Page 1
الطبيب والشاعر
إلى د· محمد صالح الأصيل ود· نزار بريك هنيدي
المركبان الشعرُ والطبُّ
كلاهما منزلَقٌ صعْبُ
رهانُك الخاسرُ بينهما
أن يستكينَ الجفنُ والقلبُ
قلّب سطور الجرح عن خفقةٍ
مبهمةٍ يسوقُها الحبُّ
واضرع إلى السماء في ليلةٍ
لم يهو في ظلمائها شُهْبُ
وسائل الرياح عَن غايها
فربّما تسعفُك السحبُ
ما يفعل الطبيب ِفي طبِّهِ
لعاشقٍ أصابه هُدْب
يقينه في طبِّهِ وصفةٌ
مما يقولُ الحبرُ والكتْب
وشاعرٌ يقتاته قلبُهُ
وقلبُهُ يقتاتُهُ الرَّيبُ
ينام في سريره فاتحاً
عينيه حتى تنجلي الحُجْبُ
والطبُّ إذْ يسوقُهُ شاعرٌ
حاديهِ فيه الحدسُ والغيبُ
تشتبك الدروبُ في خَطْوهِ
كأنَّما لدربِهِ دَرْبُ
كلاهُما قيثاره جرحُه
كأنَّما عذابُه عَذبُ
كلاهُمَا صوابُهُ قلبُهُ
وقلبُهُ ليس له صَوْبُ·
اربد 2001
Page 2
تَبْدأُ شوقاً
تبدأُ شوقاً تنتهي هاجساً
وتنطفي الأحلامُ في يأْسِي
عيني على كفّيَ أم غيمةٌ
مسوقةٌ كالظلِّ في الشمس
ما كان لي شأنٌ بهذا النوى
أيامَ كانت حارسي نفسي
أُعَاوِدُ العشَّاقَ في ليلهم
ودرسُ كلٍّ منهُمُ درسي
لا هندُ تدعوني ولا عبلةٌ
لا قيسُ لا عنترةُ العبسي
مفتوحةٌ عيني على دربها
وعثرتي تشُدّ من بأْسي
فكيف خانتْ خطوتي مقلتي
مَن منهما أصابه حدسي
رحلتنا من خفقةٍ وسوستْ
كهمسةِ الإصبعِ في اللمسِ
أو رشفةٍ عابرةٍ في فمي
أو بصمةٍ في هامشِ الكأسِ
وضعتُ خيطَ القلبِ في كَفِّها
عصفورَ شوقٍ شاردَ الحسِ
وراقت الأيامُ ما بيننا
فكلُّ يومٍ ليلةُ العرسِ
لم أدر أنّي في ذُرى حبها
أمضي بأقدامي إلى حبسي
الذكرياتُ السّودُ ما لي بها
لو لم تكنْ بيضاءَ في رأسي
بعيدةٌ مني على قربها
كوحشةِ الوحدةِ في الأنسِ
يحملني هزلي إلى جدها
أضربُ منها الخمسَ بالخمسِ
يوقظني النسيانُ في ذكرها
كي أتقَّي في حاضري أمسي
الخُبر 1999
Page 3
وصفة شعرية
يا طبيبي صفْ لي إذنْ ما أشاءُ
أنا أدْرَى بما يكونُ الداءُ
إن خبرتَ النَّوى فصِف لي كما شئتَ
ففي الحبِّ كلُّنا شُرَكاءُ
هي حُمَّى أموتُ فيها من البردِ
جراحٌ وليس فيها دماءُ
أَتراهم قد جرَّبوُا سَوْرةَ الحبِّ
فقالوا لكُلِّ داءٍ دواءُ
حينما ينضَبُ المدادُ من اللونِ
وللصمتِ ينزعُ الحكماءُ
ويكون الدواءُ بعضَ التمنِّي
عندها لا يظلُّ إلاّ الرثاءُ
الخُبر 1999
Page 4
كان سهماً
أتظنّينَ أنَّني دُونَ حِسِّ
أنا أنْسَى في حَضْرةِ الغيد نفسي
حينما قلتِ إنني سوف أَمْضي
وتخيَّلتُ حاضري صارَ أمسي
داهمتْني الذكرى سريعاً ولمَّا
أتَمالكْ من شدِّة الوقعِ حسِّي
فلماذا نفضتِ عنّي رمادي
كلُّ شيءٍ من قبلِ عينيكِ منْسي
أو تَدرينَ أنّني من دموعٍ
وانطفاءٍ بين الأسى والتّأَسّي
كان سَهْمٌ أطلقته ذاتَ يوم
حين كانت عينايَ سهمي وقوسي
فَلأَنيّ أحببتُ بالقلبِ دوماً
لم أكنْ يومها أحبُّ برأسي
ما الذي ظلَّ من صباباتِ عمري
غيرُ ما ظلَّ من ثُمالةِ كأسي
الخُبر 1999
Page 5
شـــك
الهوى والقصيدُ أخذٌ وتركُ
حُلُمٌ والخيالُ عرشٌ ومُلْكُ
وجراحٌ ظمأىَ تجيءُ وتنأى
بين هذي وتلك طعنٌ وفتكُ
ولهذا تزوغُ نفسيَ عني
حينَ ترضَى يُمنايَ يُسرايَ تشكو
هل أَنا موجةٌ تسافرُ في الموج
ذراعي المجدافُ والعينُ فُلْكُ
ما الذي جرَّني إليَّ بعيداً
أَحَديدٌ أنا وهُدْبيَ سِلْكُ
طاعنٌ في الغيابِ حينَ حضوري
فأنا لا أشكُّ حين أشكُّ
يا دمائي التي ابتلتني بقلبي
فوسادي جمرٌ ومهديَ شوكُ
امنحيني سكينةً ووقاراً
إنّ حُبِّي إذ تستقرّين صكُّ
أتهجّاكِ في تمرُّدِ حرفي
شفتي مخلبٌ وجفنيَ فكُّ
هل فَراش الذكرى أحسَّ بعيني
أنَّ دمعي في ذكرياتِكِ مِسْكُ
لستُ إلا مسافةً بين جرحينِ
التئامَ الوصالِ والهجرُ سفك
أَو يدري العُشَّاقُ حين أفاقوا
أنَّ بعضَ الهوى ضلالٌ وشِرْكُ
هذيانٌ ولا هوادةَ فيه
غفوةٌ محوُهَا اعتكافٌ ونُسكُ
الخُبر 1999
Page 6
فوضى
نَصَحْتَ وهيهات يا ناصحي
فليس لقلبِيَ مِنْ كابحِ
تُرى لو سمعتَ صهيلَ دمي
وعصفةَ هذا الهوى الجارحِ
لكنتَ رأيتَ النُّجومَ بعيني
وتسبيحةَ الجرحِ للجارحِ
وكنتَ رأيتَ دموعَ الشموعِ
رماداً على خدِّيَ المالحِ
وصحواً وغفواً على مقلتيَّ
وجِدّاً على وجهيَ المازحِ
فهذي الصباباتُ توبةُ قلبي
رجوعيَ للعمل الصالحِ
فماذا من الجيبِ للغيبِ يبقى
إذا القلبُ ما كان بالطافحِ
فخلّ الحُميَّا تفيضُ من العينِ
تُشْرِقُ في وجْهيَ الكالحِ
أَذبْ لي صقيعَ لياليَّ يا حبُّ
هُبَّ بإعصارِكَ اللافحِ
أنا الفوضويُّ عدوُّ السكونِ
وحربٌ على البَيِّنِ الواضحِ
وَضَعْتُ فؤادي وعقلي بكَفَيَّ
··· قلتُ أميلُ مع الراجحِ
وجدتُ دمائي تدورُ عليَّ
وريحِي تميلُ على جانحي
اشتريتُ وبعتُ وهذا أنا
بمنزلةِ الخاسرِ الرابحِ
فدعني وما ملكتْهُ يدي
ويا ناصحي لا تكنْ فاضحي
الخُبر 1999
Page 7
جرش
مكحَّلاً برمادي جئتُ يا جرشُ
هوايَ جوعي وصمتي صبوتي عَطَشُ
الجاهليُّ أنا جُرحي معلَّقتي
من صُحبةٍ نَكَثُوا من عاذلين وشوا
فقلتُ أحْمِلُ أطلالي إلى طللٍ
لعلَّ ماضيَّ في ماضيهِ ينتعشُ
أقتاتُ من ذكرياتي والصَّدى سَكَني
آوي لظلٍّ يغطيني وأفترشُ
فلتقرئي نبضتي كي تُدركي جِهَتِي
مفازةٌ كلُّهم مرُّوا بها ومشُوا
هذي دمائِيَ ألواحٌ مسطَّرةٌ
الرومُ والفرسُ والأعرابُ قد نقشُوا
هذي مرايايَ هذا وحشُ نرجسِهمْ
أنا الضَّميرُ الزجاجيُّ الذي خَدَشوا
الرومُ فيَّ ومنِّي لا رحيلَ إلى
قلبي سواه فمِمَّن سوفَ أندهشُ
ما عاد يلزمني للفألِ بوصلةٌ
حضورُ ماضيَّ في مستقبلي غَبَشُ
بيني وبين حبيبي نَصلُهُ ودمي
لكنْ أُباهي بجرحي وهو يرتعشُ
Page 8
على الصفر
ضقتُ ذرعاً وهم بضيقيَ ضاقُوا
ولهذا لَمَّا همستُ أفاقوا
فلماذا أطلتُ فيهم لساناً
كان أولى السكوتُ والإطراقُ
لَسْتُ شمشونَ كي تُقَصَّ شُعوري
إِنَّهُ الحقُ مُرُّهُ لا يُطاقُ
بلِّغيهمْ أَياً دليلةَ حبي
ليس طبعي وليس ديني النّفاقُ
نحنُ لم نتّفقْ على الحبِّ يوماً
كانَ لا بدَّ أنْ يكونَ الطلاقُ
كان في القصدِ أَنْ يُقصَّ لساني
حُسْنُ حظِّي أَنْ أَخطا الحلاّقُ
وإذا ما حلاَّقُهم قصَّ شعري
هل يُقَصُّ الإيمانُ والأخلاقُ
لو تُقَصُّ اليدانِ تورقُ زندي
وتعودُ الفروعُ والأَوراقُ
Page 9
سادن الصمت
أديب عباسي
رحلتَ وما زالتْ حكاياك تُسمعُ
وغبتَ وما زالتْ شموسُكَ تسطعُ
فهل يورقُ القبرُ الذي جفَّ ماؤُهُ
وتُعْشِبُ في الذِّكرى حكايا وأَربُع
وهل ضاقَ بابُ العيش وانْسَدَّ دربُهُ
فشدَّكَ بيتٌ في دجى الأرض أوسعُ
وما ترحاً يا سادنَ الصمتِ إِنَّهُ
بكاء على أيامنا ليس ينفَعُ
وهل يندبُ الأمواتُ حياً بموتهمْ
فأنت الذي يبكي علينا ويُفجعُ
لقد نمْتَ عن ضوضائنا وتركتَنَا
تدورُ الرَحى من فوقِنا وتجعجعُ
فلمَّا رأيتَ الريحَ يابسةَ الصَّدى
وأَنَّ حديثَ الأرض أَحْلى وأمتعُ
كفرتَ بطيفِ صدَّقتْهُ سماؤُهُ
شتاءً وفيهِ غيمةُ الصيف تخدعُ
غريباً كسيفٍ ثلَمَّتهُ حروبُهُ
يساومُ فيه الغِمْدُ والسيفُ يضرعُ
طرقْتَ على بابِ الحياةِ فلم تُجبْ
فرُحتَ لبابِ الموتِ بالموتِ تقرعُ
وليس فِراراً إنَّهُ الموتُ سيدٌ
لهُ كلُ حيٍ في النهايةِ يخضعُ
ورحتَ وراءَ النوم والحلمِ والرُّؤى
إلى عتمة من حُلْكَة القبر تطلعُ
فيا أَيُّها الصبرُ الجميلُ بصمتِهِ
Page 10
فلا دمعةٌ هبتْ ولا اهتَزَّ إصبعُ
لَقَدْ عشتَ قرناً قد حرثتَ فصولَهُ
سطورَ مدادٍ فيه تنأى وترجعُ
بتولاً فلم تُنجِبْ سواكَ لأَنّنا
كفيناكَ أنَّا في التناسِلِ نبدعُ
وما كان عقماً في حياةٍ عقيمةٍ
فقد ضيَّع الأهلُ الذي لا يُضيَّعُ
وراهنتَ أنَّ الصمتَ أبلَغُ قولةً
فما البُعدُ إعراضٌ ولا الصمتُ بُرقُعُ
فربَّ لسانِ أنكرتْهُ حروفُهُ
وربَّ لسانٍ يمضَغُ الصوتَ يبلعُ
وربَّ ابتسامٍ في الشّفاهِ بلاغةٌ
ونقرؤهُ بالقلبِ والعينُ تسمعُ
وما السرُّ أنّا ما لحقناك بيْنما
هممنا وقصَّرنا فقد كنتَ تُسرعُ
ولما تهجَّيناكَ في كلِّ جملةٍ
تمنّعَ بابُ السرِّ أو كاد يَمْنَعُ
رَحَلْتَ وما زالتْ بصدرِيَ علَّةٌ
أُعلّلُها بالشعرِ والشَعرُ يشفعُ
يكذّبني فألي علي كلّ هاجسٍ
ويصْدُقُني شُؤْمي بما أتوقعُ
فلم تُبق لي إلا زفيراً ودمعةً
ففي كلّ يومٍ ألتقي من أُودّعُ