Page 1
مقدمة
عن هذه القصص وغيرها
بقلم الدكتور علي سعد
لست أدري إن كان محمد عيتاني قد أحسن الاختيار، عندما طلب مني أن أقدم لمجموعته القصصية هذه:
فلعله كان الأجدر به أن يتوجه بهذا الطلب إلى من هو أكثر مني متابعة لتطور الحياة الأدبية، وأكثر التصاقاً بالأحداث والتيارات التي تفعل في هذا التطور.
وبعد، فما حاجة المؤلف، أي مؤلف، إلى مقدمة للأثر الذي يسلمه للقُراء. فهناك من يعتقد أنه عندما ينفض المؤلف يده من أثره، ويصبح ملكاً للقارئ، لا يعود في وسع أي قول يلقيه الآخرون، أن يغير شيئاً من طبيعة العلاقة، علاقة التعاطف أو التنافر، التي تنعقد بين المؤلف وقُرائه.
وقد يكون وراء طلب المقدمة، من قِبل المؤلف، سعي لتخفيف صدمة اللقاء مع جمهرة القُراء وتبديد لوحشة النزول إلى الحلبة التي تتخطف فيها المؤلف الأعين والحواس والنفوس. وقد يفسر البعض رغبة الكاتب في مقدمة لعمله، بمحاولة خفية من المؤلف لإشراك امرىءٍ آخر في المغامرة التي ينطلق فيها عندما يتوجه إلى القراء بأثره وللاقتسام معه المصير الواحد الذي ينتظر هذا الأثر.
ويبدو لي، في حال صحة هذا الحساب، في قضيتنا هنا، أن من بين الدوافع التي حدت بمحمد عيتاني لاختياري رفيقاً له في هذه المغامرة، على بعد الشقة التي فتحتها الأيام بيننا في السنوات العشر الماضية، في المشاغل والهموم والمفاهيم، وفي الإطار الجغرافي والمهني الذي نتقلب فيه، حدوث تلاقي دربينا في مطلع حياتنا الأدبية، عندما كنا عضوين في أسرة أدبية واحدة، هي «أسرة الجبل الملهم».
وليس بعيداً أن تكون الهواجس المشتركة التي كانت تشغل مخيلاتنـا وتستحـوذ علـى نبض أفئدتنـا حينـذاك المنطلـق لبعض الاتجاهات والقسمات المميزة لجانب من قصص هذه المجموعة.
وأشير بصورة خاصة، هنا، إلى القصص التي وضعها المؤلف عن مختلف وجوه الحياة في مجتمع رأس بيروت القديم قبل أن تطيحه التغيّرات العميقة التي حملها إليه زحف المدنية الجديدة. فإن المؤلف قد حقق بكتابته هذه القصص إحدى أمنيات أسرتنا في أن نتمكن يوماً ما من كتابة حكاية التحولات الهائلة والتبدلات المزلزلة التي عصفت بمجتمعنا، وبأناسه، بعاداتهم وقِيمهم ومباهجهم وأمنياتهم المتواضعة أو البالغة الطموح.
ولم أتمالك نفسي عند قراءة المشاهد المضحكة التي سجلها محمد عيتاني في بعض قصص مجموعته هنا، عن الانجراف مع مد الحنين، والتأثر، ذاكراً جلساتنا التي كان يتنافس فيها مع زميل له من رأس بيروت (أبعدته المشاغل كما أبعدتني عن العمل الأدبي) في رواية الحكايات «النوادر عن البسطاء من أهل هذا الحي»، بلهجة رأس بيروت المحلية الممتعة.
ولعل صفة الوفاء للماضي هي أبرز صفات محمد عيتاني، في مجموعته القصصية هذه. وقد ينكر هذه الحقيقة بعض الذين لا يعرفون من محمد عيتاني غير سطحه المزروع أحياناً بأشواك مسنونة من لواذع الكلم. فأنا لا أعرف كثيرين يحافظون، مثلما يحافظ محمد عيتاني، على هذا الخط الطويل الواحد في نظرته إلى الدنيا وعلى صداقته العميقة للأشياء وللوجوه التي زرعت في دروب عمره، وخصوصاً تلك التي طافت بأيام طفولته وشبابه. وقليلون هم الذين يندفعون مثلما يندفع محمد عيتاني في منافحته عن الأفكار والمفاهيم التي يتعلق بها وفي دفاعه عما يحب وعمن يحب وفي منازلته لكل ما يحسبه خطراً على الواقع الذي أحبه أو على العالم الذي يشتهي أن يقوم وفقاً لمفاهيمه.
ولست أمنع نفسي من الذهاب إلى حد الاعتقاد أن عنف اللهجة الساخرة وضراوة اللسعة المدمرة، التي يحسن قصَّاصنا تصويبها بين الفينة والفينة، ليسا إلا نوعاً من السلاح الواقي الذي يستخدمه صاحبنا دفاعاً عن الأجواء والذكريات الحبيبة إلى نفسه التي يود لها البقاء والاستمرار في عالم يتغيّر أكثر مما يتصور.
عن هذه القصص وغيرها
بقلم الدكتور علي سعد
لست أدري إن كان محمد عيتاني قد أحسن الاختيار، عندما طلب مني أن أقدم لمجموعته القصصية هذه:
فلعله كان الأجدر به أن يتوجه بهذا الطلب إلى من هو أكثر مني متابعة لتطور الحياة الأدبية، وأكثر التصاقاً بالأحداث والتيارات التي تفعل في هذا التطور.
وبعد، فما حاجة المؤلف، أي مؤلف، إلى مقدمة للأثر الذي يسلمه للقُراء. فهناك من يعتقد أنه عندما ينفض المؤلف يده من أثره، ويصبح ملكاً للقارئ، لا يعود في وسع أي قول يلقيه الآخرون، أن يغير شيئاً من طبيعة العلاقة، علاقة التعاطف أو التنافر، التي تنعقد بين المؤلف وقُرائه.
وقد يكون وراء طلب المقدمة، من قِبل المؤلف، سعي لتخفيف صدمة اللقاء مع جمهرة القُراء وتبديد لوحشة النزول إلى الحلبة التي تتخطف فيها المؤلف الأعين والحواس والنفوس. وقد يفسر البعض رغبة الكاتب في مقدمة لعمله، بمحاولة خفية من المؤلف لإشراك امرىءٍ آخر في المغامرة التي ينطلق فيها عندما يتوجه إلى القراء بأثره وللاقتسام معه المصير الواحد الذي ينتظر هذا الأثر.
ويبدو لي، في حال صحة هذا الحساب، في قضيتنا هنا، أن من بين الدوافع التي حدت بمحمد عيتاني لاختياري رفيقاً له في هذه المغامرة، على بعد الشقة التي فتحتها الأيام بيننا في السنوات العشر الماضية، في المشاغل والهموم والمفاهيم، وفي الإطار الجغرافي والمهني الذي نتقلب فيه، حدوث تلاقي دربينا في مطلع حياتنا الأدبية، عندما كنا عضوين في أسرة أدبية واحدة، هي «أسرة الجبل الملهم».
وليس بعيداً أن تكون الهواجس المشتركة التي كانت تشغل مخيلاتنـا وتستحـوذ علـى نبض أفئدتنـا حينـذاك المنطلـق لبعض الاتجاهات والقسمات المميزة لجانب من قصص هذه المجموعة.
وأشير بصورة خاصة، هنا، إلى القصص التي وضعها المؤلف عن مختلف وجوه الحياة في مجتمع رأس بيروت القديم قبل أن تطيحه التغيّرات العميقة التي حملها إليه زحف المدنية الجديدة. فإن المؤلف قد حقق بكتابته هذه القصص إحدى أمنيات أسرتنا في أن نتمكن يوماً ما من كتابة حكاية التحولات الهائلة والتبدلات المزلزلة التي عصفت بمجتمعنا، وبأناسه، بعاداتهم وقِيمهم ومباهجهم وأمنياتهم المتواضعة أو البالغة الطموح.
ولم أتمالك نفسي عند قراءة المشاهد المضحكة التي سجلها محمد عيتاني في بعض قصص مجموعته هنا، عن الانجراف مع مد الحنين، والتأثر، ذاكراً جلساتنا التي كان يتنافس فيها مع زميل له من رأس بيروت (أبعدته المشاغل كما أبعدتني عن العمل الأدبي) في رواية الحكايات «النوادر عن البسطاء من أهل هذا الحي»، بلهجة رأس بيروت المحلية الممتعة.
ولعل صفة الوفاء للماضي هي أبرز صفات محمد عيتاني، في مجموعته القصصية هذه. وقد ينكر هذه الحقيقة بعض الذين لا يعرفون من محمد عيتاني غير سطحه المزروع أحياناً بأشواك مسنونة من لواذع الكلم. فأنا لا أعرف كثيرين يحافظون، مثلما يحافظ محمد عيتاني، على هذا الخط الطويل الواحد في نظرته إلى الدنيا وعلى صداقته العميقة للأشياء وللوجوه التي زرعت في دروب عمره، وخصوصاً تلك التي طافت بأيام طفولته وشبابه. وقليلون هم الذين يندفعون مثلما يندفع محمد عيتاني في منافحته عن الأفكار والمفاهيم التي يتعلق بها وفي دفاعه عما يحب وعمن يحب وفي منازلته لكل ما يحسبه خطراً على الواقع الذي أحبه أو على العالم الذي يشتهي أن يقوم وفقاً لمفاهيمه.
ولست أمنع نفسي من الذهاب إلى حد الاعتقاد أن عنف اللهجة الساخرة وضراوة اللسعة المدمرة، التي يحسن قصَّاصنا تصويبها بين الفينة والفينة، ليسا إلا نوعاً من السلاح الواقي الذي يستخدمه صاحبنا دفاعاً عن الأجواء والذكريات الحبيبة إلى نفسه التي يود لها البقاء والاستمرار في عالم يتغيّر أكثر مما يتصور.
Page 2
هذا الوضوح في مواقف محمد عيتاني من الأحداث والناس هو الذي يضفي على أسلوبه وقصصه حرارة وتوهجاً وزخماً يستهوي القارئ الذي لا يخيفه عنف اللهجة، ولا تجفله رنة الصدق والصراحة في تسمية الأشياء بأسمائها. ولكن، في المقابل، هو لا يعدم إثارة للمخاوف والعداوة عند أولئك الذين علمتهم عادات اجتماعية وثقافية قائمة على الكثير من التمويه والتملق والفلسفة «العين لا تقاوم المخرز» رفض كل صوت ينبض بالحقيقة الجارحة، وكل نبرة يشتمون فيها عدم الرضى عن الأوضاع القائمة أو عدم التسليم بقداسة المسلّمات.
ولكن ما لي أتحدث عن محمد عيتاني أكثر مما أتحدث عن قصص مجموعته التي يفترض أن أقدمها للقارئ من زاوية لا أدري سبباً لجر القارئ إليها.
تتألف هذه المجموعة من قصص عديدة متفاوتة الأجواء والإيقاع.
وبوسعنا أن نصنف هذه القصص في فئات ثلاث تختلف عن الموضوعات التي تعالج وحتى في الأسلوب القصصي الذي يعبّر به المؤلف عن المحتوى.
الفئة الأولى تضم القصص التي تتناول مواضيع شتى وتبدو امتداداً أو ترجيعاً منظماً لحوادث جرت أو يمكن أن تجري كل يوم في حياة مجتمعنا بمفهومه الأعم؛ فحاول المؤلف إبراز الجوانب الفاجعة أو المضحكة من هذه الأحداث لتأكيد بعض الحقائق والقِيم التي يؤمن بها، ومدى ما تكسبه أو تخسره من تطورات الأحداث التي يرويها.
وتدخل في هذه الفئة:
1 ـ قصة «احتكاك» التي تمثل الانحلال الخُلقي الذي أحدثه تدفق الأموال الغريبة على مجتمعنا اللبناني.
2 ـ قصة «في الغابة» التي تمثل البؤس الرهيب الذي يتخبط فيه اللاجئون الضائعون في إحدى البقاع النائية، وتعرضهم الدائم للمعاملة الوحشية من قبل بعض القيمين على القانون، ولمخاطر العيش في إطار طبيعي لا يرحم.
3 ـ قصة «أحمد القباقيبي» التي تروي جشع الذين يقومون خلف شركات التأمين ولقاءهم، في نهاية المطاف، مع عصابات تهريب المخدرات في سلوك كل الدروب الممكنة لابتزاز أموال الناس.
4 ـ قصة «الصوت والصدى» التي تحكي قصة مغنية قادتها بهارج أضواء الشهرة إلى تدمير ينابيع الطهر والطمأنينة والهناء في حياتها ودوس كل قلب يقودها إلى الحب والنقاء.
5 ـ قصة «الثلاثية الطبية»، وهي تروي الجوانب المفزعة والجرائم المخيفة التي تجري في عالم المستشفيات الذي غزته غرائز الكسب المادي فقوضت كل القِيم المفترضة في أصحاب الأردية البيضاء وسدت الدرب على عواطف الرحمة والعطف والرأفة التي يفترض تجسدها فيهم.
6 ـ «ذكريات قصصي»، وهي تصور، بأسلوب جد ساخر، المغامرات الذهنية التي يمر بها قصصي ناشئ في علاقته مع دار الإذاعة، التي لم تتجاوب معه إلا عندما انحدر بأسلوبه القصصي إلى مستوى التفاهة.
7 ـ «الجياد الغاربة»، وهي تصور الساعات الأخيرة، المزدحمة بالهذيان واليأس، من حياة أحد الطغاة المحليين، من فئة إقطاعيي القُرى الصغيرة؛ فتظهر كيف انتهت ذكريات عيشه الحافل بالجرائم المنكرة إلى خنق ضراوة قواه المتحفزة للشر.
وتتميز هذه القصص بكونها تعتمد تصوير ألوان شتى من المواقف والشخصيات والوجوه والأمزجة والعلاقات التي تتحرك أو تجري في أجواء وعوالم يعرفها جميع الناس، وليست ملكاً خاصاً للمؤلف ولا تتصل بذكريات نشأته أكثر مما تتصل بحياة أي فرد لبناني آخر. ويصحّ أن نعتبر هذه القصص امتداداً للون القصصي الذي سمي منذ لابرويير «دراسات لوجوه ونفسيات».
أما الفئة الثانية من قصص المجموعة، فتتناول، على العكس، من زوايا متعددة، حياة «رأس بيروت»، هذا الحي الذي وُلِد فيه المؤلف ونشأ وترعرع ونمت حساسيته. وعندما نعلم أن هذا الحي كان أول الأحياء البيروتية التي أصابتها أعمق التحولات في نهج العيش مع تغير طرق العمران وانتقال الملكيات الذي تمّ هنا على أوسع نطاق عرفته زاوية لبنانية، وعندما نعلم أن هذا الحي كان مسرحاً لأكبر عملية تشريد وتهجير وبالتالي لعملية تمزق في حياة أهله الأصليين، الذين رأوا أنفسهم، في مدى جيل واحد، يصبحون غرباء على الأرض التي عمرها أجدادهم وعمرت مخيلاتهم بالأحلام والذكريات الحلوة والمرة، عندما نعلم ذلك نقرر مدى الخدمة التي يسديها لنا محمد عيتاني في محاولته الفريدة لنقل بعض اللوحات الواقعية من حياة هذا الحي المولِّية دون رجعة، ولتسجيل بعض المشاهد الحية من أنماط العيش التي كان يحياها بسطاء الناس فيه ولتصوير أحاسيسهم وآمالهم ومطامحهم وألوان كفاحهم وعاداتهم وحتى لغتهم الخاصة بهم.
ولكن ما لي أتحدث عن محمد عيتاني أكثر مما أتحدث عن قصص مجموعته التي يفترض أن أقدمها للقارئ من زاوية لا أدري سبباً لجر القارئ إليها.
تتألف هذه المجموعة من قصص عديدة متفاوتة الأجواء والإيقاع.
وبوسعنا أن نصنف هذه القصص في فئات ثلاث تختلف عن الموضوعات التي تعالج وحتى في الأسلوب القصصي الذي يعبّر به المؤلف عن المحتوى.
الفئة الأولى تضم القصص التي تتناول مواضيع شتى وتبدو امتداداً أو ترجيعاً منظماً لحوادث جرت أو يمكن أن تجري كل يوم في حياة مجتمعنا بمفهومه الأعم؛ فحاول المؤلف إبراز الجوانب الفاجعة أو المضحكة من هذه الأحداث لتأكيد بعض الحقائق والقِيم التي يؤمن بها، ومدى ما تكسبه أو تخسره من تطورات الأحداث التي يرويها.
وتدخل في هذه الفئة:
1 ـ قصة «احتكاك» التي تمثل الانحلال الخُلقي الذي أحدثه تدفق الأموال الغريبة على مجتمعنا اللبناني.
2 ـ قصة «في الغابة» التي تمثل البؤس الرهيب الذي يتخبط فيه اللاجئون الضائعون في إحدى البقاع النائية، وتعرضهم الدائم للمعاملة الوحشية من قبل بعض القيمين على القانون، ولمخاطر العيش في إطار طبيعي لا يرحم.
3 ـ قصة «أحمد القباقيبي» التي تروي جشع الذين يقومون خلف شركات التأمين ولقاءهم، في نهاية المطاف، مع عصابات تهريب المخدرات في سلوك كل الدروب الممكنة لابتزاز أموال الناس.
4 ـ قصة «الصوت والصدى» التي تحكي قصة مغنية قادتها بهارج أضواء الشهرة إلى تدمير ينابيع الطهر والطمأنينة والهناء في حياتها ودوس كل قلب يقودها إلى الحب والنقاء.
5 ـ قصة «الثلاثية الطبية»، وهي تروي الجوانب المفزعة والجرائم المخيفة التي تجري في عالم المستشفيات الذي غزته غرائز الكسب المادي فقوضت كل القِيم المفترضة في أصحاب الأردية البيضاء وسدت الدرب على عواطف الرحمة والعطف والرأفة التي يفترض تجسدها فيهم.
6 ـ «ذكريات قصصي»، وهي تصور، بأسلوب جد ساخر، المغامرات الذهنية التي يمر بها قصصي ناشئ في علاقته مع دار الإذاعة، التي لم تتجاوب معه إلا عندما انحدر بأسلوبه القصصي إلى مستوى التفاهة.
7 ـ «الجياد الغاربة»، وهي تصور الساعات الأخيرة، المزدحمة بالهذيان واليأس، من حياة أحد الطغاة المحليين، من فئة إقطاعيي القُرى الصغيرة؛ فتظهر كيف انتهت ذكريات عيشه الحافل بالجرائم المنكرة إلى خنق ضراوة قواه المتحفزة للشر.
وتتميز هذه القصص بكونها تعتمد تصوير ألوان شتى من المواقف والشخصيات والوجوه والأمزجة والعلاقات التي تتحرك أو تجري في أجواء وعوالم يعرفها جميع الناس، وليست ملكاً خاصاً للمؤلف ولا تتصل بذكريات نشأته أكثر مما تتصل بحياة أي فرد لبناني آخر. ويصحّ أن نعتبر هذه القصص امتداداً للون القصصي الذي سمي منذ لابرويير «دراسات لوجوه ونفسيات».
أما الفئة الثانية من قصص المجموعة، فتتناول، على العكس، من زوايا متعددة، حياة «رأس بيروت»، هذا الحي الذي وُلِد فيه المؤلف ونشأ وترعرع ونمت حساسيته. وعندما نعلم أن هذا الحي كان أول الأحياء البيروتية التي أصابتها أعمق التحولات في نهج العيش مع تغير طرق العمران وانتقال الملكيات الذي تمّ هنا على أوسع نطاق عرفته زاوية لبنانية، وعندما نعلم أن هذا الحي كان مسرحاً لأكبر عملية تشريد وتهجير وبالتالي لعملية تمزق في حياة أهله الأصليين، الذين رأوا أنفسهم، في مدى جيل واحد، يصبحون غرباء على الأرض التي عمرها أجدادهم وعمرت مخيلاتهم بالأحلام والذكريات الحلوة والمرة، عندما نعلم ذلك نقرر مدى الخدمة التي يسديها لنا محمد عيتاني في محاولته الفريدة لنقل بعض اللوحات الواقعية من حياة هذا الحي المولِّية دون رجعة، ولتسجيل بعض المشاهد الحية من أنماط العيش التي كان يحياها بسطاء الناس فيه ولتصوير أحاسيسهم وآمالهم ومطامحهم وألوان كفاحهم وعاداتهم وحتى لغتهم الخاصة بهم.
Page 3
ولا يبالي المؤلف أن تبدو هذه الأقاصيص في صورة مذكرات من حياة طفولته أو صباه اليافع. فهو لا يتحرج من قص حكاياته بصيغة المتكلم، ومن وضع نفسه طرفاً في غالبية هذه الفئة من القصص، فيصور نفسه أجيراً يافعاً عند مؤجر بسكلاتات، أو صبياً يدرج في أذيال خالته «جمول» ورفيقاتها نساء المحلة (تحت راية خضرج)، أو فتىً فضولياً باحثاً عن حقائق محلته (رأس بيروت). فالغاية الواضحة من هذه القصص هي تسجيل حقيقة الصورة الهاربة لهذا المتحول المغيّر بصورة مخيفة.
ولكن هذا الأمر لا يعني غلبة طابع الريبورتاج الصحفي على هذه القصص. فهي تزخر بألوان من الانفعالات والصور الفنية واللفتات الطريفة في الغوص على نفسيات الأشخاص وربط هذه النفسيات بالمواقف التي تلعب مصائرها حولها. وهي، خصوصاً، تحمل نكهة لا مثيل لها من عصف اللحم والدم الذي يميّز نبض الحياة الحقيقية، حياة الناس الذين نرى، أو كنا نرى مثلهم كل يوم يضطربون في مجتمعنا، والذين يرسم لنا محمد عيتاني شخصياتهم بكل ما أوتي من دقة ملاحظة وقوة رصد للحركات والأفكار والدوافع الظاهرة والخفية الكامنة وراء سلوكهم، ومن قدرة على التقاط الأمثال والكلمات والصيغ الكلامية والنبرات المميزة لأفراد الطبقات الشعبية التي ينصب عليها اهتمامه. هذه اللوحات الفنية الفريدة المقتطعة بمهارة ومعلمية كبيرة من مقالع حياة شعبنا البسيط، والمتألقة بكل وهج اللغة الحية والأمثال التي تختزن كل حكمته وهمومه، ولكل طرافة العلاقات المتشعبة التي تربط أفراده فيما بينهم والآخرين وأشياء العالم الذي يحيط بهم، هذه اللوحات، على قلتها وصغر حجمها، من شأنها أن تفرد لمحمد عيتاني مكاناً محترماً بين أدبائنا وتجعله أحد القليلين الذين يحملون اليوم راية الواقعية في القصة.
وإن كنا نلمح في قصص محمد عيتاني هذه بعض ملامح النهج الذي شق له ديكنز وبلزاك وجي دوموباسان ومكسيم جوركي وألفونس دوديه، ووجد في الأدب العربي أشكالاً متفاوتة، وعلى فترات متباعدة ذهاباً من الجاحظ وانتهاءً بمارون عبود، فليس في ذلك إلا دليل على ارتباط محمد عيتاني بأجود الينابيع. وهو يشترك مع أكثر من ذكرنا بالقدرة على اكتشاف اللفتة الضاحكة، وأحياناً الرؤية الساخرة في أكثر ما يقع داخل دائرة اهتمامه. وهو يبدو قريباً من جوركي خصوصاً وأحياناً من مارون عبود بنجاحه في لعب دور «الطفل الرهيب» في كثير من الحكايات، وفي تحوير أشد المشاهد حلكةً وزراية إلى مواد فنية باهرة ومؤثرة. وهو، على غرار جوركي، والكثيرين من القصاصين المصريين والعراقيين، لا يخجل من الغوص إلى الدرك البائس الذي كان يتخبط فيه القوم الذين نشأ بينهم ولا من تصوير مشاهد ومشاعر البؤس والجوع والامتهان التي عرفها وعرفوها. وهو لا يصور هذا الجانب القاتم من حياة مجتمعنا، في نيّة تسجيل شيء مضى دون رجعة أو على سبيل إثارة شعور الغضب والنقمة، عند القارئ على وضع اجتماعي معيب. لا، إنه لا يبدو عليه أنه يشعر بأية مرارة إزاء الماضي الذي دمغ طفولته وحداثته بالحرمان. فذكريات هذا الماضي الذي قد يبدو لبعض القُراء حالكاً مثقلاً بالبؤس والشقاء والمتاعب، لا تنفصل أبداً عن مشاعر الحنين في نفس المؤلف لارتباطها دائماً ببعض المباهج والآمال والأحلام التي لا تخلو من الأزهار في حياة فقراء الناس.
والفئة الثالثة من قصص المجموعة تشتمل على محاولات من جانب المؤلف لتصوير سلوك بسطاء الناس الذين تتناولهم قصص الفئة السابقة، ولكن في لحظات نادرة من حياتهم، أتيح لهم فيها أن يتجاوزوا بأفكارهم وأقوالهم، وأحياناً بأعمالهم تفاهة الواقع المزري أو الرتيب الذي يندرج في عمرهم، ليقوموا أو ليفكروا في القيام بالعمل البطولي الفردي أو الجماعي الذي اختارهم القدر لأدائه، وبكلمة هي تتضمن القصص ذات المرمى السياسي والطابع الملتزم.
في هذه الفئة نضع مثلاً: قصة «أوج النشيد» التي تصور حادثة تهريب أحد نزلاء «سجن القلعة» من أبطال الثورة السورية، بمعونة أحد معلمي مدرسة متواضعة في رأس بيروت وتلامذته، ومشاعر صبي صغير كلفه معلمه مرافقة السجين الهارب على الدروب الملتوية في ذلك الحي الشعبي، وقصة «الدقيقة الأولى» التي تروي مواقف بسطاء الناس في حي رأس بيروت من حادثة اعتقال رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء من قِبل سلطات الانتداب، أيام الاستقلال، وتعليقات هؤلاء الناس واندفاعاتهم إزاء هذا الحدث الهام في تاريخ الشعب اللبناني واعتزامهم المجازفة بأرواحهم، وهي كل ما يملكون، في سبيل المشاركة في إظهار نقمتهم على عمل السلطات التعسفي، وفي المحاولة لرد الإهانة التي لحقت بالشعب اللبناني.
أما لوحة «سطور للاستقلال» فتشكل محاولة لإبراز حياة محلة «رأس بيروت» في فترة ما بين الحربين ونضال أهل هذه المحلة، بالوسائل المتواضعة التي يملكونها ضد سلطات الانتداب.
ولا يسعني إلا أن أتساءل عما إذا كانت هذه القصص الثلاث، ليست في ذهن المؤلف، غير مشاريع فصول من رواية أكبر يتناول فيها حياة المحلة التي وُلِد ونشأ فيها، وتكوّنت في إطارها كل أحاسيسه ونزعاته ومطامحه. وكأني به يحاول، في هذه النماذج المختلفة من العمل الروائي المتقطع في صورة لوحات قصصية قصيرة، أن يروي، من جوانب متعددة، قصة النضال البطولي الذي كان يقوم به أهالي محلة «رأس بيروت القديمة»، أولاً في معركة الوطن اللبناني ضد المحتل الدخيل، وثانياً في معركتهم الخاصة لكسب العيش ولشق الطريق إلى الأمل والفرح والضوء، في مجتمع لم يقسم لهم فيه غير نصيب الفاقة والكدح اللامجدي.
ولكن هذا الأمر لا يعني غلبة طابع الريبورتاج الصحفي على هذه القصص. فهي تزخر بألوان من الانفعالات والصور الفنية واللفتات الطريفة في الغوص على نفسيات الأشخاص وربط هذه النفسيات بالمواقف التي تلعب مصائرها حولها. وهي، خصوصاً، تحمل نكهة لا مثيل لها من عصف اللحم والدم الذي يميّز نبض الحياة الحقيقية، حياة الناس الذين نرى، أو كنا نرى مثلهم كل يوم يضطربون في مجتمعنا، والذين يرسم لنا محمد عيتاني شخصياتهم بكل ما أوتي من دقة ملاحظة وقوة رصد للحركات والأفكار والدوافع الظاهرة والخفية الكامنة وراء سلوكهم، ومن قدرة على التقاط الأمثال والكلمات والصيغ الكلامية والنبرات المميزة لأفراد الطبقات الشعبية التي ينصب عليها اهتمامه. هذه اللوحات الفنية الفريدة المقتطعة بمهارة ومعلمية كبيرة من مقالع حياة شعبنا البسيط، والمتألقة بكل وهج اللغة الحية والأمثال التي تختزن كل حكمته وهمومه، ولكل طرافة العلاقات المتشعبة التي تربط أفراده فيما بينهم والآخرين وأشياء العالم الذي يحيط بهم، هذه اللوحات، على قلتها وصغر حجمها، من شأنها أن تفرد لمحمد عيتاني مكاناً محترماً بين أدبائنا وتجعله أحد القليلين الذين يحملون اليوم راية الواقعية في القصة.
وإن كنا نلمح في قصص محمد عيتاني هذه بعض ملامح النهج الذي شق له ديكنز وبلزاك وجي دوموباسان ومكسيم جوركي وألفونس دوديه، ووجد في الأدب العربي أشكالاً متفاوتة، وعلى فترات متباعدة ذهاباً من الجاحظ وانتهاءً بمارون عبود، فليس في ذلك إلا دليل على ارتباط محمد عيتاني بأجود الينابيع. وهو يشترك مع أكثر من ذكرنا بالقدرة على اكتشاف اللفتة الضاحكة، وأحياناً الرؤية الساخرة في أكثر ما يقع داخل دائرة اهتمامه. وهو يبدو قريباً من جوركي خصوصاً وأحياناً من مارون عبود بنجاحه في لعب دور «الطفل الرهيب» في كثير من الحكايات، وفي تحوير أشد المشاهد حلكةً وزراية إلى مواد فنية باهرة ومؤثرة. وهو، على غرار جوركي، والكثيرين من القصاصين المصريين والعراقيين، لا يخجل من الغوص إلى الدرك البائس الذي كان يتخبط فيه القوم الذين نشأ بينهم ولا من تصوير مشاهد ومشاعر البؤس والجوع والامتهان التي عرفها وعرفوها. وهو لا يصور هذا الجانب القاتم من حياة مجتمعنا، في نيّة تسجيل شيء مضى دون رجعة أو على سبيل إثارة شعور الغضب والنقمة، عند القارئ على وضع اجتماعي معيب. لا، إنه لا يبدو عليه أنه يشعر بأية مرارة إزاء الماضي الذي دمغ طفولته وحداثته بالحرمان. فذكريات هذا الماضي الذي قد يبدو لبعض القُراء حالكاً مثقلاً بالبؤس والشقاء والمتاعب، لا تنفصل أبداً عن مشاعر الحنين في نفس المؤلف لارتباطها دائماً ببعض المباهج والآمال والأحلام التي لا تخلو من الأزهار في حياة فقراء الناس.
والفئة الثالثة من قصص المجموعة تشتمل على محاولات من جانب المؤلف لتصوير سلوك بسطاء الناس الذين تتناولهم قصص الفئة السابقة، ولكن في لحظات نادرة من حياتهم، أتيح لهم فيها أن يتجاوزوا بأفكارهم وأقوالهم، وأحياناً بأعمالهم تفاهة الواقع المزري أو الرتيب الذي يندرج في عمرهم، ليقوموا أو ليفكروا في القيام بالعمل البطولي الفردي أو الجماعي الذي اختارهم القدر لأدائه، وبكلمة هي تتضمن القصص ذات المرمى السياسي والطابع الملتزم.
في هذه الفئة نضع مثلاً: قصة «أوج النشيد» التي تصور حادثة تهريب أحد نزلاء «سجن القلعة» من أبطال الثورة السورية، بمعونة أحد معلمي مدرسة متواضعة في رأس بيروت وتلامذته، ومشاعر صبي صغير كلفه معلمه مرافقة السجين الهارب على الدروب الملتوية في ذلك الحي الشعبي، وقصة «الدقيقة الأولى» التي تروي مواقف بسطاء الناس في حي رأس بيروت من حادثة اعتقال رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء من قِبل سلطات الانتداب، أيام الاستقلال، وتعليقات هؤلاء الناس واندفاعاتهم إزاء هذا الحدث الهام في تاريخ الشعب اللبناني واعتزامهم المجازفة بأرواحهم، وهي كل ما يملكون، في سبيل المشاركة في إظهار نقمتهم على عمل السلطات التعسفي، وفي المحاولة لرد الإهانة التي لحقت بالشعب اللبناني.
أما لوحة «سطور للاستقلال» فتشكل محاولة لإبراز حياة محلة «رأس بيروت» في فترة ما بين الحربين ونضال أهل هذه المحلة، بالوسائل المتواضعة التي يملكونها ضد سلطات الانتداب.
ولا يسعني إلا أن أتساءل عما إذا كانت هذه القصص الثلاث، ليست في ذهن المؤلف، غير مشاريع فصول من رواية أكبر يتناول فيها حياة المحلة التي وُلِد ونشأ فيها، وتكوّنت في إطارها كل أحاسيسه ونزعاته ومطامحه. وكأني به يحاول، في هذه النماذج المختلفة من العمل الروائي المتقطع في صورة لوحات قصصية قصيرة، أن يروي، من جوانب متعددة، قصة النضال البطولي الذي كان يقوم به أهالي محلة «رأس بيروت القديمة»، أولاً في معركة الوطن اللبناني ضد المحتل الدخيل، وثانياً في معركتهم الخاصة لكسب العيش ولشق الطريق إلى الأمل والفرح والضوء، في مجتمع لم يقسم لهم فيه غير نصيب الفاقة والكدح اللامجدي.
Page 4
وأنا أعلم أن هذه الفكرة تراود مخيلة محمد عيتاني منذ أكثر من خمسة عشر عاماً. وفي اعتقادي أن تحقيق هذه الفكرة على صورة رواية واحدة تدمج كل هذه اللوحات وهذه الجوانب المختلفة في حركة واحدة ومناخ واحد كان أقرب إلى المنطق. ومن شأنه أن يفسح مجالاً أرحب للتصرف والإبداع في الحبك والبناء والنسج بين الأجزاء المتباعدة من المادة الفنية.
ولو تحقق إدماج هذه اللوحات واللفتات واللقطات المتناثرة في تيار واحد من الأحداث لاكتسب كل منها حياة ومعاني وأبعاداً أعمق وأغنى بكثير مما تحمله اليوم.
وما أحب إلا أن المؤلف أراد أن يقوم بمحاولته هذه على سبيل التجربة في النطاق الضيق، اليسير التناول والإخراج، المتوافر في القصة القصيرة.
ولا أحسب أن الوقت قد فات على المؤلف ليحقق أمنيته. فإن له من الجلادة في القص ومن رهافة الحس ودقة الملاحظة والقدرة على رسم الأشخاص القصصية وعلى مهرهم بالملامح والسمات والنفسيات واللغة المثيرة ما يؤهله للعمل الروائي أو القصصي الطويل النفس. وقصتا «الحجر» و«الجياد الغاربة» تعطياننا فكرة عن مدى ما يستطيعه محمد عيتاني في هذا المضمار.
وإن كنت أطرح القضية على هذا الوجه الذي قد يبدو للبعض نوعاً من التهرب من الواقع إلى دنيا التمني، فلأنني أحب أن أنتهز هذه المناسبة لأعلن اعتقادي أنه قد حان الوقت لأن ينتقل، حملة الأقلام عندنا، من ميدان القصة القصيرة، الذي تركزت عليه، حتى الآن، غالبية إنتاجنا القصصي، إلى ميدان البناء الروائي الرحب، الذي لم يحظ، حتى الآن، إلا بالقليل جداً من عنايتهم. فإن إطار القصة القصيرة يؤدي حكماً، وبمجرد ضيق مجاله والمدى الزمني والمادي المحدود جداً الذي يتيحه للكاتب، إلى مثل ما تؤدي إليه قوالب الأحذية الصلدة التي كان الصينيون يغلفون بها أقدام بناتهم في عمرهن الباكر. إنه يؤدي إذن إلى ضمور الحياة التي يحاول القصصي رسمها، وأحياناً إلى تشويهها ومسخها لفرط عمليات التقطيع والاجتزاء والاختزال التي يضطره إليها التزامه بحشر العالم الرحب، البالغ التعقيد والتشعب في أقل ما يمكن من حيّز الزمان والمكان، وإن التجربة علمتنا أن من المتعذّر إلقاء الأضواء على الأشياء والأحداث وتفسير العلاقات بين الجوانب البالغة التنوع في حياة المجتمع، بما يكفي من القوة والفعالية والقدرة على هز خيال القارئ، في مجال القصة القصيرة. والآثار الوحيدة التي استطاعت أن تحدث في الحياة الأدبية بل في حياة مجتمعاتها الأثر المزلزل والفاعل والمحول، هي الروايات والقصص الطويلة، إلى جانب الآثار المسرحية. ففي مثل هذه الآثار استطاع بعض الأفذاذ من الأدباء أن يعطوا عن العالم والناس والأحداث رؤية على جانب كافٍ من الوضوح والوعي والرحابة والطرافة، بحيث استطاع القُراء أن يجدوا فيها إما بديلاً عن العالم الواقعي، وإما حافزاً لضرورات تبديله أو تطويره. ولا أحسب أن ثمة أديباً مسؤولاً عن إعطاء مثل هذه الحوافز لتبديل العالم أو لتطويره أكثر من الأديب التقدمي. فهو، قبل غيره، يحمل تبعة هداية القُراء إلى المعاني الخفية التي تكمن وراء الأشياء والأحداث، وإلى الحقائق الجوهرية التي ترسو في خلفية الصور المتغيرة. ولا أعتقد أن مجال القصة القصيرة، الضيق حكماً، يتسع للعب مثل هذا الدور.
وما دمت في معرض التمنيات، فبودي أن أتوجه إلى مؤلف هذه القصص بتوصية أخيرة. إنني أتمنى عليه أن يعيد قراءة قصتي «الجياد الغاربة» و«الثلاثية الطبية» ليحذف منهما بعض الفقرات أو الملاحظات التي قد تكون لها بعض القيمة أو الأساس في الواقع اليومي، أو على الأقل في ذهن المؤلف، ولكنها تخلو من أية قيمة فنية في الإطار القصصي الذي وضعت فيه. فإيراده، في جملة الذكريات التي ازدحمت في مخيلة الإقطاعي الصغير المتحضر في قصة «الجياد الغاربة»، ذكرى اشتراكه في نشاط حزب سياسي معيّن أثناء حوادث معيّنة، مع إضافة نعت «مجرم» لوصف هذا الحزب، قد يرضي المعتقد السياسي عند المؤلف، وشطراً محسوساً من الرأي العام، ولكنه لا يغني القصة بشيء، إذ إنه لا يؤثر بشيء في مجرى الأحداث التي يحاول تصويرها، من خلال الوقائع الذهنية المحتدمة المتحركة في نفس بطله. وإن كشف المؤلف عن رأيه الشخصي حول أحد الأحزاب الذي يسميه باسمه الفعلي، في معرض الإشارة إلى أحداث وقعت فعلاً، ودون أن يكلف نفسه عناء حمل القارئ على أن يشاركه في رأيه استناداً إلى وقائع من صلب القصة، لا يؤدي إلا إلى نقل القارئ من جو القصة الذي هو من خلف المؤلف، وله فيه السلطان المطلق في التحكم في عواطف ومشاعر وأفكار قُرائه، إلى ميدان الواقع، حيث تنقطع كل صلة بين المؤلف وقُرائه، إذ يعود كل قارئ إلى قواعده الفكرية ويخرج بالتالي عن حكم المؤلف، وعن سلطة الأجواء من الأفكار والحساسية التي يهدف كل عمل فني إلى بنائها.
ولو تحقق إدماج هذه اللوحات واللفتات واللقطات المتناثرة في تيار واحد من الأحداث لاكتسب كل منها حياة ومعاني وأبعاداً أعمق وأغنى بكثير مما تحمله اليوم.
وما أحب إلا أن المؤلف أراد أن يقوم بمحاولته هذه على سبيل التجربة في النطاق الضيق، اليسير التناول والإخراج، المتوافر في القصة القصيرة.
ولا أحسب أن الوقت قد فات على المؤلف ليحقق أمنيته. فإن له من الجلادة في القص ومن رهافة الحس ودقة الملاحظة والقدرة على رسم الأشخاص القصصية وعلى مهرهم بالملامح والسمات والنفسيات واللغة المثيرة ما يؤهله للعمل الروائي أو القصصي الطويل النفس. وقصتا «الحجر» و«الجياد الغاربة» تعطياننا فكرة عن مدى ما يستطيعه محمد عيتاني في هذا المضمار.
وإن كنت أطرح القضية على هذا الوجه الذي قد يبدو للبعض نوعاً من التهرب من الواقع إلى دنيا التمني، فلأنني أحب أن أنتهز هذه المناسبة لأعلن اعتقادي أنه قد حان الوقت لأن ينتقل، حملة الأقلام عندنا، من ميدان القصة القصيرة، الذي تركزت عليه، حتى الآن، غالبية إنتاجنا القصصي، إلى ميدان البناء الروائي الرحب، الذي لم يحظ، حتى الآن، إلا بالقليل جداً من عنايتهم. فإن إطار القصة القصيرة يؤدي حكماً، وبمجرد ضيق مجاله والمدى الزمني والمادي المحدود جداً الذي يتيحه للكاتب، إلى مثل ما تؤدي إليه قوالب الأحذية الصلدة التي كان الصينيون يغلفون بها أقدام بناتهم في عمرهن الباكر. إنه يؤدي إذن إلى ضمور الحياة التي يحاول القصصي رسمها، وأحياناً إلى تشويهها ومسخها لفرط عمليات التقطيع والاجتزاء والاختزال التي يضطره إليها التزامه بحشر العالم الرحب، البالغ التعقيد والتشعب في أقل ما يمكن من حيّز الزمان والمكان، وإن التجربة علمتنا أن من المتعذّر إلقاء الأضواء على الأشياء والأحداث وتفسير العلاقات بين الجوانب البالغة التنوع في حياة المجتمع، بما يكفي من القوة والفعالية والقدرة على هز خيال القارئ، في مجال القصة القصيرة. والآثار الوحيدة التي استطاعت أن تحدث في الحياة الأدبية بل في حياة مجتمعاتها الأثر المزلزل والفاعل والمحول، هي الروايات والقصص الطويلة، إلى جانب الآثار المسرحية. ففي مثل هذه الآثار استطاع بعض الأفذاذ من الأدباء أن يعطوا عن العالم والناس والأحداث رؤية على جانب كافٍ من الوضوح والوعي والرحابة والطرافة، بحيث استطاع القُراء أن يجدوا فيها إما بديلاً عن العالم الواقعي، وإما حافزاً لضرورات تبديله أو تطويره. ولا أحسب أن ثمة أديباً مسؤولاً عن إعطاء مثل هذه الحوافز لتبديل العالم أو لتطويره أكثر من الأديب التقدمي. فهو، قبل غيره، يحمل تبعة هداية القُراء إلى المعاني الخفية التي تكمن وراء الأشياء والأحداث، وإلى الحقائق الجوهرية التي ترسو في خلفية الصور المتغيرة. ولا أعتقد أن مجال القصة القصيرة، الضيق حكماً، يتسع للعب مثل هذا الدور.
وما دمت في معرض التمنيات، فبودي أن أتوجه إلى مؤلف هذه القصص بتوصية أخيرة. إنني أتمنى عليه أن يعيد قراءة قصتي «الجياد الغاربة» و«الثلاثية الطبية» ليحذف منهما بعض الفقرات أو الملاحظات التي قد تكون لها بعض القيمة أو الأساس في الواقع اليومي، أو على الأقل في ذهن المؤلف، ولكنها تخلو من أية قيمة فنية في الإطار القصصي الذي وضعت فيه. فإيراده، في جملة الذكريات التي ازدحمت في مخيلة الإقطاعي الصغير المتحضر في قصة «الجياد الغاربة»، ذكرى اشتراكه في نشاط حزب سياسي معيّن أثناء حوادث معيّنة، مع إضافة نعت «مجرم» لوصف هذا الحزب، قد يرضي المعتقد السياسي عند المؤلف، وشطراً محسوساً من الرأي العام، ولكنه لا يغني القصة بشيء، إذ إنه لا يؤثر بشيء في مجرى الأحداث التي يحاول تصويرها، من خلال الوقائع الذهنية المحتدمة المتحركة في نفس بطله. وإن كشف المؤلف عن رأيه الشخصي حول أحد الأحزاب الذي يسميه باسمه الفعلي، في معرض الإشارة إلى أحداث وقعت فعلاً، ودون أن يكلف نفسه عناء حمل القارئ على أن يشاركه في رأيه استناداً إلى وقائع من صلب القصة، لا يؤدي إلا إلى نقل القارئ من جو القصة الذي هو من خلف المؤلف، وله فيه السلطان المطلق في التحكم في عواطف ومشاعر وأفكار قُرائه، إلى ميدان الواقع، حيث تنقطع كل صلة بين المؤلف وقُرائه، إذ يعود كل قارئ إلى قواعده الفكرية ويخرج بالتالي عن حكم المؤلف، وعن سلطة الأجواء من الأفكار والحساسية التي يهدف كل عمل فني إلى بنائها.
Page 5
وأود أن أنتهز هذه المناسبة للتأكيد على ضرورة إبعاد المؤلف، المؤمن بالواقعية، عن مزالق الالتباس بين النهج الواقعي في العمل الفني، أي تحري الحقائق الأساسية الكامنة خلف الأحداث والوقائع التي تشكل نسيج الحياة المتطورة، والتصوير المباشر للأحداث والأشخاص العاملة فعلاً في واقع الحياة. وبكلمة موجزة، ينبغي للقصصي أن يتجنب الوقوع في شرك العمل الصحفي الذي هو نقل أمين للواقع الفعلي، بأحداثه وأشخاصه ودوافعهم وأهوائهم، وأن يظل داخل إطار العمل الفني الذي هو إعادة بناء الحياة بواسطة أحداث وأشخاص، ومواقف، لم تقم بالضرورة في واقع الحياة الفعلي، وإنما يحتمل وقوعها وقيامها تماشياً مع منطق الوقائع التي يخلقها ومع الحقائق الأساسية التي يكتشفها خلف الأحداث الواقعية.
وبعد، فإن المآخذ التي أوردناها لا تنتقص من تقديرنا لمجهود محمد عيتاني في مجموعة القصص التي يقدمها الآن إلى الناس، ولا من أملنا في أن تجد لدى قُراء العربية ما تستحقه من حظوة وإقبال.
مذكرات قصصي
... لن أطيل عليكم الحديث. لقد دعوني إلى الإذاعة. ووصلتني يوماً هذه الرسالة: «حضرة الأستاذ، وبعد فالرجاء إعداد الحديث في الموضوع الذي ترتأونه لإذاعته على موجاتنا المتوسطة وطولها، والقصيرة إلخ وذلك بتاريخ...» سررت للبادرة، لكنني كتبت إليهم: «ولكني ويا للأسف أيها السادة، ليست لي دراية كافية بتأليف الأحاديث، بل إنني أعالج فن القصة، والحق يُقال، وعندي بعض القصص».. وحين أجابوني بالإيجاب مع رجوع البريد، وأنبأوني أنهم ينتظرون قصتي للنظر فيها، قصدت أحد مقاهي الروشة وكتبت قصة. والحقيقة أنها كانت من «حواضر البيت» كما يقولون. وأسهل شيء أن يستوحي المرء ذكرياته.
كتبت لهم قصة عنوانها «سر النجاح»، ورويت لهم فيها طرفاً من نضالي أيام الفرنسيين. وخلاصتها أن المرحوم والدي سبق أن أدخلني أثناء الصيف، في عام من أعوام صباي، في خدمة فاكهاني، في سوق «الفرنج» بباب إدريس، وبينت كيف أنني اجتهدت لأحظى برضى معلمي ومساعديه، كان محلاً ضيقاً جداً لا يزيد حجمه عن علبة كبيرة أو سرير مزدوج، وزاد من ضيقه كثرة المستخدمين الفتيان وصناديق الفاكهة والخضار وحتى الأزهار. ترتيب تام وجمال. وكنت أداوم بانتظام كرقاص الساعة بين البيت والمحل. لكن معلمي الكهل لم يكن يبدي رضاه عن عملي. وفي يوم من الأيام زار والدي، وكان الفاكهاني جارنا على كل حال، وأبلغه أنه مضطر للاستغناء عن خدماتي!
ـ ولماذا؟ أظن أن ولدنا مجتهد وأمين.
وبعد، فإن المآخذ التي أوردناها لا تنتقص من تقديرنا لمجهود محمد عيتاني في مجموعة القصص التي يقدمها الآن إلى الناس، ولا من أملنا في أن تجد لدى قُراء العربية ما تستحقه من حظوة وإقبال.
مذكرات قصصي
... لن أطيل عليكم الحديث. لقد دعوني إلى الإذاعة. ووصلتني يوماً هذه الرسالة: «حضرة الأستاذ، وبعد فالرجاء إعداد الحديث في الموضوع الذي ترتأونه لإذاعته على موجاتنا المتوسطة وطولها، والقصيرة إلخ وذلك بتاريخ...» سررت للبادرة، لكنني كتبت إليهم: «ولكني ويا للأسف أيها السادة، ليست لي دراية كافية بتأليف الأحاديث، بل إنني أعالج فن القصة، والحق يُقال، وعندي بعض القصص».. وحين أجابوني بالإيجاب مع رجوع البريد، وأنبأوني أنهم ينتظرون قصتي للنظر فيها، قصدت أحد مقاهي الروشة وكتبت قصة. والحقيقة أنها كانت من «حواضر البيت» كما يقولون. وأسهل شيء أن يستوحي المرء ذكرياته.
كتبت لهم قصة عنوانها «سر النجاح»، ورويت لهم فيها طرفاً من نضالي أيام الفرنسيين. وخلاصتها أن المرحوم والدي سبق أن أدخلني أثناء الصيف، في عام من أعوام صباي، في خدمة فاكهاني، في سوق «الفرنج» بباب إدريس، وبينت كيف أنني اجتهدت لأحظى برضى معلمي ومساعديه، كان محلاً ضيقاً جداً لا يزيد حجمه عن علبة كبيرة أو سرير مزدوج، وزاد من ضيقه كثرة المستخدمين الفتيان وصناديق الفاكهة والخضار وحتى الأزهار. ترتيب تام وجمال. وكنت أداوم بانتظام كرقاص الساعة بين البيت والمحل. لكن معلمي الكهل لم يكن يبدي رضاه عن عملي. وفي يوم من الأيام زار والدي، وكان الفاكهاني جارنا على كل حال، وأبلغه أنه مضطر للاستغناء عن خدماتي!
ـ ولماذا؟ أظن أن ولدنا مجتهد وأمين.
Page 6
ـ صحيح، لكنه لم يرضِ الزبائن..
ـ لعله يتشاجر معهم، أم أنه لا يحسن المسايرة؟
واقترب المعلم رشيد من والدي، وخفض صوته، وكانا منفردين في غرفة، أنا أنصت إلى حديثهما من شق الباب:
ـ أقول لك الصراحة، إن ولدك قليل التدبير.
ـ عهدي به ذكياً ونشيطاً.
ـ لا أوافقك على ذلك. تصور يا جار أنه قضى أسبوعين وأكثر عندنا، وهو حتى الآن لم يمسح على قفا أية سيدة من زبائننا، وأكثرهن فرنسيات كما تعلم.
* * *
وبعد أسبوع وردتني من الإذاعة رسالة يقولون فيها: «وبعد، فقد قرأنا قصتكم، وهي جيدة وممتعة، ولا غرو، باستثناء خاتمتها، التي يخيل إلينا أنها ضعيفة. حاشية: نحن بانتظار قصة أخرى إن سمحتم. ونرجوكم الانتباه إلى الخاتمة».
حزنت ولا شك، بل غضبت. وقررت مقاطعة الإذاعة، لكنني بعد يومين تذكرت أن الديون عليّ تزداد للدكنجي والجزار والحلاق، فذهبت إلى مقهاي المعهود، على الشاطئ، وكتبت لهم قصة «الأخرس».
إنه صياد سمك على الروشة، شاب وسيم وقوي. لكنه أخرس، عيناه واسعتان، وله ذراعا بحار، سمراوان، قويتان، توحيان بالعناق. في أحد الأيام، رأى في الماء داخل الموج الأزرق الشفاف وجهاً جميلاً يرتعش مع ظل قصبته، على صفحة الماء. واستدار. كانت حسناء فاتنة. ابتسمت. وابتسم. ونزلت في قربه. وتناولت القصبة وراحت تلهو وتضحك. ثم سبحا معاً إلى الكهف العميق، تحت الصخور. الصيادة الفاتنة بنت ذوات ومليونيرة. تريد أن تحب، لكنها تخشى من فضائح الثرثرة. أكثر شباب اليوم يطاردون الفتيات للتفاخر بغزواتهم إلخ.
وحينما علمت الفتاة أن هذا الشاب القوي الفاتن أخرس، فسحت له في المجال. لكنها وصلت يوماً إلى الشاطئ الرملي، فوجدت جماعة من الصيادين والمستحمين، يحيطون بصديقها، وهو يرسم على الرمال، وجهها، وشعرها، والصخور كما تبدو داخل الكهف...
* * *
ووصلت رسالة من الإذاعة تقول:
«يا صديقي. كيفما فهمنا قصتك، فإن فيها تعريضاً ـ ولعله غير مقصود ـ بسيدات المجتمع الراقي، وهن من فئة لها مكانتها العليا في بلدنا. نحن نرى أن أسلوبك يتحسن. ونحن جد معجبين بهذه القصة، وعلى استعداد لقراءتها في إحدى المجلات. لكنها قد لا تصلح للإذاعة. نحن بانتظار شيء آخر».
* * *
النضال يعني النضال. يجب المثابرة حتى الوصول. تصوروا أن جميع اللبنانيين في الوطن والمهجر سيسمعون صوتي واسمي ويعيشون مع عالمي وقصصي. إنكم لا تريدون هجوماً على الفئة الاجتماعية العليا؟ حاضر. لنترك هذه الجماعة وفضائحها. هيا إلى الشعب. وذهبت إلى مقهى الحاج داوود في محلة الزيتونة.
هناك، على الشاطئ الهادئ مع نفس عجمي ممتاز، والحبات الحمراء الفاقعة تتراقص في جوف النارجيلة، وتحت أنفاس البحر العابقة، كتبت قصة «علي منقل وزوجته في بيروت». وكانت تراودني منذ وقت طويل.
وصل الفلاح علي منقل من قريته مجدل ـ بلهيص (البقاع الغربي) هارباً من ظلم الزراعة. الزراعة هزلت. جف ضرع الأرض. جاع علي منقل وزوجته فاطمة وأولادهما. باع بقرته وحماره والقمحات. أرسل بناته للخدمة في مشغرة وبيروت. وجاء إلى العاصمة ليعمل في أي شيء، ومعه 17 ليرة بقيت له من ثمن الحمار. منذ ظهر أمس لم يأكل علي منقل ولا وجبة. نزل الفلاح من البوسطة وترك امرأته فاطمة تحمل صرة الثياب على رأسها. يريد أن يفكر. أين يقضيان الليل؟ وأراد فقط أن يجتاز الشارع بشرواله الأسود باحثاً عن الطريق. يريد أن يبحث عن المنزل الذي تخدم فيه بنته تفاحة. سيطلب من معلمها خمسين ليرة ليستأجر غرفة. أو أنه سيذهب للنوم عند حسن الشماط، ابن قريتهم وسمسار الخدم؟
ـ لعله يتشاجر معهم، أم أنه لا يحسن المسايرة؟
واقترب المعلم رشيد من والدي، وخفض صوته، وكانا منفردين في غرفة، أنا أنصت إلى حديثهما من شق الباب:
ـ أقول لك الصراحة، إن ولدك قليل التدبير.
ـ عهدي به ذكياً ونشيطاً.
ـ لا أوافقك على ذلك. تصور يا جار أنه قضى أسبوعين وأكثر عندنا، وهو حتى الآن لم يمسح على قفا أية سيدة من زبائننا، وأكثرهن فرنسيات كما تعلم.
* * *
وبعد أسبوع وردتني من الإذاعة رسالة يقولون فيها: «وبعد، فقد قرأنا قصتكم، وهي جيدة وممتعة، ولا غرو، باستثناء خاتمتها، التي يخيل إلينا أنها ضعيفة. حاشية: نحن بانتظار قصة أخرى إن سمحتم. ونرجوكم الانتباه إلى الخاتمة».
حزنت ولا شك، بل غضبت. وقررت مقاطعة الإذاعة، لكنني بعد يومين تذكرت أن الديون عليّ تزداد للدكنجي والجزار والحلاق، فذهبت إلى مقهاي المعهود، على الشاطئ، وكتبت لهم قصة «الأخرس».
إنه صياد سمك على الروشة، شاب وسيم وقوي. لكنه أخرس، عيناه واسعتان، وله ذراعا بحار، سمراوان، قويتان، توحيان بالعناق. في أحد الأيام، رأى في الماء داخل الموج الأزرق الشفاف وجهاً جميلاً يرتعش مع ظل قصبته، على صفحة الماء. واستدار. كانت حسناء فاتنة. ابتسمت. وابتسم. ونزلت في قربه. وتناولت القصبة وراحت تلهو وتضحك. ثم سبحا معاً إلى الكهف العميق، تحت الصخور. الصيادة الفاتنة بنت ذوات ومليونيرة. تريد أن تحب، لكنها تخشى من فضائح الثرثرة. أكثر شباب اليوم يطاردون الفتيات للتفاخر بغزواتهم إلخ.
وحينما علمت الفتاة أن هذا الشاب القوي الفاتن أخرس، فسحت له في المجال. لكنها وصلت يوماً إلى الشاطئ الرملي، فوجدت جماعة من الصيادين والمستحمين، يحيطون بصديقها، وهو يرسم على الرمال، وجهها، وشعرها، والصخور كما تبدو داخل الكهف...
* * *
ووصلت رسالة من الإذاعة تقول:
«يا صديقي. كيفما فهمنا قصتك، فإن فيها تعريضاً ـ ولعله غير مقصود ـ بسيدات المجتمع الراقي، وهن من فئة لها مكانتها العليا في بلدنا. نحن نرى أن أسلوبك يتحسن. ونحن جد معجبين بهذه القصة، وعلى استعداد لقراءتها في إحدى المجلات. لكنها قد لا تصلح للإذاعة. نحن بانتظار شيء آخر».
* * *
النضال يعني النضال. يجب المثابرة حتى الوصول. تصوروا أن جميع اللبنانيين في الوطن والمهجر سيسمعون صوتي واسمي ويعيشون مع عالمي وقصصي. إنكم لا تريدون هجوماً على الفئة الاجتماعية العليا؟ حاضر. لنترك هذه الجماعة وفضائحها. هيا إلى الشعب. وذهبت إلى مقهى الحاج داوود في محلة الزيتونة.
هناك، على الشاطئ الهادئ مع نفس عجمي ممتاز، والحبات الحمراء الفاقعة تتراقص في جوف النارجيلة، وتحت أنفاس البحر العابقة، كتبت قصة «علي منقل وزوجته في بيروت». وكانت تراودني منذ وقت طويل.
وصل الفلاح علي منقل من قريته مجدل ـ بلهيص (البقاع الغربي) هارباً من ظلم الزراعة. الزراعة هزلت. جف ضرع الأرض. جاع علي منقل وزوجته فاطمة وأولادهما. باع بقرته وحماره والقمحات. أرسل بناته للخدمة في مشغرة وبيروت. وجاء إلى العاصمة ليعمل في أي شيء، ومعه 17 ليرة بقيت له من ثمن الحمار. منذ ظهر أمس لم يأكل علي منقل ولا وجبة. نزل الفلاح من البوسطة وترك امرأته فاطمة تحمل صرة الثياب على رأسها. يريد أن يفكر. أين يقضيان الليل؟ وأراد فقط أن يجتاز الشارع بشرواله الأسود باحثاً عن الطريق. يريد أن يبحث عن المنزل الذي تخدم فيه بنته تفاحة. سيطلب من معلمها خمسين ليرة ليستأجر غرفة. أو أنه سيذهب للنوم عند حسن الشماط، ابن قريتهم وسمسار الخدم؟
Page 7
ـ تعال إلى هنا!
كان قد سبق زوجته فاطمة بخمسين خطوة وأكثر. زحام الشارع وصخب الناس وأصوات السيارات، كاد الرجل يضيع.
تعال إلى هنا!
إنه بوليس يناديه.
ـ أمر!
ـ ليش ما ماشي بين المسامير؟
ـ أي مسامير. المسامير بالمداس!
ـ مداس برأس أبوك (مع صفعة حكومية).
باختصار، ارتكب علي منقل مخالفة ضد قوانين السير!
مد الشرطي نحوه يداً مخيفة كجناح الخفاش:
ـ هات ليرة!
الشيء نفسه. بيروت. البقاع. الجنوب. زفتا ـ كفروا ـ كوكبا ـ عرب ـ النبي يعقوب ـ مجدل بلهيص. هنا شرطي السير هناك جندرمة راشيا. هناك محاضر الكلاب والماعز وقطع الأشجار، وهنا عدم المشي بين المسامير!
ـ هات ليرة!
واتضح أن المعركة مصيرية حين أمسك الأفندي بقميص الفلاح. وكانت أم حسين منقل قادمة، وصرتها البيضاء على رأسها، وهي تتمايل كأنها تعود بجرتها إلى القرية. كانت ستخالف. ليرة ثانية!
وأرسل إليها علي منقل كأنما بمقلاع، نظرة غضب محرقة، وصرخ بها وسط الشارع:
إمشي بين المسامير با بنت الكلاب!
وكتبت لي الإذاعة:
«أما بعد. فإنها قصة جيدة ولا شك، وصاحبك علي منقل رجل مظلوم. وكل ما نتمناه أن تكون زوجته، باجتيازها الشارع عند نقطة الخطر، على رؤوس أصابعها وبين مسامير قانون السير الجليل، قد خففت الجزاء النقدي عن زوجها الفلاح. ولكن يا أديبنا العزيز ألا تعتقد معنا أن رجال شرطة السير يقومون هم أيضاً بالواجب، وأن من غير المستحسن إلخ إلخ».
* * *
كان لا بدَّ للرفض المتكرر من أن يثير ثائرتي! وهذه الرسائل الإذاعية القاسية المتكررة! كل إنسان عنده كرامة، حتى الغارق في الديون حتى أنفه مثلي. وقررت أن أصرف النظر عن الإذاعة. واكتفيت بنشر بعض قصصي في إحدى الصحف، وكان صاحب الجريدة يدفع لي نقوداً شرط أن يحول إليَّ الشتائم التليفونية وتوابعها بعد نشر القصة، إذ كان هناك دائماً من يعتقد أنه هو المقصود إلخ..
وتلقيت بعد ذلك عدة رسائل من الإذاعة تستكتبني، فأهملتها، إذ عافت نفسي مناظر الشاطئ، لاسيما بعد أن سدّ علي الدائنون جميع المنافذ إلى مقهاي الحبيب.
* * *
في أواخر صيف عام خمسين وتسعمئة وألف، تلقيت زيارة شخصين وقورين، لم يتجاوزا سن الشباب. أنيقين، باسمين.
ـ محسوبك الأستاذ وديع، المسؤول عن القسم الأدبي في الإذاعة.
ـ مساعده، الداعي لك الأستاذ حليم، المسؤول عن القصص. ترحيب. وضحك. وعتاب. فإذا بهما من أشد أنصاري! لكنهما كانا ينتظران قصة تحوز رضى مدير الإذاعة لأنه يشرف شخصياً أيضاً على القصص، وهو شخص ذو ثقافة موسوعية فذة، فهو يحفظ خطب اللبناني الأول عن ظهر قلب، وعنده قائمة بأسماء أدباء فرنسيين وطليان إلخ. وقدما لي بعض النصائح: يجب أن تكون موضوعاتك، مثلاً، قصة عن ورقة يانصيب رابحة. هل هناك أجمل من هذا الموقف؟ اكتبها عامة، بارعة. لا تتعرض لأحد. هناك ألف موضوع لا يؤذي أحداً. اذهب وتفرج على أضواء المدينة في الليل، البلاجات. هل أنت بحاجة إلى من يرشدك. يا سيدي أكتب عن باب إدريس. تكلم عن السوق العمومي. ولكن أكتب باعتدال يا صديقي. باعتدال.
* * *
كان قد سبق زوجته فاطمة بخمسين خطوة وأكثر. زحام الشارع وصخب الناس وأصوات السيارات، كاد الرجل يضيع.
تعال إلى هنا!
إنه بوليس يناديه.
ـ أمر!
ـ ليش ما ماشي بين المسامير؟
ـ أي مسامير. المسامير بالمداس!
ـ مداس برأس أبوك (مع صفعة حكومية).
باختصار، ارتكب علي منقل مخالفة ضد قوانين السير!
مد الشرطي نحوه يداً مخيفة كجناح الخفاش:
ـ هات ليرة!
الشيء نفسه. بيروت. البقاع. الجنوب. زفتا ـ كفروا ـ كوكبا ـ عرب ـ النبي يعقوب ـ مجدل بلهيص. هنا شرطي السير هناك جندرمة راشيا. هناك محاضر الكلاب والماعز وقطع الأشجار، وهنا عدم المشي بين المسامير!
ـ هات ليرة!
واتضح أن المعركة مصيرية حين أمسك الأفندي بقميص الفلاح. وكانت أم حسين منقل قادمة، وصرتها البيضاء على رأسها، وهي تتمايل كأنها تعود بجرتها إلى القرية. كانت ستخالف. ليرة ثانية!
وأرسل إليها علي منقل كأنما بمقلاع، نظرة غضب محرقة، وصرخ بها وسط الشارع:
إمشي بين المسامير با بنت الكلاب!
وكتبت لي الإذاعة:
«أما بعد. فإنها قصة جيدة ولا شك، وصاحبك علي منقل رجل مظلوم. وكل ما نتمناه أن تكون زوجته، باجتيازها الشارع عند نقطة الخطر، على رؤوس أصابعها وبين مسامير قانون السير الجليل، قد خففت الجزاء النقدي عن زوجها الفلاح. ولكن يا أديبنا العزيز ألا تعتقد معنا أن رجال شرطة السير يقومون هم أيضاً بالواجب، وأن من غير المستحسن إلخ إلخ».
* * *
كان لا بدَّ للرفض المتكرر من أن يثير ثائرتي! وهذه الرسائل الإذاعية القاسية المتكررة! كل إنسان عنده كرامة، حتى الغارق في الديون حتى أنفه مثلي. وقررت أن أصرف النظر عن الإذاعة. واكتفيت بنشر بعض قصصي في إحدى الصحف، وكان صاحب الجريدة يدفع لي نقوداً شرط أن يحول إليَّ الشتائم التليفونية وتوابعها بعد نشر القصة، إذ كان هناك دائماً من يعتقد أنه هو المقصود إلخ..
وتلقيت بعد ذلك عدة رسائل من الإذاعة تستكتبني، فأهملتها، إذ عافت نفسي مناظر الشاطئ، لاسيما بعد أن سدّ علي الدائنون جميع المنافذ إلى مقهاي الحبيب.
* * *
في أواخر صيف عام خمسين وتسعمئة وألف، تلقيت زيارة شخصين وقورين، لم يتجاوزا سن الشباب. أنيقين، باسمين.
ـ محسوبك الأستاذ وديع، المسؤول عن القسم الأدبي في الإذاعة.
ـ مساعده، الداعي لك الأستاذ حليم، المسؤول عن القصص. ترحيب. وضحك. وعتاب. فإذا بهما من أشد أنصاري! لكنهما كانا ينتظران قصة تحوز رضى مدير الإذاعة لأنه يشرف شخصياً أيضاً على القصص، وهو شخص ذو ثقافة موسوعية فذة، فهو يحفظ خطب اللبناني الأول عن ظهر قلب، وعنده قائمة بأسماء أدباء فرنسيين وطليان إلخ. وقدما لي بعض النصائح: يجب أن تكون موضوعاتك، مثلاً، قصة عن ورقة يانصيب رابحة. هل هناك أجمل من هذا الموقف؟ اكتبها عامة، بارعة. لا تتعرض لأحد. هناك ألف موضوع لا يؤذي أحداً. اذهب وتفرج على أضواء المدينة في الليل، البلاجات. هل أنت بحاجة إلى من يرشدك. يا سيدي أكتب عن باب إدريس. تكلم عن السوق العمومي. ولكن أكتب باعتدال يا صديقي. باعتدال.
* * *
Page 8
... وهل هناك أكثر اعتدالاً من قصة «مسح البيوت الخلفية» التي كتبتها حينئذ؟ الحقيقة فكرتها كانت تراودني منذ حين.
سعيد شمام. موظف في وزارة التربية والفنون الجميلة... شاب نشيط ووسيم. يعبد النساء. يحب الكيف والنزهات الملهمة. في الخامسة والثلاثين، لكن زوجته، وهي خريجة إحدى مدارس المحاسبة، تمارس خبرتها في ضبط حسابات راتبه. أحياناً كان ينجح في تهريب عشر ليرات أو عشرين ليرة، أيام المشتريات الهامة. فيشرب كأساً مع امرأة جميلة. للتنويع. لكنه كان ذا حيوية هائلة. كان لا ينام. كان يتسلل من المنزل، تحت جناح الدجى، ويطارد الأخيلة الليلية ساعات. هل وفق مرة؟ مراراً، ولكن كانت فضيحة الزهري، ثم طعنة خنجر في جنبه من بحري مارينز أميركاني بدافع النخوة التي لا يخلو منها إنسان، إلخ.
حتى دقت ساعة الفرح الأكبر في يوم من الأيام. اشترى ورقة يانصيب. وربح. أجل. سعيد شمام الموظف في وزارة التربية، الدرجة السادسة «براتب شهري قدره 300 ليرة» ربح خمسين ألف ليرة دفعة واحدة! الثروة!
أخفى النبأ عن زوجته. وهو يكاد ينفجر. ستقولون: ألا تقرأ زوجته الجرائد؟ أقول لكم، لقد منعته من شراء الجرائد! قبض سعيد شمام الجائزة، وبدأ ينفذ مشروعه الجبار. سوف يمسح السوق العمومي مسحاً. صيد الجاروفة! استلمه من الجنوب من تجاه سينما الأمبير، وأخذ يتغلغل فيه مكتسحاً إياه، بيتاً فبيتاً، وغرفة غرفة حتى أوتيل سلمى الشيخة في الشمال. وكان يقدر أنه سينتهي منه في ربيع عام 1952 إذا استطاع تمشية البطرونات. ودخله يوماً، وفي أحد زواريبه، مساء الجمعة 27/3/1949، تبعه شخص قصير، وهمس في أذنه بلهجة كالدغدغة: شو عايز يا أستاذ؟
ـ أريد ست جميلة. صغيرة. بنت. أريد بنتاً لا تتجاوز العشرين.
ـ عندي مطلوبك يا أستاذ.
وبعد جولة في السيارة على الكورنيش قدمه الوسيط إلى زوجة رئيسه المباشر. فأحاله هذا على مجلس التأديب، ولا تزال قضيته عالقة أمام الجهات المختصة.
وجاءت من الإذاعة الرسالة، التي ظننت أنها نسخة طبق الأصل، عن سابقاتها، لولا أنها تتضمن هذه النبذة:
«الخطأ الفني أنك تقول إن البطل اعتزم مسح السوق لكنه التقى لقاءه الخطير خارج حدود تلك المنطقة. ومن الذي رسم لكم حدود تلك المنطقة؟!!» وفي خاتمة الرسالة، ويا للعجب، كان الرجاء الاعتيادي بإرسال القصص أيضاً، الذي تأكدت معه، والمرء ليس حماراً دائماً، أن جماعة الإذاعة يتلهون بي وبقصصي، وأن الأمر لا يعدو كونه مزاحاً وضحكاً، وتصورت الموظفين، بعد انتهاء أعمالهم المرهقة، يفتحون رسائلي، ويجلسون على جوانب الطاولات، أو على المقاعد الجلدية الوثيرة، يقهقهون وهم يتابعون قصص ذلك الشخص المجنون...
* * *
... لكنني، حباً بالفن، وإخلاصاً للشعب، وطمعاً في الخلود (ولماذا الكذب؟)، توكلت على الله عز وجل، واحتسيت زجاجة من الويسكي، وكتبت لهم قصة أخيرة، وكانت قد حدثت مع جار لنا، في الليلة السابقة.
إنه شخص فاشل. لماذا يفشل المرء؟ لأسباب عديدة. ربما أنه لم يلامس، في الوقت المناسب، قفا سيدة فرنسية، أو لأنه بدلاً من الكتمان والصمت، رسم صورة وجه جميل على الرمال، أو لأنه لا يحسن السير بين المسامير المدنية، أو لأنه يختار المسح بدلاً من الانتقاء، ويعشق الكم بدلاً من الكيف، أقول، إنه شخص فاشل. وكتبت له قصة «التنكة». وهي عن شخص فاشل، بل محظوظ في الفشل. لكنه ارتكب خطأ فظيعاً تلك الليلة. كان متعباً، منهكاً، ناقش كثيراً. لم يقنع أحداً، وظل يكابر. وجه إليهم الاتهامات. فضحكوا. كاد يمد يده إليهم، الجميع خونة، وحده هو الذي يرى نور الحق، فهل سيصبر؟ كلا، بل سيضرب رأسه بالحائط! ووضع رأسه على وسادته. الشارع تهب فيه ريح خفيفة من الغرب. لعل النوم يريحه. تباً لأهل هذه المحلة. أين راديواتهم؟ اعتاد أن ينام على صوت الغناء. ولكن لو ارتفع صوت راديو الآن، فإنه سينهض ويشتم أهل المحلة جميعاً. الريح. الريح فقط تهب قليلاً قليلاً. يريد أن ينام. وأعاد رأسه إلى الوسادة.
وفجأة، تحت النافذة، على طريق الإسفلت، تنكة تتدحرج. صوت تنكة: «قر. قر. قر.». الريح أخذتها إلى الشرق. ربما مسافة مترين، صمتت. ثم عادت. «كرن. كرن. كرن». ووقفت، لعلها استدارت الآن إلى الشمال. وفجأة عادت تسير وحدها على مهل. بدون هواء هذه المرة. على مهل. وتوقفت.
لن تتوقف. ها هي تدور أمام الريح، باتجاه الشرق ولا بدَّ، «كرن. كرن. كرن. كرن.» بنشاط وقوة، استمرت زهاء دقيقة تتدحرج. وهدأ صوتها، ثم عادت... إنه يعطيها كل سمعه المرهف.
سعيد شمام. موظف في وزارة التربية والفنون الجميلة... شاب نشيط ووسيم. يعبد النساء. يحب الكيف والنزهات الملهمة. في الخامسة والثلاثين، لكن زوجته، وهي خريجة إحدى مدارس المحاسبة، تمارس خبرتها في ضبط حسابات راتبه. أحياناً كان ينجح في تهريب عشر ليرات أو عشرين ليرة، أيام المشتريات الهامة. فيشرب كأساً مع امرأة جميلة. للتنويع. لكنه كان ذا حيوية هائلة. كان لا ينام. كان يتسلل من المنزل، تحت جناح الدجى، ويطارد الأخيلة الليلية ساعات. هل وفق مرة؟ مراراً، ولكن كانت فضيحة الزهري، ثم طعنة خنجر في جنبه من بحري مارينز أميركاني بدافع النخوة التي لا يخلو منها إنسان، إلخ.
حتى دقت ساعة الفرح الأكبر في يوم من الأيام. اشترى ورقة يانصيب. وربح. أجل. سعيد شمام الموظف في وزارة التربية، الدرجة السادسة «براتب شهري قدره 300 ليرة» ربح خمسين ألف ليرة دفعة واحدة! الثروة!
أخفى النبأ عن زوجته. وهو يكاد ينفجر. ستقولون: ألا تقرأ زوجته الجرائد؟ أقول لكم، لقد منعته من شراء الجرائد! قبض سعيد شمام الجائزة، وبدأ ينفذ مشروعه الجبار. سوف يمسح السوق العمومي مسحاً. صيد الجاروفة! استلمه من الجنوب من تجاه سينما الأمبير، وأخذ يتغلغل فيه مكتسحاً إياه، بيتاً فبيتاً، وغرفة غرفة حتى أوتيل سلمى الشيخة في الشمال. وكان يقدر أنه سينتهي منه في ربيع عام 1952 إذا استطاع تمشية البطرونات. ودخله يوماً، وفي أحد زواريبه، مساء الجمعة 27/3/1949، تبعه شخص قصير، وهمس في أذنه بلهجة كالدغدغة: شو عايز يا أستاذ؟
ـ أريد ست جميلة. صغيرة. بنت. أريد بنتاً لا تتجاوز العشرين.
ـ عندي مطلوبك يا أستاذ.
وبعد جولة في السيارة على الكورنيش قدمه الوسيط إلى زوجة رئيسه المباشر. فأحاله هذا على مجلس التأديب، ولا تزال قضيته عالقة أمام الجهات المختصة.
وجاءت من الإذاعة الرسالة، التي ظننت أنها نسخة طبق الأصل، عن سابقاتها، لولا أنها تتضمن هذه النبذة:
«الخطأ الفني أنك تقول إن البطل اعتزم مسح السوق لكنه التقى لقاءه الخطير خارج حدود تلك المنطقة. ومن الذي رسم لكم حدود تلك المنطقة؟!!» وفي خاتمة الرسالة، ويا للعجب، كان الرجاء الاعتيادي بإرسال القصص أيضاً، الذي تأكدت معه، والمرء ليس حماراً دائماً، أن جماعة الإذاعة يتلهون بي وبقصصي، وأن الأمر لا يعدو كونه مزاحاً وضحكاً، وتصورت الموظفين، بعد انتهاء أعمالهم المرهقة، يفتحون رسائلي، ويجلسون على جوانب الطاولات، أو على المقاعد الجلدية الوثيرة، يقهقهون وهم يتابعون قصص ذلك الشخص المجنون...
* * *
... لكنني، حباً بالفن، وإخلاصاً للشعب، وطمعاً في الخلود (ولماذا الكذب؟)، توكلت على الله عز وجل، واحتسيت زجاجة من الويسكي، وكتبت لهم قصة أخيرة، وكانت قد حدثت مع جار لنا، في الليلة السابقة.
إنه شخص فاشل. لماذا يفشل المرء؟ لأسباب عديدة. ربما أنه لم يلامس، في الوقت المناسب، قفا سيدة فرنسية، أو لأنه بدلاً من الكتمان والصمت، رسم صورة وجه جميل على الرمال، أو لأنه لا يحسن السير بين المسامير المدنية، أو لأنه يختار المسح بدلاً من الانتقاء، ويعشق الكم بدلاً من الكيف، أقول، إنه شخص فاشل. وكتبت له قصة «التنكة». وهي عن شخص فاشل، بل محظوظ في الفشل. لكنه ارتكب خطأ فظيعاً تلك الليلة. كان متعباً، منهكاً، ناقش كثيراً. لم يقنع أحداً، وظل يكابر. وجه إليهم الاتهامات. فضحكوا. كاد يمد يده إليهم، الجميع خونة، وحده هو الذي يرى نور الحق، فهل سيصبر؟ كلا، بل سيضرب رأسه بالحائط! ووضع رأسه على وسادته. الشارع تهب فيه ريح خفيفة من الغرب. لعل النوم يريحه. تباً لأهل هذه المحلة. أين راديواتهم؟ اعتاد أن ينام على صوت الغناء. ولكن لو ارتفع صوت راديو الآن، فإنه سينهض ويشتم أهل المحلة جميعاً. الريح. الريح فقط تهب قليلاً قليلاً. يريد أن ينام. وأعاد رأسه إلى الوسادة.
وفجأة، تحت النافذة، على طريق الإسفلت، تنكة تتدحرج. صوت تنكة: «قر. قر. قر.». الريح أخذتها إلى الشرق. ربما مسافة مترين، صمتت. ثم عادت. «كرن. كرن. كرن». ووقفت، لعلها استدارت الآن إلى الشمال. وفجأة عادت تسير وحدها على مهل. بدون هواء هذه المرة. على مهل. وتوقفت.
لن تتوقف. ها هي تدور أمام الريح، باتجاه الشرق ولا بدَّ، «كرن. كرن. كرن. كرن.» بنشاط وقوة، استمرت زهاء دقيقة تتدحرج. وهدأ صوتها، ثم عادت... إنه يعطيها كل سمعه المرهف.
Page 9
وفجأة نهض صاحبنا، وهو يشتم كل سمج وثقيل، ومصانع الحليب في العالم، وخرج حافياً إلى الشارع، ووصل إلى التنكة. كانت تنكة حليب. صفراء. تلمع تحت ضوء الكهرباء. واقترب منها حانقاً، مهتاجاً، ورفسها بأقوى ما يستطيع، فطارت نحو باب كوخ قريب، يفصله عن الشارع حاجز خشبي، وقفص كبير، وأحس في رجله ألماً لا يطاق.
سقطت التنكة على الباب، فدوت بشدة، وتصاعد نباح شديد، وخرج كلبان أو ثلاثة كلاب مهتاجة قطعت عليها المفاجأة خلوتها المسائية، وأخذت تطارد الشاب عبر الشارع... حتى أدركته عند باب منزله...
* * *
بعد أن أنهيت صياغة قصة التنكة والكلب، أرسلتها إلى دار الإذاعة، بشعور من أصبح الفشل عشيره الدائم.
ولكن قصة «التنكة والكلب» أعجبت كثيراً رجال الإذاعة، فأذاعوها مراراً، وكانوا يرسلون إليَّ في كل مرة مبلغ خمسين ليرة، فأسارع وأشتري بقسم منها كيلو «جلاميق»، أضعها في الليل قرب الباب الخشبي، ثم أعود إلى غرفتي لكتابة القصص...
تحت راية خضرج !
ذكريات عن أربعاء أيوب
ـ 1 ـ
كانت الحاجة جمول، صاحبة العنزوقة، هي التي نصبت الخيمة، على تلك الرمال البيضاء، وهي سيدة المجلس على كل حال، لم يكن صوتها عريضاً، رغم أن دخانها كان الطاتلي سرت عريضة، فضلاً عن نارجيلتها في رحلات كهذه، لكن «جماميلو» كما كان يناديها خالي الآغا في اللحظات الملهمة، كانت تكلم جاراتها من النساء بلهجة إما مستنكرة وإما آمرة:
ـ وئي أني حماتك شو عاملي معها؟
ـ وئي شو عتبة بيتي واطيي ما بتجي لعندي خديجة بنت حماكي. ـ لزوا عا بعض يا ولاد شوي!
وفي تلك الخيمة عند الأصيل، كانت جمول، وجاراتها: خالتي أم السبع راوية الحكايات، «عيشة الجارة» السمراء الهزيلة، ورئيفة، الصبية الحسناء، الممتلئة الجسم، ذات المعطف الأزرق المخملي، والوجه الأبيض النقي، والحاجبين المقوسين الرقيقين، والعينين السوداوين الواسعتين، وبضع نساء لا أعرفهن، لا أنا، ولا رفيقي سعد الدين ابن صاحب المقهى..
إلا أن مكان الصدارة، بالطبع، كان للحاجة جمول «شيخة من نقع الترمس، ونقر الدربكة، وسيدة من شك كبش القرنفل في البرتقال، وباع سيارات المعلل الحمراء».
سقطت التنكة على الباب، فدوت بشدة، وتصاعد نباح شديد، وخرج كلبان أو ثلاثة كلاب مهتاجة قطعت عليها المفاجأة خلوتها المسائية، وأخذت تطارد الشاب عبر الشارع... حتى أدركته عند باب منزله...
* * *
بعد أن أنهيت صياغة قصة التنكة والكلب، أرسلتها إلى دار الإذاعة، بشعور من أصبح الفشل عشيره الدائم.
ولكن قصة «التنكة والكلب» أعجبت كثيراً رجال الإذاعة، فأذاعوها مراراً، وكانوا يرسلون إليَّ في كل مرة مبلغ خمسين ليرة، فأسارع وأشتري بقسم منها كيلو «جلاميق»، أضعها في الليل قرب الباب الخشبي، ثم أعود إلى غرفتي لكتابة القصص...
تحت راية خضرج !
ذكريات عن أربعاء أيوب
ـ 1 ـ
كانت الحاجة جمول، صاحبة العنزوقة، هي التي نصبت الخيمة، على تلك الرمال البيضاء، وهي سيدة المجلس على كل حال، لم يكن صوتها عريضاً، رغم أن دخانها كان الطاتلي سرت عريضة، فضلاً عن نارجيلتها في رحلات كهذه، لكن «جماميلو» كما كان يناديها خالي الآغا في اللحظات الملهمة، كانت تكلم جاراتها من النساء بلهجة إما مستنكرة وإما آمرة:
ـ وئي أني حماتك شو عاملي معها؟
ـ وئي شو عتبة بيتي واطيي ما بتجي لعندي خديجة بنت حماكي. ـ لزوا عا بعض يا ولاد شوي!
وفي تلك الخيمة عند الأصيل، كانت جمول، وجاراتها: خالتي أم السبع راوية الحكايات، «عيشة الجارة» السمراء الهزيلة، ورئيفة، الصبية الحسناء، الممتلئة الجسم، ذات المعطف الأزرق المخملي، والوجه الأبيض النقي، والحاجبين المقوسين الرقيقين، والعينين السوداوين الواسعتين، وبضع نساء لا أعرفهن، لا أنا، ولا رفيقي سعد الدين ابن صاحب المقهى..
إلا أن مكان الصدارة، بالطبع، كان للحاجة جمول «شيخة من نقع الترمس، ونقر الدربكة، وسيدة من شك كبش القرنفل في البرتقال، وباع سيارات المعلل الحمراء».
Page 10
كانت لها الطاعة من الجميع، وزعيمة النساء في خندق «ديبو» بلا منازع، وها هي الآن تتصدر الخيمة، ولا عجب، فهي في محلتنا التي تجابه البواليص إذا هاجموا النساء لكتابة المحاضر بسبب دلق مياه الغسيل في الزاروب وهي، جمول، التي تفض المنازعات، وتدفع دية الدجاجة التي خبصها البسكلات، وإذا لبطك حمار على بطنك، فهي التي تسقيك «طاسة الرعبة».
ولكزني سعد الدين، وهو يهز رأسه مشيراً إلى الخارج. كنا داخل الخيمة، ولكن غير بعيدين عن المخرج، وكانت جدرانها عبارة عن أكياس من الخيش. وقالت جمول:
ـ بحياتك بالله يا نفوس خدي ها البقاب ودقي عامود الخيمي القبلي شوي. هوا الشمالي راح ينتع الخيمي!
وها هي خالتي أم السبع، ذات الوجه الأسمر الرقيق، والصوت العريض المبحوح لكثرة التدخين، ونظرتها النارية، الحادة، المتخابثة، فهمت، فهمت سريعاً كعادتها، إنني وسعد الدين نريد أن نهرب، أن نخرج من الخيمة، ونسبح على الشاطئ الرملي، وسط هذه الحشود الواسعة من الناس، الصاخبين، اللاعبين، المغنين، الذين لا يعرف لهم رأس من ذنب.
وحدجتني أُم السبع بنظرة مهددة، احمرت لها أذناي، وقالت من خلال النساء والصبيان: هيئتك إنتي وياه ضاربين طبئولا. استرجوا تحركوا!
لم نتحرك، بل رحنا ننظر إلى سائر الصبيان أمامنا. وما كنا نعرفهم. أما سعد الدين فأعرفه ويعرفني. كان جارنا في خندق ديبو وهو زاروب محاط بالصبير والأكواخ في رأس بيروت. وسعد يكبرني بعامين، أو ثلاثة، لكنه أقوى مني جسماً، وجيبه أكثر امتلاء ببزر المشمش والكلل، وأنشط في العدو، وهو الذي قادني عبر الزواريب في العام الماضي إلى مدرسة الشيخ محمد، على ذلك المرتفع بين البساتين. كان رفيقي الدائم، ندرس معاً، ونذهب معاً إلى الجامع، وبحجة مرافقته إلى مقهى والده، على الشاطئ في غرب المحلة كنا نتعرى وننزل إلى بحيرات «براك الحمام» قرب الحمام العسكري، فنستحم طوال بعد الظهر، ثم نعود في المساء. وتلحس خالتي أم السبع وجهي أو شعري وتقول: رحت عالبحر يا ديوس؟ وتصفعني بدون اقتناع شديد، لكني أقضي ذلك المساء بطوله تحت وطأة عبوسها الفرانكشتايني.
ـ 2 ـ
والآن نحن في خيمة «أربعاء أيوب» مع خالتي جمول، وأُم السبع، والجارات، وأولادهن وما كنا نعرف هؤلاء جيداً.
كانت صحون المفتقة الصفراء الداكنة مصفوفة في زاوية الخيمة حيث لا يجلس أحد، وقربها طناجر الطعام، والطباخ الفخار، ونرجيلة الحاجة جمول، في فترة راحة، و«مشايات» النسوان، السوداء اللماعة، وهي، أي المشايات، شغل البلعة وبعض ملاءاتهن ملقاة هنا في الزاوية كيفما اتفق، إذ تفضل خالتي وجارتها الجلوس أثناء النزهات بالفسطان، وإبراز صدورهن كأكياس اللبنة، وبعضها عند البنات مكوز كالرمان في أول أوانه. ولا يبدأ الكشف عن الزنود البيضاء إلا بعد التأكد من عدم وجود شقوق في الخيمة، والتثبت من أعمار الصبيان الحاضرين. وفجأة وصل حجر من الخارج، فارتج على جدران الخيمة، أو لعلها حفنة رمل، والأكثر أنها مرفق غلام دفعه غلام آخر، أو رجل «مشورب» ثقيل الدم يريد المزاح مع النسوة رغم ما في المسألة من أخطار: «والله بخلي أبو حسن الآغا يطيرك بأرض بسما!» كانت إحدى العبارات الحاسمة التي تهوي بها جململ ـ وهكذا يناديها زوجها البحار أثناء المشاجرات حين يصبح أبو حسن كديك الحبش، وجململ خطرة كمحدلة لتكسير البحص تعطلت فراملها في منحدر شديد الخطر.
وجململ تنطلق مهددة متوعدة، مندفعة بثقلها الطوني مثل الترام في نزلة الباشورة.
وصرخت جمول: وليه عاقامتهم! وئي مين هيدا؟!
ثم هدأت حدتها حين هدأت ارتجاجات الخيمة من الداخل، وجلسنا أنا وسعد الدين جامدين، مكرهين، وكانت تفوح من الخارج، في الجو رائحة اللوز الأخضر، ودخان النارجيلات، وروائح البحر المسكرة، وصوت الأمواج المنطرحة على الرمال، ثم تنتشر مبددة زبداً أبيض وأصدافاً بنفسجية وقطعاً صغيرة من الأخشاب والعلب الفارغة.
ـ عبكرة وصلنا الآغا بالشختورة لهون أني وولاد سلفتي أم معروف، وما كان فيه إلا الله وهالرملات عا مدة عينك والنظر.
أجابتها الست أم علي الحلوة، السمينة الملتفة بملاءتها الكحلية الرقيقة، المرأة الحمراء الخدين ذات العينين الواسعتين المرسومتين رسماً واللتين تتحرك فيهما حدقتان كرويتان بلون دبس الخروب.
ـ بش.. بحياة النبي؟!
ـ أي والله! وشي وصلنا كانت الدنيا وش الصبح، حطيت الولاد بالخيمة، حتى لا يبردوا، ونزلت تغسلت بالبحر ونويت الوضوء، وتمددت بالظلط عالرملات، وبعدين ركعت ودعيت لربي.. وسألتها أم السبع باسمة: ما صرتي تقولي الله يبعتك يا أبو حسن حتى تصلوا الصبح جماعة؟
وضحكت النساء واستغربنا أنا وسعد الدين هذه اللغة السرية. وقالت «عيشي الجارة»: ـ الله يتقبل منك يا حاجة جمول.. ـ الله يحفظك! ـ الله يغفر لنا ذنوبنا! ـ آمين.
ولكزني سعد الدين، وهو يهز رأسه مشيراً إلى الخارج. كنا داخل الخيمة، ولكن غير بعيدين عن المخرج، وكانت جدرانها عبارة عن أكياس من الخيش. وقالت جمول:
ـ بحياتك بالله يا نفوس خدي ها البقاب ودقي عامود الخيمي القبلي شوي. هوا الشمالي راح ينتع الخيمي!
وها هي خالتي أم السبع، ذات الوجه الأسمر الرقيق، والصوت العريض المبحوح لكثرة التدخين، ونظرتها النارية، الحادة، المتخابثة، فهمت، فهمت سريعاً كعادتها، إنني وسعد الدين نريد أن نهرب، أن نخرج من الخيمة، ونسبح على الشاطئ الرملي، وسط هذه الحشود الواسعة من الناس، الصاخبين، اللاعبين، المغنين، الذين لا يعرف لهم رأس من ذنب.
وحدجتني أُم السبع بنظرة مهددة، احمرت لها أذناي، وقالت من خلال النساء والصبيان: هيئتك إنتي وياه ضاربين طبئولا. استرجوا تحركوا!
لم نتحرك، بل رحنا ننظر إلى سائر الصبيان أمامنا. وما كنا نعرفهم. أما سعد الدين فأعرفه ويعرفني. كان جارنا في خندق ديبو وهو زاروب محاط بالصبير والأكواخ في رأس بيروت. وسعد يكبرني بعامين، أو ثلاثة، لكنه أقوى مني جسماً، وجيبه أكثر امتلاء ببزر المشمش والكلل، وأنشط في العدو، وهو الذي قادني عبر الزواريب في العام الماضي إلى مدرسة الشيخ محمد، على ذلك المرتفع بين البساتين. كان رفيقي الدائم، ندرس معاً، ونذهب معاً إلى الجامع، وبحجة مرافقته إلى مقهى والده، على الشاطئ في غرب المحلة كنا نتعرى وننزل إلى بحيرات «براك الحمام» قرب الحمام العسكري، فنستحم طوال بعد الظهر، ثم نعود في المساء. وتلحس خالتي أم السبع وجهي أو شعري وتقول: رحت عالبحر يا ديوس؟ وتصفعني بدون اقتناع شديد، لكني أقضي ذلك المساء بطوله تحت وطأة عبوسها الفرانكشتايني.
ـ 2 ـ
والآن نحن في خيمة «أربعاء أيوب» مع خالتي جمول، وأُم السبع، والجارات، وأولادهن وما كنا نعرف هؤلاء جيداً.
كانت صحون المفتقة الصفراء الداكنة مصفوفة في زاوية الخيمة حيث لا يجلس أحد، وقربها طناجر الطعام، والطباخ الفخار، ونرجيلة الحاجة جمول، في فترة راحة، و«مشايات» النسوان، السوداء اللماعة، وهي، أي المشايات، شغل البلعة وبعض ملاءاتهن ملقاة هنا في الزاوية كيفما اتفق، إذ تفضل خالتي وجارتها الجلوس أثناء النزهات بالفسطان، وإبراز صدورهن كأكياس اللبنة، وبعضها عند البنات مكوز كالرمان في أول أوانه. ولا يبدأ الكشف عن الزنود البيضاء إلا بعد التأكد من عدم وجود شقوق في الخيمة، والتثبت من أعمار الصبيان الحاضرين. وفجأة وصل حجر من الخارج، فارتج على جدران الخيمة، أو لعلها حفنة رمل، والأكثر أنها مرفق غلام دفعه غلام آخر، أو رجل «مشورب» ثقيل الدم يريد المزاح مع النسوة رغم ما في المسألة من أخطار: «والله بخلي أبو حسن الآغا يطيرك بأرض بسما!» كانت إحدى العبارات الحاسمة التي تهوي بها جململ ـ وهكذا يناديها زوجها البحار أثناء المشاجرات حين يصبح أبو حسن كديك الحبش، وجململ خطرة كمحدلة لتكسير البحص تعطلت فراملها في منحدر شديد الخطر.
وجململ تنطلق مهددة متوعدة، مندفعة بثقلها الطوني مثل الترام في نزلة الباشورة.
وصرخت جمول: وليه عاقامتهم! وئي مين هيدا؟!
ثم هدأت حدتها حين هدأت ارتجاجات الخيمة من الداخل، وجلسنا أنا وسعد الدين جامدين، مكرهين، وكانت تفوح من الخارج، في الجو رائحة اللوز الأخضر، ودخان النارجيلات، وروائح البحر المسكرة، وصوت الأمواج المنطرحة على الرمال، ثم تنتشر مبددة زبداً أبيض وأصدافاً بنفسجية وقطعاً صغيرة من الأخشاب والعلب الفارغة.
ـ عبكرة وصلنا الآغا بالشختورة لهون أني وولاد سلفتي أم معروف، وما كان فيه إلا الله وهالرملات عا مدة عينك والنظر.
أجابتها الست أم علي الحلوة، السمينة الملتفة بملاءتها الكحلية الرقيقة، المرأة الحمراء الخدين ذات العينين الواسعتين المرسومتين رسماً واللتين تتحرك فيهما حدقتان كرويتان بلون دبس الخروب.
ـ بش.. بحياة النبي؟!
ـ أي والله! وشي وصلنا كانت الدنيا وش الصبح، حطيت الولاد بالخيمة، حتى لا يبردوا، ونزلت تغسلت بالبحر ونويت الوضوء، وتمددت بالظلط عالرملات، وبعدين ركعت ودعيت لربي.. وسألتها أم السبع باسمة: ما صرتي تقولي الله يبعتك يا أبو حسن حتى تصلوا الصبح جماعة؟
وضحكت النساء واستغربنا أنا وسعد الدين هذه اللغة السرية. وقالت «عيشي الجارة»: ـ الله يتقبل منك يا حاجة جمول.. ـ الله يحفظك! ـ الله يغفر لنا ذنوبنا! ـ آمين.