Page 1
بكارة قلم
نفضتْ عنه سُحباً من رماد الذكريات، وأكواماً من تلال الحيرة والتردد، شحذتْ نصله، وصقلتْ روحه، ثم سقتْه من محبرةِ الذكرى، وخطّتْ به بضعَ دمعاتٍ لثمتْ خدّ وريقات بيضاء صافية، لا تعلمُ من الدنيا شيئاً، ولا تملكُ من قرار أمرها ذرة قطمير؛ فهي مجبرةٌ أن تحتضن كل عابر يمرّ بها، أسودَ كان أم أحمر، فاقها نسباً أم فاقته، عليها أن تستسلمَ له، أن تُقبِّل موطئ قدمه، تتشرّبه، وتنجبَ منه أبناء، شرعيين وغير شرعيين، حَمَلتهم، ثم هم يحملونها إلى عليين، أو إلى أسفل السافلين.أرادتْها روايةً طويلةً، لكن شخوصها تنافرتْ، وتبعثرت، واختلفت، ثم انقسمت، ولم تتفق أبداً؛ كلهم يريد عرش البطولة، ويطمع في الشهرة والنجومية. تعالت أصواتهم، وتشابكت أياديهم، وقرر بعضهم الانسحاب، غادروا تلك القصاصات، وركلها أحدهم بقدمه، وهنا ما كان منها إلا أن ضحّت بتلك الرواية الحلم، وقسمتها قصصاً قصيرة، لكل منهم عرشه ومملكته وعالمه الخاص. وارتسمت ابتسامة الرضى، وتوجهوا ليأخذوا مقاعدهم ويتسلموا مناصبهم ويبدؤوا حكمهم..
Page 2
نقشٌ في خدّ رطب
تسللت خيوط أشعة شمسٍ قديمةٍ خجلى، تستأذن المكث سويعات لعلّها تؤنس وحدته، وتنير غربته في وطنه، وتمحو بعض وحشته، لكنه وكعادته لم يأبه لها.. وبقي مستغرقا في صمته، وتأملاته.نظراته هي، هي، لم تتغير مذ عرفَتْه: حالمة، وادعة، واثقة، تتغشاها سحائب حزن، وقد تغمرها بحار دمع فاض من قلب موجع، يتعالى على أوجاعه، يدفنها في أعماق روح ترنو إلى العلياء، ترشف الضياء من وحي السماء.
هناك وفي مكان آخر.. مكان بعيد حد اليُتم، قريب قٌرب رياح الذاكرة، تسكن روحه، من هناك يستقي أنفاسه، من تلك الديار التي يعرفها وقد لا يعرفها، منها يتنسم عطر الحياة و ينتشي بندى الحب والأشواق، ويا لها من نشوة.. نشوة من لا يملك شيئاً من أمره، نشوة من لا يملك سوى المالح من الماء ليحفظ به حياته، فلا يزيده إلا عطشاً وتعباً وشوقاً.
هناك.. تركهم.. متشبثاً برأيه، متمسكاً بمبدئه في دنيا بات فيها المال والسلطة مبدأً بل إلهاً يُعبد، مهما تغيرت الوجوه، وتبدلت الأقنعة، ومهما اختلفت المسميات أو تنافرت الاتجاهات.
هناك ترك زوجاً حبيبةً صديقةً، كانت أنساًَ وعوناً، تقطر دفئاً وحناناً. هناك تركها ودمعها يغسل وجهها الجميل، ورجاؤها ألا يذهب. توسلتْ إليه أن يفكر ملياً؛ فلعلها خدعة، طريقة لاستدراجه، للتخلص منه؛ فقد أرقهم بقاؤه، وعروشهم هزها فعله. لكنه استجاب لنداء روحه، وطموحه، وهدفه، وتركها هناك.
وهناك ترك خلفه ثلاثة لا يعلمون من الدنيا شيئاً وليس لهم فيها شيء، دنياهم عيون والديهم وقد تغشاها القتام مذ غابت بعض تلك العيون.
ترك إشراقة روحه هناك: طفلته المدللة ذات الأعوام الأربعة، ترك بسمتها وضحكتها، وشقاوتها، وترك لها رسالة وجدتها ذات يوم بين أناملها دون أن تذكر كيف وصلت إليها ومن أعطاها إياها، تتأمل جمال خطِّه الواثق، تتلمس افتتاحيتها وخطابه الأبوي الحنون لها: "يا صغيرتي.. أمدّ الله بعمرك وجعلك وأترابك من المؤمنات القانتات الصالحات، وأقرّ بك عين أمك، وجعلك بارة بها ما حييتِ..
....... هذه هي الطريق –يا بنيتي- إنها شاقة وعرة في ظاهرها، لكن باطنها فيه الرحمة والمغفرة والرضوان.. وإذا انتصر الظالمون على هذه الأجساد فلن ينتصروا على هذه الأرواح أبداً ما دامت مؤمنة".
ترك طفلاً لم تلثم الأرض بعد خطوات قدميه، وهو لم يرتوِ بعد من أنهار عطف أبيه فمن سيرويه؟! وترك بقايا حُبٍّ في أحشائها لا يدري أذكر هو أم أنثى هي؟ وكان ثمرة ذاك العشق طفل تلقفته يدها، تسقيه من أنهار عشقها وشوقها، وأنّى له أن يرتوي؟! وهو لا يعلم ما طعم الأبوة!! لكنه لا ينسى أبداً طعم مرارة فقدها.. كيف لا، ولم تجر على لسانه كلمة: بابا منذ أن خرج من ظلام الرحم إلى ظلام الدنيا، تلك التي أطفأت حتى نور الشمس، وحرمت الكثيرين منه في سجون وأقبية باردة رطبة، معتمة، موحشة.. وتزيدها الذكرى وحشةً وألماً.. فهناك هو قد تركهم رحماك يا الله.
تمر أمام ناظريها ذكريات أيام خلت وسنوات مضت. تتنهد تنهيدة طويلة تلْحقها زفراتٌ محرقةٌ، ودمعٌ تحجر في المآقي:
كم كانت تلك الليالي باردة طويلة ؟! كم كانت موحشة مخيفة؟! وحدي أنا في دنياهم وشوقٌ يؤرقني، وأمانةٌ ترهقني. وحدي أنا هنا، في دنيا جشعهم، وخداعهم، وزيفهم، وطمعهم.
يرن جرس الهاتف، ترد متثاقلة:
نعم؟ من؟
يأتيها صوتٌ تعرفه تخالطه فرحةٌ مشوبة بحذر:
- كيف حالك؟
- الحمد لله بخير.. ما أخبارك؟ أين كنت طوال هذه المدة؟
- دعينا من أخباري وهاتي لي البشارة..
- خير إن شاء الله.. بشارة ماذا؟
- لدي أنباء مؤكدة أنه لا يزال على قيد الحياة.
- من؟؟!!
- هاه!! هل نسيته؟
- ............
- ما بك؟ لِمَ أنت صامتة؟ ألم يسعدك هذا الخبر؟
- ..........
تغلق سماعة الهاتف وتنخرط في بكاء مرير تخالطه بسمات ذاهلة: أحقاً لا يزال حياً!!
الآن يخبرونني!! هل يقصدون إفراحي أم زيادةً في طعني؟
الآن!! بعد ماذا ؟؟ بعد كل هذه السنوات؟ بعد أن شاب الشعر؟! بعد أن تبدل الشباب بالمشيب؟!
Page 3
بعد أن وُلد الجنين ومشى الرضيع، وتزوجت الطفلة؟؟ بعد أن صرت جدة وتناثر الحفدة حولي!!
بعد أن قاسيت وحدي آلام الوحدة والغربة، وتحملت وحدي مشقة تربية أبنائي، وعشت لحظات لا يعلمها إلا الله خوفاً عليهم، ومن فقدهم في أية لحظة.
آآآآه ما أصعبها من لحظات تلك التي أنتظر فيها عودتهم من المدرسة؛ أبقى واقفةً وعيناي تتحرك حولي ولساني لا يكف عن الذكر والدعاء.. حتى ألمح طيفهم وأرى بهيج مقدمهم، فيرتاح قلبي وتطمئن نفسي.
هل أخبره كم كنت أحتاجه؟ كم كان وجوده في حياتنا أهم من كل ما قُدّم لنا؟ أم لعله يعلم ذلك؟ لا لن أزيد من ألمه، سأستقبله بابتسامة وكأنّ الحياة كلها كانت أحلى من العسل.
لكن.. لو سألني: كيف تدبرت أمرك بعدي؟
ماذا أجيبه؟
أهلي تكفلوا بي وبأطفالك، عشنا عندهم معززين مكرمين، طلباتنا مجابة، ورغباتنا منفذة.
لكن.. سرعان ما نفقد من نحب: مات الأب الحنون، والأم الرؤوم، وفقدت الأخ والسند والعون.
وأقرب الناس إليك خانوا الأمانة، تنكّروا لك ولأطفالك، والابتسامة تملأ وجوههم، والضحكات الواثقة تجلجل من أفواههم!
من وثقتَ بهم، ومن يفترض بهم أن يحنوا على أطفالك، ويكونوا لهم الصدر الحنون والأب الشفوق العطوف، كانوا لهم مصائد تلتقط أخطاءهم وعثراتهم؛ فتفننوا في الاستهزاء بهم، وقمعهم، ومحاصرتهم، وكنت – والله- أصبر حتى لا يقال يوماً أنني أهنت أقرب الناس وأحبهم على قلبك، وهل أقوى على فعل ما يغضبك وأنت الحبيب الغالي؟
وارتسمت لها صورة ذاك اليوم الذي تبجح فيه أحدهم متحديا ابنها البكر أن ينجح في دراسته قائلا:
(لو حمارنا بيطلع منه شي، راح يطلع منك شي...)
قد تطاولوا حد اتهامهم بالسرقة، وصنع امتحانات عملية للتأكد من أمانة أطفالها وهم الذين لم تتفتح عقولهم ولا نفوسهم على هكذا أفعال شريرة.
ظنوا بها دوما أنها ترغب الزواج... وبصفاقة قالوا لها:
(بدك تتزوجي اتزوجي.. لكن اتركي الأولاد).
أجابتهم: أأتركهم الآن بعدما كبرتهم وربيتهم وتعبت عليهم؟؟!!
فيرد أكثرهم حمقا:
أنت ما كبرتيهم.. الله اللي كبرهم...!!!!
وترتسم أشباح ابتسامات ودمعات؛ وكأنها إن أهملتهم وتركتهم للشارع سيكبرون وحدهم وباستقامة!
فتحت حقيبة بنية قديمة عمرها عمر محنتها، هنا تحتفظ بذكرياتها: صورته، بقايا أوراقه، رسائله إليها، تأملتْهُ: هل علا الشيب رأسك؟ هل غزت التجاعيد وجهك؟ هل ستذكرني؟ هل ستعرفني؟!
قد تراني فارقت الشباب، لكنني حفظت قلبي شاباً يافعاً كما تركته، لكن اعذرني إن رأيت بضع جراح فيه؛ فهذي صنعة الأيام، وتـنكر الأصدقاء والخلان.
فتحتْ رسالةً من رسائله التي حفظتها عن ظهر قلب، تتأمل حروفها، وتشم عطر أوراقها، وتتلمس نبض قلبه بين ثناياها يخبرها عن حبه لها ولأطفاله، يوصيها بالصبر في محنتها إن أصابه مكروه، وأن تحتسب أجرها عند خالقها الذي لا يضيع أجر المحسنين؛ فهو يدافع عن فكره، في زمن كممت فيه الأفواه، واعتقل فيه الفكر، واغتيلت العقول، وسجنت الأرواح قبل الأجساد.
ثم تتسمر عيناها هنا: أوصيك يا زوجتي إن حصل لي شيء، تزوّجي بعدي ولا تنتظريني، وأرجو أن تنفذي الوصية.
تنحدر دمعتها تخاطبه، بل تشعر بقربه وأنفاسه:
اعذرني فهذه هي الوصية الوحيدة لك التي لن أنفذها، ولن أستأذنك في عصيانك هنا، وأنا الزوجة المطيعة التي تعلمها.
أتأمرني قتل نفسي؟! وتوصيني دفن روحي؟! وقد وجدت معك كل معاني الحياة الحقة السامية، ولي منك الأبناء يحملون دوما ذكراك في ملامحهم، وحركاتهم، فكيف أنساك؟! زواجنا كان لقاء روحين، وعقلين، وقلبين، قبل تلاقي الأجساد. فما نفع زواج تنافرت فيه الأرواح وتخالفت ؟!
أعادت الحقيبة لملاذها، وأودعتها نظرةً تعدها بالعودة.
حاول كثيراً أن يتلمس أخبار زوجته وأبنائه، لكن ما من أحد يساعده؛ الكل يخشى بطش وسطوة من فوقه. تناهى له ذات مرة أنه قد رزق بحفيد، وقد أسموه باسمه: مصطفى.
أحدهم قال له وهو يدس له الطعام: اطمئن، أهلك بخير جميعاً.
سأله: أحقاً؟! كيف علمت؟ من أخبرك؟ أغلق النافذة، ومضى مبتعداً، تاركاً إياه في أفكاره وتساؤلاته ونسمات الغروب..
حملت حفيدها مصطفى وأجلسته على ركبتيها، وحولها أبناؤها. وبابتسامة الأم الرؤوم الواثقة من كرم ربها، وعناية خالقها خاطبتهم:
ربع قرن مضى مذ فارقنا والدكم، كنتم أيامها في مدارج الطفولة، لا تعلمون شيئاً من الحياة ولا تذكرون شيئاً من المحن التي مررت بها، وتخلّى عنا من تخلّى، وهجرنا من هجرنا، بل وتجنبت الكثيرات منهن السلام عليّ؛ خوفاً أن تصبح مشبوهة بسلامها وكلامها مع زوجة المناضل مصطفى!!
ربع قرن، أراني الناس على حقيقتهم: كيف أن المال يُغري، والنفوس تتبدل حين يغزوها الطمع.
سنواتٌ طويلةٌ جعلت من كان يدعي الصدق، والنبل، والشهامة، يُظهر وجهاً قبيحاً، تآكل حقداً ومكراً. وبات المنصب، وحب الظهور هو الإله الذي يسعون لرضاه.
وفي ربع قرن تعلمت وازددت يقيناً أن الله تعالى لا يضيع أمانةً استودِعها، وأنتم أمانةٌ استودَعها والدكم عند الخالق، الرازق ، فحفظكم، ورزقكم، ويسّر لكم من يحنو عليكم كأبيكم.
دقات الهاتف قطعت كلامها، صمتت، نظرت في وجوه أبنائها، حادثت نفسها: بم سيخبرونها اليوم عنه؟!
لم ترفع السماعة.. وبقيت دقات الهاتف تحمل المجهول..
بعد أن قاسيت وحدي آلام الوحدة والغربة، وتحملت وحدي مشقة تربية أبنائي، وعشت لحظات لا يعلمها إلا الله خوفاً عليهم، ومن فقدهم في أية لحظة.
آآآآه ما أصعبها من لحظات تلك التي أنتظر فيها عودتهم من المدرسة؛ أبقى واقفةً وعيناي تتحرك حولي ولساني لا يكف عن الذكر والدعاء.. حتى ألمح طيفهم وأرى بهيج مقدمهم، فيرتاح قلبي وتطمئن نفسي.
هل أخبره كم كنت أحتاجه؟ كم كان وجوده في حياتنا أهم من كل ما قُدّم لنا؟ أم لعله يعلم ذلك؟ لا لن أزيد من ألمه، سأستقبله بابتسامة وكأنّ الحياة كلها كانت أحلى من العسل.
لكن.. لو سألني: كيف تدبرت أمرك بعدي؟
ماذا أجيبه؟
أهلي تكفلوا بي وبأطفالك، عشنا عندهم معززين مكرمين، طلباتنا مجابة، ورغباتنا منفذة.
لكن.. سرعان ما نفقد من نحب: مات الأب الحنون، والأم الرؤوم، وفقدت الأخ والسند والعون.
وأقرب الناس إليك خانوا الأمانة، تنكّروا لك ولأطفالك، والابتسامة تملأ وجوههم، والضحكات الواثقة تجلجل من أفواههم!
من وثقتَ بهم، ومن يفترض بهم أن يحنوا على أطفالك، ويكونوا لهم الصدر الحنون والأب الشفوق العطوف، كانوا لهم مصائد تلتقط أخطاءهم وعثراتهم؛ فتفننوا في الاستهزاء بهم، وقمعهم، ومحاصرتهم، وكنت – والله- أصبر حتى لا يقال يوماً أنني أهنت أقرب الناس وأحبهم على قلبك، وهل أقوى على فعل ما يغضبك وأنت الحبيب الغالي؟
وارتسمت لها صورة ذاك اليوم الذي تبجح فيه أحدهم متحديا ابنها البكر أن ينجح في دراسته قائلا:
(لو حمارنا بيطلع منه شي، راح يطلع منك شي...)
قد تطاولوا حد اتهامهم بالسرقة، وصنع امتحانات عملية للتأكد من أمانة أطفالها وهم الذين لم تتفتح عقولهم ولا نفوسهم على هكذا أفعال شريرة.
ظنوا بها دوما أنها ترغب الزواج... وبصفاقة قالوا لها:
(بدك تتزوجي اتزوجي.. لكن اتركي الأولاد).
أجابتهم: أأتركهم الآن بعدما كبرتهم وربيتهم وتعبت عليهم؟؟!!
فيرد أكثرهم حمقا:
أنت ما كبرتيهم.. الله اللي كبرهم...!!!!
وترتسم أشباح ابتسامات ودمعات؛ وكأنها إن أهملتهم وتركتهم للشارع سيكبرون وحدهم وباستقامة!
فتحت حقيبة بنية قديمة عمرها عمر محنتها، هنا تحتفظ بذكرياتها: صورته، بقايا أوراقه، رسائله إليها، تأملتْهُ: هل علا الشيب رأسك؟ هل غزت التجاعيد وجهك؟ هل ستذكرني؟ هل ستعرفني؟!
قد تراني فارقت الشباب، لكنني حفظت قلبي شاباً يافعاً كما تركته، لكن اعذرني إن رأيت بضع جراح فيه؛ فهذي صنعة الأيام، وتـنكر الأصدقاء والخلان.
فتحتْ رسالةً من رسائله التي حفظتها عن ظهر قلب، تتأمل حروفها، وتشم عطر أوراقها، وتتلمس نبض قلبه بين ثناياها يخبرها عن حبه لها ولأطفاله، يوصيها بالصبر في محنتها إن أصابه مكروه، وأن تحتسب أجرها عند خالقها الذي لا يضيع أجر المحسنين؛ فهو يدافع عن فكره، في زمن كممت فيه الأفواه، واعتقل فيه الفكر، واغتيلت العقول، وسجنت الأرواح قبل الأجساد.
ثم تتسمر عيناها هنا: أوصيك يا زوجتي إن حصل لي شيء، تزوّجي بعدي ولا تنتظريني، وأرجو أن تنفذي الوصية.
تنحدر دمعتها تخاطبه، بل تشعر بقربه وأنفاسه:
اعذرني فهذه هي الوصية الوحيدة لك التي لن أنفذها، ولن أستأذنك في عصيانك هنا، وأنا الزوجة المطيعة التي تعلمها.
أتأمرني قتل نفسي؟! وتوصيني دفن روحي؟! وقد وجدت معك كل معاني الحياة الحقة السامية، ولي منك الأبناء يحملون دوما ذكراك في ملامحهم، وحركاتهم، فكيف أنساك؟! زواجنا كان لقاء روحين، وعقلين، وقلبين، قبل تلاقي الأجساد. فما نفع زواج تنافرت فيه الأرواح وتخالفت ؟!
أعادت الحقيبة لملاذها، وأودعتها نظرةً تعدها بالعودة.
حاول كثيراً أن يتلمس أخبار زوجته وأبنائه، لكن ما من أحد يساعده؛ الكل يخشى بطش وسطوة من فوقه. تناهى له ذات مرة أنه قد رزق بحفيد، وقد أسموه باسمه: مصطفى.
أحدهم قال له وهو يدس له الطعام: اطمئن، أهلك بخير جميعاً.
سأله: أحقاً؟! كيف علمت؟ من أخبرك؟ أغلق النافذة، ومضى مبتعداً، تاركاً إياه في أفكاره وتساؤلاته ونسمات الغروب..
حملت حفيدها مصطفى وأجلسته على ركبتيها، وحولها أبناؤها. وبابتسامة الأم الرؤوم الواثقة من كرم ربها، وعناية خالقها خاطبتهم:
ربع قرن مضى مذ فارقنا والدكم، كنتم أيامها في مدارج الطفولة، لا تعلمون شيئاً من الحياة ولا تذكرون شيئاً من المحن التي مررت بها، وتخلّى عنا من تخلّى، وهجرنا من هجرنا، بل وتجنبت الكثيرات منهن السلام عليّ؛ خوفاً أن تصبح مشبوهة بسلامها وكلامها مع زوجة المناضل مصطفى!!
ربع قرن، أراني الناس على حقيقتهم: كيف أن المال يُغري، والنفوس تتبدل حين يغزوها الطمع.
سنواتٌ طويلةٌ جعلت من كان يدعي الصدق، والنبل، والشهامة، يُظهر وجهاً قبيحاً، تآكل حقداً ومكراً. وبات المنصب، وحب الظهور هو الإله الذي يسعون لرضاه.
وفي ربع قرن تعلمت وازددت يقيناً أن الله تعالى لا يضيع أمانةً استودِعها، وأنتم أمانةٌ استودَعها والدكم عند الخالق، الرازق ، فحفظكم، ورزقكم، ويسّر لكم من يحنو عليكم كأبيكم.
دقات الهاتف قطعت كلامها، صمتت، نظرت في وجوه أبنائها، حادثت نفسها: بم سيخبرونها اليوم عنه؟!
لم ترفع السماعة.. وبقيت دقات الهاتف تحمل المجهول..
Page 4
من هي؟!
"ترقرق الدمع في عينيه الخضراوين الذابلتين, وانطفأ لونهما الذي كان يمنح الدنيا خضرتها في خريفها الذابل وشتائها القاسي.حمل زياد مروان حقيبته المهترئة -التي أثقلها حِمْـلُها– على كتفيه، وسار مطأطئاً.. يئن.. ويتألمُ؛ من ثقلها. ليتها كانت كحقيبته؛ ينزعها متى أثقله حَمْلها، وأوهنه تذكرها، وأنّى له بالنأي عن هموم أرقت مضجعه، وأسهرت عينه، وأضعفت قلبه. همومٌ لم ترحم ضعفه، ورقة أحاسيسه!
سلك طريقه إلى البيت، ذاك الطريق الذي سئم المسير فيه؛ كم يمقته، ويمقتُ تلك العيون التي ترمقه، خلف النوافذ، عند مداخل البيوت، في المحال التجارية والبقالات، عيونٌ تتهامس عنه بصمت.. صمتٌ جارحٌ، يغرس برده الثلجي في أوصاله المرتعشة، فيتهاوى أوراقاً بعثرتها ريح الأيام، وداستها أحذية المارة، فالتصقت أجزاؤها بتلك الأرض الطينية المبللة بدمع السماء، حذاءٌ خلف حذاء يدوسها، ومنهم من يترنم بالطرق عليها.. وربما نالها بصاقُ ذاك النزق، أو شررٌ من دخان أحدهم؛ يطفئه في تلك الأرض.. يدوسه.. يسحقه.. ويمضي لا ينظر خلفه.
في لحظات من الزمن كان يحنّ إليها، يشتاق لعطرها.. كم أحبّها! وكم أحبـّته! كم داعبتْه ولاعبتْه. هو لا يذكرها إلا كخيال عابر، أو طيف رقيق أبيض يعود به لذكرى عابرة تمرّ مرّ السحاب لا تلبث أن تخنقها أدخنةٌ سوداء، حمراء، فتتلاشى ولا يبقى إلا الرماد. رمادٌ أسود.. ويا عجبي!! فقد كانت (عبير) بيضاء جميلةً، رقيقةً، وديعةً تفتحتْ كأجمل ما تكون وردةً قرمزيةً يشوبها البياض، تنشر عطر أريجها في الدُنى. تتنسمُ عطراً، وتشرب زلالاً.. لا تعلم من الحياة شيئاً، بريئة براءة الطفولة.
آهٍ من تلك الطفولة!! وأيّ طفولة..
كان أبناء قريته يتهامسون بينهم ويتغامزون، منهم من يصوب نظره إليه كأفواه البنادق. وآخرون يزرعونها ألغاماً في تلك الخنادق، جميعها تعذبه، تقتله، تحبس روحه. ما أضيق الدنيا!! ولعل قبراً أرحب منها. وأنى له بذلك؟! كم يحب ذاك القبر!! قبر لم يحو جسدها؛ بل بخارها، رمادها، رائحة وردها المحترق، وسواد قلوبهم. يجالسه ساعات طوال: يتنسم ترابه، يلثم أرضه، يروّي أحجاره بدمع تحجر في المقلتين. وانتزع منها حجراً ينام معه؛ يشعره بدفئها، بأنفاسها الحارة تلامس رقبته، ويدها الرقيقة تعبث بخصلات من شعره الذهبي، وبنغمات هادئة يشوبها حزنٌ خفي دفين كانت تغني له لينام. يحتضنها بيديه، يُغرِق رأسه في صدرها، يسمع نبض قلبها يخبرُهُ بحبها فيذوب بها عشقاً وغراماً وهياماً.
كم كان يحب شروق الشمس لتشرق ابتسامتها، توقظه بمداعبات لطيفة، وتغمره ظلال عينيها الوادعتين ببحر من زرقتها ليبحر فيها، ويعود منها بقبلة على الوجنتين تقطرُ شعراً ونثراً يعجزُ عنه أبلغ الأدباء.
كانت تحبه.. بل حبه هو حياتها، أنفاسها، نبضها، حلمها، كانت ترى فيه آمالها، غدها، مستقبلها، جنتها.. لكنهم أحرقوا أرضها وسماءها وحتى جنتها.
سقوها كدراً وأطعموها زعافاً، فغدت يباباً.. جرداء.. تنعق فيها الغربان.. وتسكنها الأفاعي..
غابت شمسها وأشرق ظلام حزني.. فوالهف قلبي!! لماذا رحلتِ؟؟! لمن تركتِ قلباً معذباً مضنىً؟!! أشقاه الوجد وشفه الحنين. أو تتركينني هكذا؟؟ بلا مؤنس ولا رفيق أو حبيب؟!
في طريقه ترنو عيناه للأفق البعيد ويتساءل: أين هي؟ أفي الجنة؟ كما يقال لكل من يرحل عن دنيانا. لعلها هناك تأكلُ الفراولة؛ فقد كانت تحبها كثيراً، لكنها كانت تؤثرني بالمال؛ لتمنحني ما أشتهي. أو لعلها في الجنة قد اشترت ذاك الفستان الأخضر البديع، كم أعجبها بديع صنعه! وجمال زركشته! وكنت قد وعدتها أن أشتريه لها عندما أكبر.... عندما ماذا؟؟ هل تريد أن تكبر؟ هل تريد أن تنسى؟ أن تبتعد؟ لا.. لا.. ابقي يا حبيبتي في جنتك وأنا هنا في أرضهم، فلن أكبر، وسأبقى ذاك الصغير المدلل المشاغب. سأبقى ألعب أمام بيتنا أتسلق الأشجار وألاحق الأطيار، وحين ينالني التعب أغفو في مقلتيك.
وترتد خضرته المبللة تصطدم برمال من لهيب محرقة.. ويتنهد عجوز يرتب دكانه ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.. الله المستعان.. ويتعالى صوت أحدهم بين مجموعته في القهوة: يا أخي، الله يستر على ولايانا.
وآخر هناك على كرسيه المعتاد جانب الطريق، أخرج لفافته، وهو يقول: الله أعلم، ما (بنحط) في ذمتنا. وضعها في فمه، امتصها، نفثها، دخاناً أسود كريهاً كذاك الذي أحرقها، وصنع حوله غمامةً قاتمةً وشرد بنظراته بعيداً.. بعيداً.. يردد: الله أعلم.. إيه.. الله يغفر لنا.
أحرقته كلماتهم، أشعلت فيه ناراً قادته لقبر يطفئ فيه لهيبه، تهاوى عنده أراد أن يقلبه، يبعثره؛ ليخرجها، ويكلمها، ويحضنها، لتخفيه في ثوبها، كما كانت تفعل دوماً حين يعبث بشقاوته المعهودة فيتلفُ بعض أشجار الجيران، أو يوجه حجراً يضربُ هراً فيخطئه ويصيبُ أحد المارة، أما اليوم فسهامهم لا تخطئه.
Page 5
أحقاً أحرقوك ليخففوا عنك؟! وهل كان في تلك النار راحةٌ لك؟! كيف أحرقوك؟ وبأي ذنب؟ وبأي حق؟
هم لم يروا شيئاً، لم يشهدوا شيئاً. بل كان كلاماً، شرراً انتشر كالنار في الهشيم، أحرقكِ وأحرقني.
كان حديثاً وحادثاً، كحادثة الإفك. كلٌ أدلى بدلوه، أحضَروا الحطب كلٌّ حسب إمكانياته اللغوية، وقدراته التخيلية، وإبداعاته الوصفية. وقبل أن تحرقك نارهم، أحرقتك عيونهم، نظراتهم، وأجمعوا أنك مذنبة.. وقرروا أنكِ مخطئة، بل غارقةٌ في وحل الخطيئة، ولابد من تطهيرك..
هم بقذاراتهم أرادوا تطهيرك ويا للعجب!!
في ذاك اليوم.. بل في تلك الليلة.. أخذوني من حضنك، من جنتي. أذكر طيفك حينها، بكاءك، استنجادك، استرحامك واستعطافك. كلماتُك حفرتْ في قلبي أخدوداً من الحزن والأسى. قلتِ بدمع القلب: والله بريئة، حرامٌ عليكم، لا تظلموني؛ والله لا أعرف الحرام ولا عمري اقتربت منه، حرااااام.
ويتعالى نشيجك وهم يسحبونك سحباً.. وأمكِ تركلكِ برجليها وأنت تستعطفينها: أماه.. أنا ابنتك.. أنت ربيتني.. أمي.. ألا تعرفينني؟! أنت تحرقينني؟!
وأبوك يبصق في وجهك -ذاك الذي كنت أستقي منه النور مشرقاً باسماً- ويقول: أنت تستحقين أكثر من ذلك يا(.......) لطختِ سمعتنا في الطين.
قيدوكِ بحبال غليظة كقلوبهم، قاسية كأحكامهم، بجانب ذلك الجدار أجلسوك، سكبوا فوقك البنزين، وأشعل أخوك النار ليوقدها فيك.. حينها.. صرختِ: الله يخليكم، "بس أشوف" ابني.. "بس أبوسه" أحضنه.. "أشم ريحته"، "أشوف عيونه" الله يخليكم.. "بس ابني.."، صفعك أخوك، شتمك، نعتك بأرذل الكلمات، وأقبح الصفات وأضرم نار حقده وكرهه وغبائه فيك.. في جسدكِ.. في عينيكِ.. في يديكِ.. أحرقَ صدركِ الحنون فمن سيدفئني؟! من سيحضنني؟؟ أحرق شفتيك الرقيقتين الصغيرتين، فكيف ستغنين لي؟ أحرقوا قلبك، قتلوا نبضك، جففوا دمك، ثم نثروك رماداً.. لكنهم لم يحرقوا روحك التي تسكنني. هم لم يتنسـّموا عطرك المنبعث مع ذاك الرماد.. مع ذاك اللحم المحترق.. قلبك الصادق احترق.. عشقي.. غرامي.. حبي.. وهيامي احترق.. وتغلغلتْ أنفاسك المحترقة خلايا جسدي فبتّ أعشقُ رائحةَ الرماد، وأحترمُ كل رماد، ويبكيني أي رماد. وبقي آخر أنفاسك يجوب المكان يردد: "بس ابني...." وروحك تبحث عني.
وبقي أثرك المحترق على ذلك الجدار شاهداً لا يغيب.. أحرقوكِ.. حوّلوكِ رماداً أسودَ.. لكن لم يعلموا أنكِ تركتِ خلفكِ جداراً أبيض.. وابناً يحترق.."
أنهت "حواء" كتابة القصة، وانتزعتْ قلمها من بين أناملها، همت بالنهوض.. لكن طرف ثوبها كان عالقا هناك بين جنبات أوراقها، ويدٌ محروقة تمتدّ تمسك بها، تتشبث بها كغريق، تجذبها، تسحبها نحوها بقوة وعنف.
حاولتْ التفـلُّت.. كادت أن تصرخ؛ فما يحدث معها غريب.. كيف لتلك القابعة في خيالها أن تجذبها وتتمسك بها؟! وهي رسمٌ في طيِّ صفحاتٍ وجنبات أوراق وركام حروف وكلمات؟! وقد أحرقوها، وجعلتْها معهم رماداً، وتركتْ طفلها هناك وحيداً ينظر إليها تارة وإليهم تارة أخرى دون أن تمد له يد معونة، أو تنشر له حرف أمل وطرف صفحة بيضاء.
وما ظنّت يوماً أن تكتب قصتها بقلمها، وأن تكون قد سطرت نهايتها بيدها، وأنّ ما تأسّت عليه من ظلمٍ وجورٍ سيقع عليها ذات غفلة من الضمير.
أحاطوا بحواء هناك، بجوار رمادها وتلو عليها صكوك الاتهام: أنتِ مثلُها.. بل أسوأ.. وتستحقين مصيرها بل أشد.
لفوا حولها حبالهم.. وسكبوا ذات البنزين.. وأشعلوها.
حاولت التفلت، الخروج من مأزق به نهايتها. نادت وصرخت بأعلى صوتها؛ لعلّ أحدهم يتنبه لها، يساعدها. أحد المارة تناهى له صوت مزعج، تلفّت حوله.. لم يعلم مصدر ذاك النحيب والتوسل، فمضى. وآخر لم يُعره اهتماماً أو التفاتاً، وبحركة لا مبالية أغلق تلك الصفحات، وكسر ذاك القلم.. وبقيت هي تحترق.
هم لم يروا شيئاً، لم يشهدوا شيئاً. بل كان كلاماً، شرراً انتشر كالنار في الهشيم، أحرقكِ وأحرقني.
كان حديثاً وحادثاً، كحادثة الإفك. كلٌ أدلى بدلوه، أحضَروا الحطب كلٌّ حسب إمكانياته اللغوية، وقدراته التخيلية، وإبداعاته الوصفية. وقبل أن تحرقك نارهم، أحرقتك عيونهم، نظراتهم، وأجمعوا أنك مذنبة.. وقرروا أنكِ مخطئة، بل غارقةٌ في وحل الخطيئة، ولابد من تطهيرك..
هم بقذاراتهم أرادوا تطهيرك ويا للعجب!!
في ذاك اليوم.. بل في تلك الليلة.. أخذوني من حضنك، من جنتي. أذكر طيفك حينها، بكاءك، استنجادك، استرحامك واستعطافك. كلماتُك حفرتْ في قلبي أخدوداً من الحزن والأسى. قلتِ بدمع القلب: والله بريئة، حرامٌ عليكم، لا تظلموني؛ والله لا أعرف الحرام ولا عمري اقتربت منه، حرااااام.
ويتعالى نشيجك وهم يسحبونك سحباً.. وأمكِ تركلكِ برجليها وأنت تستعطفينها: أماه.. أنا ابنتك.. أنت ربيتني.. أمي.. ألا تعرفينني؟! أنت تحرقينني؟!
وأبوك يبصق في وجهك -ذاك الذي كنت أستقي منه النور مشرقاً باسماً- ويقول: أنت تستحقين أكثر من ذلك يا(.......) لطختِ سمعتنا في الطين.
قيدوكِ بحبال غليظة كقلوبهم، قاسية كأحكامهم، بجانب ذلك الجدار أجلسوك، سكبوا فوقك البنزين، وأشعل أخوك النار ليوقدها فيك.. حينها.. صرختِ: الله يخليكم، "بس أشوف" ابني.. "بس أبوسه" أحضنه.. "أشم ريحته"، "أشوف عيونه" الله يخليكم.. "بس ابني.."، صفعك أخوك، شتمك، نعتك بأرذل الكلمات، وأقبح الصفات وأضرم نار حقده وكرهه وغبائه فيك.. في جسدكِ.. في عينيكِ.. في يديكِ.. أحرقَ صدركِ الحنون فمن سيدفئني؟! من سيحضنني؟؟ أحرق شفتيك الرقيقتين الصغيرتين، فكيف ستغنين لي؟ أحرقوا قلبك، قتلوا نبضك، جففوا دمك، ثم نثروك رماداً.. لكنهم لم يحرقوا روحك التي تسكنني. هم لم يتنسـّموا عطرك المنبعث مع ذاك الرماد.. مع ذاك اللحم المحترق.. قلبك الصادق احترق.. عشقي.. غرامي.. حبي.. وهيامي احترق.. وتغلغلتْ أنفاسك المحترقة خلايا جسدي فبتّ أعشقُ رائحةَ الرماد، وأحترمُ كل رماد، ويبكيني أي رماد. وبقي آخر أنفاسك يجوب المكان يردد: "بس ابني...." وروحك تبحث عني.
وبقي أثرك المحترق على ذلك الجدار شاهداً لا يغيب.. أحرقوكِ.. حوّلوكِ رماداً أسودَ.. لكن لم يعلموا أنكِ تركتِ خلفكِ جداراً أبيض.. وابناً يحترق.."
أنهت "حواء" كتابة القصة، وانتزعتْ قلمها من بين أناملها، همت بالنهوض.. لكن طرف ثوبها كان عالقا هناك بين جنبات أوراقها، ويدٌ محروقة تمتدّ تمسك بها، تتشبث بها كغريق، تجذبها، تسحبها نحوها بقوة وعنف.
حاولتْ التفـلُّت.. كادت أن تصرخ؛ فما يحدث معها غريب.. كيف لتلك القابعة في خيالها أن تجذبها وتتمسك بها؟! وهي رسمٌ في طيِّ صفحاتٍ وجنبات أوراق وركام حروف وكلمات؟! وقد أحرقوها، وجعلتْها معهم رماداً، وتركتْ طفلها هناك وحيداً ينظر إليها تارة وإليهم تارة أخرى دون أن تمد له يد معونة، أو تنشر له حرف أمل وطرف صفحة بيضاء.
وما ظنّت يوماً أن تكتب قصتها بقلمها، وأن تكون قد سطرت نهايتها بيدها، وأنّ ما تأسّت عليه من ظلمٍ وجورٍ سيقع عليها ذات غفلة من الضمير.
أحاطوا بحواء هناك، بجوار رمادها وتلو عليها صكوك الاتهام: أنتِ مثلُها.. بل أسوأ.. وتستحقين مصيرها بل أشد.
لفوا حولها حبالهم.. وسكبوا ذات البنزين.. وأشعلوها.
حاولت التفلت، الخروج من مأزق به نهايتها. نادت وصرخت بأعلى صوتها؛ لعلّ أحدهم يتنبه لها، يساعدها. أحد المارة تناهى له صوت مزعج، تلفّت حوله.. لم يعلم مصدر ذاك النحيب والتوسل، فمضى. وآخر لم يُعره اهتماماً أو التفاتاً، وبحركة لا مبالية أغلق تلك الصفحات، وكسر ذاك القلم.. وبقيت هي تحترق.
Page 6
غصون يابسة!!
"وعد" امرأة في العقد الخامس من عمرها، فارعة الطول، سمراء البشرة، حادة الملامح، لها شفتان تنبئانك عن مكر وخداع كامنين.طفولتها كانت تحمل ملامح ألمها المستقبلي بالنسبة لها؛ فما كان يؤرقها أنها لم تنل حظاً من الجمال، ولم يشفع لها طول قامتها ليدخلها في مصاف الحسناوات؛ فبشرتها السمراء كانت أهم ما يعتبره الناظرون إليها عيباً فيها.
مرآتها كانت رفيقاً لها تديم النظر إليها، تتأمل هاتين العينين: آهٍ لو كانتا أوسع قليلاً وكما يقولون: لوزيتان بعض الشيء. تتحسس ارتفاعاً في وجهها: ذاك الأنف لو كان أقل حدةً وارتفاعاً، وهذي الشفاه ما ضرها بعض الامتلاء والإثارة، بدل أن تكونا خطين متوازيين لا حياة فيهما، تبعثرت فيهما الأسنان بعشوائية.
ألقت بنفسها على السرير وتهاوت روحها في أعماق نفسها المكتئبة، مدّت يداً سمراء ناحلة وبأصابع مرتعشة فتحت دُرجاً بجوارها، أخرجت منه مرآةً بيضاويةً تكمل معها رحلة التأمل: أين وصلت؟ آه.. هنا.. هذي الصحاري الممتدة في الوجنتين زرعت في قلبي مساحات من الأسى والجفاف..
تقذف مرآتها بعيداً.. ترتطم بالجدار.. تتساقط قطعاً متناثرةً.. تبتسم بحقد.. وكأنها حققت نصراً بكسر تلك المسكينة.
قامت متثاقلة نحو مكتبها، هناك حيث تختلي بنفسها بعيداً عن جسدها، هناك تفرغ طاقاتها المكبوتة، وتفرغ هموماً حبيسةً كادت تسبب لها عقداً نفسية.
اتخذت قراراً أنها لابد أن تتفوق في دراستها؛ لتعوض ما حرمت منه؛ فلا أحد يدق بابهم خاطباً وقد تزوج أختاها اللتان تصغرانها سناً.
عليها أن تتفوق ليجري ذكرها على الألسنة رغماً عن الجميع.
************
في غرفتها في المصحّ النفسي أخرجت مرآتها وحملقت في عوالمها:
تزوجتُ شاباً جميلاً بل طبيباً متفوقاً من عائلة مرموقة، يا لسعادتي وفرحتي حينما أرى الدهشة والصدمة بادية على وجوه الجميع؛ ماذا؟! وعد وَنعيم مخطوبان؟؟ كيف؟؟ لماذا؟!
أعلم أنه لم يكن يرغب بي، وأنه مجبر على الزواج مني؛ طاعة لأمر والده، لكن للسحر أثرٌ لا يقاوم. وهاهو اليوم يلاحقني ويرجو رضاي وينتظر بلهفة يوم الزفاف.
ضحكتْ بهستيرية ودارت في غرفتها.. ترقص.. وترقص.. وترقص.. حتى أغمي عليها.
ذبابةٌ مزعجة بقيت تطن وتدور فوق رأسها حتى أيقظتْها، قفزتْ تلاحقها.. أين ستذهبين أيتها اللعينة.. سأقتلك كما قتلتُه.. نعم.. قتلته..
وهل أدعُه يتزوج أخرى أجمل مني لأنني عاقر؟ وهل أحتمل أن يكون لغيري؟ وهل أقوى أن أراه ينجب الأطفال وينادونه باسمهم وينساني؟؟
لا.. لن يكون له ذلك..
تجمدتْ في مكانها جوار النافذة.. وتسمرتْ عيناها.. وانقطع نفسها لحظةً.. وبحركة مفاجئة سريعة أطبقت كالبرق على تلك الذبابة، ولطختْ الستارة البيضاء بدمائها.. تعالت ضحكاتها.. وعادت تدور.. وتدور.. وهي تقول: قتلتها.. قتلتها.. قتلته.. قتلته..
عادت لبقعة الدم تلك تحادثها:
لكنك أوفر حظاً منه؛ فقد كان موتك سريعاً.. أما زوجي.. حبيبي.. فقد اخترت له موتاً يليق به.. موتٌ بطيء يعجزُ عنه علمه وطبه وذكاؤه. علمتُ دوماً أن للسحر أثره، وله ثمنه أيضاً، بعتُ قلادةً ثمينةً لأحصل على سحرٍ يسري كسمّ بطيء في جسده، ينشرُ الوهن والتعب في أعضائه، يُفقده روحه، ويأخذ منه ذاكرته، ويسلبه قدراته ونشاطه، فينهار كجبال الجليد الذائبة، ويصفرُّ كأوراق الخريف الجافة. سحرٌ يستعصي على الفهم.. ويقاوم كل علاج ودواء..
كان جميلاً جداً في أنفاسه الأخيرة؛ لأنه كان لي وحدي.. كان يحبني وحدي.. ودّعته وأغلقتُ عينيه؛ كي لا يرى امرأة غيري.. فأنا له.. وهو لي.. وحدي..
وعادت تدور.. وتدور.. لي وحدي.. لي وحدي..
Page 7
الخريف النّهم!!
عند مدخل الجامعة يمتد شارع طويل تتزاحم فيه المحال والمجمعات التجارية: هنا مكتبة، مطعم، (كوفي شوب)، (اكسسوارات)، ومواد تجميل، خياط، أزياء. تأخذكَ الأضواء في عتمة الليل؛ فتراقبُ تراقصها على زجاج تلك المحال.على الجانب الآخر رأيتُه طفلاً يرتجف، لم يتجاوز عمره سنوات أربع، ثيابه تنبئ عن حال سيئة، ووضع مزر، كان يلاحق المارة بعلبة علكة، ويردد: علكة (بشلن). يمسك بأطراف أثوابهم فينهرونه، يقذفونه بحركة سريعة، فيتهاوى أرضاً.
ينهض، يلاحق آخر، يمازحه يأخذ منه علكة، وبسماجة يقول له: الحقني، ويجري مبتعداً.
ويغرق الطفل في بكائه.
يرقبها قادمة فيجري نحوها، يحضنها، فتبعده بقسوة لم أر لها مثيلاً.
يتعلق بثوبها فتسارعه بلطمة مدوية وتبتعد.
لم ييأس، يستمر في ملاحقتها، ودمعه نار تحرق قلب من لا قلب له، و قلبها أقسى من الصوان.
سألتْه عن النقود، مدّ يده ببضعة دراهم. دسّتها في جيبها، وأمرتْه أن يتابع عمله.
بكى، انتحب، استسلم حينما رآها تبتعد، تاركة طفولته ملقاة على الطرقات.
وطفقتُ أبحث أنا عن قلبي أين تاه في دنيا الذئاب.
Page 8
الفكرة الطائشة!!
(يا لجمالي وفتنتي!! أستحق أن أتزوج أميراً أو حتى ملكاً..) أنهت صفاء تأنقها استعداداً لاستقبال زوجها، لا لتسعده بل لتتباهى بجمالها أمامه، وتشعره بالنعيم الذي يعيش فيه، والذي يتمناه كثير من الرجال إن لم يكن جميعهم. ولم لا؟ وهي شابة صغيرة حسناء، تهافت الخاطبون عليها لكنها رفضتهم وقبلت به، وهذه نعمة أخرى يجب ألا ينساها: أنها قبلت به؛ فهي تستحق من هو أفضل منه.فتحت الباب لزوجها مرحبة وآمرة:
- ضع حذاءك في الخزانة، وغير ملابسك، واغسل يديك، ولا تنس قدميك، ولا تتأخر؛ فأنا أعددت الطعام لنأكل معا.
بصمت قذف حذاءه عشوائياً في تلك الخزانة، بدل ملابسه وتركها ملقاة على الأرض، وببعض الماء غسل يديه متناسيا أمر قدميه.
ما إن جلس حتى سألته:
- هل أحضرتَ لي ما طلبته؟
- ماذا طلبتِ؟!
- نسيتَ مرةًُ أخرى؟ّ! أردتُ بعض الفواكه، والمكسرات و"الشوكولا"، والعصائر؛ لاستقبال صديقاتي غداً.
- كل هذا من أجل صديقتين فقط؟!
- نعم حتى لو واحدة.
- لكنني في أول الشهر ولم يتبق معي من المال ما يكفي رغباتك وطلباتك.
- دبر نفسك. وفكر أنني لو تزوجتُ غيرك لكنتُ الآن في أسعد حال، وكل طلباتي مجابة، لكنني...
- نعم، فهمت، لكنكِ تكرمت ووافقت على الزواج بي..
ويحادث نفسه:
- يا له من يوم حينما تزوجتك، لا أعلم من فينا الرجل؟! يتملكك الغرور والرغبة في السيطرة على كل شيء حتى زوجك.
- هيه أين ذهبت في تفكيرك؟ آه.. لابد أنك تذكرت يوم سعدك.. يوم زواجنا.
نظر إليها باسماً وهزّ رأسه ولم يقل شيئا.
- عُدّتَ إلى الصمت من جديد!! يا إلهي متى تتخلص من هذه العادة المملة؟
انسحب منهياً طعامه وحديثها، لكنها عاجلته:
- لا تنس تغسيل يديك بعد الطعام.
Page 9
ذات يوم أيقظها صوت جرس متلاحق، وقرع باب متواصل. قامت متثاقلة من سريرها، مرت مسرعة أمام مرآتها وألقت نظرة خاطفة على جمالها، وأكملت مسرعة ترى من ببابها.
- أوه.. أم عامر! ما بك؟ ما الأمر؟ لِمَ هذه الضجة؟ أتعلمين كم الساعة؟!
- دعينا من الساعة ومن كلامك حول فوائد النوم وأثره على جمالك، واتركينا في حديث الساعة.
دخلت مسرعة وجلست على الأريكة، وقالت لاهثة:
- كأسا من الماء يا صفاء.
- هاه هل ارتويت؟ انطقي.
- زوجك، أين زوجك يا صفاء؟!
- زوجي مسافر في بعثة خاصة مع شركته وسيغيب بضعة أيام.
- متأكدة؟
- نعم متأكدة، وإلا أين سيكون؟!
- وهذه صورة من؟!
نظرت إلى الصورة، إنه هو زوجها، يرتدي (بدلة) سوداء يجلس جوار امرأة في ثوب الزفاف.
بكلمات مرتجفة سألت:
- هل تزوج؟؟!!
- نعم، حسرتي عليك يا صفاء. هذا الظالم كيف يترك امرأة بجمالك ليتزوج بأخرى لا تحمل أدنى مواصفات الجمال يا للرجال الأغبياء!! عيونهم فارغة ولا يشبعهم شيء ويلهثون خلف القذارات.
ورن الهاتف، وأتاها صوت زوجها:
- سأخرج اليوم من صمت أرقكِ لأنني لم أكن أجيد الكلام الذي يرضي غرورك، واليوم سأتخلص من فضلك عليّ ومنتك، وأمنحك حريتك؛ لتتزوجي من يستحق جمالك.. أما أنا فقد تزوجت من تستحقني وتحترمني لأنني زوجها لا عبدا مملوكا عندها..
أغلقت السماعة وتهاوت أمام مرآتها تعكس قبح نفسها، وعظم خسارتها..
- أوه.. أم عامر! ما بك؟ ما الأمر؟ لِمَ هذه الضجة؟ أتعلمين كم الساعة؟!
- دعينا من الساعة ومن كلامك حول فوائد النوم وأثره على جمالك، واتركينا في حديث الساعة.
دخلت مسرعة وجلست على الأريكة، وقالت لاهثة:
- كأسا من الماء يا صفاء.
- هاه هل ارتويت؟ انطقي.
- زوجك، أين زوجك يا صفاء؟!
- زوجي مسافر في بعثة خاصة مع شركته وسيغيب بضعة أيام.
- متأكدة؟
- نعم متأكدة، وإلا أين سيكون؟!
- وهذه صورة من؟!
نظرت إلى الصورة، إنه هو زوجها، يرتدي (بدلة) سوداء يجلس جوار امرأة في ثوب الزفاف.
بكلمات مرتجفة سألت:
- هل تزوج؟؟!!
- نعم، حسرتي عليك يا صفاء. هذا الظالم كيف يترك امرأة بجمالك ليتزوج بأخرى لا تحمل أدنى مواصفات الجمال يا للرجال الأغبياء!! عيونهم فارغة ولا يشبعهم شيء ويلهثون خلف القذارات.
ورن الهاتف، وأتاها صوت زوجها:
- سأخرج اليوم من صمت أرقكِ لأنني لم أكن أجيد الكلام الذي يرضي غرورك، واليوم سأتخلص من فضلك عليّ ومنتك، وأمنحك حريتك؛ لتتزوجي من يستحق جمالك.. أما أنا فقد تزوجت من تستحقني وتحترمني لأنني زوجها لا عبدا مملوكا عندها..
أغلقت السماعة وتهاوت أمام مرآتها تعكس قبح نفسها، وعظم خسارتها..
Page 10
سنديانة جبالنا!!
عتيقة كنت أراها، تقوس ظهرها كقوس النصر؛ فهي حقاً انتصرت عليه. حين تراها ينتابك إحساس أنك تعرفها قبلا؛ ربما هي جينات النساء العربيات، متماثلة، يتوارثن العزة والأنفة وقوة الاحتمال: احتمال الذل والمهانة، والصبر على كدر الأيام، وغدر أهل الزمان، فكل أمهات العرب أمك.خصّتني بكأس للشاي لا يشرب بها أحد غيري، تحب الأطفال وتجزل لهم العطايا، تهش في وجوههم وتطعمهم مما لديها.
جمالها كان بادياً لم تمحُه كتابات أيام وخربشات سنواتٍ نقلتْها للعام المائة.
مرةً علمتُ أنها لم تنجب أطفالاً فظننتُ أنّ هذا هو سبب حنوها وعطفها علينا.
مرة أخرى بعد أن مزقتُ ثوب الطفولة علمتُ أن أمها هي سبب حرمانها من الإنجاب..
تعجبتُ وسألتُ: لم؟
لم يجبني أحد.
انتظرتُ حتى ارتديت خلعة الرجال وخط الشارب أولى حروفه في وجهي، قالوا لي: قد تزوجتْ ولم تكن أمها راضية عن زواجها، فكانت هديتها لها دعوة أم على ابنتها ألا ترزق بالأبناء، وفُتحت أبواب السماء ليستجاب الدعاء من أمٍّ جهلت أثر الدعاء على الأبناء.
أكمل لي أحدهم: كان جمالها يفوق الوصف رغّب بها كثر، خُطبت لأحد أبناء القرية، وبالمال استطاع مختار القرية أن يجعل أباها يعدل عن تلك الخطبة ويزوجه إياها.. وكان للمال ما أراد..
ذات صباحٍ قرويّ يكتسي بخضرة الزيتون ويعبقُ برائحة خبز الطابون، اشتقت لكأسي عندها، وارتشاف الشاي بالنعناع.
دخلتُ بلا استئذان؛ فما عادت أذناها تحمل لها صوت طرقاتنا على بابها.
وكأمٍّ حنون كانت تعتني بزوجها المختار الذي ما عاد يقوى على الحركة. أبهرني منظرها، هي بظهرها المحنيّ، ويديها المرتعشتين، وخطوها البطيء، تغسل وجهه برفق وتصلح ثيابه. بحثتْ عن زجاجة عطرٍ أوصتني أن أشتريها لها من المدينة، وقد داعبتها حينها: ماذا؟ عطر؟! خير يا حجّة؟ حسناّّ.. سأخبر المختار.
رشّت العطر على يديها ومسحت به وجه زوجها وبقايا شعره.
لم تفتني حينها دمعته الحبيسة وهو يطلق دعواته: الله يبارك فيك..الله يرضى عنك.. سامحيني يا حجة.. سامحيني.
علمتُ يومها بقية حكايتها: كان المختار فظاً غليظاً معها، قاسياً عليها، يُهينها، ويكيل لها السباب والشتائم.. وهي كالسنديانة؛ تزداد شموخاً نحو السماء وتلقى أغصان محبتها له، وتمدُّ جذور عفوها وصبرها لتمتص كرهه وحقده.
ذات لحظةٍ خريفيةٍ رحلت سنديانتي.. وكأسي يحتضنه صندوقها..