eKtab
EN ع
أرم
Read free sample

أرم

by إبراهيم زعرور

Page 1
-1-
 
«كان يجب أن أكون ميتاً. أنا واثق من ذلك ثقتك بوجود خمسة أصابع في كفّك اليسرى. نجوت بالصدفة المحضة، وعشت».
 
نقلت هذه الفقرة كما وردت حرفياً على لسان كاتبها، وجدتها في صدر الصفحة الأولى من مذكّراته لمشروع كتابه "الخميرة"، وكان لديّ بعد ذلك متسعٌ من الوقت يسمح للتأمّل في جُملها الثلاث، وكلماتها العشرين، مفكّراً بأنّها قد أصابت من جهة الفنّ، وأخطأت من جهة الواقع؛ لأنّ كاتبها، صديقي، قد مات.
 
غير أنَّ الموضوعية وتوخي الدقّة، تفرضان عليَّ أن أورد هذه الحالة بشكلها الأكثر صدقاً:
 
فأقول بأنّه قد اختفى، واعتبر في عداد الأموات. اختفى فجأة.
 
وذهبت كلّ محاولات العثور عليه أدراج الرياح. وكلّ الذين تبرّعوا مشكورين وأجهدوا أنفسهم معي في محاولة اقتفاء آثاره وفكّ لغز اختفائه، أعلنوا يأسهم وإفلاسهم تماماً.
 
ضاعت كلّ المحاولات عبثاً، فأدرجناه في قوائم الأموات.
 
جاءني قبل شهرين من حادثة اختفائه، وكانت تلك آخر زياراته، آخر مرّة أراه أمامي حيّاً من لحم ودم. رأيته كثيراً بعد ذلك في المنام، وفي رحلة البحث عنه في "عيذاب"، وفي أهوار البصرة، وفي أوهام اليقظة في محاولات العثور على طرف الخيط الذي يضعني على نقطة بداية حقيقية صلبة، وفي رحلات المرار اللاحقة لتجميع نُتف الأحداث وأنصاف الوقائع، من أجل تشكيل صورة تقريبية لهذه القضيّة.
 
وفي كلّ مرّة كنت أجد قصّة مختلفة، وشخصية بملامح مختلفة تماماً.
 
أنا، مثل غيري، سمعت الكثير عمّا يسمّونه السراب. ولكنّه ظلّ عندي كصورة خيالية دائماً: هيولي غير محدّد المعالم، إلى أن جاء اليوم الذي عانيت فيه مرارة تجربة الاختبار الحقيقي.
Page 2
كان ذلك أثناء رحلة التقصّي لحقيقة ما حدث، وما تركه لي صاحبي من أسئلة نصفها يشبه الإجابات.
 
تعاودني في هذا المجال مقولة مارك توين من أنَّ «الوهم يشبه الشيء الحقيقي تقريباً».
 
ومن باب القياس في التشريع، يمكنني أن أقول مطمئنّاً، بأنّ صديقي: متوفّى تقريباً.
 
في زيارته. الأخيرة تلك، بدا مهدّماً مثل جدارٍ قديم غلبه الزمن. كتفاه متهدّلان، وشعر لحيته كالشوك، أحمر، يذكّرك بجذاذات الحصيد.
 
كان زائغ النظرات، تطلّ من عينيه صورة رجلٍ يتهرّأ من الداخل، يحدّق بالأشياء دون أن يراها.
 
تهاوى منهكاً على المقعد (نفس المقعد الذي اعتاد الجلوس عليه كلّما جاء زائراً)، رجع برأسه مُغمض العينين إلى الوراء، ومدّ ساقيه إلى أقصى طولهما، وطلب وهو على حاله تلك، فنجاناً من القهوة. كان من عادتي في كلّ زياراته، أن أسارع في تقديمها دائماً، حدث هذا دائماً طوال سنوات معرفتنا. ولكنّني في هذه المرّة، وجدته لا يطيق الانتظار: «أريد فنجاناً من القهوة» قال باستعجال، وبلهفة من يريد أن يقول: «أسعفني».
 
كلمات عادية، قريبة، ولكنّها محمّلة بدلالات بعيدة. «أريد فنجاناً من القهوة»، قالها بطريقة جعلتني أراه كمهزوم عاد من سفر طويل.
 
ما تزال صورته المقترنة بأمنيته الصغيرة تلك، تلحُّ على ذاكرتي. صورة البحّار العنيد الذي كسره البحر، وعاد مهزوماً. كان من السخف أن أجرح مهابة تلك اللحظة بالسؤال عن أيّ شيء، خصوصاً تلك المتعلّقة بالحال والصحّة، وما إلى ذلك، لما تنطوي عليه مثل هذه الأسئلة من الغثاثة واللامعنى.
Page 3
كان دائماً شديد الاحتقار لهذا النوع من الأسئلة. يقول: تقتلني المكرورات المعتادة التي فقدت معناها لكثرة استخدامها، إنّها باختصار "لغوصة".
 
وكنت، في لحظات الصفاء، أسأله على سبيل المناكفة: «كيف حالك» فيردّ ضاحكاً:
 
«لا أجد ما هو أكثر سوءًا من حالتي سوى حالتك». وأحياناً يقولها بلهجة حانقة وجادّة تذكّره بأنّه كاد ينسى أمرًا مهماً، فيروح يفتّش في جيوبه بطريقة حمقاء عمّا يعتقد بأنّه كان على وشك أن ينساه، ولكنّه، لحسن الحظّ، تذكّره في اللحظة الأخيرة.
 
«ذكّرني سؤالك الغبيّ، وكنت على وشك النسيان... آه.. ها هي.. وجدتها أخيراً».
 
يقول ذلك وهو يستخرج من جيبه الداخلي ورقة مطوية بعناية يدفعها نحوي مطبقة بين إصبعيه السبابة والوسطى.
 
ساعتها كنت أفكّر؛ لا بالورقة التي أجزم بأنّني أعرف محتواها ومضمونها بشكل عام، بل بتلك الطريقة الشاذّة في المناولة باستخدام السبابة والوسطى!
 
ويدفعني الصمت بعيداً فأتذكّر ما حكاه لي مرّة عن ذلك الدور الخطير الذي لعبه وجود الإبهام في سرعة التطوّر وارتقاء الإنسان. فقد قام هذا التقابل بين الإبهام وبقيّة الأصابع مقام السحر عند الإنسان، وجعل من الكفّ أداة مُثلى لتلقّي الفكرة من الرأس وتحويلها إلى مردود عملي ساهم بدوره في ارتقاء الأداة إلى مستوى الفكرة.
 
كان هذا هو فحوى نظريّته في شكلّ الكفّ عند الرئيسيات. وها هو يهمل دور الإبهام ويناولني الورقة مطوية بين السبابة والوسطى بطريقة فيها الكثير من الاستخفاف مثل من يتكارم بمناولة النادل ديناراً فوق الحساب.
 
«لماذا تستخفّ بي؟» أسأله.
 
فلا يردّ.
Page 4
أحدّق في وجهه فلا أرى إلا وداعةً مدهشةً..
 
-يبدو أنّ محاولاتك في كتابة الرواية قد شوّهت رؤيتك للواقع. يقول مثل من قطع فكرة وانتقل إلى أخرى.
 
فيذهب بي التفكير في لحظة الصمت التالية إلى أنّه قد يكون محقّاً.
 
فأنا في الواقع بدأت بالفعل في الأيام الأخيرة، أرى في الحركات البسيطة التي لا نفكّر بها لشدّة بداهتها، أشياء على درجة من الخطورة يصعب تصديقها. خذ مثلاً:
 
أنت تخرج إلى عملك في الصباح، فتتذكّر فجأة عند الباب بأنّك قد نسيت مفتاح المكتب. تعود وتتناوله ببساطة. يحدث هذا كثيراً مع أنّك لم تنسَ، ولو لمرّة واحدة فقط، مفتاح البيت عند مغادرتك المكتب مساءً. ولا يُساورك أيّ شكّ في طبيعة هذه المسألة.
 
ولأنّك رجل ناجح في عملك، ترفض التفسير الذي يقول بأنّك تكره المكتب وتكره عملك، وتفضل عليهما حياة الدعة والكسل في البيت. حقيقة مرّة تكشف عمّا في أعماقك دون أن تلتفت إليها.
 
لشيء من مثل هذا، رأيت في حركته نوعاً من الاستخفاف المبطّن، فسألته: «لماذا تستخفّ بي»؟
 
لم يردّ ولم يعلّق بشيء.
 
وكان في صمته شيءٌ من نوع «دعك من هذا الهراء» التي كانت كثيراً ما تجري على لسانه.
 
يومها لم يفعل شيئاً سوى إن ابتسم بإرهاق وهزّ رأسه.
 
كأنّنا على شبه اتفاق.
Page 5
نعم. هذا كلّ ما حدث.
 
تناولت الورقة من بين إصبعيه، ودون أن أنظر إلى ما فيها، أضفتها إلى الملفّ.
 
ملفّ بغلاف مقوّى بسماكة كتابين كبيرين تجمّعت فيه مئات الأوراق والقصاصات والمُزق والصفحات تعوّد أن يزورني بها كلّما زارني قائلاً:
 
-خذ هذه أيضاً ربّما تنفعك.
 
فآخذها وأضيفها إلى الملفّ. صفحات فوق صفحاتٍ، وقصاصات ونتف أوراق تراكمت بالمئات بعضها مكتوب بعناية، وكثير منها بطريقة سيئة كُتبت على عجل كيفما اتفق، وعلى ما تيسّر له. حتّى على أغلفة علب السجائر والمناديل وكاغد الأكياس الإسمنتية.
 
ركام من هشيم الملاحظات والنوادر والمواقف والحكايات والحوادث والآراء، ممّا كان يراه جديراً بالتسجيل، تجمّع خلال سنوات صداقتنا الطويلة
 
كان يعوّل على ذلك الركام كثيراً ويعتبره نواة لعمل روائيّ كبير.
 
من جهتي لم أكن آخذ المسألة على محمل الجدّ، ولكنّني واصلت عمليّة التجميع نزولاً على رغبته كنوع من الترضية وترطيب جفاف الأيّام.
 
ذات يوم، وفي لحظة إلهام، أطلق على هذا الركام اسماً موحياً بالفعل، سمّاه "الخميرة".
 
يومها، وفي نفس الجلسة، قال بلهجته الغامضة التي عُرف بها أثناء تأملاته «بانتظارنا أيّامٌ لا يعلم مداها إلا الله.. أيّامٌ أشدُّ سواداً من قاع القدر».
 
«لماذا تقول بانتظارنا؟ إنّنا نعيشها واقعاً مرعباً بالفعل».
Page 6
كان هذا، إذا لم تخنّي الذاكرة، فحوى ما تحدّثنا به. وأتذكر جيداً تلك الابتسامة الغامضة التي كانت ترتسم على وجهه في مثل هذه المناسبة عادة. رأيتها تولد على وجهه، في تلك اللحظة، كعلامة على ما يعانيه من اكتئاب.
 
في زيارته الأخيرة تلك، بدا مهموماً أكثر من المعتاد وهو يسألني:
 
-ماذا حدث بشأن الخميرة؟ ألم تبدأ بفحصها بعد؟
 
فأجبت بنوع من التورية:
 
-ما يزال عجينها عويصاً.
 
-لا تجعل جهودي تذهب سدى. لا أريد لموتي أن يكون بلا ثمن. قال بما يشبه الرجاء
 
كنت ساعتها أتأمّل في هذا الجسد الناحل؛ طويل مثل عود القصب. وتوقفت مطوّلاً عند الوجه المنحوت كلغز. نقرأ في بعض الوجوه سماحة أو لؤماً، طيبةً أو سفالةً. ونقرأ النوايا الخبيثة أو البريئة، نقرأ الكرم والتهور والجشع والشحّ. نقرأ العناد والاستسلام، ونقرأ الألمعية والغباء والتهريج حتّى من وراء أقنعة التهذيب. نقرأ كلّ شيء لأنّ الوجه مفتاح الشخصية.
 
ولكنّني لم أستطع أن أقرأ في وجهه غير اللغز.. لغز دفين يجعلك تتوه في الاتجاه الذي تذهب فيه المعاني، منحوت كوجه تمثال صدئ. مسبوك من الحديد الزهر.
 
ترى فيه مهابة في العارضين. وأنفة في استقامة الأنف، ولؤماً في العينين الضيّقتين الغائرتين، ومجوناً ولا مبالاة في الشفتين المزمومتين، وصراحة إلى درجة الاستهتار في بروز الفكّ.
Page 7
ترى كلّ شيء فتحار في التصنيف.
 
«لا أريد لموتي أن يذهب سدى» قال «إنّهم يطلبون رأسي».
 
-وما الذي يدور في رأسك ليجعله مطلوباً؟ أسأله متصنعاً البراءة.
 
-هو ما تجده في الخميرة. تنحنح ثمّ أضاف: بشكل أكثر دقّة، دعنا نقول أنّ ما في رأسي، هو ما سوف يدور في رأسك عندما تبدأ بكتابة رواية ما ستجده من تفاصيل هذه الخميرة..
 
اقرأها ورقةً ورقة. وضع كلاً منها في سياقها التاريخي مثلما عرفته أنت لا كما سجّلته اللغة الساقطة التي ساسها المدمنون. تسامَ فوق ما في عقول الغوغاء. الخارطة المعرفية في عقول هؤلاء عافية مهترئة وممعّجة. اللاحق فيها مقطوع الصلة بالسابق. انتبه لما أقول. الغِ من رأسك نظرية المعرفة المألوفة عن الزمن المقسّم كوحدات متتالية وتعامل معه كأحداث تبدأ بالأسباب وتنتهي بالنتائج. هذا هو الزمن. تعامل معه هكذا. تبدّل الأيّام والشهور بذوات تتغيّا أهدافاً محدّدة تبدأ بالسبب الذي تتلوه نتيجة تنتهي بدورها كسبب تعقبه نتيجة وهكذا. أسباب تستدعي نتائجها ما تزال تتراكم وتتراكم إلى أن وصلت إلى ما أنت عليه الآن. انتبه جيداً لما أقول، فقد لا تراني بعد اليوم أبداً، وهذه هي آخر النتائج في قراءة زمني الخاص. الزمن التقليدي لا معنى له. طويل ومرير كانتظار ما لا يأتي أبداً. ما الذي يجنيه القتلى في مجزرة صبرا وشاتيلا إذا ما عرفوا أنّها حدثت عام 82 مثلاً.. هل تسمح لي بدخول الحمّام؟
 
-تفضّل. أشرت إلى المكان سارحاً لا أعرف إلى أين أتوجّه بمشاعري.
 
في تلك اللحظة دخلت زوجتي على عجل. جاءت من المطبخ تمسح يديها بمئزرها يقدح من عينيها الشرر.
Page 8
-لا أريد هذا الرجل في بيتي! قالتها بهمس صاخب. أقولها لك للمرّة الألف، لا أريد أن أرى هذا الرجل في بيتي.
 
كانت تتكلّم بهمس بينما إصبعها السبابة يصرخ مهدّداً أمام وجهي.
 
وقطع عليها أزيز مفاصل باب الحمّام ثورة غضبها، فانسحبت بسرعة مثل من يخشى أن يضبط متلبساً، وعادت من حيث أتت قبل أن يعود إلى مقعده مواصلاً ما انقطع من حديث.
 
-ماذا كنّا نقول؟ سأل وهو يفرك إحدى راحتيه بالأخرى.
 
-كنا نقول أنّ زوجتي لا تريد أن تراك في بيتها.
 
-صراحتك الحارّة واحدة من أسباب التصاقي بك. هذه هي الصداقة الحقّة. على كلّ حال هي معذورة في شعورها الفطري بأنّني أفسد عليها زوجها. ومعذورة في قناعتها بأنّك تقف مع الطرف الخاسر. هذه يا صديقي هي طبيعة الفنان الحقيقي. لا بدّ له من دفع الثمن. تلك هي المعادلة: الأخلاق في كفّة والمنفعة في الكفّة الأخرى. المتّجر المساوم يتقبّل الثمن بلا مبالاة في حين يكون العقل المبدع عند درجة الغليان.حياة الدعة والسلامة التي ينشدها الناس العاديون، كالزوجة على سبيل المثال، لا تتحمّل هكذا خسائر. في الجانب الآخر لا تتأتّى أصالة الفنّ إلا من هذا الانحياز تحديداً. يا صديقي نحن في زمن الأنبياء الكذَبَة، زمن الخسران والتضليل والاغتصاب الجماعي، زمن الوجوه الفاضلة التي يصنعها المكياج، زمن فقد الحياء والتسليم الأعمى للصور المنتقاة بمعرفة الخبراء من علماء النفس، زمن الشاشة في صدر البيت تلاحقنا أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، تغتصب فينا أكرم ما وهبنا الله من قدرة على التحرّي والمحاكمة.
 
يا صديقي، في عالم يعرف فيه مدير التسويق كلّ شيء، لا يتبقّى للفنّان شيء يعرفه. إنّنا في عصر الفضائيات التي تُلغي العقل نهائياً. فكّر معي للحظة:
 
هل تمتّع الرسل وأنبياء الديانات بمثل ما لدى تجّار الفضائيات من وسائل؟
Page 9
كانوا بشراً يطاردهم الوقت وتعوزهم الوسيلة وتعترضهم العقبات.. أمّا هذه الكلاب المسعورة فتواصل نباحها أربعاً وعشرين ساعة دون توقف... يجب أن يتنبّه الناس..
 
أخذني كلامه بعيداً، فرحت أتصوّر حياة السيد المسيح يضرب حافياً في مسالك طبريا وجبال الجليل، وحياة سيدنا موسى تائهاً في سيناء، وحياة سيدنا محمد يتأمّل وحدته في شعاب مكّة فتخايل لي بأنّنا أحوج ما نكون إلى نبيّ يناسب هذا الزمان المجنون ينقذنا من هذه الكلاب المسعورة التي اقتلعتنا من جذورنا.
 
أخذ صوته يتلاشى تدريجياً حتّى صار كالصدى البعيد وراح في جلسته المنحنية يتناءى ويتناءى حتّى بات كالعرجون القديم، أراه ولا أعيه، يتكلّم ويتكلّم دون أن أسمعه، كنت هائماً وراء هؤلاء الأنبياء في زمن البراءة، زمن البدايات الحنونة واليقين الرقيق متأملاً في حياة هذا الفلسطيني التائه، يحاول إنقاذ الروح من براثن الوحش، يسجّل الأحداث والمشاهدات على قصاصات تحملها الرياح فيلهث وراءَها طعيناً ملعوناً، يهذي بالنبوءات مثل شاعر مهموم، يتهجّى أولى قصائده.
 
-إلى أين وصلت؟ ضبطني متلبساً بالشرود، فانتبهت.
 
-ما زلت أمامك أحمل لك فنجاناً ثانياً من القهوة.
 
تناول الفنجان وأشار إليّ بالجلوس، وكنت مخدّر الحواس عندما عاد إلى تنظيراته.
 
كانت له نظرية عجيبة في الأدب تتماهى فيها الرواية بالتاريخ، كان يقول:
 
«إذا أردت التاريخ الحقيقي فالتمسه في الرواية: فهي البشير بقرب تحقّق الأسطورة. وهي النذير باستحالة نزاهة المأجورين من مدوّني التاريخ. لا حدود لممكنات السقوط عند هؤلاء. فأنا أثق بكتاب الأغاني أكثر ممّا أثق بالبداية والنهاية».
Page 10
لم تُضف مقولته أيَّ جديد. ولكنّ المدهش هو ما لم يقله صراحة، وتكشّف لي بطول التأمّل، فالرواية لا تُحصى مسالكها، وتتوافر على ما لا يُحصى من طرق الفهم، بقدر عدد المستفهمين، بينما ليس للنصّ التاريخي غير وجه واحد للمعرفة، بالاتجاه الذي يذهب إليه النص.
 
واكتشفت أنّ الموازنة بين يقينية الوثيقة وشكوكية الحكاية ترجّح كفّة الثانية. فهذه الشكوكيّة المغوية بسلوك أيسر السبل تقودنا إلى انتقاء أصدق الخيارات ممّا يجعل الحكاية أكثر ديمومة وبقاءً حتّى من الإنسان نفسه، يموت وتستمرّ حكايته.
 
مات العرّاف الذي صاغ حكاية عصفور أبي الحنّاء وظلَّ مغزاها. تقول الحكاية: إنّ عصفور أبي الحناء الأحمر الصدر قد غافل الساحر اللئيم الذي يملك وحده سرَّ النار أثناء نومه، وسرق السرّ (جذوة) وأخفاه في صدره ليقدّمه هديّة للقبيلة التي كان يعيش في كنفها، والتي كانت ترتعد برداً وتأكل طعامها نيئاً.
 
نجح الطائر في مسعاه، ولكن حرارة الجذوة أثّرت على ريش الصدر الذي ظلَّ يتوهّج باللون الأحمر منذ ذلك الحين.
 
يوم قصصت عليه حكاية أبي الحناء هذه (هي أسطورة لا أذكر من أين استقيتها) راح يتأمّلني، يقيسني طولاً وعرضاً بإعجاب من يتحسّس أيقونة أفريقية من النوع النادر، وأخيراً قال:
 
-أنت روائي حقيقي، أصيل.
 
قالها بنبرة إعجاب صريح تخامرني الظنون بأنّني لا أستحقها.
 
كانت ثقته بي تفوق كثيراً ثقتي بنفسي، وكان يقول: «لم أرَ في حياتي من يسيء تقدير موهبته أكثر منك».