eKtab
EN ع
إشكالية الغياب : في حروفية أديب كمال الدين
Read free sample

إشكالية الغياب : في حروفية أديب كمال الدين

by صباح الانباري

Page 1

أنْ تكتبَ بمحبّة

سعد محمد رحيم

1

حين يبلغ ولعك ووجدك بنص ما، أو مجموعة نصوص، الدرجة اللطيفة والنقية والسامية فإنّ عين الرضا تجعل ذلك النص يزدهر عند تخوم النقد، لا في أعماقه وأقاصيه.. هنا يكون للكتابة- عن النص- بهاؤها الخاص وجماليتها الفريدة.. أسمّي هذا اللون بـ (الكتابة العاشقة؛ أنْ تكتب بمحبّة).. هذه المحبّة ليست موجّهة لشخص كاتب النص - بحكم علاقة صداقة طويلة مثلاً - بل إلى النص ذاته، حيث الحكم عليه يأتي بعد قراءته وتذوّقه وتمثّله والانبهار به، ومن ثم تقويمه.

أنْ تكتب بمحبّة، هذا لا يعني أن تعمى، تهمل، تتجاوز، تغفل عن الأخطاء، وتتقبّل كلّ شيء على علاته. بل على العكس - وهذا ما يجب أن يحصل - فمحبّتك تقودك إلى الحرص، وإلى تنبيه مَن تحب إلى زلاته واختلالات نصه، كي لا يكررها أو دعوته إلى عدم إظهارها للآخرين قبل إيجاد الحلول- التقنية والبنائية- لها. وهي الكتابة كما أفترض التي تجنِّب من تكتب عن نصِّه الشطط والحكم المسبق وتدخّل الأهواء السلبية. ولكن كيف نتأكد أن الكتابة العاشقة الـمُحِبّة لن توقعك تحت هيمنة أهواء من نوع مختلف، وهذه المرّة إيجابية؟!

صباح الأنباري يتقن هذا النمط المشع والجذّاب من الكتابة. وهو إذ يشتغل على نصوص الشاعر أديب كمال الدين فإنه يكتب قصيدته الشخصية التي ألهمتها إياه قصائد أديب؛ قصيدة في لبوس كتابة نثرية جادة لها بعدها النقدي، غير أنه ليس النقد المدرسي الجاف وليس النقد الصحافي الأخواني.. فالأنباري في هذا الكتاب يمنحنا تجربة استمتاع بقراءة كتاب نقدي كما لو أنك تقرأ نصاً إبداعياً.. وإذن كيف نصف هذا الجنس من الكتابة التي هي قراءة لنص آخر والكتابة عنه؛ أنطلق عليها تسمية؛ النص الموازي للنص الإبداعي، أم النص المجاور له، أم النص المكمِّل الذي يرتاد فراغات النص الأصل ويبرقشه؟

هذا الكتاب ليس نصاً اعتباطياً شاحباً عن نص آخر، ولا حتى نصاً على نص.. إنه نص متولِّد من نص آخر - هو نص أديب كمال الدين - يقرأه ويضيئه، يكشف معانيه وظلال معانيه.. يصل إلى قيعانه، وإلى عتماته، ويستنطق ما أخفاه، ما أضمره وحجبه، ما سكت عنه.. نص يحفّ بالنص المقروء ويحتضنه أكثر مما يتقدم عليه أو يعقبه.. يتماهى معه، يعكسه وينعكس فيه.

هذا الكتاب لا يمكن عدّه محض قراءة انطباعية لقصائد شاعر.. إنه أوسع أفقاً وامتداداً من ذلك على الرغم من الحضور النسبـي للرؤية الانطباعية فيه أيضاً. وهو ليس نقيصة على أية حال.. فأن تجعل من كتاب نقدي دعوة حقيقية لقراءة تجربة مبدع ما فلابد من لمسات انطباعية تمنح الكتاب رونقاً وطراوة ودفئاً وقوة إغراء.

صحيح أن الأنباري لم يلتزم بمنهج نقدي معيّن من المناهج الشائعة التي نعرفها. لكنه بالمقابل لم يكن يحتطب حطب ليل.. كانت له استراتيجيته المنهجية الخاصة التي تستمد فاعليتها من معرفته بمفاهيم وآليات عمل المناهج، لاسيما الحديثة منها، ولكن من غير التقيّد الصارم بمعاييرها الحدّية وطرق اشتغالها.

Page 2

2

تقرر ندرة الشيء قيمته - هذا ما يقوله لنا علم الاقتصاد السياسي. والبحث عمّا هو نادر تحرِّكه، غالباً، الرغبة في الحصول على ثروة. بيد أن هناك ندرة من نوع مغاير؛ النادر الذي لا يمكن امتلاكه وتسليعه، وبيعه في السوق.. النادر الذي يثوي بين الأشياء وفي الأشياء وليس من أحد بمقدوره اكتشافه غير الشاعر - ومنْ ينطوي على روح شاعر - والذي يحوِّله في مصنع الإبداع بمادة الكلمات وكيمياء المخيّلة إلى صور مدهشة.. ما يرمي إليه الشاعر هو صناعة الدهشة، لا الثروة المادية.. يلتقط الشاعر النادر؛ النادر الذي قد يكون شاخصاً أمامنا ولا نراه بحكم اعتياد نظرنا على رؤية الأشياء المألوفة.. ولنتأمل- مثالاً - كيف خلقت رؤية بدر شاكر السيّاب إلى ساقية نحيلة اسمها "بويب"، وإلى قرية صغيرة وفقيرة اسمها "جيكور" تلك الأعاجيب الشعرية المذهلة. كان السيّاب يعكس جمال دخيلته وفائض محبّته ونقاء حزنه على نهره وموطنه فيحيلهما إلى فراديس، وإلى أسطورة.

أديب كمال الدين لم يذهب إلى رؤية العالم خالي الوفاض. ذهب وفي كنانته قبضة من حروف. كانت الحروف مادة خيميائه وتميمته ونافذته ومفتاحه.

عرف أديب أن الحرف مفتاح باب الوجود، ومفتاح القلب.. مفتاح الجسد والعقل والروح.. الحرف مفتاح، والحرف عالم مغلق يحرِّض العاشق الرائي على فتحه.. الحروف مفاتيح بعضها لبعض، وعوالم تتداخل بعضها في بعض.. لكل حرف جسد، ولكل حرف روح. وفيهما ما فيهما من أغوار ومسالك وثراء وغموض جسد الإنسان وروحه. ولكأنّ الحرف صنو الإنسان ومرآته. ولكأنّ الإنسان يتكشف كما البحر في قطرة، وكما الكون في إنسان، في صورة حرف وروحه. وإذن كم من الأسرار والألغاز والأحجيات تختبئ في الحرف الواحد. ذلك أننا نتشكل وعياً ووجوداً بالحرف، بضوء الحرف وسحره.

الحرف دال، إنه الدال الأول، الدال البكر، الدال ما قبل الخليقة، الدال الذي يرهص للوجود، الدال الذي ينبئ بالمسار والنهايات، الدال الذي يفصح عن الكينونة وقوة حضور الإنسان في العالم. الدال الـمُعين في إدراك الذات والآخرين، الدال الذي إن انكشف عنه الحجاب غمر العالم بنور المعارف.

وإذ راح أديب كمال الدين يحاكي رؤى وتجارب أعظم متصوفة تاريخنا وهو يقيم أبراج قصائده على أسرار الحروف، استعار صباح الأنباري منه بلاغة المتصوفة ومسالك معارفهم وطرقاتهم في فيافي اللغة ليكتب نصه الذي يصل بنص أديب كمال الدين بوشائج سرّية وقويمة. ذلك النص المفعم بالطراوة والجمال، والضاجّ بالتأويلات.

قد نتفق مع تأويلات الأنباري أو نختلف معها، لكنها التأويلات الذكية التي تثير انتباهنا وتجعلنا نقف لوهلة.... ونفكِّر.

Page 3

3

في منظور الروائي؛ العالم رواية كبيرة، معقدة، بخطوط سردية متشعبة، لا تُحصى.

في منظور الشاعر؛ العالم مكان لإثارة دهشة دائمة، ومنبع لصور يجري احتواءها بالكلمات.

في منظور المسرحي؛ العالم خشبة مسرح هائلة تُؤدّى فوقها دراما الحياة.

في منظور الناقد؛ العالم نص مفتوح لقراءات وتأويلات لا نهاية لها.

يجمع صباح الأنباري في هذا الكتاب بين منظوري الأخيرين؛ الفنان/المخرج المسرحي والناقد.. فحتى وهو يرتدي قناع الناقد فإنه لا يستطيع أن ينسلخ عن جلده المسرحي، وحتماً لا نريده أن يفعل، فهو في هذه الحالة يعطينا رؤية استثنائية لعالم أديب كمال الدين الشعري. فنراه يستدعي مفردات من قاموسه المسرحي؛ الشخوص، الذروة الدرامية، اللبوس الدرامي، النهايات.... الخ. وإذ ذاك يريد أن يشخصن، لا الحروف وحدها- محور قصائد أديب ومادته ولعبته- ولا الكلمات وحدها، بل فضاء القصائد أيضاً، ويؤنسنها.. إنه يتحرّى عن الفعل الذي هو روح كل عمل مسرحي، في القصائد حتى وإن لم يخبرنا بهذا. إن الفعل هو في حقيقته صراع نقيضين أو أكثر.. تتبارى الأضداد وتتشاكس وتقاتل لكنها تتحد أيضاً في معادلة الوجود حسب ديالكتيكها الخاص.. ولأنّ الشاعر ينحاز للحياة فإنه لا يقدر أن يتجاهل شبح الموت المهدِّد، المترصد، والواقف خلف النافذة. وبهذا يختار الأنباري الموت ثيمة رئيسة في قراءاته لمنجز أديب كمال الدين.. الموت الذي هو شكل من أشكال الغياب، أو هو أكثر تلك الأشكال تراجيدية وغموضاً.. الموت الذي من غير التمعن فيه فلسفياً وشعرياً لن نستطيع أن نفهم الحياة.

نحن نعيش في عالم متنوع، متلوِّن، متحوِّل، ومتناقض.. هذا هو قدرنا وعلّة مجدنا وعاقبة بقائنا أحياء.. فيما مأساة الوجود تكمن في أنك تدافع عن حياة لم تخترها؛ لم تختر أن تولد، ولم تختر زمن ولادتك وموطنك، ولا الأسرة التي تنتمي إليها. كما أنك تقاوم احتمال الموت الذي ليس بمقدورك - إنْ لم تقدم على الانتحار- أن تقرر توقيته وشكله وطقسه ومكانه. وفي هذه المنطقة الشائكة والملتبسة يخوض الشاعر تجربة الكتابة..

الشحنة التراجيدية في قصائد أديب عالية.. ليس هناك من كوميديا أو سخرية واضحة، وإنْ لم تعدم قصائده قدراً من التهكّم الخفي.. التهكّم الذي مصدره الإحساس بالإحباط والعجز أمام هول الأحداث وفجائعية القدر. ولهذا يفاجئنا أديب كمال الدين، على الدوام، في المتن بمعترضات تواجه خط القصيدة في لحظة ما، أو موضع ما، من النص. وهي معترضات تمنح القصيدة سمة طباقية ومن ثم بُعداً حوارياً.. إن الصراع المحتدم على مسرح القصيدة يشي بحوار ساخن، معلن أو خفي، أو مسكوت عنه، في زاوية خفيّة منها. نقرأ مثلاً؛

"في الطريق إلى الموت:

الموت القديم المقدّس

فاجأني موتٌ جديد،

موتٌ لذيذٌ بطعمِ السمّ،

موتٌ لم أحجزْ له موعداً أو مقعداً".

المفارقة ثمة جليّة وصادمة، لا على الصعيد البلاغي وحسب، بل على صعيد الدلالة والمعنى كذلك. وهي تعبير عن مأزق الكينونة الإنسانية في مواجهتها لمصيرها.

هذا ما يرصده أديب ويحيله إلى نص يستمد تعقيده وإبهامه وتقاطعاته وسحره من العالم الذي يصوِّره. عالـمٌ يعيد صياغته ويُومئ إليه.. أما الأنباري في قراءاته لقصائد أديب فإنه يصل متون النصوص بخارجها، بحياة مبدعها، وبالحياة في صورتها الكلّية، المحتدمة والمتناقضة. فهو لا يكتفي في محاولاته بسبر جوانيّة القصائد والوقوع على أبنيتها الداخلية وأنساقها المضمرة بل يعمد إلى اكتشاف روح الشاعر وشذرات من سيرته، تلك التي بعثرها في قصائده. فما يبغيه الأنباري في النهاية هو قراءة سيرة الشاعر الوجودية والذهنية والعاطفية في نصوصه. فإذ يقرأ القصيدة عبر نسق بنائها وما تخزن من معاني ودلالات فإنه يلجأ أيضاً إلى حياة الشاعر؛ إلى طفولته الفقيرة وأحلام شبابه الآخذة بالتبدد، ومنفاه، وغربته؛ غربته الواقعية، وغربته الوجودية في الآن معاً.

يماهي الأنباري ما بين الشاعر وشخوص قصائده. لكأنّ الشاعر يتحدث، ها هنا، على ألسنتهم وعبرهم، ويرى في محنتهم محنته. وربما كانت رغباته الخبيئة المكبوتة تجد متنفسها في بعض فعالهم ومواقفهم. ويُعْلمنا الأنباري أنّ قصيدة أديب ما هي إلا تمثيل فني لواقع عاشه الشاعر وخبره وتمثله، وها هو يؤدي دور الرائي الشاهد من خلال استثمار ممكنات اللغة، والقدرة السحرية الموّارة للحروف.

كان يمكن للأنباري، لو أنه تقمّص وظيفة الناقد السردي الكاشف عن البنى السردية للقصائد أن يتحدث عن الرواة داخلها لا فقط عن الشاعر المبدع خارجها. ففي سبيل المثال لو أخذنا قصيدة (حارس الفنار قتيلاً) فإنه بقراءتها في بعدها السردي كان يمكن لتأويله أن يغطي مناطق أشد غوراً في أعماق القصيدة. فالقصيدة على الرغم من ارتكازها على حدث واقعي (مقتل الشاعر المعروف محمود البريكان غدراً) إلا أنها تنطوي على شحنة رمزية وجودية عالية، وهي تحكي عن تراجيديا الحياة الإنسانية في هذا العصر الشائن والمضطرب. فالقصيدة تمثيل بالكلمات والصور لتلك التراجيديا. وأظن أن هذا يوافق كذلك توجّه الأنباري كما في رؤيته لفضاءات القصائد بوصفها مسرح حياة صاخبة تتشح بهالة مأساوية.. ولابد من أن أنوّه إلى أن الأنباري نجح في تطبيق قراءة تناصية للقصيدة وهو يضعها في مواجهة قصيدة البريكان (حارس الفنار).

Page 4

4

كل كتابة جيدة هي اختراق، هي إزاحة عن مركز وسياق وتقاليد، وتخطي عتبة إلى منطقة بكر، وقارة وجودية لم يسبق لأحد ولوجها. ولقد أراد أديب كمال الدين، بطريقته الخاصة، أن يحقق هذا مطلاً على مديات الإبداع من نافذة الحرف، لتصبح قصائده تجربة ذات ملمح صوفي عرفاني بطاقة شعرية خلاقة.. وصحيح أنه ليس الوحيد الذي فعل ذلك، من بين الشعراء، لكن فرادة تلك التجربة وسعتها والتي غطّت معظم مساحة منجزه أسّست لمشروع إبداعي ثري ومميّز.. فما كتبه ليس كشوفات مجردة في عالم الحرف، أو تقليداً مفتعلاً لبعض نصوص المتصوفة التي جعلت من الحروف مفاتيح لفكّ ألغاز الخلق، وإنما مغامرة دخول على صهوة الحروف إلى متون العالم واستجلاء قوة الحروف وجمالياتها في علاقتها بالكائن والماوراء والزمان والمكان والجسد والروح والحرية والحب والموت.

هذا الكتاب احتفالية سارّة يقيمها مبدع اسمه صباح الأنباري على شرف نصوص مبدع آخر اسمه أديب كمال الدين.

بغداد، 2 كانون الثاني 2014

Page 5

سنوات الإبداع

1975

عمل أديب كمال الدين في الصحافة العراقية ضمن كادر مجلة الف باء.

1976

تخرّج في كلية الإدارة والاقتصاد - جامعة بغداد - فرع الاقتصاد.

1976

أصدر مجموعته الشعريّة الأولى (تفاصيل) عن مطبعة الغري الحديثة في النجف.

1981

صدرت عن دار الشؤون الثقافية في بغداد مجموعته (ديوان عربيّ).

1984

ساهم في مهرجان الأمة الشعريّ، ببغداد.

1984

عمل في هيئة تحرير مجلة أسفار.

1989

صدرت له عن دار الشؤون الثقافية في بغداد مجموعته الثالثة (جيم).

1992

أعدّ للإذاعة العراقية العديد من البرامج: (أهلاً وسهلاً)، (شعراء من العراق)، (البرنامج المفتوح)، (ثلث ساعة مع...)، (حرف وخمس شخصيات).

1993

صدرت عن مطبعة الجاحظ في بغداد مجموعته الشعريّة الرابعة (نون).

1995

شارك في معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، جمع وترتيب: هيئة المعجم، المجلد الأول، الطبعة الأولى، الكويت.

1996

صدرت عن دار الشؤون الثقافية في بغداد مجموعته الشعريّة (أخبار المعنى).

1996

قدّم الناقد واثق الدايني محاضرة عن (فلسفة المعنى بين النظم والتنظير، دراسة في مجموعة "أخبار المعنى" لأديب كمال الدين) على قاعة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد.

1999

صدرت الطبعة الأولى لمجموعة (النقطة) في بغداد، مكتب د. أحمد الشيخ، وصدرت الطبعة الثانية عام 2001 في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

1999

تخرّج في كلية اللغات - جامعة بغداد - فرع اللغة الإنكليزية.

1999

نال جائزة الإبداع الكبرى للشعر عن مجموعته (النقطة).

2000

ساهم في ملتقى الشعر العراقي الفرنسي في بغداد، القصر العباسي.

2002

أمسية خاصة بمناسبة صدور مجموعة (النقطة)، اتحاد الكتاب والصحفيين العراقيين، عمّان، الأردن.

2002

عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمّان وبيروت، صدرت مجموعته (حاء) بطبعتها الأولى.

2002

ساهم في مهرجان الشعر العربـي، بيت الشعر الأردني، عمّان، الأردن.

2003

ساهم في ملتقى الشعر الأسترالي في مدينة تاوسفيل.

2004

شارك في انطولوجيا الأدب المهجري المعاصر، إعداد: لطفي حداد، دار صادر، بيروت لبنان.

2005

شارك في انطولوجيا للشعر العراقي المعاصر، (بالإسبانية): إعداد وترجمة Esteban Castroman منشورات Clase Turista، بوينس آيرس، الأرجنتين.

2004

شارك في انطولوجيا (بلد آخر) Another Country (بالإنكليزية) منشورات مجلة Southerly سدني، أستراليا.

2004

حلّ ضيفاً على جمعية الشعر- اتحاد كتاب ولاية جنوب أستراليا حيث قرأ عدداً من قصائده. وقد اختيرت قصيدته (محاولة في الرصاصة) قصيدة متميزة.

2005

تخرّج في المعهد التقني لولاية جنوب أستراليا، أديلايد - أستراليا، قسم الترجمة الفورية.

2006

حلّ ضيفا على غاليري de la Catessen في أديلايد- أستراليا، حيث قرأ عدداً من قصائده.

2006

صدرت مجموعته (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة) عن دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن.

2007

قراءة في مجموعة (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة)، محاضرة أُلقيت في نقابة الفنانين بمحافظة بابل، العراق وساهم فيها الأدباء عبد الأمير خليل مراد، جبّار الكوّاز، عباس السلامي.

2007

عن دار أزمنة في عمّان، صدرت مجموعته (شجرة الحروف).

2007

كتاب (الحروفيّ: 33 ناقدا يكتبون عن تجربة أديب كمال الدين الشعريّة) إعداد وتقديم د. مقداد رحيم، صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.

2007

من إعداد وتقديم ذو الفقار خضر وميثم كريم الشاكري، قُدّمت على خشبة مسرح نادي الفنانين في بابل مسرحية (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة).

2007

قراءة في (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة) محاضرة ألقاها الناقد زهير الجبوري في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ببغداد.

2007

شارك في انطولوجيا للشعر العراقي المعاصر، منشورات أتلانتا ريفيو الولايات المتحدة الأمريكية.

2007

شارك في انطولوجيا للشعر العراقي تحت عنوان (على شاطئ دجلة) باللغة الإسبانية، منشورات البيرو إي - كاراكاس، فنـزويلا.

2007

اُخْتِيرت قصيدته (أرق) واحدة من أفضل القصائد الأسترالية لعام 2007.

2008

(صناعة الكتاب الثقافي: كتاب الحروفيّ أنموذجاً) محاضرة ألقاها الناقد مازن المعموري في الاتحاد العام للأدباء والكتاب ببغداد.

2008

شارك في انطولوجيا (الثقافة هي) Culture is (بالإنكليزية)، منشورات دار ويكفيلد برس، أديلايد، أستراليا.

2009

صدرت (بالإنكليزية) عن دار سيفيو في أستراليا مجموعته: أبوّة Fatherhood.

2009

صدررت مجموعته: (أربعون قصيدة عن الحرف) دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن.

2009

كتب علي العبادي سيناريو مسرحية (الحقائب السود) التي أعدّها عن مجموعة من نصوص الشاعر.

2009

شارك في (عراقيون غرباء آخرون: أنطولوجيا الشعر العراقي الجديد) (بالإسبانية)، إعداد وترجمة: عبدالهادي سعدون، إسبانيا.

2010

صدور كتاب (الحرف والطيف: مقاربة تأويلية) للناقد د. مصطفى الكيلاني وهو بحث في عالم أديب كمال الدين الشعريّ. (نشر الكتروني).

2011

عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، صدرت مجموعته (أقول الحرف وأعني أصابعي).

2011

صدور كتاب (الاجتماعي والمعرفي في شعر أديب كمال الدين) للناقد د. صالح الرزوق عن منشورات ألف، دمشق وقبرص.

2011

ترجمت الدكتورة أسماء غريب مجموعة (أربعون قصيدة عن الحرف) إلى الإيطالية وصدرت عن دار منشورات نووفا إيبسا إيديتوره، بالرمو، إيطاليا.

2011

قراءة في مجموعة (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة) محاضرة ألقاها الناقد مالك مسلماني في دار بابل للثقافة والفنون والاعلام.

2011

نالت الناقدة حياة الخياري شهادة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من جامعة سوسة التونسيّة عن بحثها (الرموز الحرْفية في الشعر العربـي المعاصر). تناول البحث أعمال أدونيس، أديب كمال الدين، أحمد الشهاوي.

2011

شارك في لوحة أوروك Uruk A Portrait of، مختارات من الأدب العراقي (بالإنكليزية) ترجمة: خلود المطلبـي، دار هرست وهوك للنشر، بريطانيا.

2012

أصدرت الناقدة التونسيّة د. حياة الخياري كتابها {أضف نونا: قراءة في (نون) أديب كمال الدين} عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان.

2012

حفل توقيع صدور وترجمة كتاب (أربعون قصيدة عن الحرف) إلى اللغة الإيطالية، بالرمو، ايطاليا.

2012

أمسية شعرية خاصة في قاعة جامعة لاهاي، هولندا. تقديم الروائي محمود النجّار. وفيها قدّم الشاعر مهدي النفري قراءة نقدية بعنوان (الحلم في شعر أديب كمال الدين).

2012

صدور مجموعة (ثمّة خطأ) Something Wrongعن دار Salmat أديلايد، أستراليا.

2012

حفل توقيع صدور مجموعة: (ثمّة خطأ) في اتحاد كتاب ولاية جنوب أستراليا - أديلايد، تقديم الناقدة الأستراليّة: د. آن ماري سمث، وبمشاركة الناقدة الأستراليّة د. هِثر جونسن التي قرأت مقالتها النقدية عن المجموعة وعنوانها: (إحساس بالسحريّ).

2012

اخْتيرت قصيدته (ثمّة خطأ) واحدة من أفضل القصائد الأسترالية لعام 2012.

2012

عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، صدرت مجموعته (مواقف الألف).

2012

شارك في ديوان الحلّة: أنطولوجيا الشعر البابلي المعاصر، إعداد: د. سعد الحداد، النجف، العراق.

2013

صدور مجموعته (الحرف والغراب) عن الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان.

2013

أصدرت الناقدة المغربية د. أسماء غريب كتابها (تجلّيات الجمال والعشق عند أديب كمال الدين) منشورات ضفاف، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان.

2013

أمسية نقديّة خاصّة عن مجموعة (الحرف والغراب) أقامها أساتذة قسم اللغة العربية في كلية التربية - جامعة ديالى وتضمّنت البحوث الآتية:

أديب كمال الدين في الحرف والغراب، د. وسن عبد المنعم الزبيدي.

المضمر النسقي ورمزيته في الحرف والغراب، د. نوافل يونس الحمداني.

الدلالة السيميائية المضمرة في الحرف والغراب، الباحث أنمار إبراهيم.

حينما يذبل عود الياسمين: تصوّرات عن الحرف والغراب، د. علي متعب العبيدي.

حمامة الشاعر وغرابه: قراءة في مجموعة: الحرف والغراب، د. فاضل عبود التميمي.

2013

تُرجمت مجموعته (ثمّة خطأ) إلى اللغة الأورديّة وصدرت عن منشورات دار كلاسيك، لاهور، الباكستان، تحت عنوان (تناص مع الموت) (متن در متن موت). قام بترجمتها الشاعر الباكستاني اقتدار جاويد.

Page 6

الباب الأوّل
الدخول إلى عالم أديب كمال الدين الشعريّ
الفصل الأوّل : سيرة ذات حروفيّة قراءة في سيرة أديب كمال الدين الإبداعيّة

"حياتي منذ الولادة وحتّى الآن تخرج من مفصل لتدخل في آخر. فلقد مررتُ بمفصل الحرب ثمّ مفصل الحصار ثمّ مفصل الغربة، وبين ذلك كله يبزغ مفصل السؤال عميقاً وكبيراً: حول الحياة ومغزاها والإنسان ودوره في هذا الكوكب العجيب"[1]

أديب كمال الدين

مقدمة

منذ أعماله الشعريّة الأولى التي صدرت بعد مجموعتيه (تفاصيل) و(ديوان عربيّ) اشتغل أديب كمال الدين على ترسيخ تجربته الحروفيّة بدأبٍ وصبرٍ وإصرار. حرث أرضه الجديدة وبذرها بالنقاط والحروف فأثمرتْ له أسلوباً حروفيّاً، وطريقة صار يُعرف بها، ويُستدّل على قصائده بوساطتها. تناول النقّاد اشتغالاته الحروفيّة بعدد كبير من المقالات والدراسات والبحوث، على مدى أربعين عاماً، مساهمين في إنضاج تجربته بعد أن أعطى لها عصارة روحه، وخلاصة تجربته، وما اختزنه من معارف، وثقافات، وإرهاصات إنسانية.

كلّ مجموعة من مجاميعه الشعريّة منحت التجربة بعداً مختلفا ونكهة أديبية مميزة حتّى استكملت التجربة عناصرها البنائيّة والأدائيّة. ومع أن الشاعر أديب كمال الدين لا ينفرد باشتغاله على الحروف وتوابعها إلا أنه تفرّد بتأسيس أسلوب مغاير لمجايليه وسابقيه. أسلوب يخضع الحرف فيه إلى عمليات انصهار، وتفاعل، وتمازج، وتداخل، وتشكّل، وتكامل، وتسامٍ حتّى يتحول إلى كائن شعري حيّ وحيويّ مؤسساً بنية أساسيّة لمبنى القصيدة ومعمارها. بنية تفضي إلى فضاءات حبلى بحياة سحريّة، وشطحات صوفيّة، وخيالات مجنّحة يتماهى فيها الواقع والوهم، الحياة والموت، الصبر والعجالة، الآني والسرمدي، حتّى يخيّل لقارئ شعر أديب كمال الدين أنه أمام عوالم حدسية لا يمكن الظفر بها مع أنها تعمل على غوايته من داخل الحرف والكلمة والنصّ. وكلّما همّ باصطيادها انفلتت منه بزئبقية مدهشة، وبلذّة كفيلة بسحبه إليها، وهيامه بها، ومطاردته لها حتّى آخر نقطة من نقاط القصيدة. ولعلّ هذا هو حال حروفه الأنثويّة الصائتة وهن يطلقن بإيقاع رتيب نوحهن الذي يختزن مرارةَ الفواجع، وألم السنين وخساراتها، ووجعهن الثَّكول وهن يندبن أعزّاء رحلوا دون وداع وغيّبوا دون استئذان، ويرقصن بحداد طقوسي، ويرددن بألـمٍ دفين لم يعدن قادرات على دفنه. يضربن الخدود، ويمزّقن الصدور، ويَدُرْنَ في حلقتهن الراقصة قفزاً كما يقفز المعذّبون بالفلقة داخل أقبية التعذيب. وهكذا الحال أيضاً مع حروفه الذكرية الدرامية في قسوتها، والقاسية في وقعها، والمعقّدة في تضادها وتناقضها كأنّي بها تريد الجمع بين الشيء ونقيضه، بين الحلم والرماد، بين السلم المنشود والحرب المدمرة، وهي على الرغم من صغر حجمها، ومحدودية مساحتها استوعبت حياة كبيرة كاملة حافلة بكل ما في الحياة من معاناة، وإرهاصات، وإشراقات، وخسارات، وخيبات، وإشارات، واستشراف لمستقبل الإنسان فضلاً عن كونها أداة طيّعة ذات طبيعة انفجاريّة، وتشظّياتيّة وهي تمسّ المهم والجوهري في حياتنا وواقعنا.

Page 7

مفصل الحرب والحصار

لقد استطاع الشاعر أن يفلسف حياتنا الصاخبة الضاجّة بالقلق والحرمان والحروب، ويترجم جوهرها الذي يراه قابلاً للتجوهر بعد أن رأى كلّ شيء، وسمع كلّ صوت، وأبصر بالعين والأذن والقلب كلّ شيء. سمع بالحرب وخاض أوارها، ورأى شوارع المدن مكتظّة بلافتات سودٍ ناعية، ومشافٍ لم تخلو ردهة من ردهاتها من جريح أو مشرف على الموت، ناهيك عن حاضنات الأعضاء المقطوعة، والمهروسة، والجثث بلا رؤوس، والرؤوس بلا جثث، والجثث المصطبغة بزرقة الموت العجيبة. أكثر من حربٍ دارت على أرض طفحتْ خيراتها حتّى استحالت نقمةً على ساكنيها. لقد رأى أديب كمال الدين طغاةَ أرض السواد وما جاورها وهم يعدّون العدّة لحروب اختلفت مسمياتها، وبُسملت معاركها بآيات من الذكر في محاولة ذكية أو خبيثة لشرعنة البدء بها، ولتزيين طغاتها، وإحاطتهم بهالة وهّاجة من العقيدة والإيمان وما كانوا يدركون أنّ مصير الطغاة آتٍ لا ريب فيه:

فإذا جاءَ يومي الموعود،

ولكلِّ طاغيةٍ أعددتُ يوماً موعوداً،

زلزلتُ به الأرضَ التي كانتْ

لا تطيقُ خُطاه

فانقلبَ تاجُه،

في رمشةِ عينٍ، إلى رماد[2]

خرج الطاغية من حربه الأولى مزهواً بحصد آلاف مؤلفة من الرؤوس الآدمية وما كانت كافية لإطفاء جمرة جنونه المتقدة. آلمه يتمها فأنجب، بعد حمل قميء، مثنى وثلاث حتّى ارتدت بغداد ثياب الدمِ، والدمعِ، والمحكومين بالصلب على مآذنها الثّكول. كان الشاعر يرى كل مساءٍ على (الطريق السريع) ببغداد قوافل المركبات محملة بالتوابيت الوطنية لشباب قُدّر لهم أن يكملوا ربع العمر أو منتصفه أو ما يزيد على ذلك قليلاً، وكانت عيناه تغرقان بالدموع وهي ترى جذور الوطن آخذة طريقها إلى الجفاف المميت:

تعبتْ بغداد من ثيابِ الدم

تعبتْ وبكتْ

وحين طلبتْ جرعةَ ماء

أعطوها قنبلةً للموتِ وسيفاً للذبح[3]

أرّقَ الشاعر أن يرى البلاد تسير من موت إلى موت وكأنّ الموت باسط جناحيه عليها دون غيرها منذ عصر فجر السلالات، وأن طغاتها من الأوّلين والآخرين لم تروِ ظمأهم حمّامات دم الشرفاء، ولم يهن عليهم أن تعيش بلاد الخوف بلا خوف. يقول أديب كمال الدين:

بعد أن خرجنا من الحرب

نرتدي معطفَ الرعبِ والجنون،

اتجهنا إلى بغداد

يتقدّمنا صاحبُ الجند

ممتطياً حصانه الأبيض مزهوّاً

ونحن من خلفه نجرّ أقدامنا جرّاً

حفاةً، شبه عراة.

قال، حين ظهرتْ مآذنُ المدينة،

"سأختار لكم موتاً جديداً".[4]

واستمر فعلاً في خياراته الدموية حتّى نال الوطن وسام العذابات الطويلة، ونال الشاعر نصيبه من تلك العذابات التي أنعم بها الطاغية عليه نقمة إثر نقمة حتّى جاء اليوم الموعود فذاق الطاغية مرارة الأسر في حرب أذلّته، وجعلت من قافلة شعرائه الأوغاد، وشعرائه المرتزقة، والمطبّلين المزمرين، والنافخين في قرب الشقاق على إيقاع النفاق هباءً منثوراً. يقول في قصيدة (شعراء الحرب):

حين ألقى البحّارةُ أصحابُ العيونِ الزرق

القبضَ على صاحبِ الجندِ في حفرته العجيبة

فرّ شعراءُ الحربِ جميعاً

فرّ كبيرهم إلى بلادِ الظلام

وفرّ صغيرهم إلى بلادِ الضباب[5]

ثمّ توزعوا على بقاع الأرض كلّها وهم الحاملون لجرثومة الحرب أنّى حلّوا، وحيثما رحلوا. لقد وضعت الحروب اللعينة أوزارها، ووضعت كل ذي حمل حملها فأنجبت لنا العاقر منها حصاراً، وجوعاً، وذلاً، ومهانة حتّى صار الإنسان يفكر بطريقة وأخرى لشرعنة أكل أخيه الإنسان. وصار الجندي يقطع المسافات مستجدياً ما يعينه على الوصول إلى أسرته. وتحوّل المعلمون إلى باعة للسجائر على أرصفة الطرقات، والأطفال إلى باعة لأكياس التبضّع، والجائعات المرضعات إلى بائعات لفلذات أكبادهن ثمّ إلى بائعات للهوى والمسرّة، وصار الناس غرباء بين ذويهم.

Page 8

مفصل الغربة ومكابدتها

لم يطق الشاعر غربته بين ذويه. لقد شدّ الرحال إلى بلادٍ غربتها أهون عليه من غربة الوطن وهو العارف بالغربة القصوى:

أوقَفَني في موقفِ الغُربة

وقال: الغُربةُ تبدأُ من الروح

فحذارِ من غُربةِ الروحِ يا عبدي.[6]

تلك الغربة صبّتْ في نفسه بحاراً من الصخب القاتل، وجبالاً من الهموم، والشجن، والشعور بنهاية آتية لا ريب فيها، وبسببها لاذ، وهو الغريب، بأبسط الأشياء سعياً وراء عشبة الحياة. يقول في قصيدة (الغريب) سائلاً النبع:

هل عندكَ دواء للموت؟

• قالَ النبع: لا.

فضحكَ الغريبُ ثانيةً

حتّى اغرورقتْ عيناه بالدموع.[7]

في هذه الغربة القاتلة، استأثرت صور الموت بمساحات كبيرة من اشتغالاته الحروفيّة حتّى تحوّلت إلى موضوعة مركزية في أغلب إن لم أقل في كل تلك الاشتغالات. ولهذا وجدتُ أن من الأهمية بمكان تقصّي مدياتها في قصائده التي تناولت سيرته كحرف أول في أبجدية حياته الشعريّة، وكشخصية حروفيّة حاولت استقراء الموت.

ولا بد لنا أيضاً أن نشير ونحن نسترسل في صياغة سيرته الحروفيّة غير التقليدية إلى أن هذه الصياغة لا تعنى بسنيّ حياته وما جرى أو طرأ عليها، ولا بحلّه وترحاله، ولا بمن تأثر أو تتلمذ على يديه.. الخ.. الخ، وأنها فقط تتطرق إلى كل هذا وذاك ولكن من خلال منجزه الإبداعي الحافل بمكابدته، ومعاناته، وتجلّياته، وشطحاته، وأحلامه منذ طفولته الدّامعة وحتّى نهاية سلّمه الإبداعي المتجدد. وبدءًا من الطفولة تتحدد ظلال تلك المعاناة على صفحات قصائده الحزينة. يقول على لسان (يوسف الصدّيق) في نهاية قصيدته الموسومة بـ (العودة من البئر) متسائلاً:

لماذا كنتَ طيّباً

كطيبةِ دمعتِكَ الطاهرة؟

ولماذا أورثتني دمعتَكَ الطاهرة

يا أبـي؟[8]

ومن هذين السؤالين المنطويين على مرارة شديدة، ومعاناة قاسية يتضح مدى هيمنة اليتم على مسرّات الطفولة، وسطوة الدمع على مباهجها، وتأثيرهما البالغ على توصيف الشاعر الذي لا يني يكررهما في قصائد مجاميعه الشعريّة. يقول في قصيدته (محاولة في البهجة)[9]واصفاً الحرف الصغير "كان يلتمع أملاً كعيد طفل يتيم" ويشبّه الانتظار في قصيدة (صيحات النقطة) بانتظار اليتيم لأبيه[10]وفي قصيدة (محاولة في الطيران) يقول:

اكشفي عن أنانيتك

حتّى أريكِ يُتمي[11]

وفي قصيدة (محاولة في الموسيقى) يقول:

الموسيقى تجيء

فأقومُ من الموتِ إليها

لنلتقي طفلين يتيمين

يتحسّران على أرجوحةِ العيد.[12]

أما الدموع في حياته فإنّها تشغل المساحة الأوسع، وتكاد تكون من مركزيّات توصيفاته الشعريّة أيضاً ففي قصيدته (محاولة في الإبصار) على سبيل المثال استأثرت مفردة الدمع بأغلب مقاطعها فجاءت في الأول محاصرة إياه "الدمع حاصرني"، ووردت في المقطع الثاني كخرافة وطفولة وجنون وعمى، وفي المقطع الخامس وردت مرتين لتأكيد الانتباه "هلا انتبهت إلى دمعتك؟" وأخيرا في المقطع السادس وردت أربع مرات عثر عليهن الشاعر ككلمات، وحروف، ونقاط، ومشبّهاً بها "أخبرني يا عمري: يا جبل الدموع". وستظلّ هذه المفردة، بصيغ المفرد والمثنى والجمع، تتابعه في تحولاته. ففي قصيدة (موقف الخطأ) تتحوّل الدمعة إلى مصدر إدانة للشاعر الخطّاء من خلال التساؤل اليقيني: "كيفَ يحدثُ هذا ودمعتُكَ لا تفارقُ عينكَ؟" ويأتي هذا السؤال متقدما على سؤالين عن الكيفية المثيرة للتساؤل والعجب:

كيفَ يحدثُ هذا وشمسي تُحيطُ بقلبِك؟

كيفَ وقد عبرتَ سبعاً من لُغاتِ الجَمر،

وسبعاً من معارك الكَفَرةِ الفَجَرة،

وسبعاً من بوّاباتِ مدنِ السُفهاء،

وسبعاً من تُفّاحاتِ حَوّاء،

وسبعاً من سكاكين صويحباتِ يوسف؟[13]

لقد أضفى الرقم سبعة، في السؤال الثاني، بتكراره نوعاً من القداسة منحته تفوقاً، وطهراً، ومبالغة في الحصانة الذاتية، وليّ عنق الرغبة الجامحة، واغتلام الشهوة الفادحة كحالة تصوّفيّة أو ارتقائيّة مانحة إياه نقاءً، وصفاءً، وهدوءًا، ودفئا روحياً يبتغيه. ويقول في قصيدة (محاولة في الحروف) "بللني الدمع وطحنتني شمس آب"[14]وفي (محاولة في الرصاصة) يقول واصفاً تحوّلات قلبه:

كان لي قلب

حين كبرتُ تحوّلَ إلى عصفور

ثمّ إلى وردة

ثمّ إلى كلمة

فدمعةٍ ورغيف.[15]

للدمعة إذن فعل ساهم - بشكل أو بآخر - في بناء سيرة الشاعر، ودعمها بالصفات التي نـزّهته عن سواه من الناس، وقرّبته عن سواه إلى الله، ومنحته شرف القيام بالمحاولة في الرثاء، والسحر، والنقطة، والموسيقى، والعزلة، والصوت، والإبصار، والحُبّ، والرصاصة.. الخ.

وفي قصيدة (موقف الدمعة) توكيد لقدسيتها إذ ترد متجلّية بصوت الله الذي مزجها بالتراب ليكون طيناً، وليكون بشراً على درجة عالية من القداسة التي دونها قداسة الملائكة جميعاً. وليكون بسببها بَكّاءً في الولادة، والضياع، والارتباك، والوحشة، والظلم، والمرض حتّى يخال أنه مولود من دمعة لا من تراب:

أوقَفَني في موقفِ الدمعة

وقال: كم بكيتَ! وكم ستبكي!

فأنا خلقتُكَ من طين يا عبدي.

وكانت دمعتُكَ هي التي امتزجتْ

بالترابِ ليكون طينا[16]

لقد تضمّنتْ جملة مقال القول على فعلين: أحدهما أشار إلى ما مضى من البكاء، والآخر إلى ما سيأتي منه في دلالة واضحة لاستمرار هذا الفعل وتوطّنه في ذات (العبد) القلقة الذي يبيّن له المعبود جوهره الطيني. وما خاتمة (الموقف) في هذه القصيدة سوى توكيد لذلك الجوهر وإن جاء على شكل استفهاميّ: "أمِن دمعةٍ خَلَقتُكَ أم مِن طين؟" ذلك لغنى الخالق عن أيّ إجابة محتملة من جهة، ولإرادته في توضيح ما وقع فيه المخلوق من التباس القصد.

وفي قصيدة (محاولة في السّحر) تتحوّل دموع الشاعر "بقدرة قادر" عند المساء إلى سَحَرة، يسألونه عن سرّ بكائه فيمنحونه ما حُرم منه من ملابس الذهب، والطيران من غيمة إلى أخرى، وسرّ اللذة، وتحويل الحلم إلى يقين. وحين توسّطت الشمس السماء اختفى الذهب، وانقشع الغيم، وتوارت اللذة، وتبخّر اليقين: "فصرختُ يا دموعي" فقال السَحَرة:

سنعطيكَ حروفنا أيّهذا الـمُعَذّب

ونعلّمكَ نقاطنا أيّهذا المحروم[17]

لتبدأ انطلاقته الحروفيّة الساحرة التي ستسم كل مجاميعه اللاحقة بميسمها، وجموحها إلى منبع الأنوار، ومحاولاتها اجتراح الأسرار الخفية منذ مجموعته الثالثة (جيم)، ومنذ اشتغاله فيها على اشراقات (كهيعص) وتجلّيات (طلسم)، و(إشارات) التوحيديّ. وصارت هيئة الحرف لازمة لعنوانات مجاميعه فمن الـ (جيم) إلى الـ (النون) ومن النون إلى الـ (النقطة) ومن النقطة إلى الـ (حاء). ولم تخلُ عنوانات مجاميعه اللاحقة من الحرف أو النقطة أو (ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة). وعندما اتسعت اشتغالاته نمت (شجرة الحروف) لتغطّي بفيئها الوارف كائناته الحروفيّة التي وضعها في (أربعون قصيدة عن الحرف) ثمّ جعل من الحرف مقصداً ومقال قول في (أقول الحرف وأعني أصابعي) أما ما يخصّ مواقفه فقد حددها في (مواقف الألف) مقتبساً جملة البدء فيها من النّفّريّ، وقد أكمل اشتغالاته تلك بـ (الحرف والغراب) وثمّة مجموعة أخرى تناولت معنى الحروف والنقاط وإن خلت عنونتها منهما كما في (أخبار المعنى).

Page 9

مفصل السؤال

بعد هذا السرد، ومحاولتنا استقراء السيرة الحروفيّة من داخل منجمها الإبداعي، وباطنها المعرفي، وجوهرها الصوفيّ، وعمقها الحروفيّ، يطرح السؤال نفسه علينا: مَن هو هذا المتبصّر بحروف الخليقة، والمستقرئ سرّ نقاط الكون، والكاشف ما خفي وراء المعنى؟

إنه الألف (أ)، أو الإنسان، أو أديب كمال الدين، أو الحروفيّ:

أوقَفَني في موقفِ الألف

وقال: الألفُ حبيبـي.

إنْ تقدّمتَ حرفاً،

وأنتَ حرفٌ،

تقدّمتُ منكَ أبجديةً

وقدتُكَ إلى أبجديةٍ من نور.

وقال: سَيُسمّونكَ "الحروفيّ".[18]

قَدَرٌ رُسِمَ له، ونبوءة عَمَلَ على تحقيقها مستعيناً بما ملك من الحروف والنقاط والمعاني، ومن نقاء السريرة وصفاء النية، وبلورة الروح، ونفاذ البصر والبصيرة، وقوة الرؤية والرؤيا، والزهد عن الدنيا، والتقرّب لأهل الله ليستأثر بما وعِدَ، وليمنح، من ثلاثة وثلاثين ناقداً أدلوا بدلاء نقودهم في بئر حروفيّته العميقة، لقب (الحروفيّ).[19]فهل اكتفى بلقبه هذا وتوقف عند حدوده الدنيا؟ يبدو لي أنه لم يكتفِ به، ولم يتوقف عند حدوده الدنيا بل انه رام ما هو أبعد منها بكثيرٍ من دون غرور، وأسمى منها بكثيرٍ من دون تبجّح، وأرفع شأناً منها بكثيرٍ من دون استكبار. لنقرأ الموقف الآتي:

أوقَفَني في موقفِ الاسم

وقالَ: ما اسمكَ يا عبدي؟

قلتُ: النقطة.

قالَ: بل الحرف والنقطة جزءٌ منه.

ثمّ قال: ما اسمك؟

قلتُ: الحرف.

قالَ: بل الحروفيّ والحرف جزءٌ منه.

ثمّ قالَ: ما اسمك؟

قلتُ: الحروفيّ.

قالَ: بل الصُوفيّ والحروفيّ جزءٌ منه.

ثمّ قالَ: ما اسمك؟

قلتُ: الصُوفيّ.

قالَ: بل العارف والصُوفيّ جزءٌ منه.

ولما كانت تجربته الشعريّة غير مقولبة داخل أطر تحجيمية، أو محددات طرازية، على الرغم من كونكريتية خلفيته الصوفيّة، فانه ارتضى بالحروفيّ لقباً شعرياً، وصفة حروفية، واسماً دلالياً فيه ما يميّزه عن سائر المتصوّفة، وسائر الشعراء جميعاً. ولو قبل بلقب (العارف) وهو لقب صوفيّ بحت لخسر ما هو أوسع من الصوفيّة وتجلّياتها. إنها الإنسانية التي منحت قصائده امتيازاً شاملاً ودليلنا عليه اهتمام النقاد على اختلاف مشاربهم ومناهلهم بقصائده الشعريّة التي وسعت أفراح البشر وأتراحهم جميعاً.

ولم تكن صفة الحروفيّ مستأثرة بصفاته كلها فثمّة صفات كثيرة أخرى تمثّلت شخصيته وما انطوت عليه كالغريب، والمنفيّ، والـمَحروم، والضائع، والـمُمتَحن، والـمُشتاق، والسَجّاد، والـمَنسيّ، والـمُتضرّع، والـمُنوّن، والـمُتصوّف، والزاهد، والعارف التي على الرغم منها اعترف بتواضع كبير أنه ما كان الا حرفاً محدد المصير كسائر حروف الدنيا:

ما كنتُ إلا حرفاً،

ما كنتُ إلا ألفاً

مَصيري إلى التُراب

إذ خلقتني من طين.[20]

ولم يكن من بعد شيئاً آخر فالفعل الناقص (كنتُ) لم يأت هنا ليعبر عن الزمن الماضي حسب، بل عن الزمنين (الماضي والحاضر) على حد سواء ولنا في القرآن الكريم أمثلة كثيرة: "كان الله سميعاً بصيراً" أو "كان الله يحُبّ المحسنين" أو "كان الله عليماً حكيماً" والمعنى المقصود في هذه الآيات هو: كان ولم يزل. إذا عدنا للصفات المذكورة سنجد أنها استأثرت بعدد كبير من قصائده، أو تضمّنتها، أو أشارت إليها ربما في أكثر من موضع أو مقطع أو بيت منها. فمن القصائد التي تناولت غربته في المواقف قصيدة (موقف الغربة) وفيها يصل إلى ثلاث موجّهات لدرء نفسه منها:

قال: مَن عَبَدَني نجا مِن الغُربة.

ومَن أحَبّني قهرَ الغُربة.

ومَن عشقني كانت الغُربةُ عنده

نَسْياً مَنسيّاً.[21]

وثمّة موجّه آخر تمثّل في الشبه القائم بين غربته وغربة الأنبياء والصالحين ومنهم: نوح، وصالح، وموسى، وعيسى، ويوسف، وأيّوب، والحسين فهو بين المارقين أو (الكفرة الفجرة) كالأنبياء والصالحين تسامى على من أنكر صوت الحق قامة ومقاماً. وعلى الرغم من تمسّكه بتلك الموجّهات والمشبّهات إلا أنّه لم يستطعْ على الغربة في بلاده صبراً فشدّ الرحال مبحراً وهو العارف بالقرصنة التي تقوّض القلب في بحور الغربة، وهو العارف أنه الغريب الذي لا أرض له، ولا مستقر، ولا مَن يعينه على عذابه المقيم، وضياعه المكتوب:

أنا الغريب

لا أرض لي ولا هدف

لا وجهة ولا رغبة ولا قرار.

جرّبتُ الحكمةَ والغيبَ والنساء

واللهو والغنى والحروب

فلم أجدْ أيّ شيء يعينني

على عذابـي المقيمِ وضياعي المكتوب.[22]

وبقدر تأثير الغربة عليه كمحروم و"مفتون تتقاذفه الدروب والبلدان والسنين"[23]فإنّها احتضنت أغلب نتاجه الإبداعي مذ وطئت قدماه دروبها التي تقاذفته في لياليها جمراً، وثلوجاً، وبكاءً وقصائد ارتقت به سلّم الإبداع والشهرة سواء تلك التي كتبها باللغة العربية، أو التي ترجمها إلى اللغة الانكليزية. ومن مميزات ذلك النتاج الشعريّ أنه خصص أربعة مجاميع منه تضمنت كل مجموعة على موضوعة تشظّت إلى عدد من الموضوعات المختلفة مثل مجموعته (ديوان عربيّ) الذي انقسم على عدد من الدواوين الفرعية مثل: ديوان الأسئلة، ديوان المقابلات، ديوان الأشياء.. الخ. أما مجموعته الموسومة بـ (أخبار المعنى) فقد تضمّنت كل ما يتعلّق بالمعنى مثل: موت المعنى، أخطاء المعنى، صراخ المعنى، راء المعنى.. الخ. وتضمّنت مجموعة (النقطة) على محاولاته المختلفة مثل: محاولة في الرثاء، محاولة في الطيران، محاولة في الكتابة، محاولة في الحروف.. الخ. وأخيراً جاءت مجموعة (مواقف الألف) لتضمّ مواقفه المختلفة مثل: موقف الألف، موقف الظلام، موقف الكلام، موقف الجسد.. الخ. إنّ كل مجموعة من هذه المجاميع الأربع بموضوعاتها الرئيسة المختلفة، وطرق توزيعها وتقسيمها أكدّت، بما لا يقبل الشك: قدرةً شعرية كبيرة ومكنة أدائية عالية وفيضاً من الأفكار الراقية القادرة على الانفلاق، والاستنسال، والابتكار، والتألق، وشكّلت بحسب رؤيتنا لها مثابات شعرية مهمة، ومحطّات أساسيّة انطلقتْ منها قاطرات أديب الشعريّة مجددة مسارها على خطّ سيرته الحروفيّة.

سيرة ذات حروفيّة إذن هي قراءة تأمليّة في سيرة منجز أديب كمال الدين الإبداعي، ونتاجه الشعريّ بما حفل به من محاولات، ومعانٍ، ومواقف، وإشارات، ومغامرات، وسندباديات، وشطحات، وإشراقات، وغور في الحقيقة المطلقة. سيرة نأمل أن نكون قد وفّقنا في كتابتها بطريقتنا غير التقليدية.

Page 10

الفصل الثاني : تمهيد في الغياب، والتشاخص، والحروفيّة، والموت

"الموت هو الحرف الأعظم. إنّه الحرف الذي لا يسبقه حرف ولا يدانيه حرف. وكشاعر اتخذ الحرفَ وسيلةً فنيّةً وروحيّةً حتّى صرتُ بفضل ذلك أُدعى بـ (الحروفيّ)، أقول: إنّ الحرف والحروفيّة، بل الشعر والشعريّة، إنما هي احتجاج على الموت وتنديد به، ومحاولة للالتفاف عليه وتحجيمه وتخفيف سطوته وعنجهيّته وعبثيّته."[24]

أديب كمال الدين

أولاً: الغياب

لا وجود لما نسميه موتاً بغياب الكائن الحي. بل لا وجود لأيّ منهما بغياب الآخر فهما وجهان لعملة واحدة يستحيل الفصل بينهما على الرغم من اختلاف بعضهما عن بعضه الآخر في التفصيل والجوهر. أحدهما ديدنه الحركة الدائبة المستمرة التي لم ولن تتوقف على مرّ العصور والأزمنة. والآخر ديدنه السكون الذي لا قرار لسكونيّته على مرّ الأزمان والعصور. وثمّة تناقض ظاهر يحكمهما ويجعل الصراع بينهما قائماً لا محالة.

للغياب أوجه عديدة أكبرها وأكثرها تعقيداً وتأثيراً في الكائنات الحية هو الموت. وللموت أصابع من نار تطول الناس جميعاً، تقتنص بهجة أيامهم، وتبسط لهم كفاً من لظى الغياب للرحيل الأبديّ. كل ولادة جديدة للحياة تزيد تلك الأصابع ناراً واستئثاراً بفرصة إضافية للقبض عليها. وكلّما سقطت ورقة كائن من شجرة الحياة حضرت تلك الأصابع بعزرائيلية مرعبة لتمارس طقس فرحها الجهنمي في تغييب الروح. هذا الموت بوجهه الثابت أو بوجوهه المختلفة العجيبة، والغامضة هو ما استأثر بدراستنا التي سنشتغل فيها عليه كثيمة مركزية للغياب في قصائد الشاعر الحروفيّ أديب كمال الدين.

ومن أشكال الغياب التي خزنتها ذاكرتنا الجمعية (غيابة الجب) في قصة الصدّيق يوسف وهي من القصص القرآنية المعروفة التي بيّنت سبب اختيار الأخوة للبئر مكاناً لتغييب أخيهم وهم الذين يعرفون أنّ القتل غياب أبديّ، وأنّ في الجُبّ خياراً آخر مرهونا بمرور السيّارة والتقاطهم للمُغيّب. وتشكّل غيابة الجُبّ لأديب كمال الدين واحدة من أسوأ أمكنة التغييب لعمقها، وظلامها، وغموض ما فيها، وسريّة ما تدّخره من الأهوال والرعب والرهبة. وهي في الوقت نفسه رحم الأرض وحِضنها الرؤوم المستقر، وسرّتها، وموضع الأسرار الدفينة، فضلاً عن كونها التجويف المثير غريزياً. كما تحفظ ذاكرتنا الطفلية بعض ما سمعناه عن سكانها من الجن، والأشباح، و(الطناطلة) وما تزخر به من القصص العجيبة والغريبة.

في قصيدة (العودة من البئر) استحضر أديب كما الدين شخصية الصدّيق يوسف لتلقي أسئلة عتبها على الأب غيابياً:

لماذا تركتهم يلقونني في البئر؟

لماذا تركتهم يمزّقون قميصي؟

لماذا تركتهم يكذبون[25]

ومن سياق الأسئلة يبدو لنا السائل صبياً فطناً عارفاً بمسؤولية أبيه، وضعف أبيه، وبعدم قدرته على مقاومة سحر لثغتها، وأنوثتها الطاغية فهي هنا الأنثى المشتهاة، وهي خازن الأسرار، وسَقّاءَة الظمآن، وحاضنة المغيّب جزئياً أو كلياً. جاء في لسان العرب: "هي العادِيَّةُ القديمة لا يعلم لها حافر ولا مالك، فيقع فيها الإنسان أو غيره، فهو جُبار أي هَدَرٌ، وقيل: هو الأجير الذي ينـزل البئر فينقيها أو يخرج منها شيئاً وقع فيها فيموت". من الواضح أن أديب كمال الدين الذي اقتبس الحكاية من مصدرها القرآني لم يقتبسها حرفياً، أو لنقل أنه يروي الحكاية خارج سياقها المعروف بعد أن تماهت شخصيته مع شخصيتها الرئيسة. فإذا كان المصحف يروي عما حدّث ليوسف بطريقة الراوي العارف بكلّ شيء فإنّ أديب كمال الدين يروي عن نفسه بنفسه بطريقة أنا ضمير المتكلم:

صحتُ: سلاماً

إنني أهوي إلى القاع.

فهل سقطتْ دمعتُك

من بؤبؤ الحزنِ حتّى تراني؟[26]

في القصيدة ثمّة اتجاهان متعاكسان يشير الأول إلى الأعلى وفيه تصعد روح الأب إلى السماء، ويشير الثاني إلى الأسفل حيث علقت روح الأبن في غيابة الجُبّ وظلّت على حالها وهي تترقب العودة والخروج من قعر المأساة السوداء وزمهريرها الذي ابتليت به إلى حيث الحياة والدفء والنور الذي حُرِمتْ منه. في (قصيدتي الأزليّة) يكرر أديب كمال الدين الحكاية نفسها وما جرى له ولأبيه كما وردت في القرآن الكريم لكنه يبتكر لها نهاية أخرى تمثلّت في قول السيّارة:

ما قالوا: يا بشرى هذا غلام

بل قالوا: واأسفاه هذا هُلام.[27]

وحيث لا نفع للّسيّارة منه فقد تركوه في غيابة الجُبّ ومضوا لحال سبيلهم فظلّ على حاله يكابد أمر الدنيا والآخرة وإذ غادرها وهو يحمل منها جرحاً غائراً، تمنى لو أن في بيته بئراً أخرى غير التي احتضنته وضمته إلى صدرها بأذرع حجرية دون روح.

كلّما تذكّرتُ الماضي

وددتُ لو أنّ بئراً في البيت

لأنظر فيها وأمسح الذكريات بهدوء.[28]

فهو يبغي من البئر الثانية شفاءه مما ورث عن الأولى من الداء الممض وكأنّي به أراد أن يداويها "بالتي كانت هي الداء"[29]

لقد أثّرت فيه البئر تأثيراً مبيناً، وارتبطت عنده بالذاكرة ومفازاتها، وبالأسرار وغموضها، وبالطلاسم ومغاليقها، وبالأوصاف ومفرداتها، وبالغياب وآلامه المريرة حتّى حفرت لها في مخياله أكثر من صورة وصورة فها هو ذا في قصيدة (صورتان لبئر) يشبه بها ذكرى أنثاه قائلاً:

ذكراكِ تشبه بئراً مهجورة

تخرجُ منها الأشباحُ كلّ ليلة

لتعنّفني بإشاراتها وحركاتها[30]

ولما كانت البئر مرتبطة بشكل أو بآخر بأخيلتنا المجنّحة، وتصوراتنا لموجوداتها الرهيبة فأنّ الشاعر يلقي فيها الحجارة كل يوم لأربعين عاماً كي تخرج ما فيها من الأحلام والرؤى لكن السلاحف فقط هي التي تتحرك في غيابتها السوداء.

البئر كما نراها في قصائد أديب تمثل أسوأ حالات تغييب الطفولة، وحرمانها، ويتمها وهذا هو العامل المشترك الأعظم بين طفولته ويتمه وبين طفولة يوسف الصّدّيق ويتمه الإجباري. فالأول حُرم من أبيه الذي مات بين يديه وهو لا يزال طفلاً، والثاني حُرم من أبيه بتغييبه عنه في غيابة الجُبّ أولا وعيشه في بلاط العزيز ثانيا. وفي الحاليتين وقع فعل الغياب وأثره على طفولتهما المعذبة.

ومن أشكال الغياب في قصائد أديب كمال الدين أيضاً الغربة بوجوهها المختلفة وأشدّها تلك التي أشار إليها أبو حيّان التوحيديّ في كتابه (الإشارات الإلهيّة) حين قال:

"أغرب الغرباء من كان غريباً في وطنه، وأبعد البعداء من كان بعيداً من محلّ قربه.. لأن غاية المجهود أن يسلو عن الموجود، ويغمض عن المشهود، ويُقصَى عن المعهود.. يا هذا.. الغريب من إذا ذكر الحق هُجِرَ وإذا دعا إلى الحق زُجِرَ"[31]

وأشار إليها أديب كمال الدين في مواقفه قائلاً:

أوقَفَني في موقفِ الغُربة

وقال: الغُربةُ تبدأُ من الروح

فحذارِ من غُربةِ الروحِ يا عبدي[32]

كما أشرنا إليها في اشتغالنا على سيرة الشاعر الإبداعيّة. وستأتي ضمناً في اشتغالنا اللاحق على الثيمة المركزية لدراستنا.