Page 1
الأَفعــــــــــــــى
امْرَأَةٌ بَيْضاءْ
عَلى خَدّها نَجْمَةٌ تَسْري بِأَعْصابِ الْمَكانْ
تَجْلِسُ بصهيل مراياها وَعِنَبِها
إِلى طاوِلَةٍ مُثْقَلَةٍ بِالْكُؤوسِ وَالْعَرَقْ
وَشُعَراءٌ قَتَلَةْ
يَأْكُلونَ اْلأفْعى بِذَنَبِها
امْرَأَةٌ تَضجُّ سَنابِلُ قَمْحِها بِسُهولِ إِيران الْفَسيحَة
وَنيرانِها الْمُقَدَّسَةْ
تَرُصُّ كَأْسَ الْعَرَقِ الْمُثَلَّجِ عَلى خَدِّها
يَدُسُّ إِلَيْها سادِنُ مَعْبَدِ الشِّعْرِ الأُوغاريتِيّ الْهَرِم
السّادِنُ الْمَسْكوبِ مِنْ عَرَقِ أَبي سِعْدى عَلى شَكْلِ تِمْثالْ
مِنْ تَحْتِ الْكَلِماتِ الْواضِحَةْ
أَحْرُفاً مِنْ دُخانٍ غامِضْ :
Je t'aim
وَالشُّعَراءُ الْقَتَلَةْ
يُغَنُّونَ بِلُغَةٍ واضِحَةْ :
يــا مــارِيـّــا···،
وَالْمَرْأَةُ تُغَنّي :
يا الْبَحَرْ ··· Je t'aim
ثُمَّ تُلْصِقُ وَجْهَها الْمُتَعَرِّقَ بِزَخَمِ اْلأنوثَةِ إِلى وَجْهي
وَتَهْمِسُ لي بِفَمٍ نِصْفِ سَكْرانْ
أُكْتُبْ لي قَصيدَةْ ··
Page 2
وَكَأْسُ الْعَرَقِ الْمُثَلَّجُ مَرْصوصٌ عَلى الْخَدّْ ،
وَالْفُستانُ يَسْحَلُ قَليلاً عَنِ الرُّكْبَتين
رُكُبَتينِ رُخامِيَّتَيْنِ تَصْهَلانِ في بِرْكَةٍ مِنَ الْعَرَقِ الشَّفّافْ
وَالشُّعَراءُ الْقَتَلَةُ يُغَنّونَ بِكُؤوسِهِمِ الْمُشْتَعِلَةْ :
يـــا مـــارِيّــــا ···
وَأَقولُ لَها نِصْفُ دائِخْ ··· ،
كَيْفَ أَكْتبُ قَصيدَةً بِلا مُبَرِّراتْ ·· !!
لكِن الشّاعِرَ الْهَرِمْ
الذي يُوَزِّعُ الْكُؤوسَ عَلى حِجارَةِ الْمَعْبَدْ
وَالشُّعَراءُ الْقَتَلَةْ
يَذْهَبونَ في الثّانِيَةِ لَيْلاً إِلى الْجَحيمْ
وَيَذْهَبُ شاعِرٌ واحِدٌ
واحِدٌ فَقَطْ
لِيَأْكُلَ الأَفْعى بِذَنَبِها
Page 3
نَـــصُّ سُـــلَيمانُ
مِنْ أَيْنَ يَنْبُعُ اسمُكَ ··
مِنْ أَشْجارِ الْزّيتونِ حَوْلَ بَيْتِكَ
أَمْ مِنْ يَنابيعِ وادْي اليابِسْ
هَذا الاسْمُ الَذْي يَحْرُثُ سَهْلَ حُورانْ
يُثْمِرُ طِوالَ الْيَومْ
وَتَنْضُجُ ثِمارُهُ أَفْكارَاً طازِجَة
كَيْ تَحْفُرُ مَجْرى آخَرَ لِنَهْرِ الأُرْدُنْ
كَيْفَ اسْتَطَعْتَ الْعُثْورَ عَلَيّ
في زِحْامِ الدّبابيِر الْهائِجَةِ وَزُهورِ الَّليْلَكِ الشّامِيّ
كَيْفَ عَرَفْتَ أَنِّي أَحْمِلُ لَوْنَكَ
فَحَمَلْتَ إِلَّيَّ نَبيذَ صِباكْ
وَأَسْقَيْتَهُ غابَةَ السَّواعِدِ الْغاضِبَةِ حَوْلي
وَسَيَّجْتَني بِفولاذِكْ
لمَْ يَزَلْ نَبيذُكَ لَذيذاً يَسيلُ عَلى لِحْيَتي الْمُدَبَّبَةِ كَرَأْسِ خِنْجَرْ
وَأَقْواسُ قُزُحْ ،
تِلْكِ الْمُتَناثِرَةُ في فَضاءاتِنا الْحَميمَةْ
نَقْذِفُها بِحِجارَةِ كَلِماتِنا
فَتَنْكَسِرُ قِطَعًا عَلى طاوِلاتِ اْلأرْسوزي
تَذْكُرُ كُنّا مُثْقَلَيْنِ بِأَسْلِحَةِ الشِّعْرِ الْبِدائِيَّةِ
وَكانَتِ الْكِلابُ الْمُدَرَّبَةْ
تَحْشُرُنا في زَوايا مُظْلِمَةْ
تَبْحَثُ في جُيوبِنا عَنْ قُصاصاتِ الشِّعْرْ
وَقْتَها كُنّا نَضَعُ بِجِدٍّ قُرونَ خِرافِ السَّماءِ بَيْنَ أصابِعِنا
مُنْهَمِكين بِغَزْلِ صوفِ الشِّعْرْ
Page 4
أيْنَ ذَهَبَ النَّسّاجونْ !!
وُعُولٌ تَجيءْ
وَوُعولٌ تَذْهَبْ
وَلا تَزالُ مَلامِحُنا واضِحَةً عَلى زُجاجِ كافْتيرْيا الآدابْ
وَلازالَ وَقْعُ خُطُواتِنا الْجامِحَةِ عالِياً في مَمَرّاتِها
وَلازالَ ضَجيجُ أسْئِلَتِنا وَلُهاثُ ذُكورَتِنا يَمْلآنِ مُدَرَّجاتِ الْعَرَبي وَالإنْجِليزي
وَلازالت الطّالِباتُ يُسْنِدْنَ مَراياهُنَّ النّاعِمَةَ عَلى الشَّبابيكِ الْخَلْفِيّةْ
كَمْ مَرّةٍ أَمْسَكْناهُنّ بِجَرائِمِهِنّ الْصَغْيَرة
يَبْثُثْنَ مَلامِحَهُنَّ اليانِعَةَ أَشواقَ الْمَرايا
ولازالَ صَهْيلُ أَشْعارِنا نابِتاً كَعُشْبِ الْجَداوِلِ في الأمْسِياتِ الشّعْريّةْ
ولازالَ النّادِلونَ في اللاّتِيِرْنا وَالْقِنْديلِ يَرْفَعونَ الأكْوابَ وَالزُّجاجاتِ الْفارِغَةِ مِنْ أمامِنا وَيَضَعونَ غَيْرَها
وَلازالوا يَسْكُبونَ وَيَسْكُبونَ
وَلا نَنْتَهي
وَلَمْ تَزَلْ غاباتٌ شاسِعَةٌ تَمْتَدُّ وَراءَ وَعْيِنا
وَضَعْنا عَلى ذُؤابَةِ كُلِّ شَجَرَةٍ فيها قِنْديلاً أَزْرَقَ اللّوْنْ
أَذْكُرُ سَرَقْنا لَوْنَهُ مِنْ سَماءِ شَبابِنا الزَّرْقاءَ الْخالِصَةْ
أَذْكُرُ كانَتْ زَرْقاءَ كَبَحْرْ
وَلَمْ تَزَلْ صُورَةُ الْمَرْأةِ الْباكِيَةِ عَلى جِدارِ اللاّتيِرْنا تَسْفَحُ دُموعَها
لمَْ تَتَوَقَّفْ في أَيِّ لَيْلَةٍ نَتَسَلَّلُ فيها إِلى الْمَقاعِدِ الْخَشَبِيّةْ
إنَّها امْرَأَةٌ تَنْظُرُ إلَيْنا بِحَرارَةٍ ، وَتَبْكي
لَسْتُ أَدْري ··
تَبْكي لَنا أَمْ عَلَيْنا ؟!ٌ
إِنَّها امْرَأَةٌ مِنْ لَحْمٍ مَشْوِيٍّ وَشالٍ مَلْفوفٍ عَلى نَهْدَيْنِ نافِرَينِ يَقْطُرانِ دَماً
دَمُ الشَّوارِعْ
Page 5
دَمُ الْجِنِّيّاتِ في الصّالِحِيّةْ
دَمُ أَصْدِقائِنا الشُّهَداءْ
يا لَهُمْ مِنْ أَصْدِقاء··! ، ما أَنْ نَتَعَرّفُ عَلى طيبَتِهِمْ حَتّى يَقولوا لَنا :
سَنَذْهَبُ الليْلَةَ في رِحْلَةٍ خارِجَ دِمَشْق وَنَعودُ بِالْهَدايا ··
وَلكِنَّهُمْ لا يَعودونْ ·
أَيْنَ هُمُ الآنَ يا صَديقي ··
أَيْنَ هُمْ يا سُلَيْمانْ ·· !!
أَقْمارٌ مَصْلوبَةٌ عَلى الأُفقِ فَوْقَ قِمَمِ جِبالِنا الْعالِيَةْ
أَقْمارُ حُزَيرانَ الصّافِيَةْ
تِلْكَ الَتي تَقْطُرُ دَمَاً صافِياً كَالْمَرايَا
أَسْماؤُهُم الْبَسيطَةُ صَلَياتُ رَصَاصٍ تَنْطَلِقُ بِعَصَبِية
بَيْنَ حُروف أَشْعَارِنا
وَوُجوهُهُم الْفَتِيُة الْمُعَفَرَةُ بِالدَّمِ وَالتُّراب
خُيُولٌ فِلِسْطينيةٌ جَامِحَةْ
تَقْفِزُ فَوقَ الْحُفَرِ الْغَامِضَةِ والأخاديدِ الْبارِدَةْ
وَها أَنا ·· أَغْسِلُ يَدَيَّ بعَصْيِر الشِّعْرْ
وَأَمْلأُ زُجاجَ قَلَمي بِأَمْطارِ الْقَصيدَةْ
كَيْ لا أَتْرُكَ عَادَتي الطيِّبةْ
أُعَلِّقُ الشَّمسَ في كُلِّ ظُهَيرَةٍ عَلْى خَشَبِ السَّماءْ
فَوْقَ سَطْحِ بَيْتِي تَمامًا
أُعَلِّقُها بِمَسامِيرَ صَلبَةْ
لِتَخْتَرِقَ أَشِعَتُها الْكَثَّة
جُدْرانَ بَيْتي وَنَوافِذَهْ
وَها أنْتَ الآنْ ··
Page 6
تَلُفّ زاوِيَةً بارِدَةً حَوْلَ جَسَدِكَ الطَّرِيّْ
تَنْبُشُ تُرابَ الذّاكِرَةِ عَنْ بِرادَةَ الْحَديدِ التي تَساقَطَتْ مِنْ لَحْمِك
كَيْ تُعيدَها أكْثَرَ صَلابَةً وَخُشونَةً
ثُمَّ سَوِيّاً رَغْمَ عَقارِبِ السّاعَةِ التي تَلْدَغُنا بِسُمومِها ،
نَبْحَثُ بِإصْرارٍ عَجيبٍ في ضَوْءِ الأكَواخِ الْمُحيطَةِ بِنا
عَنْ شُعوبٍ لَمْ تَصِلْ إلَيْها أيْدينا
لكِنَّها تَصْهَلُ في الْمُخَيّلَةْ
تَذوبُ خُطُواتُنا عَلى أرْصِفَةِ عَواصِمَ قاتِمَةْ
طُرُقاتٌ شَتّى ··
عَلى جانِبَيْها حُقولٌ مُحْتَرِقَةٌ وَجَداوِلُ جافَّةْ
نَعْرِفُها رَغْمَ الإصْفِرارِ الذي يَبْتَلِعُها مِثْلَ أَفْعى الْكوبْرى
فَما هذِهِ الْمَدينَة التي خِلْتُها لي
الْمَدينَةُ التي تُدْعى عَمّانْ !!
رَأْسُ حَرْبَةٍ تَخْتَرِقُ الصَّدْرَ مِنْ جانِبَيْهْ
أَمْ ذِئْبَةٌ تَعْجِنُ طينَتَنا جِراءَ صَغيرَةْ
تَنْهَشُها بِهَرافَةٍ وَهَوَسْ
أَمْ أُنْثى بارِدَةْ
تَتَّخِذُ مِنْ جُلودِنا مَفارِشَ وَسَتائِرٌٌٌٌٌٌٌْ!! ٌٌ
ٌٌٌٌٌٌٌٌهذِهِ الْمَدينَةُ التي تَنْفُرُ مِنّي كَفَرَسٍِ عاقَّةٍ شَموسْ ٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌ
وَتَنْقادُ لِفِئْرانِ الْكِتابَةْ
تَلُمُّ بِراحَتَيْها ما تَساقَطٌَ مِنْ فَمي مِنْ كَلِماتٍ
Page 7
كَيْ تَحْرِقَني بِها
لَنْ أَقولُ لَكَ كَيْفَ أصْنَعُ خُبْزي وَأَبْذُرُ قَمْحَ قَصائِدي
فَلَمْ تَعُدْ أشْعارُنا دُخاناً تَسْعى حُروفُهُ الْقُطْنْيَّةُ وَراءَ بَناتِ الشّامِ وَاللّحْمِ الْحَديدِيِّ الْمُرَقّطٌٌٌٌْ
لَقَدْ تَعالَتْ تِلالُ السِّنينِ واتَّسَعَتْ سُهوبُها
وَلَمْ تَعُدْ الْعُيونُ التي أحْبَبْناها عَميقَةَ السّوادٌٌٌٌْ
لَقَدْ تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ يا صَديقي
وَاخْتَلَفَ مَذاقُ الأحاسِيسْ
إِنَّ الضِباعَ تَجْوبُ تِلالَنا وَسُهُوبَنا بِعَدْوانيّة بَغيضَةْ
وَرِياحُ الشَّمالِ تُعَرّي أَشْجَارَ حُقُولِنا بِكَراِهيةٍ واضِحَةْ
رِياحٌ مُرعِبَةٌ تَدورُ عَلْى أَراضِينا كَحَجَرِ الرّحَى
لكِنّنا ··
لَسْنا قِطَطَاً هَرِمَةً تَبْحَثُ عَنْ فَرائِسَ كَسْولَةْ
إِنّنا لازِلْنا نَغْرِفُ مِنْ غُدران الْعُمْرِ مِياهاً عَذْبَةْ
وَلا زَالتْ أَصابِعُنا الْماكِرَةْ
تَسْري تَحْتَ غِلالاتِ نُهودِ فَتَياتِنا الطّيِّعاتْ
ولا زِلْنا في أَشكْالِنا الْبَديعةْ
سِباعاً ضَاريةْ
نَنْشُرُ في رِياحِ الْجِهاتِ الأرْبَعْ
رَاياتِنا الْمُتَرَنَّخَةَ بِالدّمْ ٌٌ
Page 8
أربعـةٌ على حِصـانِ الْحـُبّ
أَرْبَعَةُ أَوْلادْ
كنّا أَرْبَعَةَ أَوْلادٍ فَرِحينَ بِقُلوبِنا الصَّغيرَةْ
نُفَتِّشُ عَنْ فَتَياتٍ نُحِبّهُنْ
نَلْتَقي في ساحَةِ الْمَدْرَسَةِ ، نَنْثُرُ أَمَامَنا تَفاصيلَ الإشاراتِ مِنْ وَراءِ الأبْوابِ الْمُوارِبَةِ وَالأسْطُحِ وَالدَّكاكين ·· نَمْضُغُها بِشَغَفٍ واضِعينَ أَصابِعَنا عَلى نُقاطِ ، التَّماسِ بَيْنَ النَّظَراتِ الْخَفِيَّةِ وَالابْتِسامَةْ ·
كُنّا فَخورينَ أَنَّ لَنا فَتَياتٍ مِنْ عُشْبِ الْمَدارِسِ، نَتَسَلَّلُ مَساءً إِلى حاراتِهِن، فاتِحيَن في جُيوبِنا الُخَلْفِيّةِ أَمْواساً حادَّةً، أَمْواساً مُتَحَفِّزَةً تَحْتَ جِلْدِ الضَّحِيّةْ ·
كُلّ هذا الدَّم لأجْلِ أَنْ نُلْقي تَحِيّاتِنا الْخَجولَة إلى أعْتابِ بُيوتِ فَتَياتِنا ، تِلْكَ الْمُتَكِئات عَلْى خَشَبِ الْبَوّابات ، أَرانِبَ مُشْاكِسَةً تَنْفُضُ غُبَارَ بُرُودَة الْكَسَل عَنْ فِرائِها تَحْتَ ظِلِّ الْمَساء ·نَحْنُ الْعُشْاقُ الصّغارُ بِقُلُوبِنا الصّغِيرَة ، لَمْ نَكُنْ نَفْهَم أَنَنا بِحـارٌ تَسْبَحُ الأَرْضُ فيهَا كَجَرَادَةٍ مَنقوعَةٍ بِرَذاذِ الْمَوْجْ ·
كُنّا أَرْبَعَة
أَرْبَعَة أَوْلاد
نَذْرَعُ بَسـاتينَ أَرِيحـا بِخُطُواتِنا الْصَبيّة مَساء ، طَاوِينَ كُتُبنا الْمَدْرَسّيّة في جُيوبِنا ، وَمُرْسِلين أشْواقَنا إِلى فَتَياتِنا وَهُنّ يَقْطِفْنَ زُهورَ الْمَسـاءِ وَيَضَعْنَها في الأصُصِ عَلى الشـَّبابيكِ الْمُطلَّةِ ، ثُمَّ يُلَوِّحْنَ لَنـا وَيُسْدِلْنَ السَّتائِرْ ·
كنّا أَرْبَعَةٌ ·· وَكانَ الشَّجَرُ النَّعْسانُ يُشْبِهُنا وَكُنّا مُتْرَعينَ بِغِبْطَةِ الْحَياةْ غَيْرَ أَنّ جَرادَةً سَوْداءَ بِحَجْمِ الإبْرَةِ تُعَشِّشُ في تَجاويفِ قُلوبِنا الصَّغيرَةِ ، كانَتْ تُؤْلِمُنا كَثيراً كُلّما عُدْنا إِلى بُيوتِنا مُتَلَفِّعينَ بِأَوْراقِ الشَّجَرِ اللَّيْلِيِّ ، فَالشَّجَرُ اللَّيْلِيِّ يُشْبِهُنا ··
أَغْصانُه أَسْقُفُ بُيوتِنا
وَتُرابُهُ الْحيطانْ
وَلُحاؤُهُ مَصاطِبُ الأكْواخْ
وَظِلالُهُ الأَراجيحُ وَأَحاديثُ الْغُزاةْ
... ولأنَّ الشَّجَرَ يُشْبِهُنا نَقْطُفُ ثِمارَ أفْكارِهِ الْمُضيئَة ، وَنُثَبِّتُهُ عَلى جِباهِنا مَرْبوطـاً بِعَصَبِ الأدْمِغَةِ ، ثُمَّ نَطـيرُ في طُرُقـاتِ الْمُخَيّمِ مَعَ الْوَطاويطِ إِلى أَوْكارِنا السِّرِّيةِ ، حَيْثُ يَكْشِفُ لَنا الطَّريقَ مُخْتَفينَ عَنْ نُباحِ الْكِلابِ الضّـالَّةِ وَمُفاجآتِها مِنْ خَلْفِ زَوايا الْبُيوتِ ، وَ في جُيوبِنـا أَمْواسٌ مَفْتوحَـةٌ···نَحْنُ الأرَبَعَةُ ·· فَقَدْ عَلِمْنا مِنْ أُمَّهاتِنـا أَنَّ الْحَليبَ الذي رَضَعْنـاهُ لَمْ يَكُنْ صافِيًا ، لَقَدْ كانَ مَمْزوجاً بِنَجيـعِ الدَّمِ الْمَنفي وَشَهْوةِ الْجوعِ ·· وَلا تَهْدَأ جَرادَةُ الْقَلْبِ إلاّ إذا رَبَطْنا ثِمارَ الأفْكارِ الْمُضيئَةِ تِلْكَ بِعَصَبِ أَدْمِغَتِنا ، وَثَبَّتْنـاها تَماماً عَلى جِباهِنا ، بَيْنَما يَهْبِطُ رُخٌّ مَهيبٌ مِنَ السُّكونِ عَلى الْبُيوتِ ، حَيْثُ رَجْعُ النَّشيـجِ رَباباتٌ مَشْدودَةُ الأوْتارِ ، وَناياتٌ آتِيَةٌ مِنَ الْجِبالِ الْمَسْروقَةْ ··
... وَنَحْنُ الأرْبَعَةُ ، نَحْرُثُ بِسَكاكينِ اللَّيْلِ صَفَحاتِ كُتُبِنا سائِرينَ إِلى حُقولِ قَمْحٍ نَظيفَةٍ مِنَ الزّيوانِ ، حتّى إذا انْتَهَيْنا مِنْ وَقْتِ الْكِتابِ فَلَتْنـا عَصائِبَ شَرايينِنا ، وَدَلَفْنا إِلى حَفلاتِ الْمَوْتِ الْمَجّانِيّ مُمْتَطينَ صَهيلَ دَمِنا ، بِأَيْدينا رَسائِلُ صَغيَرةٌ لِفَتَياتِنا ···
Page 9
تَنْسَلُّ فَتَياتُنا مِنْ عَجينَةِ الأكْواخْ
تَنْسَلُّ بِثِيابِ الأعْراسِ الدّامِيَةْ
عَلى رُؤوسِهِنَّ أكاليلُ الْمَوْتْ
وَسَقْفٌ هائِلٌ مِنْ عَتمَةِ الْقارْ
حَيْثُ نُسَلِّمُهُنَّ بِأكُفٍّ مُرْتَجِفَةْ
قُصاصاتٍ مِنْ نَزْعِ رَمَقِنا الأَخيرْ
قَصاصات رَسائِلِ الْمَوْتْ
كَيْ يَصِلْنَ بِسَلامٍ ·· يَداً بِيَدْ
إِلى أَشْباحِنا الُمُلْتَهِبَةِ تَحْتَ قِشْرَةِ الأرْضْ
أَشْباحنا ذات الرَّصاصِ الذي لا يُخْطئْ
أَكُّفُنا مُتَشابِكَةٌ وَآثارُ خُطانا عَلى بَعْضِها ··
مِنَ النَّهْرِ إِلى الْبَحْرِ نَسيجُ أَقْدامِنا ···
وَمِنْ ساحِلِ الْغَوْصِ إِلى حُراّسِ الثِّمارِ الْمُضيئَةْ ··
كلَّما نَمشي تَتَّسِعُ الأرْضُ مَعَ خُطواتِنا ··
فَتَتْبَعُنا النُّجومُ وَالأَوْدِيَةْ ،
وَتُرَفْرِفُ حَوْلَنا قُلوبُ فَتَياتِنا الْمَثْقوبَةُ وَراءَ الْبَوّاباتِ الْمُتَوَجِّسَةْ ··
نَحْنُ الأَرْبَعَةْ ···
أَرْبَعَةُ جُدْرانٍ لِكوخٍ واحٍدْ ··
أَرْبَعَةُ فَلَسْطينِيَّينَ في زَوْرَقِ التّيهْ
أَرْبَعَةُ عُشّاقٍ عَلى حِصانِ الْحُبّْ ··
أَرْبَعَةُ وُجوهٍ لِقَضِيّةْ ···
نَحْنُ الأَرْبَعَةْ
ماضونَ بِوُجوهِنا الصَّخْرِيّةِ الْجَنائِزِيَّةْ
خَلِيّةٌ مِنْ أَرْبَعَةِ بَنادِقَ مَحْشُوّةْ
تَصْعَدُ الأَغاني مِنْ قُلوبِنا إِلى فَضاءِ الْمَوْتْ
الْمَوْت الْجَريء عَلى أَسْيِجَةِ الْحُقولْ
في مُخَيَّلَتِنا الْجَنّةُ وَالرَّصاصُ الذي لا يُخْطِئ الْغُزاةْ
نَحْنُ الأَرْبَعَةْ ··
فَخورونَ أَنَّ لَنا فَتَيات مِنْ عُشْبِ الْمَدارِسْ ··
نَدُسُّ لَهُنَّ رَسائِلَنا الْخاصّةَ جِدّاً···
رَسائِل الْمَوْتْ ·
Page 10
الشَّـــجَرات المقدَّســـــة
عَلى بَوّابَةِ قَرْيَتِنا
تِلْكَ الْموغِلَةِ في الْقِدَمْ
تَقِفُ شَجَراتُ تينٍ عَتيقَةْ
فارِدَةً أَجْنِحَتَها في جَسَدِ الْفَضاءْ
مَنْ يَراها يَرى عَمالِقَةً كَنْعانِيّينَ يُلَوِّحونَ بِأَذْرُعَتِهمُ الضَّخْمَةْ
أَوْ أُسوداً كَبيَرةً رابِضَةً
أَوْ نُسوراً هَرِمَةً قَوِيَّةً تَفْرِدُ أَجْنِحَتَها الّتي تَسُدّ الأُفُقْ
أُسودٌ وَنُسورٌ وَعَمالِقَةٌ يَحْمونَ قَرْيَتَنا
تَحْتَ الشَّمْسِ الْمُتَلألِئَةْ
وَالليْلِ الشَّديدِ السَّوادْ
وَالْمَطَرِ المُتَساقِطِ بِشَغَفْ
يا لَها مِنْ أَشْجارْ
مُنْذُ أَنْ غَرَسَها جَدّي الْقَديمْ
لَمْ يَزُرْ قَرْيتَنَنا لُصوصُ الْقُرى وَوُحوشُ الْبَرِّيَّةْ
حَيْثُ كَبُرَتْ طُفولَتُنا بَيْنَ أَغْصانِها وَالْبُيوتِ الْحَجَرِيَّةِ
وَطُيورِ الْبَساتيْن
يُنيخُ تَحْتَها الْقادِمونَ مِنَ اْلأماكِنِ الْقَصِيَّةِ جِمالَهُمْ
وَيَفْسَخُ الْمُسافِرونَ أَحْمالَ سَياراتِهِمْ ْ
وَيُقيلُ الرُّعاةُ قُطْعانَهُمْ
وَتَأْوي إِلَيْها الأغْنامُ الشّارِدَة
وَالْكِلابُ الضّالَّةْ