eKtab
EN ع
أريد حذاء يتكلم
Read free sample

أريد حذاء يتكلم

by شيراز عناب

Page 1
هذا ولدي
 
هذا ولدي، وهو صديقي ورجلي وعالمي.. لا تستهينوا به ولا تمروا عليه مرورا سريعا، بل ابقوا وسلموا عليه!
 
حسبتني وحدي التي تناضل، فإذا به حولي يحيطني ويغمرني ويساندني، لذلك حيّوه فهو ابني الذي ناضل لأجلي.
 
سرقنا الزمن الغادر وعصفت بنا الرياح في يوم ماطر وأحرقت النيران الأخضر واليابس، ولكنه دائما جانبي ألمحه يطفئ النيران ويزرع الورود ويبعد عني الغيوم.
 
نظرت لأفحص ما كتبته له بمناسبة تخرجه من الجامعة، فهذه المناسبة ليست كأي مناسبة.
 
أطل ولدها من وراء الباب وسألها: ماذا أعددتِ لنا اليوم على الغداء؟ أجابته بحنان: سأعد لكَ مائدة شهية من الكلمات، لكن قبل ذلكَ أريد إنهاء روايةٍ أقرأها منذ سنوات، واليوم سأنهيها فلم يبقَ منها إلا بضع صفحات وبذلك ستنتهي الآلام وأقفل الكتاب.
 
فودعها بالضحكات بعد أن ردّ عليها: لكن هذا لا يغني عن الغداء، وعادت إلى روايتها تقرأها، حتى تنهي الصفحات الباقية لتبدأ بإعداد حفلة على العشاء مع الأهل والأصدقاء، وما إن انتهت من قراءتها حتى زغردت فرحا وأشعلت من حولها الشموع، ومن قلبها تناثرت ضحكات الانتصار، فاليوم سيتخرج ابنها من الجامعة بدرجة امتياز!
 
ابتسمت ابتسامة الانتصار، فقد انتهت من قراءة الرواية، وأغلقت الكتاب.
 
 
Page 2
أريد حذاءً يتكلم
 
تمدّد على الأريكة وقدماه نحو الباب، فقد حرص دائما أن تكون ممدودة بحيث تغلق المنفذ الوحيد المؤدي إلى الخارج، وما كان يزيد الأمر رهبة، هو حذاءه الضخم.
 
كنا نستغرب كيف يطير ذلك الحذاء، إذا ما تسلل أحدنا إلى رأيٍ ما، فلم يكن من الصعب أن نفهم رسائل حذائه، وكنا نستأذنه إن أردنا أن نجلس أو نغادر أو ننام، وكنا نفهم الرفض أو القبول من حركته، حتى بات يسرق أنظارنا إن أردنا أن نفعل شيئا.
 
 فلغة الحوار بيننا تبدأ من حيث قدماه وتنتهي عندها، ورغم ذاك الارتجاف الذي كنت أشعره، إلا أن والدي كان مثلي وقدوتي، لذا ما إن هلّ العيد حتى ركضت وصديقتي إلى محلات الأحذية لشراء حذاء جديد للعيد.
 
 دخلت محلات كثيرة باحثة عن حذاء يتكلم كحذاء والدي، لكن سرعان ما كانت الابتسامات وعبارات الترحيب تتحول إلى نظرات استغراب ودهشة بل واستهزاء، وقد كانت تنفلت بعض الضحكات من الباعة غير قادرين على كتمها.
 
كانت صديقتي في كل مرة تشدني من يدي وتسرع إلى الخارج كي تجعلني أتفادى تلك السخرية.
 
وبينما كنا نسير شدتنا أصوات غناء وهرج وزغاريد قد ملأت المكان، فوجدنا مجموعة من الناس تزف عريسا، وقد كانوا يمسكون بأيدي بعضهم ويدبكون، ولم يوقفنا إلا صوت ارتفاع تلك الأصوات مع حركة الأقدام على الأرض، وبينما كنت أتفرج لفت نظري حذاء عجوز بين الجموع كان مهتريا وممتلئا بالثقوب، فاقتربت منه لأسأله: -أظنك تبحث مثلي على حذاء؟ ضحكت قدماه وتابعت الرقص على الأرض ثم قال: - هَلّا نسيتِ الحذاء الآن وشاركتِني الرقص؟ قلت: - كيف ذلك وأنا حافية القدمين؟ ضحك مبتسما وربت على كتفي بحنان
 
 وتكلم بحكمة وعيناه تحدقان بالحذاء: لست وحدكِ حافية القدمين ففي كل بيت حافية قدمين.. وأريكة.. وقدمين!
 
 واختفى العجوز بين جمع الرجال، إلّا أن كلماته لم تختفِ عن بالي، ومنذ ذلك اليوم لم أعد أبحث عن حذاء، فقد اكتشفت أن في كلّ بيت حذاء يتكلم كلّ اللغات!
Page 3
الشال والجنازة
 
وضعت الشال على رأسها، أرادت أن تستر به شعرها، فأذان الصبح انساب إلى غرفتها عبر الشباك ليوقظ نومها ويذكرها أن موعده قد آن وأن عليها الاستعداد للصلاة بوضع الشال.
 
جلست على سجادة الصلاة تنتظر المؤذن أن ينهي الأذان كي تبدأ الصلاة، فناداها نداء من خلف الباب أن قومي وبدلي الثياب ودعينا ندردش عند الباب حتى تبدأ الصلاة بعد أن ينزل المؤذن من المنبر ويبدأ الإمام بقراءة القرآن.
 
نزعت الشال عن رأسها وذهبت إلى الباب، فهنالك جارات على كل شباك وكل معها حكاية تقولها بداية الصباح، سألتها جارتها: لماذا تبدين كئيبة؟ النهار في أوله والسواد لم يعلق بعد على الباب.. أجابتها أنها لم تصلِّ صلاة الصبح بعد وأن الباب ناداها وأنها ردت على استحياء، فهي تريد الدخول فالإمام على وشك البدء بالصلاة. قاطعتها إحدى الجارات: لكن قبل أن تذهبي قولي لي هل سمعتِ أغنية الصباح الجديدة؟ لقد نزلت هذا المساء، فسحبتها من شالها وربطته على وسطها وطارت ترقص بالهواء والشال على خصرها يقول يا ربي ما هذا البلاء؟ فإن كنت في بلاء فأرجعني إلى صاحبة الشال ذات الرداء.
 
أدهشها الشال على وسطها الذي لا يستجيب لرقصها في الهواء فقالت بسرها: لدي في خزانتي أكثر من شال فلا بأس أن تطيره بالهواء، لا بأس إن طيرته الرياح.
 
لم تكن تدري أنّها بذلك منحت نفسها للشيطان في الصبح والمساء، وراحت عليها كل الصلوات، لكنها تدري أنه من ذلك الوقت تخلت عن المؤذن وأنها لم تقف وراء الإمام وراحت عليها كل الصلوات.
 
ونامت ولا فرض قضته ولا شال على رأسها وضعته والسجادة على الأرض لا زالت تنتظر منها السجود والركوع.
 
وهالتها الجموع حولها في اجتماع يتساءلون ماذا يفعلون بالتي ضيعت الشال ونسيت الفروض، إنهم بشر وليسوا آلهة، فكيف أصبحوا ما بين صلاة الصبح وصلاة العشاء آلهة يقررون ويكتبون ويحكمون.  
 
فهم يأخذون مكان الله وليس غير الله إله واحد، فكيف أصبحوا كلهم الله، كيف أضحت ما بين صباح ومساء جنازة يمشون فيها وعليها يترحمون ويأخذون بها العزاء.
Page 4
أريدها قبيحة
 
قالت أمه مستغربة: إنها قبيحة يا ولدي.. أخبرني ماذا فعلت بك؟ سحرتك؟ أسرتك؟ كيف من الممكن أن تكون لكَ وأن تكونَ أنت لها والفرق واضح بينكما؟ ثم راحت تدور حوله وتسبّح الرحمن وتقرأ عليه القرآن مستعيذة بالشيطان الرجيم وترشه بالبخور متمتمة بشفتيها الهرمتين بآيات من سور يوسف والنساء، ثم صلت ركعتين مستجيرة بالله أن يحمي ولدها من تلك المرأة القبيحة.
 
فابتسم ولدها في خجل وقبّل رأسها وطمأنها أن لا تخاف عليه، وستبقى راضية عنه، فابتسمت ابتسامة الانتصار وألحت عليه أن يعدها ألا تكون عروسته قبيحة، فهي تريد صبيّة تتباهى بها أمام الأهل والأصدقاء لا أن تختبئ معها بالدار.
 
ماذا يقول ذات الشعر الأبيض والجسد الهرم؟ هل تبقى صامتةً أم يدوس على ذلكَ الوقار؟
 
قامَ على عجلٍ وراح صلى ودعا لوالديه الصحة والعافية ونام بعد أن نزلت دمعةٌ حارقة على خده، فليس لديه خيار آخر، إما أن يكون الابن البار أو العاق! 
 
وعندما استيقظ جلس بجانبها على سجادة الصلاة، دعت له أن يحفظه ثم صلى معها ودعا الله أن تفهمه وتعتقه من الجميلات، فوعظ وخطب وأصبح معها الإمام، فهمس بأذنيها ببضع كلمات أن المرأة يا أمي ليست بجمالها تقاس بل بخلقها وما تشعره معها، وأنا معها أشعر أنّني سعيد وأفضل الرجال، فلا أحتاج إلى جميلة لتقول لي كل الوقت هل أنا جميلة؟ بل أحتاج إلى قبيحة إذا ما نظرت في مرأتها تراني كما ترى نفسها.. فتمتمت أمي ببضع كلمات وربتت على كتفي بحنان وأجابتني، وماذا سيقول الناس يا بني؟
 
تنهدت متسائلا بحزن في داخلي: هل أنني لم أتقن دور الإمام أم لم أحسن اختيار الكلام؟ فلا زالت أمي تصر البحث في ألبوم الصور عن عروس جميلة.
 
 
Page 5
الخيط الرفيع
 
نظرت إلى المرآة تخاطب خيطا رفيعا رُسم على وجهها، فعاتبته قائلة: من أنت لتحتل وجهي؟ أنا لم أدعُكَ لتكون ضيفي عليه.. رمقها باستحياء: ما أنا ضيف بل أنا الزمن وإنه ليس خياري أن أكون على وجهك!
 
هالها وقاحته فصرخت به أن يخرج من وجهها إلا الأبد وأنها لا تريد أن تراه مجددا عند النظر في مرآتها، نظر إليها في خجل ثم أخرج منه قلما وخط على وجهها خط الأمل ورسم على شفتيها كلمات لا تفهمها إلا امرأة زارها الزمن، عزيزتي لدي عمل وهذا عملي فليكن لديك أنت عمل، وليكن لديك قلمك الخاص تخفين به ما خطّ الزمن، ثم غادرَ على عجل! هرعت وراءه تلحقه فلم تجد إلا ما تركه لها من فرشاة وقلم وأخذت بفرشاتها تلون وجهها.
 
استيقظت من نومها مفزوعة، نظرت في مرآتها إلى وجهها، لا إنه ليس كابوسا من كوابيسها التي تزورها منذ اجتيازها سنّ الأربعين، فبحثت عن فرشاةٍ وقلم في علبة مكياجها، وبينما تبحث عنهما ناداها صوت طفلها من وراء الباب يسألها عن الطعام، فراحت مسرعة إليه تاركة وراءها المرآة وعلب المكياج والبحث عن القلم والفرشاة.
 
وراحت تلبي طلبات أطفالها، ثم سألها أحدهم عن خطٍ على وجهها، ابتسمت قائلة له: إنه الزمن. فقبّلها على جبينها قائلا: أحبكِ يا أمي.. يا أجمل أم خطها الزمن في الدنيا.
 
ومن يومها، لم يزرها أيّ كابوس أو فرشاة وقلم!
 
 
Page 6
ذات الخمار الأسود
 
تعالت خطوات قدميه فأخذ يمشي يمينا ويساراً رافعا رأسه إلى السماء مرارا وتكرارا يخاطبها طالبا الصفح والغفران، ما هذا الذي فعلته به هذه المرأة وكيف أنسته صاحبة الخمار؟
 
ذكر الله في الصباح والمساء، ما الذي يحدث؟ لم تكن عنده إلا ورقة يصححها وعلامات يرقمها، لم تكن إلا تائبة فما إن يأتي حتى تغادر.
 
لكنها ذلك اليوم لم تغادر وهو لم يسألها عن السبب، بل أسعده وجودها ولم يفرغ من تصحيح ورقتها، بل زاد عليها الأخطاء ووقف عند نقاط كثيرة حتى لا ينتهي الكلام فإنه أحبها منذ أول لقاء، ولم يرد منها أن تغادر. 
 
قالت له وعلى خديها الدموع: لدي مشكلة أنني لا أعرف الله، ولم أجلس على سجادة الصلاة يوما ولم أعرف ما هي قراءة القرآن فأنا ابنة قوم ليس للشهادة ميثاق بينهم. 
 
استعاذ من الشيطان وأخذ يجول بمسبحته بالمكان ويذكر الله ذهابا وإيابا، أحبها من أول لقاء أرادها بالحلال لكن يقف أمامهم السقف والحائط والجدران، إنه متزوج ويخاف الله، فماذا يقول لزوجته التي تنتظر عودته ليقيم معها الصلاة، ماذا يقول لأهل الدار الذين رباهم على رضا الله لا على معصيته، ماذا يقول لها؟ أن امرأة على يديه قد تابت وأنه على يديها عصى الرحمن؟ ماذا يقول لربه في يوم الحساب؟
 
وقرر أن ينتهي اليوم من تصحيح الأوراق بعد أن يرميها إليها من تحت الباب.
 
طوى الورقة مرة وارتعشت يداه مرات وسأل الله التوبة فإنه قد انتهى من تصحيح الأوراق ولم يعد هنالك من ينتظر على الباب، جلس على سجادة الصلاة يقرأ القراّن حتى أحسّت الجدران بالخشوع وتمنى أن يصل صوته إلى صاحب الأرض والسماوات عله يغفر له ما منه كان.
 
 
Page 7
صابرة وبواب العمارة
 
لطالما كان هادئ الطباع صامد الخطوات وكأنه أبو الهول لا تهزه رياح ولا تكسره الصدمات، إلا أنه الآن أصبح إن مشى تعثرت خطاه، فلم يعد ذلك الشخص الوقور الحنون، فاليوم له مشكلة مع الجيران والأمس كانت له قضية مع السكان، نظر بعينيه الغاضبتين إلى الشرفة فلاح له أبو الهول صامدا كصابرة.
 
بحث عن ولاعته ليشعل بها سيجارة، وتمنى بينه وبين نفسه أن يحرق البيت والأثاث وابنة الجيران صابرة، هي جارته التي كانت حلم حياته، أحبها بمراهقته ووعدها بشبابه وخطبها برجولته وأقفل عليها بالمفتاح ومنع عنها كل سكان العمارة إلى حين أن يجمع لها المهر وثمن الطرحة والفستان، شهد عليه أبو الهول وخفرع وخوفو خطواته ما بين أسفل وسطح العمارة ملبيا طلبات سكانها، لا يئن ولا يشكي إلا لصابرة. 
 
فهي دائما تنتظره أسفل العمارة تجدد له العهد أنها معه صامدة، إلا أنها قد تجاوزت الثلاثين وليس على حجرها طفل رضيع بعد، وهو لم يتجاوز خدمة أهل العمارة ليجمع مهراً لها، فأخذتها السنوات واختفت بين المارة.
 
ليستيقظ ذات يوم دون أن يجد صابرة، نادى عليها وسأل عنها الأهرام، فلم تجبْه إلا رسالة تركتها له صابرة تودعه بها، ولم تعد تنتظره أسفل العمارة!
 
صعد إلى أعلى العمارة بخطوات حائرة تتساءل عن صابرة وعن شهادة دراسته التي اجتهد بالحصول عليها كي يكون من رواد العمارة لا حارسا عليها، وصل إلى سطح العمارة فسمع صوت صابرة تناديه من أسفل العمارة، أحس بجناحين لديه وأنه يريد الطيران فوق رؤوس المارة، فطار من فوق العمارة ولم ينسَ أن يحيّيَ الأهرام ويبعث لهم إشارة أنّه سيهوي أسفل العمارة، ويُحكى أن المارة حتى الآن لا زالوا يرونه يدور حول العمارة يبحث عن صابرة بينهم!