eKtab
EN ع
أسباب انقضاء الخصومة
Read free sample

أسباب انقضاء الخصومة

by أيمن ممدوح الفاعوري

Page 1
أصوليات
 
 
 
 
 
• "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غُير هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر"
 
العماد الأصفهاني 
 
 
 
 
 
 
 
• "إن صاحب الفكر مدين على نحو للإنسانية ففكره ليس إلا حلقة في سلسلة تسبقها حلقات وتتلوها حلقات فهو إذا كان قد أعان من لحقه فقد استعان بمن سبقه"
 
السنهوري، الوسيط، ج8، ص279
Page 2
المقــدمة
 
تتناول في هذا الكتاب أسباب انقضاء الخصومة في قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني، مع موازنتها ببعض القوانين العربية، كالقانون المصري واللبناني والسوري. حيث أن هناك أحوالاً تنقضي معها الخصومـة دون الحكـم في موضوعها وأحوالاً أخـرى تنقضي معها الخصومة بالحكـم في موضوعها.
 
وتناولنا موضوع هذا الكتاب لأهميته من عدة أمور أهمها:
 
قلة الدراسات الأردنية الجادة والمتخصصة في هذا المجال بإستثناء بعض إشارات البسيطة متناثرة في هذا المرجع أو ذاك، وكذلك أهمية هذا الموضوع بالنسبة لكثير من فئات المجتمع، وبشكل خاص للقضاة والمحامين وأساتذة وطلبة كليات ومعاهد القانون. هذا عدا عن غزارة الدعاوى أمام المحاكم الأردنية
 
وبما أن هناك جوانب كبيرة من اللبس والغموض والنقص التي تكتنف وتعتري موضوع البحث فإننا عملنا على معالجة النقص الموجود وإماطة اللثام وإزالة الغموض الذي يجهله الكثيرون.
 
وعمدنا إلى الوقوف على أوجه الاتفاق والاختلاف بين أسباب انقضاء الخصومة بالحكم في موضوعها أو بغير الحكم في موضوعها وكذلك للموازنة بين موقف المشرع الأردني والتشريعات العربية الأخرى في تنظيم هذا الموضوع.
 
وجاء هذا الكتاب في ثلاثة فصول جاء الفصل التمهيدي يعرض لماهية الخصومة، ومن هنا يأتي هذا الفصل مقسوماً إلى مباحث ثلاثة: في المبحث الأول نتناول مفهوم الخصومة وتمييزها عن المصطلحات المشابهة لها، وفي المبحث الثاني نتعرض لطبيعة الخصومة والمبادئ الناظمة لها، وفي المبحث الثالث ندرس أشخاص الخصومة.
 
أما الفصل الأول من هذا البحث، فسوف نعالج فيه انقضاء الخصومة دون صدور حكم في موضوعها، وعليه نقسم هذا الفصل إلى مباحث ثلاثة: في المبحث الأول نبحث قبول الدفوع، وفي المبحث الثاني نتناول إسقاط الخصومة، وفي المبحث الثالث نعالج تقادم الخصومة.
 
وأما الفصل الأخير من هذا البحث وهو الفصل الثاني، فسوف نتناول فيه انقضاء الخصومة بصدور حكم في موضوعها، وسوف يأتي هذا الفصل مقسماً إلى مبحثين اثنين، وفي المبحث الأول ندرس الحكم في موضوع الخصومة، ونتناول الصلح القضائي في المبحث الثاني من هذا الفصل.
 
أما خاتمة هذا البحث، فسوف ندرج فيها أهم النتائج التي توصلنا إليها وأهم التوصيات التي اقترحناها.
 
وأخيراً، آمل أن أوفق في شرح وتناول وتأصيل أسباب انقضاء الخصومة وفق هذا المنهج، وأن يكون هذا البحث ذو فائدة. فهو مجرد محاولة متواضعة مني لوضع لبنة في بنائي القانوني، ولا أدعي لهذه المحاولة الكمال ولكنها على حال شمعة على الطريق قد تنير لي السبيل عند مواصلة المشوار.
 
والله الموَفِـق
Page 3
 المبحث الأول
 
مفهوم الخصومة وتمييزها عن المصطلحات المشابهة لها
 
نتطرق في هذا المبحث إلى المقصود بالخصومة لغةً والاتجاهات الفقهية المختلفة في تعريفها اصطلاحاً مبينين الرأي الذي نؤيدهُ في هذا الشأن، ومن ثم سنأتي على تمييز الخصومة عما يختلط بها من مصطلحات قانونية مشابهة، وذلك من خلال تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين اثنين وعلى النحو التالي:
 
المطلب الأول: مفهوم الخصومة
 
الخصومة لغة: هي الجدل والنزاع وخاصمه خصاماً ومخاصمة غلبة بالحجة والخصومة هي الاسم من التخاصم والاختصام( 1)، وفي المنجد خاصم أي نازع وجادل والاسم مخاصمة وتخاصم القوم أي تنازعوا وتجادلوا والخصم جمعه خصوم( 2). وبهذا فإن كل نزاع هو خصومة من الناحية اللغوية.
 
وفي القرآن الكريم أيضاً وقالوا الهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون(3).
 
وقوله تعالى: ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون(4).
 
أما اصطلاحاً: وحيث لم يتدخل المشرع الأردني في تعريف الخصومة في قانون أصول المحاكمات المدنية تاركاً ذلك للفقه والاجتهاد القضائي.
 
ومسايراً بذلك التشريعات المصرية والسورية واللبنانية والفرنسية، حيث خلت تشريعات هذه الدول من تعريف للخصومة، فقد تصدى الفقه لهذه المسألة، محاولاً ومبتدعاً ومبتكراً تعريفاً ملائماً ومناسباً لها. حيث عرفها جانب من الفقه بأنها (الحالة القانونية الناشئة عن رفع الدعوى إلى القضاء ويترتب عليها حقوق والتزامات للخصوم وعليهم، وهذه الحالة هي التي تقتضي قيام الخصوم والمحكمة بالإجراءات المؤدية إلى فصل الدعوى)( 5).
 
ويؤخذ على هذا الرأي توصيفه للخصومة على أنها ظاهرة ساكنة مغفلاً كونها ظاهرة متحركة باعتبارها مجموعة من الإجراءات، يضاف لذلك مرونة هذا التعريف وعدم انضباطه وإحكامه حيث أن مجرد القول بأن الخصومة هي الحالة الناشئة عن مباشرة الدعوى لا يزيل اللبس والغموض والإبهام. بل يبقى السؤال مطروحاً بعد ذلك ما هي تلك الحالة؟! وبالتالي ما هو تعريف الخصومة(6 )؟! كما أن هذا الرأي يخلط بين الخصومة باعتبارها مجموعة من الإجراءات وبين مركز الخصم الذي يرتب له مجموعة من الحقوق والواجبات.
 
ويدفعنا التسليم بهذا الرأي إلى اعتبار المطالبة القضائية إجراء سابق على الخصومة وخارجاً عن نطاقها ولاشك أن هذه النتيجة لا تتفق وواقع الحال إذا أخذنا بالحسبان بأن المطالبة القضائية هي جوهر وفحوى وأساس الخصومة والإجراء الافتتاحي لها( 7).
 
ويرى جانب آخر من الفقه بأن الخصومة رابطة قانونية تربط بين المدعي والمدعى عليه، ويرى البعض الآخر أن هذه الرابطة لها ثلاثة أطراف هم المدعي والمدعى عليه والقاضي(8 )، ولعل أهم ما يؤخذ على هذا الرأي افتقاره للدقة حيث أن فكرة الرابطة القانونية هي من الأفكار اللصيقة بفقه القانون المدني والمستوحاة منها فيما يتعلق بالحقوق الشخصية والعينية فالرابطة القانونية بالنسبة للحقوق العينية هي رابطة اقتضاء تخول وتمنح لصاحب الحق سلطات معينة على الشيء الذي يرد عليه الحق ومثل هذه الأفكار لا تنسجم ولا تتفق وواقع فكرة الخصومة فلا يوجد ما بين الخصوم أو بينهم وبين القاضي روابط اقتضاء أو تسلط ولا يعدو ما بينهم عن كونه مجرد روابط إجرائية(9). وبالرغم مما سبق، يرى الفقيه الدكتور فتحي والي بأن (الخصومة عبارة عن مجموعة الأعمال التي ترمي إلى تطبيق القانون في حالة معينة بواسطة القضاء)( 10).
Page 4
ويؤخذ على هذا التعريف بأنه توفيقي يسعى إلى التخفيف من حدة وقوة الخلاف بين من يرون الخصومة كظاهرة متحركة ومن يرونها كظاهرة ساكنة أكثر من كونه تعريفاً جامعاً مانعاً، ناهيك بأنه تعريف واسع وفضفاض حيث يؤدي التسليم والأخذ به إلى استخدام مصطلح الخصومة بمعنى مرادف لمصطلح الإجراءات القضائية مما لا يتلائم ويتفق مع المعنى الفني الدقيق للخصومة في التشريع والقضاء والفقه( 11).
 
ومع احترامنا وتقديرنا لجميع الآراء الفقهية السابقة إلا أننا نرى بأنها لم تقدم تعريفاً جامعاً مانعاً محكماً للخصومة، بحيث يسعفنا في دراسة عناصر الخصومة وبناء النظريات الخاصة بها. الأمر الذي يقودنا بقوة لتبني وجهة نظر جانب من الفقه(12 )، والذي ينظر للخصومة كظاهرة متحركة ويعرفها على أنها مجموعة من الإجراءات القضائية المتتابعة يقوم بها الخصوم أو ممثلوهم والقاضي وأعوانه والغير وذلك وفقاً لنظام معين يرسمه قانون أصول المحاكمات المدنية، وتبدأ المطالبة القضائية وتستمر بهدف الحصول على حكم فاصل في الموضوع، وقد تنتهي انتهاء مبتسراً – غير طبيعي- قبل بلوغها هدفها المنشود لأسباب إجرائية كالتقادم والإسقاط أو السقوط. ولاشك بأن هذا الرأي حرِّي بالتأييد كونه يتضمن تحديد واضح لعناصر الخصومة، فالخصومة ظاهرة مركبة تتكون من مجموعة من الأعمال الإجرائية التي حددها المشرع والتي تنشئ وتبتدئ بالمطالبة القضائية وتسلك وتسير بنسق ونهج معين وتتابع مضبوط ومحكم وصولاً وانتهاءً للعمل الإجرائي الأخير فيها وهو صدور حكم فاصل نهائي في موضوعها.
 
ويقصد بالعمل الإجرائي العمل القانوني الذي رسم وحدد القانون شكله ومضمونه ومعالمه وآثاره دون أن يترك لإرادة الخصوم حرية مخالفة شكله أو مضمونه أو أثاره بحيث لا يملك الخصوم إلا حرية القيام به أو عدم ذلك فإن اختاروا القيام به وجب الالتزام والتقيد بشكله ومضمونه وفق ما حدده ورسمه القانون. أما بخصوص الآثار المترتبة عليه فإن كل ما تملكه إرادة الخصوم بشأنها هو إما الاستفادة منها أو التنازل عنها دون أن تملك هذه الإرادة صلاحية تعديل تلك الآثار( 13). ولعل الأمثلة عليه كثيرة بدون شك، فمنها تبليغ نسخة من لائحة الدعوى إلى المدعى عليه، تقديم طلب أصلي أو عارض، تحرير محضر جلسة، التمسك بدفع من الدفوع، توجيه يمين، سماع شاهد، إصدار الحكم، وقد يصدر العمل الإجرائي من الخصوم ومثال ذلك التمسك بدفع وتقديم طلب ورفع طعن، أو من القاضي كسماع الشهود واستجواب الخصوم وتوجيه اليمين وإصدار الأحكام، وقد يصدر من قبل أعوان القاضي( 14) ككتاب الضبط والمتابعة والمحضرين. ومثال ذلك قيام كاتب الضبط بتحرير محضر الجلسة أو قيام المحضر بتسليم نسخة عن لائحة الدعوى للمدعى عليه أو للشاهد( 15). أو من الغير كقيام الشهود بالحضور للمحكمة والإدلاء بشهادتهم أو قيام شخص من الغير بتقديم طلب للتدخل في خصومه قائمة أمام القضاء أو قيام الخبير الذي انتخبته المحكمة خبيراً في بعض المسائل الفنية الدقيقة بتقديم تقرير خبرته، ونظراً لصعوبة وتعذر قيام الخصوم في كثير من الدعاوى بالأعمال التي يقتضيها سير الخصومة فإنه يتم الاستعانة بطائفة المحامين( 16). لغايات القيام بهذه الأعمال بالوكالة عن أطرافها ابتغاءاً لمصلحة الأفراد وحفاظاً على بقاء سير مرفق القضاء بانتظام وباضطراد.
 
وتنشئ وتبتدئ الخصومة بالمطالبة القضائية وهي عمل ناتج عن إرادة أحد الخصوم وهو المدعي، ويتمثل هذا العمل الإرادي في طلب المدعي من المحكمة إصدار حكم لصالحه في إدعاء معين، وبالمطالبة تبدأ الخصومة ولكنها لا تنعقد ولا تكتمل إلا إذا اتصلت بالخصم الآخر –المدعى عليه- عن طريق تبليغه. وإذا بدأت الخصومة على النهج الذي حدده القانون الإجرائي فإنه ينبغي أن تبقى مستمرة في نشاطها وتتعاقب أعمالها أولاً بأول حتى تصل إلى غرضها المنشود والمطلوب وهو صدور حكم فاصل في موضوعها.
Page 5
وبناءً على ذلك نستطيع القول بأن الخصومة كظاهرة متحركة تمر بثلاث مراحل رئيسية، أولها مرحلة المطالبة القضائية وهي مرحلة ابتداء وافتتاح الخصومة، وثانيها مرحلة المرافعة، وثالثها المرحلة الختامية المتمثلة بصدور حكم. وخلال هذه المراحل تتابع إجراءات الخصومة تتابعاً زمنياً دقيقاً وتتسلسل هذه الإجراءات تسلسلاً منطقياً بحيث يظهر كل عمل من أعمال الخصومة بأنه شرطاً منطقياً للعمل الذي يعقبه، وبحيث تظهر الخصومة كسلسلة متشابكة من الإجراءات تتجه صوب تحقيق غاية واحدة وهي الحصول على حكم فاصل في موضوع الخصومة(17 ).
 
وهكذا فإن الخصومة قد تصل إلى غايتها المنشودة حيث تنقضي انقضاء طبيعياً غير مبتسر أي بصدور حكم في موضوعها وقد لا تصل هذه الخصومة إلى غايتها المنشودة حيث تنقضي انقضاء غير طبيعي مبتسر أي بدون صدور حكم في موضوعها وذلك لأسباب متعددة في كلا الأمرين، ولهذا فأننا سنخصص الفصلين الأول والثاني من هذا البحث للحديث عنهما.
 
المطلب الثاني: تمييز الخصومة عن المصطلحات المشابهة لها:
 
سوف نقوم في هذا المطلب بتمييز الخصومة عن المصطلحات المشابهة لها وهي الدعوى والقضية والنزاع، وذلك من خلال تقسيم هذا المطلب إلى فروع ثلاثة وعلى النحو المدرج أدناه:
 
الفرع الأول: الخصومة والدعوى:
 
لم يتدخل المشرع الأردني في تعريف الدعوى في قانون أصول المحاكمات المدنية تاركاً ذلك للفقه والاجتهاد القضائي، وبذلك يكون مشرعنا قد تماشى مع المشرع السوري والمصري واللبناني والفرنسي، حيث خلت تشريعات هذه الدول من نصوص تعرف الدعوى أو تحدد شرائطها أو تبين تفصيلاتها( 18).
 
أما مجلة الأحكام العدلية – قانوننا المدني لغاية 1/1/1977- فقد عرفت الدعوى في المادة (1613) بأنها (طلب أحد حقه بحضور الحاكم ويقال للطالب المدعي والمطلوب المدعى عليه).
 
وحقيقة الأمر أن الدعوى كفكرة قانونية لا تزال موضع بحث واختلاف لدى جمهور الفقهاء إذ لا يجمع الفقهاء على تعريف شامل مانع لها بل تعددت التعريفات في هذا المضمار حتى وصلت حداًَ يصعب من خلاله حصرها، رغم هذا يذهب جمهور الفقهاء( 19) إلى تعريف الدعوى بأنها ((الوسيلة التي خولها القانون لصاحب الحق في الالتجاء إلى القضاء ولتقرير حقه أو حمايته)).
 
وقد سايرت وتبنت محكمة التمييز الأردنية هذا التعريف؛ حيث قضت بأن ((الدعوى هي أساس الخصومة وهي الوسيلة القانونية التي يلجأ بمقتضاها صاحب الحق إلى السلطة القضائية لحماية حقه، كما هو واضح من نص المادة الخامسة من قانون أصول المحاكمات الحقوقية لسنة 1952))( 20).
Page 6
وبناء على ما سبق فإن الدعوى تتميز عن الخصومة من النواحي التالية(21 ):
 
أولاً: من حيث الطبيعة:
 
إن الدعوى وسيلة حماية اختيارية يستطيع الشخص أن يستعملها أو لا يستعملها بحيث إذا لجأ إلى القضاء فإنه يكون قد مارس وباشر حقه في الدعوى، علماً أن مباشرة الدعوى على هذا النحو تسمى بالمطالبة القضائية.
 
أما الخصومة فهي عبارة عن مجموعة من الإجراءات التي تتخذ في الدعوى من وقت المطالبة القضائية ولغاية صدور حكم في موضوعها، ولهذا فإن الدعوى أمر معنوي ليس لها واقع مادي ملموس وإنما تدل عليها إجراءات الخصومة مما يمكن القول معه بأن الخصومة هي الإطار الذي يحتوي الدعوى أمام القضاء، كما أن الدعوى حق واحد لذا فهي ظاهرة بسيطة خلافاً للخصومة والتي تبدو بمظهر مجموعة متشابكة من الحقوق والواجبات.
 
ثانياً: من حيث الموضوع:
 
إن موضوع الدعوى هو الحصول على الحماية القانونية سواء لغايات الاعتراف بحق أو لدفع اعتداء أو للمطالبة بتعويض ما، أما موضوع الخصومة فهو الحصول على حكم ينهي النزاع، ولهذا فإن الدعوى ترتكز إلى حق، أما الخصومة فإنها تنعقد صحيحة متى توافرت شرائطها طبقاً للإجراءات الشكلية التي يستلزمها القانون كقيد المطالبة القضائية وتبليغها إلى الخصم الآخر وفق الأصول، فالخصومة تعتبر قائمة بمجرد اللجوء إلى القضاء دوره التفات إلى توافر حق لصاحبها.
 
ثالثاً: من حيث الشروط:
 
هناك شروط خاصة لكل من الخصومة والدعوى، فمتى تم قبول الدعوى فلابد من توافر المصلحة، وأن تكون هذه المصلحة قانونية وشخصية ومباشرة وقائمة أو حالة سنداً لأحكام المادة (3) من قانون أصول المحاكمات المدنية(22 ).
 
وهذا ما أكدته محكمة التمييز الأردنية حيث قضت بأنه (( ... يشترط لقبول الدعوى المدنية لدى القضاء العادي أن يكون لصاحبها مصلحة في إقامتها وأن تكون هذه المصلحة مستندة إلى حق ذاتي حال ومباشر أي أن الدعوى المدنية تهدف إلى حماية حق أو منع التعدي على حق))( 23).
 
أما شروط الخصومة فمنها ما يتعلق بأهلية التقاضي ومنها ما يتعلق بالمتقاضين وهو شرط وجودهم بأشخاصهم أو بواسطة وكلائهم، ومنها ما يتعلق بالمحكمة المعروض عليها الخصومة إذ يفترض أن تكون مختصة، كما إن زوال الخصومة لأي سبب من الأسباب دون الفصل في موضوعها يترتب عليه زوال إجراءتها دون أن يؤثر ذلك على الحق في الدعوى، إذ يملك المدعي أن يجدد دعواه أمام القضاء بإجراءات جديدة.
Page 7
رابعاً: من حيث مبدأ سلطان الإرادة:
 
دور الإرادة في الدعوى يفوق دور الإرادة في الخصومة وسبب ذلك أن الدعوى حق لا يجبر صاحبه على مباشرته بينما الخصومة عبارة عن مجموعة من الإجراءات القضائية والتي اهتم المشرع بتنظيمها وضبطها ولا يُعول كثيراً على إرادة الخصوم بشأنها إلا في نطاق ضيق كحقهم في التنازل عن الخصومة أو تركها.
 
خامساً: من حيث الأشخاص:
 
لا يوجد توافق أو تطابق بين أشخاص الدعوى والخصومة، فالعنصر الشخصي في الدعوى يمتاز بالبساطة، في حين الخصومة ظاهرة مركبة متعددة الأطراف لا تقتصر على أشخاص الطلب الذي بوشر به حق الدعوى، لكنها تتضمن أشخاص آخرين يتدخلون أو يدخلون فيها، فالقاضي في الدعوى طرف سلبي يلتزم في مواجهة المدعي، بينما لا يكون دوره سلبياً بشكل محض في الخصومة إذ يشارك ويساهم القاضي في تسيير إجراءات الخصومة وضبط تسلسلها وفقاً للقانون والأصول.
 
الفرع الثاني: الخصومة والقضية:
 
من أكثر التعابير شيوعاً وانتشاراً في الحياة العملية التطبيقية سيما أمام المحاكم، مصطلح القضية، وهذا المصطلح يطلق أحياناً على الدعوى وأحياناً على الخصومة.
 
فهل هذا يعني بأنه لا يوجد معنى ثابت ومحدد لمصطلح القضية حتى يصورها البعض بمعنى مرادف للدعوى أو بأنها رديف لفكرة الخصومة؟.
 
في حقيقة الأمر حاول بعض الفقهاء التصدي لهذا الأمر من خلال وضع تعريف مقترح لمصطلح القضية، فمثلاً نجد بعض الفقهاء قد ذهب للقول بأن القضية (مجموعة الخصومات والمسائل الفرعية التي تتفرع عن الخصومة الأصلية القائمة أمام المحكمة نتيجة لإبداء الطلب القضائي)(24 ).
 
ويعرفها جانب آخر بأنها عبارة عن ((الطلبات الموضوعية التي يراد بالخصومة عرضها على القاضي وتحقيقها والفصل فيها وقد تشتمل القضية على أكثر من طلب))(25 ).
 
وتختلف الخصومة عن القضية تبعاً لزاوية النظر لأي منها، فالخصومة لفظ يفيد نظرة إجرائية، بينما القضية لفظ يفيد نظرة إجرائية وموضوعية على حسب السياق كما يفيد كليهما أحياناً( 26)، وتتفق الآراء السابقة على أن مصطلح القضية أوسع نطاقاً من مصطلح الخصومة، ويمكن القول أن القضية عبارة عن جميع الإجراءات المتخذة في دعوى معينة أو جميع الإجراءات التي تمت في نزاع معين فيقال ملف القضية، أوراق القضية، فالقضية فكرة شاملة تتضمن كل ما باشرته المحكمة والخصوم من إجراءات وكل ما يجب أن تفصل فيه من إدعاءات ودفوع وواجه دفاع. 
Page 8
وأيضاً يمكن تعريف القضية بأنها مجموعة المسائل المطروحة على القاضي بغرض الحصول على حكم فيها سواء في ذلك طلبات الخصوم أو دفوعهم أو الإجراءات السابقة المستخدمة لهذا الغرض( 27). وبهذا فإن القضية لفظ يتسع للخصومة والنزاع معاً، حيث أن الدعوى هي محل القضية والخصومة عبارة عن إجراءاتها. 
 
الفرع الثالث: الخصومة والنزاع:
 
النزاع في اصطلاح فقهاء الأصول والمرافعات المدنية لفظ له مدلول موضوعي يعبر عن سبب الخصومة، أما الخصومة فهي لفظ له مدلول أجرائي يشير إلى خطوات عرض النزاع على القضاء( 28).
 
وعليه فكل نزاع هو خصومة من الناحية اللغوية، أما اصطلاحاً فالنزاع لا يكون خصومة إلا إذا عرض أمام القضاء.
 
ولا يتصور قيام الخصومة مع انقضاء النزاع لأنه سبباً لها وعنصراً نشط لبقائها في حين أن انقضاء الخصومة لا يعني حتماً انقضاء النزاع كما هو الحال عند انتهاء الخصومة انتهاءً متبسراً اجرائياً دون صدور حكم فاصل في موضوعها(29 ). فمثلاً سقوط الخصومة لأي سبب من أسباب السقوط لا يؤدي إلى سقوط الحق في الدعوى وإنهاء النزاع، بل ينحصر ويقتصر أثره على زوال إجراءات الخصومة فقط، دون أن يمنع ذلك المدعي من تجديد دعواه مرة أخرى أمام المحكمة.
 
ويذهب جانب من الفقه إلى القول بأن مصطلح الخصومة يطلق على النزاع في ذاته أو على النزاع في مظهره، فإذا أطلق هذا الاصطلاح لدلالة على النزاع في ذاته فإن الخصومة تعرف بأنها ((الحالة القانونية التي تنشأ من حين عرض النزاع على القضاء)) بينما إذا أطلق لدلالة على النزاع في مظهره فإن الخصومة تظهر في صورة سلسلة من الأعمال المختلفة يوجب القانون القيام بها حتى تصل الخصومة إلى النهاية(30 ).
 
وخلاصة القول أن النزاع حقيقة سابقة على الخصومة يمكن أن يُحل دون أية خصومة فهو ظاهرة غير قضائية، وقد يستمر أيضاً حتى بعد صدور حكم فاصل في موضوع الخصومة، كما إذا قرر الخصم المحكوم عليه الطعن في هذا الحكم.
Page 9
 المبحث الثاني
 
طبيعة الخصومة والمبادئ الناظمة لها
 
رأينا في المبحث السابق أن الفقه القانوني الحديث يتفق على أن الخصومة عبارة عن مجموعة من الإجراءات القضائية المتتابعة التي تهدف وتسعى إلى الحصول على حكم فاصل في الموضوع.
 
إلا أن الخلاف والجدل الفقهي مازال محتدماً حول طبيعة الخصومة فيما إذا كانت تعتبر عقداً قضائياً أم رابطة قانونية أم عملاً مركباً أم شكلاً للعمل القضائي، وبما أن الخصومة تنطوي على القيام بإجراءات قضائية مختلفة فإنه ينبغي أن تحاط هذه الإجراءات بمجموعة من المبادئ التي تمثل جوهر نظام الخصومة.
 
وعليه نرى تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين اثنين:
 
في الأول نتناول طبيعة الخصومة، وفي الثاني نبحث المبادئ الناظمة للخصومة، وذلك على الوجه التالي:
 
المطلب الأول: طبيعة الخصومة:
 
رغم الإجماع الفقهي على وحدة الخصومة إلا أن وجهات النظر الفقهية قد تباينت بصدد طبيعتها( 31)، وسبب هذا الاختلاف الفقهي هو أن الخصومة تؤدي إلى إيجاد مجموعة من العلاقات ومجموعة أخرى من الآثار والنتائج التي تمس أطراف الخصومة وغيرهم.
 
وهذا الأمر دفع الفقهاء إلى بحث وتناول ودراسة هذه العلاقات والآثار الناجمة عن الخصومة، وظهرت بهذا الصدد عدة آراء فقهية. وعليه نتناول فيما يلي أهم هذه الآراء مع بيان وجهة نظرنا بهذا الصدد من خلال تقسيم هذا المطلب إلى فروع أربعة وذلك على الوجه التالي:
 
الفرع الأول: الخصومة عقد قضائي:
 
مفاد هذا الرأي أن الخصومة تعتبر عقداً أو شبه عقد نتيجة لاتفاق وهمي أو افتراضي بين الإرادات مضمونه اتفاق الخصوم على طرح نزاعهم أمام القضاء مع رضائهم التام بالحكم الذي يصدر منه، ولهذا فإن الواجبات التي تقع على عاتق الخصوم والقاضي لا تعتبر واجبات قانونية، بل هي واجبات يفترضها العقد. وقد وجدت هذه النظرية سنداً لها انطلاقاً من عدم إمكان المدعي ترك الخصومة إلا بموافقة المدعي عليه إضافة إلى نسبية آثار حجية الشيء المحكوم فيه والتي تشبه نسبية آثار العقد بما يستدل منه على وجود عقد قضائي بين الخصوم( 32).
Page 10
وهذا الرأي وإن نجح على تبرير التزام أطراف الخصومة بآثارها لارتباطهم بعقد قضائي، ألا أنه يقف عاجزاً أمام تبرير التزام الغير بآثار الخصومة.
 
أيضاً إذا جاز القول بأن للمدعي إرادة تتمثل في رفع الدعوى واللجوء إلى القضاء فأنه يصعب ويتعذر القول بأن المدعى عليه يملك نفس الإرادة فهو مدفوع على اللجوء إلى القضاء وتوجه إليه الدعوى بمنأى عن إرادته(33 ).
 
 ويؤخذ أيضاً على هذا الرأي عدم دقته في التأصيل والتحديد فالواجبات التي تقع على عاتق الخصوم والقاضي مصدرها ومرجعها أحكام القانون وليس اتفاق الخصوم، فالالتزام المدعى عليه بالحضور تحت طائلة وعقبى المحاكمة الغيابية، قد فرض لتفادي لجوء المدعي إلى استيفاء حقه بنفسه، والتزام القاضي بالفصل في الخصومة ينبع من الوظيفة العامة الرسمية الموكلة إليه لغايات المحافظة على حسن سير العدالة(34 ).
 
الفرع الثاني: الخصومة رابطة قانونية:
 
ذهب أنصار هذا الرأي( 35) إلى القول بأن الخصومة لا تخرج عن كونها رابطة قانونية متعددة الأطراف تتضمن نوعين من الروابط أولهما رابطة بين الخصوم أنفسهم، ومضمونها مجموعة من الحقوق والالتزامات المتبادلة، وثانيهما رابطة بينهم وبين الدولة ممثلة بهيئة المحكمة فهذه الرابطة القانونية مستقلة عن حق الدعوى كونها تنشأ بتقديم المطالبة القضائية وهي مستقلة عن الحق الموضوعي لأنها تعتبر رابطة إجرائية وليست رابطة موضوعية، وهي رابطة مركبة لتضمينها حقوق والتزامات متعددة، ويترتب عليه وضع الخصوم في مركز قانوني يؤدي إلى تعدد الروابط القانونية في الخصومة، والتي تعبر بمجملها عن رابطة واحدة تضمن واجب القاضي بإجراء ما يلزم للفصل في طلبات الخصوم وحق الخصوم في إثارة النزاع أمام القضاء وما ينطوي عليه من القيام بجميع الأعمال الإجرائية اللازمة لسير الخصومة(36 ). 
 
ومن حسنات هذه النظرية أنها تكرس صراحة ما ينشأ بين الخصوم وبينهم وبين القاضي من علاقات وتلقي الضوء على الالتزامات المفروضة على عاتق الخصوم في تسيير الخصومة والحفاظ على ديمومتها، إلا أن مثالب عدة وجهت إليها كان من أبرزها أنها استعارت للخصومة تكييفاً قانونياً دون أن تبقى لهذا التكيف مدلوله السليم.
 
فالرابطة القانونية سنداً للنظرية العامة للقانون هي علاقة ينشئها القانون بين شخصين بمنحة أحدهما سلطة وفرضه على الآخر واجب يقابل ذلك أن هذه السلطة وتلك الفكرة المستمدة من وحي القانون المدني، تنسجم وواقع فكرة الخصومة التي لا تعدو عن كونها مجرد روابط إجرائية، فضلاً عن أن القول بأن الخصومة رابطة قانونية يجعلنا نعتبر الخصومة مجرد أثر للمطالبة القضائية من حيث أن المطالبة ليست إلا إجراء من إجراءاتها.
 
الفرع الثالث: الخصومة عمل قانوني مركب:
 
يذهب أنصار هذا الرأي( 37) إلى القول بأن الخصومة لا تخرج عن كونها عملاً قانونياً مركباً. معللين ذلك بأن الخصومة عمل تتابعي واحد يتألف من ثمة أعمال يقوم بها الخصوم أو ممثليهم والقاضي وأعوانه وأحياناً الغير، وهذه الأعمال تتعاقب وتتابع زمانيياً ومنطقياً بحيث يعد كل عمل مقدمة منطقية للعمل الذي يعقبه، ورغم ترتيبها لآثار خاصة بها إلا أنه يربطها وحدة الغاية حيث تتجه جميع هذه الأعمال في النهاية إلى هدف واحد وهو إظهار حقيقة النزاع وصدور حكم فاصل في موضوع الخصومة.