eKtab
EN ع
انقلاب عسكري في اسرائيل
Read free sample

انقلاب عسكري في اسرائيل

by تسفيكة عميت

Page 1

مقدمة:

لأول مرة، قد تنتقل عدوى الانقلابات العسكرية، إلى إسرائيل، التي تعتبر نفسها جزءا من العالم الغربي المحصن ضد الانقلابات، ولا تعتبر نفسها من العالم الثالث، الذي تعرض ويتعرض للانقلابات العسكرية، فهذه التوقعات والحديث عنها بكثافة، تظهر في المقالات والتحليلات التي تنشر في الصحف الإسرائيلية، وسط دراسات تقول بأن إسرائيل لن يصل عمرها إلى مائة عام، بسبب التمزق والانشقاقات الداخلية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، إضافة إلى الفساد الذي طال أجهزة الدولة والمجتمع الإسرائيلي، كما أن الانسحاب الاحادي وإجلاء المستوطنين عن قطاع غزة وأجزاء من شمال الضفة أسقط إلى حد ما المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، كما أسقط المزاعم الصهيونية التوراتية، بأن الله وهب أرض فلسطين الكاملة كملك بلا منازع للشعب اليهودي.

التطورات الداخلية في إسرائيل، واتجاهات التطرف القومي والديني، وازدياد اعداد الضباط المتطرفين والمتدينين في الجيش الإسرائيلي، ووصول بعضهم إلى مواقع متقدمة حتى إلى هيئة الأركان، زاد من احتمالات وقوع انقلاب عسكري، خاصة إذا ما قامت الحكومات الإسرائيلية مستقبلا، بإجراء انسحابات وإخلاء مستوطنات من الضفة الغربية، على غرار ما جرى في قطاع غزة، وسيكون هدف الانقلاب تعطيل ومنع انسحابات أخرى، ولأول مرة، يظهر كتاب إسرائيلي يحمل اسم "الشيفرة الزرقاء": هل سيقع انقلاب عسكري في إسرائيل؟ تصورات وسيناريوهات إسرائيلية متوقعة للكاتب "تسفيكا عميت"، الذي أثار ردود فعل مختلفة داخل إسرائيل، ومن أهمها مطالبة نائبة رئيس الكنيست"غيلا فينكلشتاين" الرقابة الإسرائيلية، والمستشار القضائي للحكومة بمنع نشر وتوزيع هذا الكتاب، بزعم أنه تحريضي ويكشف معلومات سرية، ويساهم ويشجع على الانقلاب مما يدل على أهميته.

دار الجليل المتخصصة بالصراع العربي-الإسرائيلي حصلت على النسخة العبرية للكتاب، فعملت على ترجمته إلى العربية، كجزء من مشروعها المتواصل في دراسة المجتمع الإسرائيلي وما يحدث داخل هذا المجتمع من صراعات وانشقاقات لتقديم صورة حقيقية شاملة عن إسرائيل للمواطنين والباحثين والمهتمين العرب.

ونأمل أن تساهم محتويات هذا الكتاب في تحقيق هذه الغاية.

"أسرة دار الجليل"

Page 2

تمهيد:

كانون الأول من عام (2006)

بدا الباب الزجاجي وكأنه يقف سدا يصد الرياح الشتائية الباردة عن التسلل إلى باحة المدخل الرئيسي في استديوهات التليفزيون الإسرائيلي التابعة للقناة الأولى، وبدت الباحة خالية كعادتها باستثناء موظفي الاستقبال اللذين جلسا أمام مكتبيهما ملتفين بمعطفيهما الثقيلين.

كانت غالبية غرف الاستديو تبدو فارغة من الموظفين باستثناء استديو الأخبار، حيث كانت التحضيرات لإذاعة نشرة أخبار منتصف الليل الاجمالية جارية على قدم وساق، هذا رغم أن الزمن الذي كانت هذه النشرة تجذب فيه انتباه قسم كبير من الجماهير، قد ولى منذ زمن بعيد، فقد تمكنت القنوات الفضائية المنافسة من تقليص نسبة مشاهدي هذه القناة إلى حد كبير.

تثاءب أحد الحراس الواقفين بالقرب من الباب الرئيسي للاستديو، كان عمله سهلا ومريحا بالنسبة لطالب بيد أنه عمل عديم الإثارة وروتيني بيد أنه سرعان ما نفض نفسه وتناول بندقيته من طراز عوزي التي كانت ملقاة على المكتب وتوجه بتمهل نحو الباب الزجاجي، اكتسح الشارع بنظرة خاطفة فبدا له خاويا كعادته، ما عدا امرأة شابة كانت تسير على عجل وتدق أرضية الشارع بنعليها في إيقاع رتيب، وجنديين يسيران على طول الشارع وقد علقا بندقيتيهما على كتفيهما بإهمال.

* * *

اقترب موعد تغيير نوبة الحراسة على بوابة معسكر هيئة الأركان في المجمع الحكومي في تل أبيب وبدا المعسكر في هذه الساعة من الليل هادئا وصامتا، فالكثير من الجنود الذين يخدمون فيه يسكنون في منازلهم الخاصة، وقد اعتادوا مغادرته عصر كل يوم أو في ساعات المساء عائدين إلى منازلهم.

كانت غالبية المكاتب تبدو مظلمة، باستثناء بعض الغرف التي يتسلل منها الضوء جراء بقاء موظفيها لعمل إضافي، وباستثناء الضباط المناوبين في الوحدات المختلفة والحراس وبضعة جنود نظاميين لم يكن هناك أحد في المعسكر.

كانت البوابة مغلقة، وكذلك الحاجز الحديدي الثقيل الذي أقيم من أجل منع السيارات من اقتحام البوابة وقد جلس الرقيب المناوب في غرفة المدخل الصغيرة المسيطرة على المعبر يصغي إلى برامج أغاني الليل، في حين وقفت مجندتان بالقرب من المكتب وهما تحملقان بضجر في شارع "كبلن" القريب الذي قلّت فيه حركة السيارات في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل، وقام جندي بأعمال الحراسة في الخارج وبندقيته في يده، أما في غرفة الحرس فقد استلقى الضابط المناوب على السرير الميداني صابا تركيزه على رواية بوليسية جديدة.

وفجأة توجهت سيارتان عسكريتان رسميتان نحو المخيم قادمتين من إشارات الطريق القريبة، نصب الرقيب المناوب قامته على أهبة الاستعداد، لم يكن من المألوف أن يشهد المعسكر تحركات قادة عسكريين في مثل هذه الساعة من الليل، لكن في بعض الأحيان، وعندما كان يقع حدث أمني ما يتطلب من الجيش الاستعداد بشكل خاص للرد، كان أصحاب المناصب العسكرية الرفيعة يأتون إلى المعسكر في أوقات غريبة، وتساءل الرقيب عما حدث الآن واستوجب قدوم ركاب السيارتين الرسميتين وبينما كان يعدل ملابسه، توجهت إحدى المجندات نحو السيارة الأولى.

* * *

يقوم منزل رئيس الحكومة منذ سنوات طويلة في شارع "بلفور" في القدس، وقد كان في السابق عبارة عن مبنى متواضع محاط بجدار منخفض من الحجر، ولا يفصل بين المنزل وبين منزل جيرانه المقدسيين سوى غرفة صغيرة من الخشب يجلس فيها الحارس، بيد أن اغتيال رئيس الحكومة اسحق رابين غيّر هذا الوضع، فتحول السور الحجري المنخفض إلى سور مرتفع وفوقه أسلاك وتحولت البوابة البسيطة إلى بوابة ثقيلة يصعب اختراقها وركبت مجسات الكترونية في الجدران الحجرية وعلى الأسلاك الممدودة فوقها، ووضعت حواجز حديدية على مدخلي الشارع، وكذلك مواقع لجنود حرس الحدود للإشراف على حركة الداخلين والخارجين وقامت الكاميرات التي تم وضعها في مواقع رئيسية بنقل صورة الشارع إلى غرفة الرقابة التي تم بناؤها في الساحة، وتم إرسال خيرة الحراس الشخصيين في جهاز الأمن العام إلى المكان تحت قيادة مقاتل قديم ومحنك يقول دائما لنفسه: لن يحدث ذلك لي أبدا، لن يتمكن أي شخص من المساس برئيس الحكومة طالما بقيت مكلفا بحمايته.

كان شارع (بلفور) هادئا وخاليا من المارة، بيد أن صوت السيارات المارة كانت تسمع من اتجاه شارع "الملك جورج"، الذي يعتبر أحد الشرايين الرئيسية في القدس.

توقفت سيارتان عسكريتان في شارع "بن ميمون"، قبل الانحناءة المؤدية إلى شارع "بلفور"، وعلى بعد امتار معدودة من الحاجز الذي كان يغلق الطريق إلى منزل رئيس الحكومة، وفي نفس الوقت توقفت ثلاث سيارات أخرى على الجانب الآخر من الحاجز، وقد ترجل الجنود من السيارات وتجمعوا بالقرب من الحاجزين، لكنهم لم يجتازوهما.

شاهد قائد وحدة الحماية الجنود المجتمعين، لقد كان بعض الناس يتجمعون هناك بين الفينة والأخرى، أحيانا بالقرب من الحاجز، وينظرون نحو منزل رئيس الحكومة وفي بعض الأحيان كان أولئك جنودا يأتون مع وحداتهم إلى القدس، بيد أنه لم يسبق من قبل أن أتوا في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل وقد توجه قائد الحرس باتجاه الحاجز لمعرفة ما يحدث.

* * *

Page 3

وقف رجلان في الخميسن من العمر في مدخل مبنى مكاتب على بعد قليل من شارع "كركيبخ" في تل أبيب وهما يرتديان بزتين تدلان على أنهما يعملان في شركة حماية، وقد تدلى مسدسان على جنبيهما، كان الاثنان قد اجتازا دورة مكثفة لمدة ثلاث ساعات على استخدام السلاح، وقد قال احدهما لنفسه:" لدينا حظ جيد، فهنا لا يحدث شيء" لقد كان يعمل مهندس الكترونيات في الاتحاد السوفييتي في شركة اتصالات محلية، لذا لم يكن يشعر بالأمان في شركة الحماية التي يعمل فيها.

إن المبنى الصغير المؤلف من أربعة طوابق، كان في الحقيقة مركز خدمات الهواتف لشركة (بيزك) الإسرائيلية، وفي قبوه يقبع مركز الحاسوب الذي تمر عبره جميع اتصالات دولة إسرائيل.

توقفت سيارتان عسكريتان بالقرب من المبنى ولم يكلف الحارسان نفسيهما عناء الالتفات إليها حتى دق أحد الجنود على باب الدخول، وسأل الجندي: ما الذي حدث؟ فأجاب الجندي: هناك تحذيرات من احتمال وقوع عملية وقد ارسلونا للقيام باعمال الحراسة هنا، ففتح الحارس الباب على مصراعيه.

* * *

تقدم الحارس الشاب داخل مبنى التليفزيون نحو الباب، فساله أحد الجنود في السيارة وكان يعتمر طاقية متدينين مطرزة ويرتدي معطفا عسكريا: عفوا، كيف يمكن الوصول من هنا إلى ميدان صهيون؟

فتح الحارس الباب وهو يتأمل الجندي باستغراب لأنه لا يعرف كيفية الوصول إلى عنوان معروف جدا في المدينة، دخل الجندي وفجأة سدد بندقيته إلى وجه الحارس، وأعدها للانطلاق قائلا: لا تتحرك.

رفع الحارس الآخر عينيه عن الصحيفة التي كان يتصفحها بذهول إزاء سماعه ما قاله الجندي فوجد أمام عينيه فوهة بندقية جندي آخر، أخذ الجنديان سلاحي الحارسين، وقال أحدهما: تحركا باتجاه الجدار ولن يحدث شيء لكما".

حاول الحارس الثاني استيضاح الأمر، فقال: ما الذي يحدث؟ هل هذا سطو مسلح؟؟ هل نضب لديكم المال؟؟ بيد أن أحدا من الاثنين لم يكلف نفسه عناء الرد عليه، وفجأة اندفع عشرة جنود آخرين من الباب الزجاجي الذي بقي مفتوحا، وكأنهم نبعوا من الأرض، وتجاوزوا المكتب، واندفعوا على درجات السلم إلى الداخل، ثم تقدم خلفهم ضابط كبير السن، كان يسير على مهل، تسبقه رتبة العميد التي تطل من فوق كتفيه ويسير في أعقابه ضابطان آخران برتبة عقيد.

* * *

لاحظت المجندة في مدخل معسكر هيئة الأركان الضابط الرفيع برتبة عميد الذي يجلس إلى جوار السائق، كان ضابطا من الذين يحظون بالكثير من الاحترام في الجيش، ضابط يغص سجله بالعمليات العسكرية، أدت المجندة التحية، وتوجهت نحو الباب لفتحه، بيد أن الضابط التفت نحو ضابطين آخرين كانا يجلسان في المقعد الخلفي وهما برتبة نقيب ورائد وقال لهما: ترجلا، واعلما الضابط المناوب كي لا تكون هناك أية عوائق على المدخل"، هز الضابطان رأسيهما، وترجلا من السيارة وهما يحملان سلاحيهما بأيديهما. واندفعت سيارة العميد، تتبعها السيارة الأخرى.

انتصب الرقيب المناوب عندما دخل الضباط إلى المكاتب، واندفع الضابط المناوب من السرير فوجد أمامه ضابطين يصوبان بندقيتيهما في وجهه، وقد وجه أحدهما الكلام إليه قائلا: أنتما الاثنان إدخلا إلى الغرفة" وفي الخارج قام جندي بدفع المجندتين إلى الداخل، وفي نفس تلك اللحظة اندفعت أربع سيارات ميدانية وثلاث شاحنات عسكرية من الاشارات باتجاه المعسكر ودخلته.

توجهت سيارتان من السيارات التي دخلت مباشرة نحو مركز الرقابة على منظومة "الاحجار الكريمة" وهي منظومة الاتصالات الثابتة والتنفيذية للجيش الإسرائيلي، في حين توجهت سيارة أخرى نحو موقف السيارات القائم في مواجهة مدخل المبنى الجديد الذي يقوم فيه مكتب وزير الدفاع ومكتب رئيس الأركان، واتجهت سيارة أخرى نحو(البور) وهو مركز السيطرة الذي يستخدمه الجيش في ساعات الطوارئ، واتجهت سيارة أخرى نحو قيادة سلاح الطيران.

ترجل الجنود من السيارات بسرعة، وتوجهوا ركضا وانتشروا في المباني المختلفة، لقد كان معسكر هيئة الأركان-الذي ينوء بالحركة في ساعات النهار-شبه خال تقريبا.

* * *

توجه قائد الحراسة والحماية إلى مجموعة الجنود التي وقفت بجانب الحاجز القريب من منزل رئيس الحكومة، وسأل بتودد: ما الأمر أيها الزملاء؟ فرد عليه الضابط الشاب ذو الطاقية المطرزة الواقف مع الجنود:" لا أدري بالضبط بيد أنهم أرسلونا هنا للحراسة.

قائد الحراسة: غريب جدا، لم يعلموني بذلك، لا يمكنكم البقاء هنا دون إذن سأستفسر عما حدث، وتوجه جانبا، وهمس بشيء ما في جهاز الاتصال الموجود معه، ثم عاد بعد لحظة إلى الجنود، وقال:" لا أحد يعرف شيئا عما تقومون به، يجب عليكم أن تغادروا المكان.

الضابط الشاب:"يوجد لدي أوامر، يجب عليك أن تستفسر من القيادة".

قائد الحراسة:" انتظر قليلا، سأستفسر مرة أخرى" وتوجه إلى داخل المبنى، ورفع سماعة التليفون.

* * *

Page 4

توجه أحد الجنود في مركز شبكة التليفونات الإسرائيلية، إلى موقع الحاسوب الموجود داخل غرفة زجاجية وأخرج قرص حاسوب من حقيبة الخرائط الموجودة لديه، وأدخله إلى الحاسوب، وأدخل عدة أرقام وصيغ بسرعة، ثم رفع رأسه والتفت إلى الجنود المحيطين به، وقال وابتسامة واسعة على وجهه:"تم" ثم ضرب بإصبعه على مفتاح"إدخال" وحالا انقطعت عشرات المحادثات الهاتفية في جميع أنحاء إسرائيل ولم يعد أحد قادرا على استعمال هاتفه أو شبكة الانترنت، حيث كانت الرسالة التي تظهر على حواسيبهم تقول:" لا يمكن عرض هذه الصفحة، هذا في نفس اللحظة التي كان مذيع نشرة الأخبار يلقي النظرة الأخيرة على صيغ الأنباء وهو يشعر بالتوتر العادي الذي يواجهه في كل مرة يتوجه لقراءة النشرة.

دخل جنديان إلى استوديو الأخبار، وبندقيتاهما مشرعتان، وقالا:"لا يتحرك أحد" مما جعل المذيع يتجمد في مكانه، وتمكن عبر الباب الزجاجي من مشاهدة المخرج والفنيين يقفون مذهولين أمام جندي آخر اقتحم الغرفة وسلاحه مشرع.

قال العميد وهو يدخل إلى الاستوديو للمذيع بهدوء:" يمكنك أن تقف" ثم أضاف ساخراٌ: "لدينا انقلاب".

نهض المذيع وهو لا يستطيع إخفاء ارتباكه، بينما خلع الضابط معطفه العسكري، وجلس إلى طاولة إذاعة النشرة، في حين دخل جندي آخر، وتوجه بخطوات حثيثة نحو الكاميرات بينما جلس جندي آخر إلى طاولة المراقبة.

وضع العميد حقيبة خرائط على الطاولة، وأخرج منها ورقة وفتحها ببطء، كانت الساعة الحادية عشرة وثمان وخمسين دقيقة، وكانت الاعلانات تتوالى على شاشة الرقابة، ثم بدأت الموسيقى المعتادة التي تسبق إذاعة النشرة.

* * *

لقد بدأ كل شيء قبل ثلاثة أشهر.

Page 5

الفصل الأول

• رئيس الحكومة: كنت دائما رأس الحربة في الأماكن التي لم يجرؤ أحد على التواجد فيها وخُضت جميع حروب إسرائيل وسأكمل "الفصل" لانه الأهم.

• رئيس الحكومة:جهودي لتحويل الأردن إلى دولة فلسطينية باءت بالفشل وسأجري مفاوضات شاملة وجدية مع الرئيس الفلسطيني لاقامة الدولة الفلسطينية.

• لقد أخطأنا بعدم التفاوض مع عرفات فقد كان قادرا على تزويدنا بالبضاعة اللازمة وورثته لا يملكون صلاحياته.

• لو فشلت"خطة الفصل" فسأضمن على الأقل مكانتي في التاريخ بوصفي حاولت فعل شيء لوقف العنف.

• المستوطنون يرون أفكار رئيس الحكومة حول خطة الانفصال خطيرة وضد مصلحتهم والمعروف عنه أنه لا يتراجع أو يتنازل عن قراراته.

• الحاخام تسوكرمان: الله منحنا فلسطين كي نرثها ونورّثها ورئيس الحكومة يعمل ضد إرادة الله فلا يحق له أن يكون رئيسا علينا.

Page 6

الرئيس يقلب الموازين

أغلق رئيس الحكومة حقيبة الوثائق الثقيلة التي كانت موضوعة أمامه على الطاولة ونهض بتثاقل، وسار بخطوات بطيئة باتجاه الباب الفاصل بين مكتب العمل وغرفة المعيشة. وألقى نظرة خاطفة باتجاه ساعة الجدار، التي كانت عقاربها تشير إلى الحادية عشرة والنصف ليلا، وهمس لنفسه: يكفي عملا اليوم، وفكر لو أن زوجته كانت على قيد الحياة، لطردته منذ زمن من غرفة العمل إلى غرفة النوم.

ورغم أنه مضت خمس سنوات على وفاتها، إلاّ أنه لم يسلم بالوضع، لقد رافقته طيلة حياتهما المشتركة اينما ذهب، وبينما كان هو منشغلا بشتى القضايا، اهتمت هي بجميع المسائل الأخرى: أن يتناول وجباته في موعدها، وأن يرتاح بين الفينة والأخرى، وأن يزور الطبيب حينما يجب ذلك، وأن يأخذ قسطا من الراحة من أعباء العمل، وفي الليل، كانت تتلفع بشيء ما، وتجلس إلى جواره، يصغيان معا إلى موسيقى أو أغنية ما.

لم تكن معنويات رئيس الحكومة عالية بشكل خاص فقبل ساعة أعلمه سكرتيره العسكري بوقوع عملية جديدة على الطريق المفضي من "نابلس" إلى "كرني شومرون" فقد نصبت خلية فلسطينية مسلحة كمينا على أحد المنعطفات، وهاجمت سيارة إسرائيلية خاصة بالأسلحة الأتوماتيكية مما أسفر عن إصابة السائق بجراح، ومقتل ابنه، وكان رئيس الحكومة يعرف الأب الجريح عن كثب، فهو "روبن جليك" نائب قائد اللواء الخامس والستين عندما كان هو قائدا للفرقة.

لقد آمن رئيس الحكومة في أعقاب وفاة الرئيس الفلسطيني عرفات، بأن الرئيس الجديد سيضع حدا للعمليات، بيد أن فصيلا فلسطينيا ما كان يعود بين الفينة والأخرى لتذكير الإسرائيليين بأن النضال الفلسطيني لا يزال قائما ومعه العمليات العسكرية وهمس رئيس الحكومة لنفسه قائلا: هذا الوضع لن ينتهي أبدا وتنهد بعمق.

كانت صورة رئيس الحكومة تتلاءم تماما مع ما كان متوقعا من رجل شغل طيلة نصف قرن سلسلة طويلة من الوظائف العسكرية، ثم بعد ذلك سلسلة من الوظائف السياسية: مقاتل جريء، ورجل صلب، وسياسي حاسم وماكر، قادر على فعل أي شيء يمكنه أن يحسن مكانته وينفذ الأيديولوجية التي يؤمن بها.

لقد كانت مسألة محاربة(الإرهاب) على رأس قائمة جدول أعماله، وكان مؤيدوه وخصومه يدركون أنه لن يتردد بالقيام بأية خطوات واستخدام جميع الوسائل الممكنة، مهما كانت قسوتها من أجل إحراز النصر في هذه الحرب أما في داخله، فقد كان إنسانا شديد الحساسية ويسهل أذيته لقد كان تقرير أو نبأ من هذا القبيل يضيف نقطة مرة إلى كأس مرارته الشخصية.

بدت غرفة سكن رئيس الحكومة مؤثثة بتواضع وبصورة محافظة، ففي زاويتها كان هناك مقعد ثقيل ذو غطاء بني اللون وإلى جواره مقعدان عميقان بنفس اللون، وبالقرب من الجدار كان هناك جهاز تليفزيون وإلى جواره جهاز تسجيل حديث، وباب زجاجي يقود من الغرفة إلى الحديقة المحيطة بالمنزل.

اتجه رئيس الحكومة نحو جهاز التسجيل واختار بعناية من مجموعة الأشرطة، شريط ملحمة"شاؤول" التي أعدها(هندل) ثم جلس في المقعد، وأغمض عينيه، وأخذ يصغي لتفسير"هندل" الموسيقي لملحمة الملك التوراتي "شاؤول" الذي فقد مملكته، ثم انتحر بسيفه كي يحول دون سقوطه حيا بأيدي أعدائه، لقد لاءمت الموسيقى الملحمة الاسطورية لحالته النفسية بوضع مذهل.

شارفت الساعة على الثانية عشرة، فضغط على زر جهاز السيطرة عن بعد، وفتح التليفزيون فانبعثت منه موسيقى بداية الأخبار، حيث تصدر النشرة نبأ عملية"كرني شومرون" حيث قال المذيع:"أخذت منظمة الجهاد الإسلامي على عاتقها مسؤولية العملية وقد اذاعت المنظمة شريط فيديو يصور العملية. وظهر على شاشة التليفزيون منحنى الطريق والسيارة تندفع على الطريق، ثم سمعت أصوات الطلقات النارية فتوقفت السيارة، وخرج منها شخصان، وانهارا على الطريق، وتلى ذلك صور التقطها مصور القناة التليفزيونية، وظهرت فيها صورة جثة مغطاة، وشخص جريح يجري نقله من المكان بنقالة، ثم ظهرت صورة صبي، وقال المذيع:"عران جليك من مستوطنة(معاليه جييم) لقد كان من المفروض أن يحتفل غدا بعيد ميلاده السادس عشر وبدلا من ذلك، سيحمله ذووه إلى مثواه الأخير".

* * *

Page 7

وضعت رينات الوسادة فوق رأسها في محاولة لتقليل حجم الضجة المنبعثة من الشارع المقدسي المليء بحركة السيارات، وحينما أدركت عبث ذلك ألقت نظرة خاطفة إلى الساعة، ورأت العقارب تشير إلى السابعة إلاّ ربعا، وعلى غرار عادتها كل يوم اثنين كان عليها أن تصل من منزلها في الحي الألماني في القدس إلى الجامعة حتى الساعة الثامنة، لإلقاء محاضرتها في قاعة المحاضرات حول الحملة الصليبية في إطار محاضرة التاريخ.

وفكرت في صديقها الجديد "جبروش" الذي اعتاد أن يذهب لينام لدى زوجته الشرعية في مستوطنة"معاليه اورانيم" في الضفة الغربية وشعرت بالتوق إلى هذا المستوطن المتطرف وشديد الخطورة.

أيقظ صوت العصافير جبرائيل بروش(جبروش) من نومه فانقلب على جنبه واختلس نظرة نحو ضوء النهار، وشاهد طرفا من السماء الزرقاء، وأحس بالارتياح الشديد والمتعة بما تمكن حتى الآن من إحرازه، وعلى وجه الخصوص هذا المنزل في "معاليه اورانيم" التي تعتبر إحدى أوائل المستوطنات التي تمت إقامتها على منحدر التلال الشرقية لشمالي الضفة قبل ثلاثين سنة تقريبا، وقد بدأت بمنازل أردنية مهجورة، وعدة كرافانات تم وضعها على إحدى التلال الصخرية، ورويدا رويدا تحولت "معاليه اورانيم" إلى حي فيلل فاخرة، لقد تحدث جبروش وزملاؤه عن نوعية الحياة، وبذلوا جهودا كبيرة في تحسين المنازل والجنائن القائمة حولها، لقد تحول حلم البيت الصغير ذي السقف القرميدي إلى حقيقة هنا.

فتح التليفزيون، فبرز وجه المذيع وهو يتحدث عن تقدم المسار السياسي، بيد أن هذا الحديث لم يكن يهمه كثيرا، كان عليه التوجه إلى مكتب رئيس الحكومة اليوم، حيث حددت له ولعدد من مسؤولي مجلس مستوطنات الضفة وغزة، مقابلة مع مساعد رئيس الحكومة"مائير عشهال" ولا شك أنه سيسمع خلال اللقاء معطيات موثوقة أكثر.

كان جبروش يشعر بالارتياح لوظيفته كرئيس للشعبة السياسية الدولية في مجلس المستوطنات لقد كانت هذه الوظيفة بمثابة اعتراف بمكانته وبالمساهمة التي قدمها للاستيطان اليهودي في المناطق المحتلة، بيد أن هذه الوظيفة مكنته أيضا من الإمساك بالخيوط والاجتماع مع وزراء وأعضاء كنيست وشخصيات عامة ومن ثم البقاء دائما في مركز الاحداث.

لقد نال منصبه في المجلس بعد عشرين سنة من المشاركة، في النشاطات الاستيطانية، وبروزه بوصفه أحد المؤثرين على هذا الصعيد، إن مجلس الضفة مثله كمثل أية جهة أخرى من نوعها لم تكن بعيدة عن ممارسة السياسات الداخلية، فقد مورست داخله لعبة (خذ وهات) ولعبة صراع القوى وقد نجح جبروش في المناورة بين الجميع وحولهم جميعا إلى أصدقائه، وقد ساعدته هذه المسألة، إضافة إلى أن قسما كبيرا من الميزانيات التي حصلت عليها الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية كانت نتاج للعلاقات التي أقامها وتفكيره الخلاق، لقد أصبحت مكانته في المجلس ثابتة للغاية، وأصبح يرى المستقبل واعداٌ، نهض جبروش وبعد أن اغتسل وضع الطاقية المطرزة على رأسه، وصلى صلاة الفجر، ثم اتجه لتناول إفطاره مع زوجته التي قالت له من المطبخ: الطعام جاهز.

لقد تعرف على زوجته يعيل بعد أن التحق بالجيش بقليل، لقد كان الاثنان في نفس الصف في بني عكيبا، لكن الاثنين لم يتبادلا طيلة فترة المرحلة الثانوية أكثر من التحية العادية، فقد كانت يعيل إحدى الفتيات الجميلات في الصف، ولم يكن يجد في نفسه الجرأة لمغازلتها، وعندما التحق بالجيش وجد غالبية أبناء صفه أنفسهم يعملون في وظيفة موجه في كتائب الشبيبة (جدناع) أو رقباء دين لكن جبروش فضل الالتحاق بسلاح المظلات، وحينما عاد إلى زملائه، ابدوا اهتماما في معرفة الوضع في سلاح المظلات، وأبدت يعيل اهتماما خاصا وفي نهاية اليوم كان يرافقها إلى بيتها، ومنذ ذلك اليوم أصبحت صديقته إلى أن تزوجا بعد سنتين من تسريحه.

لقد التحقت ثلاث من بناته الأربعة بالجيش رغم أنه كان يستطيع القول أنهن متدينات مما يعفيهن بيد أنهن رغبن في الالتحاق بالجيش.

* * *

Page 8

قالت (سريت) من مكانها الدائم أمام المدخل لمكتب رئيس الحكومة:" أدخل، فهم جميعا في الداخل" فابتسم"عشهال" لها بتودد فقد كان يدرك أن من الأفضل دائما الحفاظ على علاقة طيبة معها، فبوصفها سكرتيرة شخصية لثلاثة رؤساء حكومات، فقد كانت شخصية رئيسة في مكتب رئيس الحكومة. قدم"عشهال" إلى المكتب في معنويات جيدة، ولم يكن هناك سبب يمكن أن ينغص عليه أو يجعله تعيسا، فمكانته كمساعد لرئيس الحكومة هي مكانة ذات قوة كبيرة، فالمكان الذي يعمل فيه هو المكان الذي تصنع فيه الأشياء وتتخذ القرارات الهامة. وكان "عشهال" يحب هذه الأجواء في المكتب، فقد شعر أنه شريك حقيقي في عملية اتخاذ القرارات. حقا لقد ازدادت الضغوط في الآونة الأخيرة بشأن دفع المسيرة السلمية إلى الأمام،وأيضا خطة الفصل التي لم يكن يحبها، لكنه كان يعتقد أن الأمور تسير في طريقها الصحيح.

فتح الباب، وقال:" صباح الخير لكم جميعا"، بيد أن رئيس الحكومة لم يرد عليه ابتسامته، بل رفع عينيه إليه، وقال باختصار:" إجلس عشهال، إجلس". جلس مساعدا رئيس الحكومة الآخران على مقاعد بالقرب من الطاولة الخشبية البنية اللون، استرق" عشهال" نظرة سريعة نحو رئيس الحكومة وقال في نفسه:" الأسد الهرم" مثلما يلقبه الكثير من مقربيه، لقد كان شديد الإرهاق، وكان الإرهاق يبدو على حركاته وفي نظرات عينيه المنطفأة لقد تركت سنوات النضال المتواصلة الأخيرة أثارها عميقا عليه، وكذلك المرحلة الأخيرة التي كثر خلالها أولئك الذين أكثروا من التشكيك في زعامته.

وفكر"عشهال" في نفسه: يجب إقناعه بأخذ إجازة.

تقع غرفة رئيس الحكومة في الطابق الأول من مبنى من الحجر المقدسي، ورغم أنها ليست كبيرة إلاّ أنها خدمت جميع رؤساء الحكومات الإسرائيليين منذ الستينات، بل أن الغرفة لم تتغير منذ الأيام الأولى التي جلس فيها رئيس الحكومة الأول لدولة إسرائيل ديفيد بن جوريون.

جلس رئيس الحكومة خلف طاولة ليست كبيرة من الخشب، وخلفه رفوف من الكتب، وأمامه جهاز تلفزيون صغير، وتطل نوافذ الغرفة الزجاجية المحصنة على "تلة المظاهرات" القريبة وعلى مبنى بنك إسرائيل.كانت هناك خارطة ذات إطار لدولة إسرائيل معلقة على لوح خشبي كبير، وكانت الأقاويل في مكتب رئيس الحكومة تقول أن هناك خلف اللوح الخشبي سريراٌ ميدانياٌ، كي يتمكن رئيس الحكومة من الاستراحة حين الحاجة، ولم يكن"عشهال" قد شاهد هذا السرير مفتوحا أبدا، فقد كان رئيس الحكومة يفضل الإغفاء في مقعده الخاص، أو في أحد مقاعد الضيوف القريبة من النافذة.

كان الأشخاص الثلاثة الجالسون أمام رئيس الحكومة مساعديه المقربين، وقد ولدت سنوات العمل المشترك ثقة متبادلة وتقارباٌ غير عادي وغير مألوف في علاقات العمل العادية.

لقد التقى رئيس الحكومة"بمائير عشهال" على إحدى التلال الصخرية التي اعتاد المستوطنون أن يتشاجروا بالقرب منها مع قوات الأمن جراء إعادة بنائهم لنقاط استيطانية قام الجيش بتفكيكها، كان ذلك خلال محاولة المستوطنين إقرار حقائق على أرض الواقع، وإرهاق قوات الأمن وجذب أنظار الجماهير.

كان "عشهال" هناك على تلك التلة، شابا شديد التحمس، يلبس نعلا توراتيا وطاقية مطرزة ملتصقة بشعره الأشعث، كان رئيس الحكومة آنذاك سياسيا من الصف الثاني، ويحاول تثبيت نفسه كزعيم يميني، الأمر الذي جعله يقف في الكثير من الحالات في نفس الخندق مع المستوطنين وزعمائهم، وقد أسر هذا الشاب المتحمس قلبه مما جعله يقربه إليه، ويعتبره رجل اتصالات سياسية.

بيد أن "عشهال" الآن ليس شابا، فقد شارف على السابعة والأربعين، وتزوج ولديه أربعة أولاد، بيد أن حماسه الأيديولوجي لم يهدأ وفي نفس الوقت بدا كشخص مفيد ولماح وشديد الإخلاص وهي الصفات التي كانت شديدة الأهمية "للزعيم الهرم".

جلس"دان رونان" إلى جوار"عشهال" وهو رجل عسكري سابق ومن مواليد تل أبيب، وقد التقى برئيس الحكومة حينما كان وزيرا لشؤون الاستيطان، وقد نال اعجاب رئيس الحكومة بكفاءته وجدواه وسريته، خصوصا في أعقاب المهام التي أسندها إليه خلال عمله السياسي الطويل والمتنوع، وقد وقف في ساعات الأزمة أيضا إلى جوار رئيس الحكومة مخلصا دون حدود.

أما الشخص الثالث الذي كان في الغرفة فهو يوسي فريدمان" وهو محام ٍ من تل أبيب، متخصص في القضاء التجاري مما حوله بمرور الايام إلى ممثل العديد من رجال الاعمال المعروفين وقد جنى مبالغ مالية كبيرة، وفي نفس الوقت كان كل من استأجر خدماته يدرك أن "فريدمان" لن يألو جهدا في إخراجه بريئا، وكان مثوله أمام القضاء بمثابة عمل محسوب ومخطط جيدا، كما كان يدير عمليات التحقيق مع الخصوم بإصرار لا يعرف الهوادة مما أدى في الكثير من الحالات إلى انهيار شهود نيابة مركزيين.

وقد قضى"فريدمان" العامين الماضيين في مكتب رئيس الحكومة وعندما استجاب لطلب رئيس الحكومة، قال لوسائل الاعلام أنه تطوع "لخدمة احتياط صهيونية" وكان يدرك بينه وبين نفسه أن قربه من رئيس الحكومة سيساعده في أعماله مستقبلا وقد عمل رئيسا لمكتب رئيس الحكومة ورسوله الخاص في المهام التي تتطلب الكثير من السرية والتفاوض.

كان هؤلاء الثلاثة هم مقربي رئيس الحكومة إضافة إلى أبناء عائلته، وقد قام معهم بالتخطيط لجميع خطواته السياسية الداخلية والخارجية، لقد شكل مكره وذكاؤه الحاد الممتزج بالحماس والحوافز والدقة والإصرار على تنفيذ الهدف من قبل الثلاثة المذكورين، قوة هائلة أدت في الكثير من الحالات إلى هزيمة العديد من الخصوم السياسيين الأقوياء.

استهل رئيس الحكومة الحديث بالقول:" لقد حاولت طيلة حياتي أن أفعل ما هو صواب لصالح دولة إسرائيل"، ولم يكن بالإمكان عدم ملاحظة التغيير المذهل الذي طرأ على رئيس الحكومة عندما بدأ الحديث فقد اختفى الإرهاق بصورة فجائية وكأنه لم يكن، واصبح بالإمكان رؤية صورة الرجل الحازم الذي قاد عشرات الآلاف وراءه من جديد.

واضاف رئيس الحكومة:" كنت دائما رأس حربة في الأماكن التي لم يجرؤ أي شخص على التواجد فيها، شاركت في المعارك الانتقامية، وخضت جميع حروب إسرائيل، وسأكون هناك أيضا الآن، في هذه المعركة والتي قد تكون أهمها جميعا.

لم يكن ما قاله رئيس الحكومة طبيعيا بالنسبة لأسلوبه، فقد كان يمتنع غالبا عن الأساليب الخطابية، ويفضل أن تكون أقواله قصيرة وموضوعية، وأحيانا ما تكون ساخرة، لكنها دائما دون نصائح وعبارات لا ضرورة لها، وقد حملق فيه الثلاثة بصمت ليروا إلى أين يريد أن يقود الأمور.

ابتسم رئيس الحكومة، وقال:" سأبدا من النهاية، أنا أرى أنكم لا تستطيعون الصمود أمام هذا التوتر، إننا على وشك الشروع بمفاوضات شاملة وجدية مع الرئيس الفلسطيني.

حملق الثلاثة فيه بنظرة استغراب، فمنذ وفاة الرئيس الفلسطيني عرفات، جرت بين الفينة والأخرى لقاءات مع الرئيس الفلسطيني الجديد، لذا، ليس من الواضح لماذا اتخذ رئيس الحكومة هذا المنحى الدرامي.

كان"رونان" أول من خمن، وسأل بحذر: ما الذي تعتزم التفاوض معه حوله؟ فرد عليه رئيس الحكومة قائلا:"حول إقامة دولة فلسطينية.. حول ماذا فكرت؟ عن أي شيء آخر يمكنني التحدث معه؟

نظر إليه المساعدون الثلاثة بذهول، في حين واصل هو حديثه قائلا"لرونان":" أرى أن لديك شيئا ما تود قوله لي، قل لي الحقيقة، قل لي ما تفكر فيه".

بدا"رونان" ساهما بعض الشيء، ومن الجدير بالذكر أنه لم يكن محسوبا على الجهاز السياسي المحيط برئيس الحكومة لقد كان إخلاصه ينصب شخصيا على الرجل الذي رافقه سنوات طويلة، وقد بدا مترددا للحظة، ثم قال:" سأقول لك الحقيقة، يبدو لي أنك خرجت عن صوابك، وأنت في حاجة إلى إدخالك المستشفى بصورة عاجلة" لم يكن أحد باستثناء "رونان" قادرا على أن يقول مثل هذا الكلام لرئيس الحكومة، كما أن الزعيم الكهل لم يكن على استعداد لسماع مثل هذه الاقوال من أي شخص باستثناء"رونان" فقد كان يدرك أن هذا الرجل بعيد عن أية نوايا خبيثة، وإخلاصه له لا تشوبه شائبة.

-رئيس الحكومة: لماذا تفكر على هذا النحو؟

-رونان: أولا أنا أفكر فيك، أما بالنسبة لي لست أجد غضاضة في أن أجري أية مفاوضات مع الرئيس الفلسطيني حول الدولة الفلسطينية، لكن أنت؟؟ وبينما العمليات الفلسطينية ضدنا متواصلة؟ وما الذي سيقوله زملاؤك؟؟ هل ترى أية إمكانية لاقامة دولة فلسطينية بدون إخلاء قسم كبير من المستوطنات؟ إذا لم يكن كلها؟؟

غرس رئيس الحكومة عينيه في عيني محادثه وقال:" لا، لست أرى أية إمكانية كهذه".

Page 9

انفجر"عشهال" الذي جلس طيلة ذلك الحوار متوترا كقوس، قائلا:" هل تتحدث عن إخلاء في الضفة الغربية؟ أنت؟؟ أنت الذي كنت أبانا؟؟

كان "عشهال" أكثر حيوية من "رونان" متوسط القامة، ويعتمر طاقية مطرزة، ويرتدي صندلا، ودائم اليقظة، وقد بدا في تلك اللحظة مذهولا حتى النخاع، لقد كان أحد كبار حركة الاستيطان، وقد تمخض تعاونه السابق مع رئيس الحكومة في الوظائف العديدة عن إقامة عدد من المستوطنات التي تزين خارطة الاستيطان، إن أسوأ الكوابيس التي كان يمكنه أن يتخيلها، انطلقت في وجهه الآن بهذه الصورة الفجائية، ومن الرجل الذي يكن له كل هذا التقدير.

وجه رئيس الحكومة نظراته نحوه، وقال:" حقا أنا كنت ابا الاستيطان، وبذلت كل ما بوسعي لاحباط إمكانية إقامة دولة أخرى بين البحر والنهر".

أدرك "عشهال" بالضبط ما الذي يتحدث عنه رئيس الحكومة لقد كان هو نفسه شريكا في مخططات بعيدة المدى، كانت قلة قليلة فقط تدرك مغزاها، فلم يكن احد يعرف لماذا أقميت مستوطنة على هذه التلة أو تلك أو على هذا المنحدر أو ذاك. لكنه كان من بين القلة التي تدرك أن هذا البناء يأتي في إطار خطة مفصلة ترمي لاضعاف وتفريق سيطرة الفلسطينيين على الضفة الغربية.

كان القصد هو إقامة مناطق يهودية حاجزة، لقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني، والحيلولة بذلك دون إقامة الدولة الفلسطينية.

أضاف رئيس الحكومة:" أخطأت، لقد كانت تلك رواية مشرقة في تاريخ الصهيونية لكننا لم ننجح في إبعاد الفلسطينيين من هنا، بل الأمر على عكس ذلك، لقد عاش في المناطق المحتلة في أعقاب حرب 1967 أقل من مليون فلسطيني، وهاهو تعدادهم اليوم يربو على ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، وبالإمكان أن تدرك ببساطة متى سيصبحون أغلبية، وحينها ستأتي نهاية الدولة اليهودية أو الدولة الديموقراطية.

نظر إليه مساعدوه بصمت، لقد كانوا جميعا على علم بهذا السلاح المثير للمشاكل، والمسمى السلاح الديموغرافي.

رشف رئيس الحكومة رشفة من كأس الماء الموضوع أمامه، وقال:" أنتم جميعا تعلمون أنني حاولت أن يصبح الأردن الدولة الفلسطينية، بيد أن هذه المحاولة أيضا باءت بالفشل".

صمت رئيس الحكومة، وبدا أنه غارق في أفكاره، ثم أضاف.."ما الذي يجب أن نفعله؟؟ بالإمكان أن نتجاهل الواقع، ونواصل ضرب رؤوسنا بالجدار، لكن ما الجدوى؟؟ لقد عرفت طيلة حياتي أن أعمل في المكان الممكن وكيفما يجب، وإذا كانت الطريق التي سرنا فيها لم تفض إلى النجاح، فينبغي علينا أن نغير اتجاهنا.

-فريدمان:"من قال أننا لم ننجح، لقد نجحنا في تحطيم صورتهم".

-رئيس الحكومة:" في هذه الغرفة لا يمكن إلاّ أن نقول الحقيقة، لقد سقط في هذه الانتفاضة آلاف الأشخاص لنا ولهم، لقد أطلقنا يد الجيش الإسرائيلي بحرية واتحنا له الفرصة للانتصار، ولم ينتصر، ويبدو أن من المستحيل الانتصار على شعب يناضل من أجل حريته، ولسنا أول من اكتشف هذا في التاريخ".

أخذ الثلاثة يحملقون في رئيس الحكومة واحدا إثر الآخر، والذهول باد على وجوههم ثم وضع رئيس الحكومة رأسه بين يديه ثم رفعها ببطء وهو يشعر بكل كلمة يقولها:" وقال صحيح، هذا أنا الذي يقول ذلك، أنا الذي أقمت المستوطنات، وأنا الذي ثبت مقولة أننا لن نتفاوض طالما تواصل الإرهاب.

ووجه نظراته إلى "عشهال" وأضاف:" ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لك؟؟ هل تعتقد أنت أيضا أنني خرجت عن جادة الصواب؟؟ وأنا أقول لك: أن العكس هو الصحيح، أنا أدرك الآن استحالة التمسك بهذه الأفكار، لقد أصبحت طاعنا في السن بصورة لا تمكنني من مواصلة التظاهر بالتمسك بهذه الأفكار، الزمن لا يعمل لصالحنا، والدولة ممزقة من الداخل، والاقتصاد منهار، وقد أصبحنا دولة مجنونة في نظر غالبية دول العالم، بل إن الأميركيين أنفسهم بدأوا يملون ذلك، وقد بدأوا يتساءلون أكثر فأكثر: لماذا نرغب في إبقاء هذه المشكلة؟؟ وإذا لم يكن الأميركيون إلى جوارنا، وفي الوقت الذي يقف العالم بأسره ضدنا، كيف يمكننا المواصلة؟ من سيمنحنا الدعم؟ من سيحول دون فرض مجلس الأمن عقوبات علينا؟ هل هو الفيتو الذي تأخذه ميكرونوزيا؟؟ وارتفعت إلى شفاه رئيس الحكومة بسمة ساخرة.

هم "فريدمان" الذي حافظ حتى هذه اللحظة على رباطة جأشه، أن يعقب، بيد أنه سمع طرقة على باب الغرفة، ودخلت سريت وقدمت ورقة إلى رئيس الحكومة، فنظر فيها، ثم كتب شيئا ما، وأعادها إليها.

انتظر "فريدمان" حتى خرجت سريت، ثم سأل بهدوء:" إن ما يهمني هو كيف يمكنك أن تمرر هذا سياسيا وما الذي سيفعله زملاؤك وزملاؤه، وأشار نحو "عشهال" وأضاف:" هل تعتقد أنهم سيمرون على ذلك مرور الكرام؟؟ أنت تدرك ماهية القوى التي ستقف في وجهك؟؟

فقد رئيس الحكومة رباطة جأشه وضرب بيده على الطاولة وقال:" سنتغلب على ذلك لا يوجد أي طريق آخر، الجميع أذكياء، الجميع، لكن من يقول لي كيف يمكن الخروج من هذا؟؟ وكيف نؤمن مستقبل هذه الدولة؟؟ هذا هو الشيء الوحيد الذي يشغلنا الآن، هل بمقدورك "رونان" أن ترد على هذه الأسئلة؟؟ وأنت؟؟" وأشار إلى "عشهال"، ثم أشار إلى "فريدمان" وقال:" أو أنت سيدي المحامي؟؟" بيد أن الثلاثة صمتوا.

Page 10

خفض رئيس الحكومة صوته، وقال:" وهناك شيء آخر، بمنتهى التواضع يمكنني القول: أن ما يمكنني أن أمرره، لا يستطيع أي شخص من الأشخاص المحتملين الذين سيخلفوني، سواء أكان ذلك في معسكرنا أو في معسكر اليسار أن يمرره، أو ربما أنكم تعرفون شخصا قادرا على ذلك؟ وبدا صوته ساخرا، لقد كان رأي رئيس الحكومة في ورثته المحتملين معروفا تماما.

وأضاف.." لست شابا، وإلى متى سأبقى في هذا المنصب؟ إنني أشعر أن لا مناص سوى الاتجاه نحو هذا المسار الذي يبدو في ظل الواقع الحالي، أنني الشخص الوحيد القادر على تنفيذه ويبدو رغم ذلك أن هناك الله في هذا العالم" ابتسم "رئيس الحكومة" ابتسامته الساخرة المعروفة، وقال:" وهو الذي وضعني هنا، في هذه النقطة، وفي هذه اللحطة الزمنية.

دخلت سريت، ووجهها مقطب، وقدمت إلى رئيس الحكومة ورقة مطوية، فتناولها، ونظر إليها وأقطب جبينه، وقال:" عملية أخرى، انفجار في حافلة في كفر سابا، يوجد قتلى، صليني برئيس الأركان ورئيس جهاز الأمن العام، سنتوقف الآن، وسنواصل بعد نصف ساعة.

لا يتذكر"عشهال" كيف وصل من مكتب رئيس الحكومة إلى مكتبه الكائن في الطرف الآخر من المكتب، وقد لاحظت عدنه، سكرتيرته الخاصة، بالثورة الجامحة التي تجتاحه، وسألته: ماذا حدث؟؟ بيد أن "عشهال" لم يسمع السؤال، بل في الحقيقة لم ير عدنه أصلا، ولا شيء آخر، ودخل مكتبه وأغلق الباب وراءه.

مضت نصف ساعة تقريبا، قبل أن يدرك أنه جالس على مقعده ويحملق في الحولية المعلقة على جدار المكتب دون قصد، كانت أقوال رئيس الحكومة تطن في رأسه، وقال لنفسه لقد حدث شيء ما لهذا الرجل الكهل، وعاد يكرر لنفسه: لقد حدث شيء ما لهذا الرجل، لقد فقد شجاعته، واتزانه، ما الذي حدث له؟؟ وعادت أقوال رئيس الحكومة تطن في رأسه وتطعنه بلا توقف ولا هوادة كموجة تلطمه، ثم تنحسر، وتعود لتلطمه من جديد.

دخلت عدنه، ووقفت أمامه، فسألها: ماذا تريدين؟

-عدنه:"هل أنت بخير؟؟ وبدت قلقة.

-"عشهال":"نعم".

-عدنة:"يستدعونك، يريدون أن تذهب إلى رئيس الحكومة".

نهض "عشهال"، وسار باتجاه مكتب رئيس الحكومة ورغم أن المسافة الفاصلة بين المكتبين لم تكن تتعدى امتاراٌ معدودة، إلاّ أنها بدت طويلة للغاية.

رمقته سريت بتعاطف حينما دخل مكتب رئيس الحكومة، وقالت:" لا تقلق، ستسير الأمور على مايرام".

نظر إليها "عشهال"، وخيل له أنها تعرف كل شيء وقال:" إذا كنت تقولين ذلك، فأنت تعرفين كل ما يحدث هنا".

فتح"عشهال"، مكتب رئيس الحكومة ودخل إليه دون أن يدق على الباب، وبدا له كل شيء كعهده لم يتغير منذ أن غادر الغرفة قبل نصف ساعة. بيد أن الغرفة التي يعرفها جيدا، بدت له في هذه اللحظة كدرة ومهددة، ثم دخل في إثره رونان وفريدمان، وجلس كل واحد منهم في مكانه.

استقبلهم رئيس الحكومة بوجه متكدر وقال: سقط سبعة قتلى وهناك حوالي ثلاثة وعشرين جريحا، يجب وضع حدٍ لهذا الوضع سنرد عليهم، ثم سيردون، يجب كسر هذه الدائرة. بيد أن المساعدين الثلاثة لم يعقبوا، فقد كانوا يدركون ما الذي يقصده رئيس الحكومة.

واصل رئيس الحكومة الحديث قائلا:" يجب التحدث معهم، لا يمكننا الانتظار أكثر من ذلك، قلنا في البداية، سننتظر حتى يأتي الجيل الذي سيحل محل عرفات، وقد جاء الجيل الجديد، والآن وبعد أن اختفى عرفات عن منصة الأحداث، لا يمكننا أن نزعم بعد ذلك أنه لا يوجد شريك يمكننا التحاور معه في الطرف الآخر، لقد انتهى وقت هذا التبرير.

توقف رئيس الحكومة للحظة، وغرق في تفكيره لبعض الوقت، ثم قال بلهجة مكاشفة قلبية:" إذا عُدنا بتفكيرنا إلى الوراء، فسنجد أننا قد نكون أخطأنا بعدم التفاوض مع عرفات، لقد كان قادرا على تزويدنا بالبضاعة اللازمة، فورثته ضعفاء، ولا يملكون الصلاحيات التي كان يملكها اتجاه أبناء شعبه، ومن الجائز أن ذلك بالضبط ما سيرغمنا على تقديم المزيد من التنازلات، بيد أننا لا نستطيع الانتظار حتى يأتي زعيم قوي".

وابتسم ابتسامته الساخرة المعهودة، وقال: يمكننا القول: أنه حينما يصبح لديهم زعيم قوي، فلن يكون لدينا نحن زعيم قوي، فأنا لن أعيش إلى الأبد، وإذا كانت الخلاصة هي أنني الوحيد القادر على فعل ذلك، فلا خيار أمامي، يجب التحدث معهم، وأن نقيم لهم دولتهم، وصمت للحظة، ثم ابتسم ابتسامته الساخرة، وقال:"تخيلوا أنني هرتسل الفلسطينيين".

جلس "عشهال" طيلة ذلك الوقت متقوقعا على نفسه، يحملق في رئيس الحكومة هو والاثنان الآخران بصمت بانتظار أن يكمل رئيس الحكومة حديثه، زفر رئيس الحكومة زفرة طويلة من أنفه، وقال: لا يوجد أي خيار، سنضطر لإخلاء مستوطنات أيضا هنا في الضفة الغربية، سنحاول الإبقاء على غالبية المستوطنات، وتجميعها في كتل بيد أننا أحيانا نضطر لبتر عضو من أجل الإبقاء على باقي أعضاء الجسم.

صمت رئيس الحكومة، وبقي نظره معلقا في فضاء الغرفة، في مكان ما فوق رؤوس مساعديه، الذين لم يجرؤ أي منهم على التفوه بكلمة، لقد أدركوا تماما مضمون ومغزى ما قاله.

استمر الصمت الصاخب لحظات حتى قطعه رئيس الحكومة قائلا: أنتم الأشخاص الذين أثق فيهم أكثر من أي أشخاص آخرين، وأنا أعتمد عليكم في هذه القضية، وأيضا عليك" وتوجه بنظره نحو "عشهال" هل بمقدوري حقا الاعتماد عليك؟؟ بيد أن "عشهال" تقوقع على نفسه من جديد، ودار ببصره في أرجاء الغرفة دون ارتياح، ولم يجب، لكن رئيس الحكومة لم يتخل عن اللحظة السانحة، وقال:" اسألك للمرة الثانية هل بمقدوري الاعتماد عليك؟؟ فرد عليه عشهال مغمغما:" هذه صدمة بالنسبة لي، لست أدري ما العمل؟؟.

هز رئيس الحكومة رأسه، وابتسم بحزن، وقال: "أنا أعرف ذلك، قل بصدق: لو كانت هناك طريقة أخرى، هل تعتقد أنني كنت سأقبل أن أكون في هذا الموقف؟؟ ثم نهض من مكانه، ووضع يده على كتف عشهال، وقال: هل تصدقني؟؟

لم يرد "عشهال" على السؤال، وبدا رأسه غارقا عميقا بين كتفيه، ولم يرفع رأسه، ثم قال بصوت مختنق:" ربما من الأفضل أن أستقيل".

نظر إليه رئيس الحكومة بذهول، وقال:"هذا ليس واردا بالحسبان، ولن يحدث أبداٌ، ثم التفت رئيس الحكومة نحو مساعديه الآخرين وقال: دعونا وحدنا لبضع دقائق".

غادر رونان وفريدمان الغرفة، وغرس رئيس الحكومة نظراته في وجه "عشهال"، الذي خفض بصره وسأله رئيس الحكومة:" ما الذي حدث لك؟؟

انفجر"عشهال" بصورة فجائية:" كيف يمكنك فعل ذلك؟ كيف يمكنك أن تتنكر لكل ما فعلته في حياتك؟؟ وكيف تريد أن أتنكر أنا لكل ما أؤمن به؟؟ وأخذ يوضح بسرعة جميع ملاحظاته على خطة رئيس الحكومة، وقد أصغى إليه رئيس الحكومة بأناة وصبر، دون أن يقاطعه ولو للحظة واحدة، وعندما انتهى من حديثه، تراجع رئيس الحكومة في مقعده، وقال:" أريد أن أسألك سؤالاٌ واحدا، هل سألت نفسك لماذا اشركتك في هذه الخطة؟؟

-"عشهال" أنا مساعدك السياسي".