Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا العام مهم جداً في حياتي لأن الأحداث التي حصلت معي فيه كبيرة. قد تكون عادية لغيري ولكنها بالنسبة لي عظيمة. فبعد أن أكملت ........عاماً من عمري. لا أريد أن أذكر كم هو عمري بالضبط ولكن المقال يحتاج، فعمري ثلاثون عاماً وسبعة عشرة، فقد أخشى أن أذكرها مجتمعة، ولا أصدق أحياناً أنا نفسي أن عمري أصبح هكذا فكيف يصدقه الآخرون.
بعد هذا العمر أسافر إلى القاهرة، ولوحدي، بالطائرة. هذه ثلاثة أحداث كبيرة. لأني لم أعتد إلا أن أكون بقرب أحدهم. والآن أصعد إلى السماء...........الغيوم. هذا الحدث الكبير دون أن يكون أحدهم جالساً على المقعد المحاذي لمقعدي لأمسك بيده عند شعوري بالخوف أو الرهبة من المجهول الذي سيحدث لي. رباه. إن دقات قلبي تزداد ارتباكاً عند التفكير فقط في أنني هل سأخاف أم لا. سأخفي قلقي عن الشخص الذي يجلس بمحاذاتي ولن أشعره بشيء. ولكن لو أن هذا الشخص أحد أقاربي لعبرت عن نفسي: أنا خائفة، ولانتهى الأمر لأني عندما أفعل هذا أخرج ما في نفسي ليكون التوازن، ولكن عندما أغلق على شعوري الباب فإنه سيزداد ويندفع.........ولكن ماذا أفعل.........لا أدري لأني أتعب كثيراً عندا أخالف طبيعتي التي خلقي الله عليها ثم أعود للتصرف ببساطة كما يحلو لي.........فليدث ما يحدث.
الحمد لله أن أحداث ركوبي الطائرة مرت بسرعة، ولكن ما ضايقني أن الكل، كل المسافرين يعلمون ما سيفعلون وما سيشعرون إلا أنا التي كانت تراقب بصمت ما يجول حولها وتنظر من شباك الطائرة وكأنها في حلم أصعب شيء فيه أنها لا تستطيع أن تخبر الشخص الجالس بجانبها عن مشاعرها لأنها لم تعتد في أحداث كبيرة مثل تلك إلا مشاركة الآخرين ما يجول بخاطرها.
.........القاهرة...........أكبر عاصمة عربية......... مدينة دولية.............. ما أكثر ما سمعت عنها وقرأت أولى رواياتي أثناء طفولتي وصباي. هذه الأماكن التي حصلت فيها أحداث قصصي بالإضافة إلى العدد الهائل من المسلسلات. لقد أحسست أخيراً أنني شخص يعيش ضمن هذا المسلسل الكبير الذي أعيش فيه ويتكلم كل من حولي اللهجة المصرية. نجحت بالتكلم بهذه اللهجة السهلة ولكن ليس دائماً... فمع المزح ينجح الأمر ولكن عندما تكون جاداً وتحاول شراء شيء فلا ينجح.
القاهرة...........هذه الكلمة صارت تعني لي الاتساع. فكل ما فيها واسع...........الأشجار ........الجسور.......... الأنهار .... الشوارع..........العالم..........ولكن بالرغم من اتساعها إلا أنها تغص بكل شيء......مملوءة بالبشر والسيارات والأشجار والمحلات... أحسسن أني أعيش أيام المماليك ثم أيام الحرب العالمية ثم الهجوم الإنجليزي الفرنسي عليها. ورأيت فيها كل الأشخاص الذين عاشوا فيها دفعة واحدة. بآثارهم، بأنفاسهم، وبما تركوا من خلفهم من مبان مختلفة. أحببت فيها كل شيء من أول نظرة. لون المباني القديمة.... جمال شكلها وغرابته.... الجسور... الأضواء التي تنعكس على نهر النيل بألوانها المختلفة حيث تنعكس الألوان بقدر قوتها وألوانها على سطح المياه. الفرح المتلألئ، كل شيء يغني بصوت عال.......هل أنا في الحلم. أم افي الحقيقة؟ ومتى كانت الحقيقة كبيرة إلى هذه الدرجة؟ رأيت صفحة المياه التي كانت تكافح وبكل شدة حتى تذهب الأثر الذي تتركه حبات المطر على سطحها. تتحرك كأنها سجادة كبيةر ينفضها صاحبها تترقرق مع الدفعات التي تأخذها من أولها إلى آخرها بينما كنت أجلس بذلك المطعم المتحرك داخل سفينة كبيرة. ربطت بإحكام، وبينما كنت أركب ذلك القارب الذي يجري بسرعة على أنغام الموسيقى الذي تنبعث منه. الأنغام العالية والأضواء القوية الملونة. ولكن كل من كان بذلك القارب لم يكن يتضايق من الأصوات العالية، فقد اعتادوا عليها. ولو عشت هذا اليوم فقط في مصر لكفاني ولقلت إنني رأيت كل شيء واستمعت بكل ما هو غريب وجديد وكبير. ولكن مضيفي الطيب وعدني بأكثر من ذلك. ولكني أخاف إن بقيت عندهما أكثر أن أحبهما فوق ما أحبهما الآن وأتعلق بهما وينفطر قلبي لفراقهما: ابنتي وزوجها فالإثنان في نفس المنزلة ونفس المكانة وأحبهما معاً وكثيراً وأخشى عندما أتركهما أن أجد في نفسي الألم الذي وجدته عندما أتيت لزيارتهما في ترك بقية (أجزاء حسمي) أفراد عائلتي.
حي الهرم
السبت 25/12
القاهرة
Page 2
(2)
بدأت تختلط الحقيقة بالحلم لهذا اليوم الثاني لوجودي في هذه المدينة الكبيرة كاختلاط الحليب بالشاي في كوب شخص يجلس على الطريق يفكر ويراقب الليل والنهار بينما كنا نستقل تلك السيارة. ركبنا سيارات كثيرة. ووجه الشبه بينها أنها قديمة جداً وتسير بسرعة على غير هدى بينما يتسابق المشاة مع تلك السيارات في كيفية قطع الشوارع الكبيرة المزدحم، يبدو لي ذلك المنظر من الحركة في الشوارع أحياناً مثل شريط من فيلم ولكنه يعرض على سرعة عالية.
قلت لمحدثي بينما كنا نقطع الشارع ركضاً نحن الثلاثة: تصور يا بلال أن لا أحد يعرفني في هذه المدينة الكبيرة إلا شخصان فقط. شعور غريب.
- ليس شخصين فقط. فنحن وكل أصدقائنا هنا نعرفك.
- ولكني لا أعرفهم. وبالكاد أميزهم. فقط وجهاكما من أعرف.
- طيب وهل سمعت بمترو الأنفاق؟
- نعم كثيراً.
- الآن سترينه.
بدأنا الإجراءات بوصولنا إلى قاعة كبيرة مثل قاعات المطار واشترينا التذاكر زهيدة الثمن ومررنا من ممرات لا تكاد تضع التذكرة حتى يفتح لك باب وتأخذها من الجهة الأخرى وقد دمغت بإشارة ثم عبر الدرج إلى مكان تحت الأرض. لقد رأيت هذا المكان من قبل. ولكن أين؟ نعم في الأفلاك الأمريكية. عندما تنظر إلى المكان الذي سيمر منه القطار بعد قليل، إنه منخفض أقل من الرصيف بحوالي المترين، ولكن عندما أقبل القطار كان بمستوى الأرض، دخلنا بسرعة لأن أبوابه تغلق بسرعة بعد ثوان وجلسنا على المقاعد القليلة نراقب من خلال الجدران الزجاجية التي تسمح لنا بالنظر وقراءة المحطات التي يتوقف منها بسرعة ثم يعاود السير، أحياناً فوق الأرض وأحياناً داخلها وأحياناً ثالثة تحت نهر النيل. يخامرك الخوف أحياناً بينما تجلس في شيء يسير بك نحو المجهول لا ترى أوله أو آخره.
Page 3
مسجد الأزهر. هذا الشامخ عبر العصور في مكانه ينتظر. تتعاقب الأجيال التي تعيش حوله إلا أنه ما زال ينتظر. ومسجد الحسين بقربه يشجع أحدهما الآخر على العيش بتلك المنطقة ولا أخفيكم أنني تفاجئت وكنت أظن أن المنطقة التي يقطن بها أفضل وأرتب وأنظف. التحف الفرعونية تباع بكل مكان وكأن لا ما ض لمصر سوى الفراعنة. يحاولون إلصاقها بهم في كل شيء، أما تاريخها الذي نتمي للمسليمن فإنه مهمل. من بين كل تلك الأشياء المصفوفة بالدكاكين من الآلهة الفرعونية والتماثيل والتحف بعضها على شكل حيوانات أو حتى حشرات تمثل الآلهة القديمة والأهرامات الصغيرة متعددة الأشكال والأحجام والألوان أو حتى العقود والسناسل لم أجد شيئاً يمثل التاريخ الإسلامي إلا ورق البردي الذي كتبت عليه آيات كريمة أو لوحات قرآنية أو صناديق مزخرفة. السياح ينتشرون بكل ما مكان وخصوصاً عند قهوة الفيشاوي. لا تكاد قدمك تأخذ مكانها بين هذه الجموع الغفيرة التي أخذت كل الكراسي المصفوفة في كل مكان تشرب الأرجيلة وتراقب المكان بابتسامات المفاجأة.
كم هي جميلة تلك الأنفاق الدائرية الصغيرة تحت الجسر التي تتسع فقط للأشخاص بالمرور من خلالها. جلس في إحداها رجل يقرأ القرآن بصوت عال يملأ المكان حتى يمر الناس ويشعوا له مبلغاً من النقود. لم نكن لنخطو إلا ويدعوك أحدهم للإنضمام إلى تلك القهوة أو غيرها ولكننا جلسنا في مكان لتناول الأيس كريم وأم علي المزينتين بالمكسرات المحمصة.
لم أشعر بتلك الغربة التي كانت تسيطر على عندما كنت أسافر إلى سورية. مع أن سورية أقرب لبلدي فقط كنت أحزن على الأردن عندما كنت أسافر وأتركها لئلا تفتقدني وأعود لأؤكد لها أنني سأعود لها قريباً.
عدنا لذلك الجسر الملتف الطويل الذي يبلغ طوله 16 كيلو متراً ومررنا من المكان الذي سهرنا فيه أمس على نهر النيل وكأني كنت هناك من حقبة طويلة. شربنا العصير ثم عدنا إلى البيت نحمل ما اشترينا من تلك الأماكن والأسواق البسيطة، بعض تلك الأسواق التي كانت تتسابك معاً بينما نمشي من سوق إلى آخر مثل المتاهة كانت تذكرني بأسواق مثيلة لها في دمشق لعلها بنيت في نفس الحقبة الزمنية التي أعادتنا إلى عصور كان للمسلمين فيها أمجاد وعراقة وتاريخ نقشت على كل حجر في تلك المنطقة.
القاهرة: الساعة الحادية عشر مساءً
الأحد 26/12
Page 4
(3)
نسيت كاميرتي هذا اليوم. فآثرت الاحتفاظ بالصور في مخيلتي. وكم ستتسع تلك المخيلة من صور وأحداث. وهل سيأتي يوم لترسل فيه إشارة كما يفعل الكمبيوتر بأنها امتلأت ولا مجال لاستيعاب المزيد، أو أن عليك أن تلغي بعضها..........تلغي بعضها بضغطة زر.......... لو أن هذا يحدث!!
اضطررنا للجلوس فترة صغيرة على المقاعد التي تصطف على الرصيف نراقب حركة الناس والحافلات............لشد ما أثار استغرابي صغر تلك الحافلات في مدينة كبيرة كهذه ولكن عددها الكبير يغطي صغر حجمها.
ثم جلسنا في حديقة جميلة لفندق زوسر الضخم فقد بني على ثلاث أضلع لمثلث متساوي الساقين وتركت المسافة داخل هذه المثلث لاستراحة تحتوي على برك ونوافير وشلالات ومقاعد للاستمتاع بتلك الجلسة الهادئة بينما يحدك من الجهات الثلاث بنايات عظيمة رصت غرفها المتشابهة المتساوية بإحكام. جلسنا بانتظار القهوة نتحدث عن شتى المواضيع. كان المكان والزمان يحرضان على الكلام. وتكلمنا كثيراً عن العلاقات الدولية بين الأقارب وغير الأقارب وارتبطت كل نافذة من أمامي يمخيلتي بفكرة وكل ضوء مضاء بأمل يشع بحياتي، والرسوم الفرعونية على الواجهة بأحداث غريبة، وأحسست أن حياتي القادمة تتدحرج مثل كرة لا أستطيع التنبه لما يرسم عليها لأن حركتها مستمرة وأحببت أن أعرف ماذا سيحدث لي ولكن ذلك يبقى بعلم الغيب ويبقى الأمل يرسل أشعته الفضية لتنير ذلك الجزء الصغير من الكمبيوتر ألا وهو الذاكرة والمخيلة.
أصرت ابنتي وزوجها على زيارة محل الحلويات القريب من بينهما لتذوق الجاتو والعصير في محلات الجوادي، ولكني لم أستطع تناول العصير لأنهما لا يتركان المجال لمعدتي بالراحة فحملهما بلال معه إلى البيت. ولم أنس أن أتابع الأخبار حين وصولي للبيت حتى اطمئن على الناس الذين يعيشون في جنوب شرق أسيا والذين تعرضوا لزلزال عنيف أعقبه زيادة في المد مما أدى إلى دمار مدن بأكملها.
أكثر ما يضايقني بوجودي في تلك البقعة من الأرض أن مضيفي لا يسمح لي بدفع أي مبلغ ثمناً لأي شيء نشتريه بل إنه لا يسمح لي بالتفكير في ذلك حتى، والشيء الوحيد الذي أستطيع فعله حيال هذا الأمر هو أن أدعو الله عز وجل أن يبارك له في ماله ووقته وجهده وزوجه وأن يعوض عليه خيراً في الدنيا والآخرة.
في هذا اليوم الأثنين آثرنا البقاء في البيت نتابع برامج التلفزيون ونشرب الشاي، غفا مضيفي بينما كنا نتابع أحد البرامج، فنحن لثلاث ليال خلت بقينا خارج البيت للساعة الثانية عشرة أو الواحدة، ويغادر إلى عمله في صباح اليوم التالي الساعة السابعة. بكيت عندا سمعت صوت ولدي الحبيب على الطرف الآخر للمكالمة. لا أعرف لماذا فأمس سمعت صوت أخي ثم زوجته وفي اليوم الأول سمعت أصوات الجميع... ! لم أسمح لأحد برؤية تلك العبرات. غادرت إلى غرفتي مبكرة.........بحجة أنني سأنام......... وبقيت ساعتين أنتظر النعاس لأن يغزو جفوني الحزينة.
الثلاثاء 28/12
Page 5
(4)
هل حدث وأن لامست وجنتيك نسائم البحر اللطيفة ودغدغتها. وهل سبق وأن اقتربت من هذا الكائن واستمعت إلى إشارته وفهمتهما. وهل سبق أن سمعت حديث السماء له وهما يتناجيان بهدوء في جو ملائكي جميل. وهل سمعت ما قاله البحر للسماء عن إفساد أجوائه الطبيعية من تمزيق هدوئه وتلويث مياهه وجلب المذكر... يا له من منظر. صحيح أن الإنسان أضفى جمالاً على المنطقة بتزيينها بالأنوار الملونة المتلألئة، وسير به البواخر العظيمة بشتى الألوان، ولكن هذا الرقص والاختلاط والتلوث! وماذا عسى هذا البحر أن يفعل حيال هذا؟ إنه يتمرد بعض الاحيان بأمواجه الغاضبة ويلتقط الأشياء والناس أحياناً لقعره العميق ولكنه يعود لهدوئه وانسيابه ويسامح. ولكنك لا تستطيع أن تعرف ماذا يضمر في داخله، فنحن لنا السطح فقط.
كانت رحلتنا اليوم على ثلاث مراحل مع البحر: في الأولى مراقبته من بعيد بالجلوس وتناول البوظة مرة أخرى من نافذة المول الضخم ثم الاقتراب من البحر عبر الشارع ثم الجلوس إليه وملامسته والسرور بضيافته والاستمتاع بكرمه والتمتع بنسماته العليلة التي تشفي القلوب وتعيد الروح للحياة.
تذكرت ابنتي فاطمة وأنا أنظر إلى نهر النيل من خلال النافذة الزجاجية المطلة وتخيلت ماذا يمكن أن تطلق عليه اسما للدلع، وعجزت عن ذلك ولكنها ولو كانت هذا لاستطاعت ذلك لقدرتها الفائقة على اشتقاق الأسماء من خلال الكلمات.
القاهرة
الأربعاء 29/12