Page 1
تحوّلات الخطاب الشعري العربي
ما بعد الأبواب ـ ما بعد الحداثة
[[ 1 ]]
الشعر العربي وولاية العهد
السيـاب .. نازك .. البريكان .. الجـواهري .. نـزار .. عبد الصبور .. دنقل .. الماغوط .. درويش .. قبيلة مؤسطرة وسلالة منقرضة .. ذراري هوميروس وفرجيل ودانته .. أبي تمام والمتنبي والمعري .. شكسبير و طاغور ولوركا .. كردوس من الرائين اختلفت مساراته والتقت في منطقة الإبداع الناسك والوعي القارئ و الحراك المنتج في الذاكرة الجمعية .
وضع السيّاب اللبنات الأولى في جدارية الحداثة ، لم يكن ـ بالطبع ـ نهاية البناء ، كان بدايته المُثلى ، القادرة على الاستمرار والتنامي ، قدم مُقتَرَحاً نابعا من سلم التطور الطبيعي للنص العربي ، توكيدا لحضور الماضي وقطيعةً معه في آن معاً ، وهذا وحده الكفيل بنجاح أية مقترح نصي ناشئ .
إن " في السوق القديم " ـ تحديداً هي الحلقة المفقودة في تاريخ النص العربي بين التَّشَوُّف المؤذِن بانفتاح النص الأدبي العربي على الخطابات والبنى المعرفية والرؤى أو السبات بكفالة المتَّفَقِ عليه ، أي بين تحَقُّقِ الكتابة و مقاربة المثال ويُحْسَبُ له في هذا السبيل قدرته ـ في فترة التأسيس وغياب المرجعيات ـ على أن يتقدم بأسلوبه ويتخطي مرحلتي " أزهار ذابلة " و " في السوق القديم " بشأوٍ بعيد ، بمغايرات مثل الأنشودة والغريب والشناشيل والأسلحة والأطفال والمومس العمياء وحفار القبور ، على الرغم من كل ما شابها من إخفاقات المبادرة ، وهي إخفاقات متوقعة عادةً في البنى المؤسِّسَة ـ غير أن فضيلته الكبرى تبقى في كونه أستاذ نفسه ، فالفارق جلي والبون شاسع بين من يكتب والطريق ممهد أمامه بنماذج متحققة ، ومن يلتمس الطريق حدساً ، ويحدد موقعه في تعرجات الكتابة اجتهاداً يستحيل واقعاً مألوفاً ألفة الناجز من الأشياء ، وفي ظني أنه لو قُيَِّضَ للسياب أن يعيش عمر الجواهري أو نزار مثلاً لرفدَ النص الشعري العربي بمسارات تجريبية أكثر إحكاماً وقدرة على الإدهاش قياساً بما قدمه خلال عمره القصير ، فالسياب ـ كالمتنبي وأبي تمام ـ مرحلة تخطّاها الخطاب الشعري ، لكنها من النوع الذي لابد من قراءته بعمق .
***
Page 2
لم تتجلَّ ريادة السيدة نازك في إنتاج النص بقدر ما تجلت في قراءته ، وهو أمر تجلى في دراساتها النقدية المجنحة بحرية منضبطة معرفيا أسست بها للنظر إلى الحداثة الناهضة بين طليعة نقاد الشعر المحدثين ، وهنا موطن التغاير الذي كان من الأجدى أن تنصرف إليه القراءات المحايثة لظاهرتي النص السيابي الشعري والنص النازكي النقدي عند مقاربة مفهوم الريادة عِوض الانهمام بتواريخ " أزهار ذابلة " و " الكوليرا " ممثلاً بمنحنيي الإنجاز و التطلع وهو ما يمكن التعبير عنه بـ : فعل الشعر السيابي و حلم الشعر النازكي ، بيد أن السياب لم يكن خلو الوفاض تماماً من الحدس النقدي ، فقد امتلك الإلماعات الأولى للحدس القارئ / المتشوف / المؤسس لأفق تثاقفي عربي يتجاور فيه المتنبي وإليوت ، والمعري وإديث سيتويل ، والجرجاني و ريتشاردز ، إلا أنها امتدادات لبثت في طور الكمون والنشوء ولم تبلغ طور الارتقاء ، ويبدو أنه رغب بتخطّي العائق المعرفي الذي يحول دون تجاوزه دركة الحدس إلى دركة الوعي ، فأقدمَ على الالتحاق بالدراسات العليا بالجامعة البريطانية في درم ، بمنحة دراسية ، تلك الخطوة التي كانت جديرة بأن تضيف إضافة بالغة الأهمية إلى التأريخ النقدي الجمالي للنص الشعري العربي لو لم يتخمطها الداء والموت المبكر ، فقد امتلك ذخيرة من التصورات النافذة والثقافة المتجاوزة لحدود ثقافة الريف والمدينة التي أنجبته ، وولعا بالتجديد منتجاً ، ومنظوراً كان جديراً ـ مع التشذيب المعرفي والبناء الأكاديمي ـ أن يبلغ بصاحبه مرتبة الجلاء الرؤيوي بما يقدمه لنا بوصفه ناقداً فضلا عن كونه شاعراً ، على وفق ما يثبت لنا " كتاب السياب النثري " الذي جمع فيه مؤلِّفُهُ جملةً من مقولات السياب حول حركة الحداثة الناشئة ، التي كان يدرك تزعمه الإبداعي لها ، وقد عبر عن ذلك على نحو موضوعيٍّ لا يبخس الآخرين أشياءهم ، حين قال (( هناك حقيقة لم يبق من مجال لكتمانها ، هي أن الشعراء الذين كتبوا على طريقة الشعر الحر لم يتأثروا خطا نازك ولا خطا باكثير ، وإنما تأثروا خطا كاتب هذه السطور ، من حيث الشكل .. ومهما يكن فإن كوني أنا أو نازك أو باكثير أول من كتب الشعر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم وإنما الأمر المهم هو أن يكتب الشاعر فيجيد فيما يكتبه ، ولن يشفع له إن لم يجود أنه كان أول من كتب على هذا الوزن أو تلك القافية .. إن الشعر الحر أكثر من اختلاف عدد التفعيلات .. )) ( 1 ) ، فهي عبارة لا يمكن دحضها أو التقليل من أهميتها ـ في ذلك التأريخ المبكر ـ ترصد موطن الوهن الذي سيلحق طرفاً من الأقاويل النقدية من بعده ، وتقدم المعيار الأمثل للمفاضلة بين التجارب ، ممثلاً بمعيـار المتحقق في النص لا المتطلَّع إليه ، إذ لا ريب في أن جميع المنتجين الجدد للنص الشعري يتطلعون إلى ما هو أكثر حداثة ، غير أن التطلع والتمنيات لا تعفي من إحالة التطلعات والتصورات المثالية إلى تحققٍ نصي يضاهي ويجاري تلك التطلعات ولا يتخلف عنها ، وهذا ما حققه السياب فعلا ، فيما انشغلت السيدة نازك بدعوى الأسبقية ، وبخاصةٍ ذلك التأريخ الذي ذيلت به خاطرتها " الكوليرا " بعد نشر السياب " أزهار ذابلة " ( الأقرب إلى بنية الموشح منها إلى الشعر الحر ) ولو افترضنا جدلا أن السياب لم يكن قد خُلِقَ بعد حين كتبت الكوليرا ، فإن نظرة دقيقة إلى ما أعقب الأربعينات من نتاجهما تبين بما لا مراء فيه أن السيدة نازك لم تعدُ أن تكون تلميذة متذمرة في مدرسة السياب قاست الفارق بينهما بالمعيار الارستقراطي ولم تقسه بما قدمه كل منهما من نصوص قادرة على الاستحالة إلى موجة عابرة للنصوص التي عاصرتها ومؤثرة فيها تأثيرا جعل من " السيابية " ظاهرةً و طابعاً انطبعت به مرحلة كاملة من عمر الشعر العربي ، لقد افتقر السياب إلى تنظيم تطلعاته على نحو كان أهلاً لو تم لجعلها مصدرا للتنوير الحداثوي والاستنارة المقيَّدة بضوابط علمية ( غير اعتباطية ) ، كانت تفوهاته النقدية تُهَوِّمُ على أطراف الظواهر التي ترصدها ، وخلال ذلك كله كان يحيل تطلعاته نصوصاً ، بينما كانت نازك ( الرومانطيقية الصارمة ) تتفوق عليه في كفاءة القراءة بمقدار ما تتأخر عنه في كفاءة التنصيص .
Page 3
أرى أن إلحاق البياتي بكل من السيدة نازك والسياب وإنْ ثالثاً هو قول فيه نظر ، وأنا في هذا مع التقييم الموضوعي الذي قدمه السياب لتجربة البياتي في مجلة الآداب البيروتية .
إن حشر البياتي مع السياب في مشروع الحداثة الشعرية الوليد ما هو إلاّ من تبعات خلط التأريخ والأرشفة بالنقد ، فقد أفاد من دعوى الشراكة عدد ممن التحقوا بحافلة المنافسين ممن تأثروا خطا السياب ، يتقدمهم البياتي الذي عمل بعضهم على جعله ثالث اثنين في التأسيس لشعر التفعيلة في إغماءات لا صلة لها بالنقد ، ولكن يبدو أن الأمر قد راقه ـ وبخاصة مع وجود عارفين عجائبيين بالشعر من طراز محيي الدين صبحي ـ وقد جهد في منح هذا التكليف ما يبرره عبر البحث عن روافد ثقافية ومنابع أخر للشعر ( كما في بستان عائشة و قصائد على بوابات العالم السبع وتحولات ابن عربي ) غير أنه لم يتخلص في كل ذلك من مهيمنة الرصف والتقفية الكثيفة ، وفي هذه الأعمال قاطبة نجد من جمالية التعنين أكثر مما نجد من جمالية اللغة والأسلوب والإيقاع ، فهي عنوانات تضع البوينغ على سنام الناقة .
***
لم تكن بدايات البريكان لتمثل انزياحا فارقاً ، بيد أن نتاجاته اللاحقة تشير إلى مواكبته تحولات الحداثة ، كما تجعله أقرب إلى تلك التحولات من نازك والبياتي وأبعد إيغالا في حدوسها ، ولأنه يمتلك جذوة التجريب ووعي التجديد فقد عكف على إنتاج نص يتجاوز به تخوم ذاته القديمة أولا و يرفد النص الشعري بالمزيد من جداول الإبداع عبر اتساع حقوله المعجمية والدلالية وحركية المفردة و طواعية البنية الايقاعية وتحولها وهو ما منحه فرادته وشخصيته الكتابية الخاصة بين شعراء جيله .
***
سعى الجواهري ـ سفير النوايا الحسنة للشعر العربي القديم ـ إلى إبقاء موطئ قدم للكلاسيكية وجمهورها في أتون انبثاقة حركة الشعر الجديد ، فقد فوجئت سفينته بالعاصفة الشعرية المدارية الجديدة ، وهو ما لم يتحقق في ضوء ذاكرته الخليلية الناشطة في سوى الموشحات والأزجال والبند ، وإذا بالحركة الناهضة تستنبط الهيكل الهلامي الجديد للنص من أعماق الهيكل الفولاذي الموروث في عملية كيميائية بدت في المقاييس السالفة ضربا من الشعبذة وعلم الهيئة أوالتجريب الكيميائي الذي حدث نفسه منذ جابر بن حيان بإحالة المعادن غير النفيسة ذهبا ، وهذا ما حصل لدى السياب ـ تحديدا ـ فقد وضع اشتقاقاً أوليا للمعادلة الأبستمو / جمالية المحيرة ، وأبرَمَ الصلح بين الضدين : تقويض البنى المتداعية بأدوات وثيقة الصلة بها في الوقت الذي يمارس فيه استقلاله النوعي عنها ، وقد كان الجواهري مجلاً للسياب ( تبين إحدى وثائق د. الأعرجي ذلك ) بقدر ما كان السياب مجلا للجواهري ( تؤكد وثائق عدة للغرفي ذلك ) ، ولم يتخذ من عضويته الفعالة والرائدة في حركة الشعر الجديد ذريعة إلى التقاطع مع المسار الآخر ، فقد كان راعي حركة التفعيلة الأكفأ في تقييم المسارات المجاورة له وإنزالها منازلها المستحقة .
Page 4
أدرك الجواهري أن القصيدة المتوارثة أخذت تأكل نفسها بعد أبي تمام والمتنبي والمعري تحديداً ، وأنها بدأت تخلي الساحة لتحول محتم يكتسح لغة الشعر ، وخلال ذلك كله كان يحلم بقدرة سفينة الخليل المتصدعة على اجتياز العاصفة باستحالتها جزءاً من أجزاء تلك العاصفة نفسها ، واكتسابها منها مقوماتها الجديدة ، على نحو يمكن معه القول بأن نص الجواهري هو بمثابة متحفٍ تراثي عرضت فيه خلاصات التجريب الشعري القديم و مورست في واجهاته البراقة تمرينات مجتهدة لمعتقدات وعبارات ذلك التجريب ، لقد تخطى في طرف من أنموذجه الخليلي للكتابة شعراء القرن التاسع عشر ، وشعراء أبولو والرابطة القلمية ومواطنَيه الرصافي والزهاوي ، ومجتمعات الكلاسية كافة ، فلم تقدم القصيدة ـ في الحدود الأبستمولوجية لبقايا الكلاسية حتى عهده ـ خيراً مما فعل ، ممثلا بذلك ما يشبه الحلقة المفقودة بين الخليلية القديمة والخليلية الجديدة ، التي ماتزال تحاول بمشقة بالغة غير مفضِيَةٍ غالباً أن توجد لها موطئَ قدم يضاهي رسوخ وتنوع كائنات الشعر غير الخليلية ، ولو افترضنا جدلاً أن تلك السفينة بقيت هي الوسيلة الوحيدة للرحلة إلى جزائر الشعر المجهولة فإنه سيكون قد اضطلع إلى حد ما بالمهمة التي اضطلع بها أبو تمام في زمنه حين صنع الحلقة الواصلة بين زمنين شعريين هما ما قبل أبي تمام وما بعده ، والمهمة التي نهض بها المتنبي بعد أبي تمام ، وهذا ما فعله المعري بعدهما حين أدرك أن المسار الجمالي للأدبية العربية قد بلغ قمة عطائه على يديهما ، فتوصل بحدسه الإبداعي إلى الانهمام بالجانب الفكري من النص الذي لم يبلغ من الإشباع ما بلغه الجانب الجمالي لديهما ، فكان أن أسس لالتحاق النص العربي بالجمالية الفلسفية التي وجدت أكفاءها من بعده لدى محيي الدين بن العربي والحلاج والنفري ، على هذا النحو وحده يمكن فهم موقع الجواهري في تأريخ الأدبية العربية المعاصرة ـ في الجانب الأكثر أهمية من منجزه ـ ممثلاً بالتوطئة للخليلية الجديدة ، ومحاولة تبيان قدرة الشكل القديم على استيعاب شئ من المفهومات والبنى المعرفية الجديدة للشعر ، وهي ريادة شاركه فيها السياب الذي لم ينقطع عن كتابة الشعر العمودي ـ في أتون ريادته وتأسيسه لحركة الشعر الحر ـ بل كان يسكب خبرته المعرفية والجمالية الجديدة في قصائد عمودية تؤسس للخليلية الحديثة مثل " بورت سعيد " و " القيامة الصغرى " و " من رؤيا فوكاي " وغيرها ، وهي قصائد عمودية مركبة ومتعددة الأبنية الكلية تختلف اختلافا جذريا عما أنجزه من قصائد عمودية في البواكير ، والأمر ذاته نجده لدى نازك ومحمود درويش وعبد الصبور ودنقل والنواب وأدونيس ، فقصيدة التفعيلة العربية ومن بعدها قصيدة النثر العربية ترعرعتا ونشأتا في مناخ التراث ، واكتسبتا منه مشروعيتهما وقدرتهما على التأثير بوصفهما خطاباً يمارس اتصاله مع الماضي وانفصاله عنه في لحظة معرفية إبداعية واحدة هي لحظة الكتابة ، كما يؤكد ذلك أن كتابة قصيدة النثر بطريقة القفزة المتغطرسة على ما قبلها يفقد الخطاب أساسه المعرفي وغائيته الجدلية .
Page 5
اتسم نزار بتعذر المحاكاة ، وهذا ما لا يتحقق إلا في المستوى السهل الممتنع من الأداء الشعري ، لقوة التمايز ووضوحه بين الأصل وأية نسخة تحاكيه مهما بلغت من الإتقان والدقة ، بل إن دقة المحاكاة هذه لن تزيد النسخة إلا اضمحلالا وتلاشيا في خضم حضور وسطوع النص الأصل ، وقد استغرق ملياً في استطلاع الأفق العاطفي ، أما الأفق الفكري وحفريات المعرفة فلم تكن واقعة ضمن مساحة اهتمامه يوما ، وكلما حاول ذلك غلبت عليه غنائيته المفرطة وتطامن للتكرار ، فقد أصاب السياب حين وصف شعره بقطعة الحلوى تشعر بطعمها ما دامت في فمك ، ثم سرعان ما يزول أثرها ومذاقها الغني بالسكر ، وكان منصفا حين قال أن الخبز أهم من الحلوى ، على أن ذلك لا يعني قصورا في تجربة نزار ، فقد كان له عالمه الذي به اقتنع ، وبأشيائه اختص ، وبتفاصيله ألمَّ إلمام المبدع الخبير ، وكان واعيا تماما لحدود عالمه ، فلم يدعُ أحدا إلى اتخاذ طريقته في الكتابة منهجاً ، ولا ادّعى إسهاما في ريادة الشعر الجديد ، لقد أدرك نزار أنه وفق إلى نمط كتابي خاص به غير أنه لا يمتلك القدرة على التحول إلى اتجاه ، أو النهوض بدعوة فكرية في فضاء التجريب ، لقد تعامل مع العاطفة بكل أوهامها وأحلامها ، وأعاد إنتاج غرض الغزل ، وحيثما أجلت النظر في أعماله الكاملة شعرت بالمفارقة التي تتمثل في كونه قريبا من الحداثة وبعيدا عنها في آن معاً .
***
تجلت في أداء صلاح عبد الصبور عبقرية الحضارة المصرية ، ورحلتها الطويلة مع الكتابة ، لقد نطق نصه بالهم الشعبي ومكابدات الرصيف ، مثلما نطق بالثقافة الجديدة والمسار الكتابي الجديد للشعر العربي ، وقد انفتح خطابه الشعري على الخطاب الفلسفي ولم يجثم في المساحة الجمالية للحداثة ـ وهي فضيلة من فضائله ـ كما امتلك أفقاً رحبا في تصوره لحدود النص الشعري وإمكاناته ، فاقتحم بالقصيدة حيزها المسرحي الذي تألقت به لدى الأمم الأخرى ، ففتحوا من خلاله نوافذ رؤيوية مشرَعة على آفاق رحبة لتطلعات النص الشعري ، وقد تفوق على شوقي هو ومواطنه المبدع عبد الرحمن الشرقاوي عبر مسرحهما الشعري المؤسس لهذا الأفق من الإبداع ، وإذا كان لشوقي فضيلة لا تدفع في التأسيس لمسرحة الخطاب الشعري ، فإن عبد الصبور والشرقاوي قد واصلا تلك المغامرة بجدارة ، وأضافا إليها الكثير ، وإن لم يبلغ المسرح الشعري العربي حتى الآن ما يمنحه استقلاليته في المنظور العالمي .
Page 6
أتيح لدنقل تحقيق ذاته الإبداعية وسط عاصفة التجريب وحركة الشعر الجديد ، فنصه لا يشبه إلا نفسه ، واختياراته الموضوعية وأسلوبية العنوان وبنية النص كانت استثنائية لديه ، مشفوعة بلغة حية مسكونة بالفرادة الناشئة ، غير أن مقص الموت السريع سرعان ما تقاطع ومسارات هذه التجربة التي كانت تعد بالكثير .
***
ما كاد اللغط والجدل الذي أطلقته حركة الشعر الحر يتخذ مستقره بعد ، ولم تكد الحركة تستقصي قدرتها على الإنتاج والتنوع ، حتى انطلقت بعدها بسنين عددا حركة بدت انفعالية حماسية أكثر من كونها مآلاً فنيا وخطابا له مرتكزاته ، متأخرة عن انطلاقتها الفعلية في الجدل التأريخي لخطاب المغايرة العربي ، وإن انهمامها باستنساخ ريادة حركة التفعيلة صرفها تماماً عن النظر في ماهية الاصطلاح ومدى تعالقه مع المتن ، كان إجراءً على وجه السرعة حين اختار محمد الماغوط وأنسي الحاج مسارا ثالثا للكتابة الشعرية جنَّسه الأخير بـ " قصيدة النثر " ـ على وفق ترجمة أدونيس لاصطلاح سوزان برنار ـ وهو اتجاه نهض به معهما شعراء آخرون ، غير أن الماغوط والحاج ( المسبوقَين إلى ما يشبه ذلك بحسين مردان زمنيا وإن لم يضاههما فنياً ) كانا الأكثر تأثيراً في مجايليهما ولفتا لأنظارهم إلى الجوهر النثراني للكتابة بوصفه احتمالا جماليا قائما بقوة ، وقد أعرب الماغوط عن حيرته في تجنيس ما يكتب ، وكان دقيقا ومحتاطاً حين اكتفى بكونه " كاتب نصوص " فحسب ، وقد دأب الحداثويون على البتِّ بصلة أبوية مطلقة لنثرنة الماغوط وجماعته بالرافدين البودليري والرامبوي ، غير أن استدعاء التجربة واستعارة الآخر لا يعني التبعية بالضرورة ، فعلى وفق قياسٍ مطلق كهذا المنفي ستغدو الصلة أبوية مثلاً بين " حديث الإسراء والمعراج " ـ الذي يؤكد الأدب المقارن اطلاع دانته على نسخة مترجمة منه في مكتبة الفاتيكان ـ وبين " الكوميديا الإلهية " ، ولا نجد أحدا من الغربيين أبدى انهزامية تجاه هذه الحقيقة أو عد الكوميديا الإلهية هبةً عربيةً ، فيما هرعنا إلى الالتحاق بحافلة المنهزمين والقول بأننا لم نمتلك أدباً جديرا بالتأسيس لأرض أخرى في الكتابة ، بلى كان الرائي الكبير بودلير ونظراؤه من أَبدال الحداثة الغربية رافدا تثاقفيّاً التحق بروافد عربية أُخر مهدت للكتابة العربية الجديدة وعززت في الفضاء الثقافي العربي مراجعة جوهرية للأنواع والخطابات ، وأُضيفُ إليهما في التأسيس والتمهيد للكتابة العربية الجديدة جذمَين عربيين فاعلين في أبستمولوجيا النص العربي ، الأول منهما هو " القرآنية " بوصفها خطاباً قائما على المغايَرة ، على نحو تجاوز ثنائية الشعر الجاهلي والنثر الجاهلي واستقل عنهما استقلالا أسلوبيا شاملا ، والثاني هو " المناجَيات العرفانية " ممثلة بمرتكزات منها " النثرانية الحلاجية والنفّرية والبسطامية " بوصفها مغايرات منزاحة بخطاب الناسوت واللاهوت الذي انطلقت منه بوادر المعرفة العربية الأولى ، فقارئ نصوص مثل " طواسين " الحلاج ، و" مواقف " النفّري و " مخاطباته " ، و " شطحات " البسطامي ، و " نشوار المحاضرة " وأمثالها من متون الانزياح لا يعثر على الجاحظ ولا على عبد الحميد الكاتب ولا على القاضي الفاضل ، وإنما يجد نوعاً كتابيا لا يجمعه و ذلك النثر سوى شئ واحد هو انعدام الحفاوة بالإيقاع المتعارف ، وأما ما خلا ذلك فهو جديد في حوار الدلالات و أبنيته اللغوية والأسلوبية المزاوجة بين البنيتين الجمالية والفكرية ، والانطلاق بالدوال والعبارات إلى منطقة أكثر رحابة ، بل إن مقطّعات الحلاج والنفري الخليلية ـ على قلتها ـ لا تقل مغايرة للمألوف الخليلي عما في نثرانيتهما من مغايرة للمألوف النثري ، حين نضع في اعتبارنا انفصال النثر عن الشعر في الترسيمة البيانية القديمة ، فالكتابة المنشقة عن النوع بالمغايرة فكرة صامتة في تأريخ النص العربي لم يحملها الخطاب الاجتراري المتعالي على محمل الجد ، ولم يتم استنطاقها نقدياً لسطوة المهيمنات الثقافية النسقية ، مثلما نسب الشعر الحر إلى المؤثرات الغربية على الرغم من الاختلاف الجوهري بين المفهومين الغربي والعربي للشعر الحر ، وعلى الرغم من أن " أزهار ذابلة " هي أكثر شبها بالموشحات منها بشعر إليوت أو إديث سيتويل .
Page 7
نخلص من كل هذا إلى وضع " النثرانية " و من بعدها " النصّانية " موضعها المستحق في تراتبية الكتابة العربية الجديدة ، لا بوصفها نوعا كتابيا مستوردا أو استعارة محضة ، وإنما بوصفها نوعاً متجذراً في البنية المفهوماتية والمعرفية للكتابة العربية ، الكتابة بوصفها نوعاً لا يمكن بلوغه ، يمكن فقط السعي إليه ، وعقد المقاربات التجريبية باتجاهه .
***
سعى محمود درويش إلى تخليق أسلوبية متنامية تقشفاً بالتقرير وانزياحاً بالتعالق الرمزي والمجازي للعلامة ، كان حدثاً شرق المتوسط عصف في أوانه بشعراء كنعان ليس ابتداءً بطوقان ولا انتهاءً بسميح القاسم ، لقد وجَدَتْ أجيالٌ في نصه المنهل الجمالي القريب من هموم الذات العربية في منعطفاتها المصيرية ، وهكذا كان محمود بحق ، درويشاً يتسامى بالوجع الجمعي إلى تراتيل ملونة بدم الشهداء ، وخضرة الزيتون ، وزرقة بحر عكا ، وشحوب الواقع المتردي في غياهب الهزيمة والخذلان ، كان روحا قادراً على الرؤية في ليل الهزيمة واستنطاق الموتى من أسلافه الفلاحين وجذور الزيتون والليمون الغائرة في الأعماق المحاصرة .
كان إيقاعه ـ في البدايات ـ إيقاع الثورة والغضب الكنعاني نفسه ، فسرعان ما اتجهت إليه عيون كنعان وغصونها ، كان شاعر الغنائية الجديدة ، لكنّ غنائيته المفرطة تنامت على حساب فلسفة الثورة التي كان جديرا بأن يضفيها على تلك الغنائية ولكنه لم يفعل ، واكتفى بأن يغني لتلك الثورة ، فلم يكن قادراً على استقراء الأبعاد الفكرية للقضية التي يحملها بقدر ما أوغل في استقراء أبعادها العاطفية ، وهو ما حاول أن يستدركه في نتاجاته المتأخرة عبر محاولة الانفتاح على خطاب الآخر ، منذ " أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي " ووصولا إلى " حالة حصار " فما بعدها ، على الرغم من حرصه على تطوير أسلوبيته باستمرار وكدح وغزارة في الانتاج لم يعد أكثرها في صالحه ، فقد أوقعته الغزارة في مصيدة التفكك النصي والتكرار غير الموفق للأفكار والأخيلة والعبارات ، إلى جانب حرصه المستمر على إطالة القصيدة باستدعاء المزيد فالمزيد من التداعيات التي كثيرا ما أنهكتها و أثقلتها بمظاهر التفكك النصي وضعف الاشتباك بين مكونات النسيج الشعري كما في " خطبة الطاغية الموزونة " ، و " الجدارية " مثلاً ، فقد أغوته فيهما كما في أغلب نتاجه أسطورة الغزارة وطول النفس إلا أن إيقاعه بقي واحدا ، فثمة ثباتٌ خطِّيٌّ في سيرورة ذلك الإيقاع لم يتمكن من تجاوزه ، يوازيه ثبات في المضامين واللغة والأفكار ، فمن الجلي أن ما توصل إليه في " مديح الظل العالي " من أبنية ودلالات بقي يمارس حالة من التثبيت الشديد على كل ما أنجزه بعد ذلك ، بل إن بنية التدوير التي سلكها في أغلب نتاجه المتأخر ـ عبر إيقاعي المتدارك والكامل ـ شكلت قالبا جاهزا وقع الشاعر أسير سلطته الغنائية التي تناسبت وميله إلى الانجراف مع التداعي النفسي والإيقاعي ،
Page 8
وعلى الرغم من أنه أنجز في أنماطها الأولى ما يستحسن فإن استمرار تلك البنية في الظهور بنحو خَطِّيٍّ ثابت هو مظهر لا يحسب في صالح منتِجِه بأية حال ، فالتدوير هو أهون ما في بنية الإيقاع العربي من إمكانات واحتمالات جمالية ، وقد بدا لدى كثير من الشعراء حيلة من لا طاقة له على تنويع إيقاعاته ، ولم يقتصر هذا المسار الخطي على البنية الإيقاعية لنصه بل اتخذ امتدادات لغوية و موضوعية وأسلوبية يمكن أن تجد نظائرها المطابقة لها فيما سبقها بحقب بعيدة من إنتاجه ، وقد حاول التخلص من سطوة الثبات الإيقاعي هذه باللجوء إلى " النثرنة " أحياناً ، غير أن ما قدمه في هذا الشكل الكتابي لم يَعْدُ تحويل مضامين بنية التدوير إلى بنية نثرانية ، أي ـ بتعبير آخر ـ فك المنظوم ، وهي تجربة ابتدأها في الثمانينات ، وعاد إليها على نحو متقطع امتزج فيه الإيقاع العروضي واللاعروضي ، غير أن السمة الأكثر بروزا في نص محمود تتجلّى في فاعلية الحقول الدلالية للعلامات ، سواء أكان ذلك " خطبة الهندي الأحمر الأخيرة " أم " طوق الحمامة " ، " لوركا الأندلسي " أم " يوسف الكنعاني " ، لكنها مع ذلك أشَّرت اتساع أفقه الثقافي أكثر مما أشرت تجددَ أسلوبيته ، فقد كان معجمه يطَّرد ويتحلّق أفقيا ، فيما يمضي أسلوبه شاقولياً ، وبين هذا وذاك ، كانت الشعرية العربية تكتسب من منجزه في نجاحاته وإخفاقاته الشئ الكثير .
***
يمكن مقارنة مطر ـ العالق منذ عقود في تثبيتات الخطاب ـ بنزار من بين أفراد جيله من حيث ثبات شكل النص ورتابة البنية الإيقاعية وتثاؤبية الخطاب ، فلم يبرح في خطابه الشعري مسكوكات التذمر وفلسفة البكاء ، وهو التزام جعله مفضلا لدى شريحة من المتلقين الانفعاليين ، من الباحثين عن القصيدة / المانشيت ، أو القصيدة / الشعار ، والخطابية الرنانة ، ولعل المطريات لا تذكرنا بأحد من الشعراء بقدر ما تذكرنا برسام الكاريكاتير العربي الراحل ناجي العلي ، وقد اجتمعا فعلاً تحت مظلة الصحافة الكويتية ، غير أن ناجي يتفوق على مطر في تجدده الموضوعاتي والبنائي ، بينما خلت تجربة مطر من أدنى تجدد في معمار النص ودلالاته ، فلم يسع إلى إضافة تذكر على ما قدمه من صور وإيقاعات ولغة في اللافتات الأولى ، ويؤكد المسار الخطي لخطابية اللافتات تفاقم هذا المنحى ، وليست هذه السمة الأسلوبية حكرا عليه ، فهي عامل مشترك بين عدد من الخطابات الشعرية متباينة المتَّجَهات ، فمثلا على الرغم من الاختلاف الجذري بينه وبين شاعرٍ على شاكلة أدونيس فإنهما يلتقيان في المسار الخطّي للخطاب ، إذ لم يكد يطرأ على خطابه الشعري أدنى تغيير منذ " كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل " مروراً بـ " الكتاب " ووصولا إلى آخر منشوراته ، فهو يكتب نصا واحداً تحت عنوانات مختلفة ، والأمر ذاته نجده لدى شعراء كثر منهم مظفر النواب وأحمد عبد المعطي حجازي وسميح القاسم وقاسم حداد وحسب الشيخ جعفر وسعدي يوسف وغيرهم من شعراء الواحدة.
***
Page 9
يكابد جيلنا مفصلاً انتقالياً نوعياً في سيرورة النص الشعري العربي ، بين مدرسة رائدة مضت في سلام ، وبقايا من القافلة لم نعد نجد على تلك الحدود التي أوصلوا إليها التجريب من إضافة تذكر .
والسؤال الآن .. من هو ولي عهد الشعر العربي الجدير بخاتم الشعر وبردته الكونية ؟ .. هل أن زمن الشعر قد مضى ـ كما تدّعي بعض الفرق السردية في خطاب الحماسة المعاصرة ـ هل الرواية والقصة هما ديوان العرب الجديد ؟ .. هل بات حصان الشعر عاجزا عن مجاراة حصاني القصة والرواية ؟
أرى أن الإشكالية إن وجدت ليست في النوع الأدبي نفسه وإنما هي في منتجه ، فثمة سمات ثلاث يمكن أن نعدها معياراً تنماز بوساطته أدبية النص ( محموله من الإبداع والمغايرة ) وهي أن يكون ممتعا ومفيدا وذا طبيعة خالدة سواء أكان لوحة تشكيلية أم منحوتة أم نصا شعريا أم روائيا أم قصصيا وعلينا ألا نتعالى على الأمم بمحميات نوعية للخطاب .
ليس دفاعا عن الشعر أن نذكِّر الخطابات النقدية القادمة على بارجة الحداثة لإعلان موت الشعر ـ بوصفه أهم اكتشاف معاصر بعد النظرية النسبية ـ بأن الشعر لم يتزحزح عن مكانته في عواصم الحداثة التي أسست للحداثة كما يفهمونها قبل أن يحدث ملاحو هذه البارجة بها أنفسهم ، فصرعة الخطابات المتعالية هذه تبدو متشدقة بالحداثة أكثر من أهلها ، وملمة بمفهومها وغائيتها أكثر من مؤسسيها ، في حين أنه ليس من خصومة كونية ملموسة بين الخطابين الشعري والسردي ، فالخطابات تشتبك متجاورة في قرية العالم التنافذي بأكثر مما كانت عليه إبان ولادة مشروعات الحداثة ، وما يزال الشعراء يشاطرون الروائيين القراءات العابرة للقارات ، فالقطيعة المدعاة بين الخطابين تبدو مقولة ضبابية ، ولن يستطيع أحد أن ينكر كون الشعر أبا الخطابات الأدبية جميعاً ، وأنه يعد أحد الخطابات الفضلى في التوصيل ، مما جعل أغلبية الروائيين والقصاصين يبتدئون شعراء ( جيمس جويز ، همنغواي ، فوكنر ، على سبيل المثال ) ، بل إن منهم من جمع بين الشعر والقص فكان علما في النوعين على نحو لا يمكن البت معه بكون نتاجه قاصا أكثر أهمية من نتاجه شاعراً ( أزرا باوند وبورخيس مثلا ) ، إن غواية الشعر مهيمنة على المشهد الثقافي العربي والعالمي ، ولم نتفاجأ بحصول الطاهر بن جلون ـ المصنف روائيا ـ على إحدى أهم جوائز الشعر في بلاده ، فكل المرويات السردية ترعرعت في أحضان الشعرية العالمية ، وإن كتابة قصة أو رواية ناجحة لا يقل صعوبة عن إنجاز نص شعري يجمع بين الإمتاع الجمالي والفائدة الفكرية والطبيعة الخالدة ، ولا تقاس حداثة الأجناس بالتجميعات الاعتباطية للرموز والأفكار ، وإنما تقاس بإفضائية الانزياح ، ومقاربة النص / الكتابة .
***
نعود لولي عهد الشعر العربي والمهمة الشاقة التي اضطلع بها بعد رحيل العنقاوات ، إذ لم يكد يُبقي تجريب الأفذاذ من الأسلاف والمعاصرين على احتمالٍ جمالي أو معرفي بكر بعد أن استخرجوا الأنماط العليا للتشكلات النصية ، وأعادوا إنتاج اللغة باللغة بفرادة واقتدار ، فلم يبق في مملكة الشعر الحصينة متكأٌ لمن يتأخر قيد أنملة عما تحقق فعلاً ، ما تبقى هو ذلك الحيز الذي سيحتله النص العابر للنصوص ، القادر على أن يحقق للتلقي العربي تلك الدهشة الجمالية البكر من جديد ، ، إنه الصوتُ العراقيُّ الحجازيُّ الشاميُّ المصريُّ المشرقيُّ المغربي القادم بقوة ، الصوت المفرد للذات المليونية .
Page 10
[[ 2 ]]
النصّانية وخطاب المغايرة العربي
مدخل إلى فلسفة الكتابة
ـ 1 ـ
يَخْتَطُّ الشعرُ في خطابِ ما بعد الحداثةِ سيرورةً تتموضَعُ في السؤالِ المفارق ، فالمنعطفات الكبرى للنص أخذت تُبرِز ـ منذ بودلير ـ الطابعَ الجدليَّ لذلك السؤال وتلك السيرورة ، ما تزال الكتابةُ تفكك لوغوسها بعد تخليقه معيدة تَشَكُّلَها في حقل واسع من التجريب لا يحده سوى أفق الرؤيا ، لم تعد أية قوة خارج نصية قادرة على التنبؤ بما ستفرزه اللحظة الإنتاجية القادمة ، وانجزرت البيروقراطيات الخارج نصية أمام مد التجريب المتنامي ، وفي خضم هذه التحولات الجوهرية أكدت كائنات النص الفائق كينوناتها العصية على الإعاقة والمراقبة والمعاقبة والانتفاء وسائر بروتوكولات لام الجحود .
تترعرع في المشهد الشعري العربي الراهن تمفصلات محتفية بالهجنة والمثاقفة وانفتاح النص الشعري على النصوص والأجناس وحقول الابستمولوجيا لتخليق النص الجديد على مشارف السؤال الفلسفي ، وهي تعد اختباراً تأريخياً لوجود الدرس النقدي الجاد ، القادر على الفرزنة والتمحيص ، المنعتق من تعاليم التثاؤب واستراتيجيات السبات .
لقد أضحى من الأهمية بمكان إلحاق الحقل الثقافي بحقول التنمية ، والنظر إلى الثقافة بوصفها إحدى أهم الصادرات القومية لا بوصفها مقولة استهلاكية أو زينة فائضة يمكن الاستغناء عنها ، فإبطاءً للانقراض والتقهقر الثقافي المستشري في الحضارات النامية أمام تسونامي العولمة الثقافية غدا من اللازم إيجاد حل جذري لخمول صناعة النجم الشرقية على الصعيدين العلمي والأدبي ونشوطها طربيا مما يجعل أدباء وعلماء ومثقفي العالم الثالث يبدون ـ استنادا إلى ضآلة ما يشغلونه من مساحة الخطاب الإعلامي السائد في بلدانهم غالبا ـ زوائد وطوارئ قليلة الأهمية مقارنة بصدارة ظواهر الاهتزاز والطنين التي تفترس العقل العربي ، ولابد لنا في هذا السياق من أن نستثني جهودا عربية مخلصة أخذت على عاتقها مهمة إخراج العقل العربي من مأزقه الحضاري والثقافي والإنطلاق به من المحلية إلى الكونية وتسليط الضوء على المثقف العربي بوصفه علامة حضارية مثل مؤسسة الشيخ زايد ومؤسسة العويس وهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ومؤسسة البابطين وأمثالها من الهيئات والمؤسسات الثقافية التي تضئ شمعة بدلا من لعن الظلام ، وهي تعد بحق ظواهر ثقافية عربية استثنائية .
فإن انتقلنا من أغلب الانهمام الإعلامي العربي العام إلى الخطاب الثقافي نفسه بين المشتغلين به وجدناه عالقا في دائرة مغلقة من المقايضات النرجسية والمزايدات الفئوية ، فضلا عن تسطح النقد وغلبة الخطاب النقدي الفوضوي / الراديكالي على الخطاب النقدي المنهجي ، وندرة النقاد الحقيقيين ، في مقابل سخاء براغماتي غير مسبوق بإسباغ صفة الناقد وحرص مماثل على تقمصها ، ولمثل هذه الفوضى غير الخلاّقة سببان لا ثالث لهما :