
 
وأيضًا (قالا) يجب أن تفكر بمستقبلك. والأهم: هذه هي الحياة.
 
وقد كان هذا بمثابة التلخيص (الموضوعي طبعًا) الذي أضاف صديقه اليه مرجعية شديدة الوقع:
 
هذه هي روح العصر.
 
يا الله، روح العصر!
 
موسيقى دراماتيكية، تصوير من فوق، وصور برّاقة شديدة التسارع تعكس صدى «روح العصر».. «روح العصر».. «روح العصر»..
 
وفي فضاء سحيق، توهّج نجم وخبت مجرّة خشوعًا لتردّد صدى النبوءة، فوقع انفجار كبير جديد منذرًا بانبثاق زمن لم يكن.. هبّت الملائكة من مخادعها مستنفَرة بينما انبرت الشياطين ومسوخ الكون ترقص معربدة وقد أزبدت أفواهها بلعابها الماجن. وكان هذا كافيًا حتى يُسدل السّتار على سهرة هذه الليلة التي انتهت بما لم تنتهِ به أغرب الأساطير وأعجب الحكايات.
Page 6
وبالفعل، تحت وطأة العبء المترتّب على مجرد ذكر «روح العصر»، ولأن المساء ابتعد كثيرا عن ساعات العصر وبدأ يلامس جسد منتصف الليل بغير قليل من الإغواء، فقد تشكل لدى جدّاد التبرير الأفضل ليقول للزوج الناصح (من نصيحة وليس نصاحة، مع أن الحمل فعل بالصديقة فعله): شكرًا يا جماعة (مع انهما 2 فقط) وتصبحون على خير.
 
نزل جدّاد الدرجات متمهلا، اجتاز باب العمارة وهمّ بقطع الشارع حين اهتزّ رأسه بصعقة من التنبّه الفجائي.
 
فوسط الشارع الذي أظلم اليوم أكثر من العادة ظهر نور فضيّ اللون غامض الهيئة وبداخله ما يشبه الملامح المتفكّكة لوجه آدميّ ضخم راح يتحرك بعرض الشارع عند التواءة حادّة قرب شارة وضعتها البلدية كي تنذر السائقين بالحذر والتمهّل، وقد شكلت مفصلا عند بداية الشارع الذي بدا لجدّاد التائه الحواس لحظتها كما لو أنه يخرج من الماضي وهو يمخر عباب المستقبل عبر تتمـّته المنسابة بسواد إسفلتيّ ناصع، قِدَمًا والى الأمام.
 
لحظة طويلة كالدّهر جمّدت جسد جدّاد وتفكيره اللذين تداخلا في كتلة صلدة غائمة من انعدام الحيلة، فغابت معضلة ثنائية الوعي والجسد وسقطت عن أجندة البشر بالضربة القاضية، كما يحدث في قتال كاراتيه أو مصارعة حرّة أو كنجاح لم يتوقـّعه أعتى عتاة الإلحاد الواعي ممّن لا يخوضون مسألة هذه الثنائية من أصلها.
 
سهامٌ حادة من الخوف تصاعدت من بطنه فاصطدمت بشلالات الدهشة الساقطة من رأسه لتؤلـّفا معـًا جلبة شديدة الوقع راحت تدقّ أذنيه من الداخل، فلم يعد يميّز بين هذه الأصوات المنكرة التي راحت تقرع كالطبول خلف طبلتي أذنيه.
 
حين وصلت عيناه مبلغًا لم يعد فيه بوسعه توسيع حدقتيهما أكثر، تململ وخطا بنصف خطوة الى الوراء فتعثـّر وكاد يسقط لولا أنه قبض غريزيًا على حديد السور المحاذي للحديقة الضيقة المحيطة بالعمارة، لكن صوتًا رتيبًا خشنًا حلّ عليه كما لو انه يخرج من عمق حنجرة حديدية ضخمة واستوقفه آمرًا بحزم:
 
إقتربْ. هيـّا اقتربْ!
 
مصيبة!
Page 7
جدّاد يعود الى عامه التاسع
 
لم يتأكـّد جدّاد ولم ينفِ حتى لحظته العصيبة الراهنة وجود كائنات فوق طبيعية. قرأ هنا وهناك كتبًا رقيقة الغلاف قليلة الصفحات وسيئة الطباعة، ومجلات مقصّفة الصفحات وجدها في مكتبة المدرسة ثم الجامعة، شاهد أربعة - خمسة أفلام ملؤها الرصاص والنار بين أهل الأرض وبين روّادها من الفضاء / أو بين روّاد الفضاء من أهل الأرض الذين اقتحموا كواكب على هوامش الفراغ السحيق فوقنا وتحتنا، وبين عربات قادتها مخلوقات مضحكة ومخيفة معًا . ولكن رغم هذه الثقافة المتواضعة عن مخلوقات الفضاء فإن أبو الجدّ (الذي هو جدّاد بكنيته الشعبية في الحارة) لم يحدّد موقفـًا جديرًا بالتسجيل أو الإعتماد النظري أو باكتساب صفة المرجعية العلمية حول وجود كائنات من عوالم أخرى. لذلك فمن الصعب الدخول عميقـًا في ثنايا دهشته والإعلان بشكل متسرّع عديم المسؤولية أنه مرّ بخاطره كذا أو مذا.
 
فالمسألة ظلـّت غائمة بل شاحبة شحوبَ ما ملأه من قشعريرة باردة فارت بها غدد وغرائز خوفه التي فاقت أعتى ما تخزّن في ذاكرته مما مرّ عليه حين كان لا يزال في التاسعة من عمره.
 
يلاّ.. Flashback..
 
يومها كان قد عاد حوالي الساعة التاسعة ليلا من بيت جدّه (وجدّته أيضًا، لو فضّلنا اللغة المبدئية أو المغسولة على حقيقة الواقع الملطـّخ). على يمينه ربض جرّار زراعي أحمر اللون طالما رآه (والأدقّ، طالما سمعه) يمخر عباب شوارع الحارة المحفـّرة. في تلك الليلة قليلة الكرم الكهربائي ومحدودة الأنوار، مشى وهو يفكـّر برحلة الغد المدرسيّة. الرحلة السنوية المشتهاة التي تكون الزوّاده فيها تحوي كل الضروريّات.. فإضافة لساندويشات اللبنة والخيار مقطوم الطرفين وكيس البزر المحمـّص بيتيـًا، هناك أكياس التسالي المشتراة من الدّكان التي طالما أطربته خشخشة فتحها. لطالما تساءل: غريب أمر طلاب صفي، لماذا كانوا يسارعون الى الهجوم على أكياس التسالي فور انطلاق الباص وحتى قبل أن يغادر شوارع القرية! لكن العرصات عرفوا دومًا أنه يجب التخلص من الحمل الثقيل، لأن في الجيب مصروفًا يجب صرفه خلال النهار. ويقولون لك براءة الأطفال!
Page 8
حين كان بمحاذاة الجرّار الزراعي تصاعدت فجأة خشخشة خشنة مزّقها صوت صارخ رتيب مُفزع جعله يطلق صرخة «يمّا.. دخيلك..» عالية رنّت لشدتها في قلب أذنيه نفسه.
 
لقد سمع فمه يصرخ في أذنيه وكأن لسانه انفصل عنه، فهاله الأمر.
 
بنظرة متأملة، سيظلّ من الصعب تحديد الموقف بشأن سرعة حركة جدّاد: هل فاقت دقـّات قلبه قفزات قدميه، أم أن قدميه كسرتا وتيرة إيقاع نبضه وهما تتسارعان بخفّة أرنب برّي رأى منيـّته تنقضّ عليه، أم أن هذه وتلك معًا لم تنافسا سرعة لهاثه المتحشرج.. لكننا نعلم أنه ركض وركض ووقع أرضًا وقام وقفز ونطّ وهرول دون وجهة مع أن قدميه قادتاه الى برّ أمان البيت الذي كان لا يزال عامرًا بسهرة أسرته التي انضمّ اليها بعض الجيران.
 
ويا له من أمان.
 
والآن: رغم مرور حوالي العقدين من الزمن على تلك الليلة المشهودة، لم يتخلـّص لليوم مما جرى. فحتى الآن لا يمكن لنا ولا لجدّاد أن نحدّد مصدر ذلك الصوت المرعب الذي جعل جسده يفقد السيطرة فيطير بذراعيه وقائمتيه مرفرفـًا من وجه الموت الزؤام كعصفور أرضي يفرّ ناجيًا من افتراسة دموية محتومة.. حتى جاءه ما جاءه الآن.. وبالذّات بعد سهرة حميمية دافئة مع زوج أصدقائه، حتى تكتمل الدراما!
 
كان الصوت الحازم لا يزال يرنّ في المساحة المتفجّرة بين صدغيه:
 
«إقترب!».
 
«هيّا.. اقترب!»..
 
هناك ملاحظة نقلتها لاحقـًا مصادر موثوقة طلبت عدم الكشف عن هويتها ادّعت: إن السؤال عما إذا كانت تلك التداعيات من سنوات جدّاد التسع الأولى قد اقتحمت دماغه بالفعل في لحظة الفزع الراهنة، هو سؤال صعب. ولكنه قد يكون عاش حينها لحظة من الموت التي يُقال إن الشخص يستعيد فيها شريط حياته. وبما أنه لم يعش موتًا مكتملا فقد ظل الشريط، الذي يُفترض أنه استعاده، غير مكتمل أيضًا، وبالتالي فلم يعد الى ذاكرته سوى أكثر ما يشبه لحظة شبه الموت خوفًا التي يعيشها الآن..
 
ويا لهول أن تعيش «شبه الموت».. لا تعود حيًا لكنك أيضًا لا تموت. فأين تكون لحظتها؟
Page 9
الهارب الذي وجد نفسه يثير الهلع
 
الصوت واضح لا مجال للتشكيك في مفرداته: إقتربْ. هيـّا اقتربْ!
 
نظريًا، وقفتْ أمامه احتمالات قليلة، مع العلم أنه أبعد ما يكون عن القدرة على إعمال العقل التحليلي واتخاذ القرار بأن «هذا هو سبيلي الآن لأنه الأفضل والأجدى لسلامتي أو صراعي مع الأضداد التي بي تتربّص». فهو كان على غير وعي بأن التفكير هو منفذه، ولم يكن بإمكانه أبدًا المراوحة ولو للحظة تأمّل واحدة بين ما يمليه عليه الهلع وبين ما تتطلبه الارادة وبين ما يستوجبه العقل. لذلك فقد علق غريزيًا على حافة واحدة بين سقوطين، إما أن يتقهقر راجعًا نحو باب العمارة أو يركض بعيدًا في الشارع، وإما أن يذعن راضخًا للأمر الرتيب بالاقتراب من ذلك المخلوق المرعب. وهكذا وجد نفسه متجمّدًا في مكانه، مما كان يمكن أن يجعله يستحضر احتمالا جديدًا: لربما أن كلّ ما أراه هو مجرد وهم وخدعة بصر؟
 
يجب القول هنا إن هذا الاحتمال سيظلّ ضعيفًا، وحتى لو راوده، فقد جاء من باب الإنكار الجبان أو الضعيف على الأقل، وليس بفعل إشراقة من منطق فجائي استعاد به جدّاد رشده بعكس كل الاحتمالات وهو على هذه الحال التي لا يحسده عليها أحد.
 
على كلّ حال، فما هي إلا لحظات حتى عاد كل شيء الى مكانه، خاصة عندما ظهرت أنوار دراجة نارية صغيرة (حجم 25 سم مكعب) وقد جاءت مسرعة من جهة تلك الناحية المرعبة بالذات.
 
وكالغريق الذي يتعلـّق بأول قشة، استأنس جدّاد بالدراجة، وفي نفس اللحظة التي تقاطع فيها مرورها مع بوابة خروجه، هرول خلفها في الشارع لا يلوي على شيء ويكاد يسمع مقطوعات موسيقى النجاة السينمائية التي ترافق انفكاك أزمات الرهائن الهاربين من احتجازهم نحو الحرية، فظنّ راكب الدرّاجة أن هناك من خرج له من مكمن، وبه أراد شرًا، فتوجّس وضاعف سرعته لتجعر الآلة بصوت مُنكر كان سيُصنـّف في خانة ما يبدر عن صحب إبليس اللعين لو أنه وقع على أسماع أيّ من أوليائنا الصالحين في عهد جديد أو قديم.
 
تسارعت دواليب الدرّاجة وبموازاتها كانت ساقا جدّاد (بحذائه الرياضي) تطلقان العنان لعضلاتهما، فانبرى هذا الجسد المفزوع يشقّ عباب الليل وكأنه سهم انطلق من قوس مشدود بيد بطل ملحمي أشوس.
Page 10
وعلى حين غرّة، دون أن يتوقع أيّ من الطرفين تكتيك الآخر، راح جدّاد يرمي بخطواته فارًّا الى الأمام، بينما ومن قلب خوذة خضراء اللون، راح قائد الدرّاجة يلتفت للوراء كي يقدّر مدى بُعد مكمن الخطر منه، فلم ينتبه الى انحناءة واسعة أمامه في الشارع، وهكذا خشّ في جدار إسمنتي كان قد رسم عليه أطفال الحيّ (ضمن مشروع البلدية «هيّا نحبّ حارتنا») عصافير بَحْريّة تطير بحُريّة فوق قارب شراعيّ ملوّن، فطجّت الدراجة بالجدار طجّة عصماء وارتمى سائقها على الناصية وصوته يختلط بالأنين والشتائم المتقطّعة معًا.
 
في نفس اللحظة كانت قدما جدّاد تواصلان الهرب (وهو ثلثا المراجل طبعًا) من وجه الخطر شبه الفضائيّ أو السماويّ الأعظم الذي كاد يبتلعه قبل دقائق، لكن بما أنه وقع الآن ما وقع، فقد أبطأ كابحًا على نفسه محدّقـًا في السائق الشاتم المتألـّم الذي وقع.
 
أمامه، من قلب آلامه، راح السائق يكابد طوعًا لقطع درب آلام جديدة وهو يزيح بجسده زحفـًا دون وعي لأية جهةٍ تـُذكر وقد اقترب من أخافه منه اقترابًا شديدًا.
 
واختلطت التوقعات.
 
فهذا يبغي إسداء معروفٍ لملهوفٍ صرعه أكسدنت، وذاك يحاول الاستجارة بكل ما يمكن أن يقيه شرّ هذا الخطر الداهم الذي لاحقه حتى طجّ بالجدار.. ولكن خروج بعض الناس من شرفاتهم وتدلي النظرات من النوافذ على صوت وقع الصدمة، فكّ صراع الجبابرة الذي كان ما انفكّ ينعقد بين الهاربَين الى الأمام في هذه الليلة غير المقمرة، قليلة الماء والكلأ !!
 
لكن المفاجأة الكبرى كانت - وهذا هو حال القصص - حين راح جدّاد يقترب ليرى في وجه السائق متعثـّر الليلة والدرّاجة وجهًا يعرفه!
 
كان وجه الشاب مألوفًا، ولكن من أين؟
 
لو كنـّا في مسرحية تدّعي المأساوية ويُراد لها الرّواج لقلنا إن جدّاد عثر على شقيقه التوأم الذي كانت باعته الخادمة في صغره بعد وفاة والدته وقت الولادة، كي تربّي أحدهما بما لديها وتنقذ ببيع الثاني هذا اللحم الحي الذي خرج من موت جسد الرحم الذي حمله، عـَلّ الفناءَ يُصدّ من خلال الإبقاء على أحد التوأمين على الأقل ويتسنى تخليد من يحمل الاسم، كي يتحقق جوهر فعل الانجاب وإكسيره العميق متعدد الثنايا.
 
لكن المشكلة أن دفع المسائل الروائية باتجاه هذا الاحتمال سيظلّ ضعيفًا وغير مقنع وربما مبتذلا مما يعني التنازل عنه بشكل قاطع.
 
إذًا هكذا: في أعماق جدّاد تصاعدت ارتجاجات تلك الصرخة الضرورية التي ينبغي بها أن تحافظ على الدراما المطلوبة في نوائب كهذه، وقد اكتملت فعلا على لسانه، وصرخ بالعربية الفصحى: «يا إلهي» (مع صدى)!
 
فقد كان وجه الدرّاجي يجمع نفس الملامح المتفككة التي تراءت له في كتلة الضوء الشبحيّة المرعبة التي كانت تأمره بالاقتراب قبل دقائق، وليهوي جدّاد بجانب السائق المنكوب وقد لطمته قوى غامضة خاطفة تصاعدت من دواخله الوجلى، فسقط في غيبوبة غيّبت العالم عن وعيه.