eKtab
EN ع
أوراق امرأة
Read free sample

أوراق امرأة

by عواطف الزين

Page 1

إهداء

إلى كل النساء المعذَّبات منذ زمن الوصل وما بعده

Page 2

إهداء ثانٍ

إلى أبنائي نبضاتُ روحي

فرح، عبد الرحمن، وعبد العزيز

Page 3

تقديم

أوراق امرأة - مجموعة قصص تستحق الانتباه

علي مدي ثلاثين عاما أو يزيد اختارت الكاتبة عواطف الزين أن تشق طريقها وتحفر سماتها وقسمات صوتها الخاص في عالم الصحافة والأدب دون ضوضاء، أوادعاءات فارغة، فالكتابة لديها فعل حياة، وعمل دؤوب، ومتعة فائقة، فنجدها في لغتها تكتب دون تكلف،وببنية قصصية انسانية تتسم بتأمل العلاقات الثنائية بين الرجل والمرأة، بإسلوب يتسم بالبساطة والعمق في آن، طامحة إلى طرح الأفكار والتساؤلات التي تتصارع وتتشابك فلا تلتقي ولا تفترق، في شكل صاف ومتماسك فنياً وفكرياً، ينبع من شخصيات يعيشون مرارة الانسلاب، وعدم الامتلاء محاطة بمشاعر وظروف العالم الذي تعيش فيه، من فوضى ضاغطة اختلت فيها المفاهيم والقيم، ولعل هذا هو السبب في عدم تصنيف كتابتها ضمن أُطر معينة تخضع الي مساطر اتجاهات ومراحل زمنية افترضها النقاد، وهو ما نجده في مجموعتها الجديدة - آوراق امرأة - ولعل العنوان يشير إلى عدد من الاشارات، أولها وأهمها، هو التعمية على البعد الذاتي، وعدم المساس بالتجربة الذاتية لشخصها، ولهذا فالعنوان فيه عمومية وشمول وتجريد لا يتطرق إلى ما هو حسي ملموس، ولعل هذا الملمح هو أول مفتاح يمكن منه أن نلج أبواب نصوصها في هذه المجموعة المهمة، فكل رجل هو آدم، وكل امرأة/ هي حواء،،وهو مايبرر استخدام الكاتبة لضمير الغياب بكثافة، فتفاصيل الجسد شبه غائبة إلا من شفافية عابرة، بعيدة عن اللذة والتحنين والرغبة العاجلة أو المؤجلة، وكلها تبدو .. حدود تمني لا ينفلت إلى الفعل بانعطافاته وتجسداته، فالتجارب كلها اعتبارية تحيل إلى لغة غير مباشرة وشخوص ليست سوي ضمائر غائبة لزيادة إيهام القاريء، فلا يقرر أو يظن أن هذه الشخوص والتجارب تحيل إلى كاتبتها، ولهذا تكتب عواطف الزين قصصها مستندة إلى تراكمات وتجارب وتساؤلات قلقة، نابعة من واقع لا يحقق المتعة القرائية فحسب، وإنما يوّلد الأسئلة، التي لا يجيب عنها الواقع مباشرة، فذلك كله نراه منعكسا على العلاقات المشوهة بين الشخصيات العائشة فيه، فالذي يخون حبه، لا يختلف عن الذي يحمل سلاحا أو معولا ليدمر بناءً، وعليه فإن قصص هذه المجموعة تعبر تعبيراً دقيقاً عن هموم الكاتبة ورؤيتها الابداعية المتصلة بعالم الابداع بكل مافيه دلالة وتأثير .

محمد الدسوقي

Page 4

ذاكرة وجه

- اسمي سمير، قالها بودٍّ نطقتْ به عيناه قبلَ لِسانهِ..واسمكِ؟

- ...

-قمر بالتأكيد

ابتسمت بخجلٍ ظَهَرَ بوضوحٍ في وَجْنَتَيهَا وقالت: سماءْ، اسمي سماءْ. وسحبت ابتسامتها بهدوء، لكن يدها ظلت عالقة بين كفيه الدافئين قبل أن يفرج عنها بنظرات عذبة من عينيه الساهمتين .

لم تُخْفِ ابنةُ السبعة عشر عاماً فَرحتهَا باسمها الجديد الذي يشبهها، ولا بتلك الصدفة الغريبة التي جاءت بها إلى هنا، لتلتقيه وتحبه ليَسكُنَها سِحرُ النظرةِ الأولى، والهمسةِ الأولى، والبهجةِ الأولى .

***

تتذكر نهارها الصعب الذي أقنعت فيه والدها بمرافقة خالها "منير" في مهمته، لم يخطر في بالها قط، بأنها ستمضي ليلةً هُنا في بيت العم "مجيد" بعد تعَطُّلِ السيارةِ بِهما في رحلة العودة إلى القرية.

لماذا أتى بها "الخال" إلى هذا المكان؟ هل أراد أن يوقظ بداخلها ما كان عصيّاً على الأحلام؟

***

- ليس هناك مشكلة يا سماء، في الصباح نرى ما حدث للسيارة، دعينا نمضي هذه الليلة هنا، فهذا البيت مثل بيتي تماماً، وسوف تسعدين بمعرفة أهله.

كانت ساعات النهار تتهاوى ساعة بعد أخرى، في انتظار أن ينهي الخال مهمته المكلف بها من قبل النادي الاجتماعي في القرية، ليأتي بالمغنية "سميحة" إلى الحفل السنوي المعتاد، وفي الفندق الذي تقيم فيه، أخبرهما موظف الاستقبال بأنها لا تريد استقبال أحد، وعندما أصرا على مقابلتها للضرورة القصوى سمح لهما بذلك، وعندما دخلا حجرتها كانت منهمكة في امتصاص بقايا السردين المقلي أمامها وبالكاد رفعت رأسها لتسأل بلهجة غير مبالية:

- من أنتما؟ هل أعرف احداً منكما؟

أنا لا استقبل زوّاراً يوم راحتي، ولا أتفق على حفلاتٍ أو غيره، أتناول طبقي المفضَّل وأتفرغُ له تماماً.

وعندما أخبرها الخال "منير" بأنها وافقت على المجيء إلى قريتهما في الموعد المحدد، نفت أن يكون لديها أي علم بهذا الأمر، وقالت إنها تلقّت عربوناً من شخص لا تذكر اسمه قبل عدة أيام، لكنه لم يخبرها بالموعد، ولا بالمكان، وقال إنه سيعود بعد يوم أو يومين، لكنه لم يعد، لذا اعتبرت نفسها في حل من أي اتفاق .

-ما العمل الآن؟ بادرها الخال"منير" بالسؤال، هناك مئات من الناس ينتظرونك غداً في قلعة القرية، وقد بيعت التذاكر كلها.

- هذا ليس شأني

قالت كلامها واكملت العبث ببقايا السردين في طبقها، فأدرك منير أن مهمته قد فشلت، عاد وسماء إلى السيارة ومشاعر الخيبة تسبقهما إليها.

قال متحسِّراً: ما العمل الآن؟ هل نكتفي بالفرقة الموسيقية والمغني جمال بعد أن ملأنا القرى المجاورة بإعلاناتنا عن الحفل الذي ستغني فيه سميحة أغاني "كوكب الشرق"؟

***

Page 5

كان النهار قد بدأ الاختباء خلف ستائر ليل مبكر على غير عادته، ولم يستطع الخال الأنيق معرفة سبب العطل المفاجىء في سيارته، ولم يجد أمامه سوى اللجوء إلى بيت عمه.

***

"يا أهلاً بكما وبكل أهل القرية"، بادرهما العم "مجيد" بصوته الضاحك مُرحِّباً: أنت تعرف مكانتك عندي يا منير وكذلك مكانك في غرفة فؤاد كالعادة، أما أنت يا سماء فسوف تصحبك سلوى إلى غرفتها.

***

يمر الليل قلقاً، وتشعر "الضيفة" بالحرج، كأنها تقحمُ نفسها في خصوصيات هذه العائلة الجميلة، وتكشف أسرارها، فجأة وبلا مقدمات تنام في سرير ليس لها وتشعر بغيرة ليست من حقها، عندما تلمح "سلوى" تحادث "سمير" همساً، وهما يستذكران معاً دروسهما استعداداً لامتحانات الجامعة. قبل أن ينضمَّا إلى مائدة العشاء التي حولها منير إلى جلسة مرح وتندر ليزيح عن نفسه ما علق بها من كدر.

ما الذي يشعرها بالغيرة؟ تسأل سماء نفسها ولا تجد إجابة. وهذا الذي تراه أمامها، ما كانت ستعرفه يوماً لولا تعطُّلِ السيارة بهما في وقت ضاغط من النهار، لماذا تضع نفسها في مأزق لن يكون التخلص منه سهلاً، تستكينُ الصبيةُ الحسناء التي لم تألف حياة المدينة وعلاقاتها بعد, وتوقف هواجسها عند حدها محاوِلةً أن تنام، لكنَّ صوت قلبها يناديها، يوقظ مشاعرها، ويفرد لها الأحلام الوردية على امتداد الخيال، فترى "سمير" يحاول أن ينتزع منها القبلة الأولى.

"تبدين كعروس في غاية الجمال يا سماء". صوت سلوى يقتحم صمتها: "ما أجمل وجهك، وشعرك، وعيناك، وفستانك الأحمر" .

-شكرا لك يا "سلوى"، أنا سعيدة بك جداً

-وأنا ايضا،ً سوف نصبح صديقتين بالتأكيد

***

لم تستطع سماء أن تنام في تلك الليلة، ظلَّ داخلها يشتعل حيرة أو غيرة ويكبّل التردد رغبتها في السؤال، تودُّ أن تعرف سر العلاقة التي تربط سلوى بسمير لكنَّها لم تجرؤ على الكلام .ظلَّت رغبتُها حبيسة السكوت والحديث مع النفس، ماذا يجدي السؤال قد تسمع إجابة لا ترضيها؟ وقد تشعرها بالحزن أو تزيد من قلقها؟ وهي لا تريد لتلك المشاعر الجديدة أن تتبدل، ولا لتلك الصورة الجميلة في خيالها أن تَخدِشَ أو تُشَوِّهَ ملامح حلمها الوليد .

***

كان نور الشمس يصافح الستائر الوردية بحنو عندما قفزت من سريرها فجأة، تهيأ لها بأنها ستجده هناك في انتظارها، جالساً على مقعده وبيده كتاب، أو باقة شوق ولهفة، لكنها فوجئت بفؤاد يسلِّمها ورقةً صغيرةً كتبت على عجل: أنا سعيد بمعرفتك يا "سماء "الصدفة التي جمعتنا خيرٌ من ألفِ ميعاد، هل أجد لإعجابي مكاناً عندك؟

فؤاد؟! .. تساءلت في نفسها :فؤاد أم سمير؟

عندما اجتمع الضيفان بالأسرة للوداع، اقترب العم "مجيد" من سناء هامساً: سوف نزوركم قريبا أنا "و فؤاد"، انتظرونا.

***

تحدّث سماء نفسها لأنها لا تجد من تحدثه، هل تلتقي بسمير مرةً ثانيةً؟ متى؟ وكيف؟ وأين؟

" لماذا تنتظر وجهاً؟ مجرد وجه أطلَّ في مرآة حياتها لمرة واحدة وغاب؟ لماذا يستبدُّ بها الحنينُ إليه ويعبِّد طريقها بالأحلام المستحيلة؟

صوت الخال منير يأخذها من نفسها: السيارة جاهزة يا سماء .

تخرج الحسناء من أحلام يقظتها، وتكتم في نفسها ما حلَّ بها بين ليلة وضحاها،كم كانت تودُّ أن تُمسكَ بالزمن وتزيحَ عقاربَهُ إلى الوراء لترسو بقلبها في بحره أو عند شواطىء أحلامه ونواصيها.

عندما تتحرك بهما السيارة في اتجاه القرية، تكون الشمس قد أطلقت أشعتها الساطعة في الأرجاء.

Page 6

ضجيج سؤال

ظلَّ حضوره يتمدد ألماً في أعماقها لسنواتٍ عدة، ثم يغيبُ، ويتلاشى ويتشكل من جديد. هو في حالة دوران لا تكاد تنتهي داخلها، وما إن يهدأ دورانه حتى يعود من جديد.

تتذكر كيف كان يصمُّ أذنيه عن نداءات روحها وشكواها؟ ويترك أنينَ مشاعرها على قارعة الخيبة، بينما يبيح لنفسه حرية "ارتكاب" الفقدان. في الوقت الذي بدأت فيه قصتهما تنضج وتطرح ثمارها الشهية في كل أنحائها، حاسةً حاسةً ونبضةً نبضةً .فرَّ "حازم" من ساحة المعركة مبكراً، وأطفأ داخلها مشاعل الأمل.. لماذا غاب؟

...

منذ ذلك النهار أصبح الغياب رفيق أيامها وعنوان وجودها، لم تستطع محو آثار حبِّها الأول الذي شكل منظومة مشاعرها وعلاقتها بالرجل، ونمط حياتها كله، وأرخى بظله الباهت فوق حنايا وجدها، وملامح وجهها و صوتها المكتوم .

يداهمها شعور غارقٌ بالأسى والخيبة، ما من شيءٍ يصل ما انقطع في غير زمانه، ومكانه، والجرح الذي أصابها لم يبرأ بعد، تريد إجابة حاسمة تنهي ضجيج السؤال ومرارته داخلها، مرةً واحدةً وإلى الأبد.

لماذا تركها حازم فجأة ومن دون سابق ضجر؟ وكان قد عاهدها بأنه لن يخدش شفافية حبه لها، أو يبدد وههجه أوصدقه، لكنها بدأت تعي جوانب خفية في شخصيته لم تلتفت إليها في بادئ الأمر، ولم تكن تعلم بأنها مفاتيح أساسية لشخصيته المكابرة والمدعية.

في يوم لم تحسبه من عمرها رأته أمامها فجأة، مد يده للمصافحة، لم تتبين ملامحه لأول وهلة، كانت حركة يدها تعكس تردداً غير معهود. تأمّلت وجهه، كم تغيَّر "حازم"! لم يحرّك فيها ساكناً، ظلَّ انطفاؤها على حاله، بينما ارتبكتْ نظراته وتعثّر في الكلام، والسلام، لكنّه حرص علي تسجيل رقم هاتفها ليوم ما قد يأتي، للحظة ما قد تَمُر...

Page 7

تكمل "عفاف" طريقها، تعود أصداءُ السؤال القديم، تحوم في فضاء المكان، تتشكّل لديها رغبة في الاستفسار وتوق إلى معرفة الحقيقة.

حين جمعهما المكان بحضور ابنتها وصديقة مقرّبة، حاول أن يجيب عن سؤالها الحائر، بدا مراوغاً، لم يعترف بهزيمته أو بسرّ اختفائه المفاجىء، وكيف استطاع أن يغادر عالمها الأخضر بكلّ قسوة، إلى آخر شكّله بعيداً عنها، برغبته أو دونها؟ كانت تودّ بلهفةٍ أن تضع الأمور في نصابها، وتسترد شيئاً من كرامة ضائعة ولو بعد فوات الأوان، وتسمع ما كان ينبغي أن تسمعه قبل سنوات طويلة، ليردّ لها أمانة في عنقه، أو بعضاً من دَين لها عليه! بدا مرتبكاً وظلّ لبعض الوقت كمن يبحث عن مخرج أو إجابة ملائمة. تحدّث عن وقت ضائع وأيام هائمة، وحلاوة فقدتْ طعمَها، كانت عيناه حائرتين تبحثان عن مهرب، لكن سؤالها المُلح ظلّ يلاحقه، يحاصره، ويستفزه .استقرت نظراته عند صديقتها وما ظهر من صدرها المثير، ولم تسلم ابنتهامن براثن نظراته المكشوفة وإن حاول إلباسها ثوب الأبوة الخادع، لم يستطع حازم تبرير هروبه ذات مساء عتيق. اعتقد في قرارة نفسه أنه ما زال مرغوباً، خشي أن يفقد صوتُه رنّةَ الذكرياتِ الحميمة، وطعم القبلات الخائفة وثوانيها، لوّن إجاباته بعراقيل مفتعلة من هنا، ومواقف متخيلة من هناك، وضع اللَّومَ على عاتق أسرتها؛ شقيقها الأكبر مرة، وأمها، وشقيقها الأصغر مرات، ليخلق موانع تحول دون بقائه حبيباً مع سبق الإصرار .

في صباح اليوم التالي حدثت نفسها بلهجة لائمةٍ حديثَ الخيبة: "هل استحق حازم كل ذلك العناء والانتظار؟"

ترددت كثيراً قبل أن تردَّ على مكالمته الثانية،حين هاتفها شاكراً تقبلها مجيئه. قال لها بصوت منطفىء نادم:

كم كنت غبيا !

Page 8

الفارس

كانت تحلم به قبل أن يتبين لها اللون الأبيض من اللون الأسود في عينيه، وتخاله آتياً نحوها على حصان أبيض متجاوزاً ضبابية اللحظة وسرياليتها، كانت تخاله آتياً على أي حصان، فلم يكن يشغلها لون حصانه، كان يعرف طريقه إليها، لكنه لم يكن يصل أبداً، رغم أنها كانت تحصي وقع حوافر حصانه ويملأُ أسماعها صهيله. بدا لها فارساً من فرسان الحكايا والأساطير أو من زمن الأبيض والأ سود.

***

لماذا يرتبط مجيء فارس الأحلام بالأحصنة البيضاء، وأجنحة الملائكة، وضبابية الأشياء؟ هل يعني ذلك أنه مجرد سراب عابر للمشاعر؟ تقول لنفسها: وما الذي سيأتي به على حصان أبيض؟ إلا إذا لم يكن يملك خياراً آخر أو حصاناً آخر؟ ألم يسبق أن افترضَ أحدُهُم أنَّ فارس الأحلام قد يأتي بلا حصان؟ وهل بالضرورة أن يكون من أصحاب الإسطبلات؟!

***

تبتسم بينها وبين نفسها خلسةً، وهي تستعرض صور العرسان الذين تقدموا إليها، ليفوزوا بها زوجةً، وتخيَّلت كلَّ واحدٍ منهم آتياً على حصان مختلف اللون، فازدادت ابتسامتها اتساعاً وارتفعت قهقهاتُها وهي تفترض أن سامي لن يستطيع أن يمطتي أي حصان لبدانته، وكذلك عصام لنحوله الشديد، إذ يبدو مثل ريشةٍ في مهب الريح، وازداد استغرابها وهي تتذكر حفلة التنكّر التي استقبلت بها أحد أقاربها – وجيه- وهو يجرُّ حماره ويضربه بعصاه ليستعجله، كان يريد أن يصل إليها بسرعة من قريته النائية، بعد أن وعد نفسه بأنَّها لن تكون لغيره، فهي قريبته من جهة الأم، وهو أحق بها من فلان أو علّان، وهي وحدها القادرة على أن تكون زوجة "غير شكل" تبدِّدُ ما تَجَمَّعَ من غيومِ فراغٍ في سماء وحدته، بعد وفاة زوجته في حادثٍ أليمٍ .

تتذكر يومها كيف وضعت على وجهها قناعاً كرتونياً غريباً، مقلَّدةً الساحرة في إحدى قصص الرسوم المتحركة وخرج العريس خائباً ولم يعد. أما يونس الذي كان بيته ملاصقاً لبيتها فقد كانت تحاول في كلِّ مرةٍ أن تلبسه زيّاً جديداً يتناسب واللحظة التي تعيشها، فمرة تتخيله قادماً على حصان، حتى ولو استعاره من بيت الحاج داوود فتصحو من الحلم ولا تجد يونس أو الحصان .

وفي حالات أخرى كانت تلمحه مارّاً أمام بيتها، يبحث بعينين حائرتين قلقتين عن وجهها النابض بالانتظار واللهفة، أو قافزاً من فوق سطح بيته الملاصق لبيتها، ليعبَّرَ لها عن هيامه وقسوة لياليه ونهاراته، أو مادّاً يده بوردة من فتحة في جدار بَيتِها المطل على حديقته، لكن أيّاً من كل تلك التَّخيُّلات لم يتحقق .

وما كان يحدث على الأرض، لايشبه بتاتا شريط أحلامها وتهيؤاته، فقد كان يكسر بحضوره العابث هنا او هناك، كل توقعاتها، ويكتفي بنظرة موحية من عينيه لا تعد بشيء، ولا تفضي إلى أكثر من إعجاب عابر، كانت تعطيه أكثر من حجمه، ولم يتوقف خيالها عن الجموح، إلا بعد أن سمعت بسفره إلى عالم جديد.

***

كثيرون عبروا خيالها، وواقعها،جاؤوا فوق أحصنةِ الأحلام، أو من دونها. انتظرت كثيراً فارسها الأنيق قلباً وروحاً، لعلَّه يجيء قبل أن يطوي الزمنُ زَمنَها المتألق نضارةً ونداوةً، فقد تخلَّت منذ بعض الوقت عن الدخول في التفاصيل التي اعتادت التدقيق فيها .

في إحدى المرّات رفضت عريساً مميزاً فقط لأن رنة صوته الرفيع لم تنل إعجابها، لكنها لم تندم فملامح الصوت تعادل لديها ملامح الوجه والقلب والمشاعر.

استعرضت زمناً من الوجوه والأصوات والأمنيات والأحلام والأحصنة، لكنها لم تجد فارسها بينهم. حاولت أن تغير وسيلة النقل فربَّما تحظى به ويحظى بها، لكنَّ كلَّ وسائل النقل كانت معطلة، أو في حالة استغناء أو إضراب.

تجاوزت منيرة واقعها، لكنها لم تستطع تجاوز خيالها المفتوح على كلِّ الاحتمالات، في زمن اختلاط الألوان والأمزجة والوسائل والعواطف.

Page 9

آدم وحوراء

تطلق لصرختها عنان الألم، فيضج المكان بالأصداء والأسئلة: لماذا تغتالني عيناه بنظرات هاربة إلى اللامكان؟ ويخدعني بصمت مفتعل عصيٍّ على الفهم؟ لماذا تغادر اللهفة مكانها وزمانها في عينيه وتختفي اللمسة الحانية من حضن يده؟ ويغرق نفسه في صمت مريب يسمح للشك بأن يبعثر كل يقين جمع بينهما في اختبار أو اختيار؟ كل شيء يغيب، يخفت ويتلاشى في الفراغ والصدى، وهو الذي كان يزرع في قلبها ورود الحب وياسمينه، ويضيء بلمسة سحرية كل قناديل الشوق فوق بساط عمرها الاخضر.

تسأل نفسها بعد سنوات من اليباس، لم لا تنطق بما يختلج في صدرها وتبعثره على الورق؟ وتفرغ ثورة مكتومة عنوانها الألم، بعد معاناة طويلة فتحت خلالها أبواب الصبر على مصراعيها في انتظار السراب؟

تريد أن تحفر على الجدران حكايتها، وتنعتق من سجنها المأزوم بالحرمان والتجاهل، وترمي بأوراقها الثائرة في كل ركن تصل إليه يداه، أو تقع عليه

عيناه، في عالمها الآخذ بالاهتزار، والموشكِ على الانهيار، لِمَ لا تحاول مرة أخيرة وتنقذ ما يمكن إنقاذه من بين فَكَّيْ صَمتِها المزعوم، لعله ينطق بلوعتها وتصل إليه رسالتها بعد أن حاصرها بقيود ظالمةٍ وسلبها قلباً، وعقلاً، وعاطفةً؟ تريد أن توصل إليه صرختها قبل فوات الأوانِ. هو الآن لا يرى، ولا يسمع ولا يتكلم، وهي لا تملك سوى أن تنفث دخان قلقها وخوفها في وجهه، بعد أن كست الظنون الكثيفة لياليها الضجرة ونهاراتها الرتيبة الباردة.

Page 10

إنها المرة الأولى التي تلتقط فيها "حوراء" أنفاسها في حياة ذات إيقاع ماراثوني لتسأل نفسها؟ هل اخطأتْ حين اختارته شريكاً لحياتها؟ ولماذا أقفلت دونه المنافذ التي لا تأتي منها الرياح؟ هل أصابت حين نثرت عطور سعادتها وأريجها في فضاء عالمه الذي أرسى سفينته على شاطئ أمان؟ أي تساؤل يمكن أن يبقى في ذهنها، وهي تقلب صفحات الماضي القريب الذي جمعهما تحت سقف واحد وحياة واحدة وحب جارف وحزمة أمنيات؟

كانت تعتقد في لحظة معينة بأن قرارها المتأني سوف ينتقل بها رغم إيقاع ماضيه المهزووم إلى بداية مدهشة، لكنها أبحرت بعيداً في تفاؤلها، ووعدت نفسها باستقرار نفسي وعاطفي واجتماعي، يضع حياتها في موقع أجمل، وعمرها في زمن أبهى بعدما تناثرت أحلامها في كل اتجاه، وطبقت عليها الدنيا كل اختباراتها القاسية. إنها تتوق الآن إلى قطف ثمار لحظة الانعتاق من القهر في غربتها الممتدة قسراً بين ماضٍ معذَّبٍ وحاضرٍ موؤود.

كانت تريد أن تقنع نفسها بأن قرار الزواج من "آدم" لم يكن خاطئاً رغم معارضة الجميع؛ الأهل والأصدقاء والزملاء، قبل أن يلقي في بحرها شباكه، ويراهن على اقتحام قلعتها والفوز بها عروساً لأحلامه، لتجد أنه من عالمٍ آخر، لا يجمع بينها وبينه سوى مكان العمل الذي جعل التقارب ممكناً وكذلك الحب، ومن ثم الزواج. أرادت "حوراء" من خلاله ان تتحدى ذاتها ومجتمعها لتثبت أنها صاحبة قرار وهي التي تقبل أو ترفض أوتختار، وليس أحداً غيرها.

لم تكن قد خبرت بعد جرح الإحساس عن قرب، ذلك الجرح الذي لا يبرأ إلا إذا أريقت على جوانبه شلالات من الغرام والهيام، كانت تعتقد بأن إحساسها بالظلم الذي تبعثره يوماً بعد يوم فوق أوراقها المحتجة سوف يأتي به إليها صاغراً معتذراً مؤنباً نفسه على تجاهله وجموده، لكنها لم تجلب لنفسها سوى المزيد من السخرية واللامبالاة، ليبقى الوضع على ما هو عليه، وتُدوّي الصرخةُ في أعماقها من جديد، كانت كمن يصرخ بصوت مكتوم في صحراء بعيدة..

هي تريد إسقاط نظامه االجائر، هو يريد المواجهة على أنقاض قصة حب اختصرت يوماً كل أحلام الدنيا.