eKtab
EN ع
أصل وفصل
Read free sample

أصل وفصل

by سحر خليفة

Page 1

المقــدمـة

بقلم الدكتور نبيه القاسم

لم يعدم شعبُنا الفلسطيني الكثيرين من أبنائه البرَرَة الذين شاهدوا ما يجري، وتوقّعوا الذي سيكون، وحذّروا ونبّهوا وصرَخوا، منهم مَنْ مات مَقهورا وقد غلبه الحزنُ، مثل: ادوار سعيد وفيصل الحسيني والدكتور حيدر عبد الشّافي ومحمود درويش، ومنهم مَن لا يزال يصرخ ويصرخ ويُحذّر، وخوفي أن يمضي العمرُ ولا شيء تحقّق.

سحر خليفة واحدة من الذين شاهدوا وتوقّعوا وحذّروا ونبّهوا وصرَخوا، وتكاد تكون الوحيدة التي لم تُهادن ولم تَتراجعْ ولم تَقبلْ بكلّ التّفسيرات والتّعليلات والتّطمينات والإغراءات وظلَّت على موقفها المنتقد الرّافض تُعلنُ صرختّها العالية القوية: لا.

تعود معرفتي بسحر خليفة إلى سنوات السبعين الأولى من القرن الماضي (القرن العشرين) فقد قرأت روايتَها الأولى (لم نعُد جواري لكم) وكتبتُ عنها دراسة في مجلة. الجديد، وفي بيت سحر في رام الله تعرّفت على العديد من المبدعين والمبدعات والأصدقاء. ومن يومها لم تضعف صداقتُنا ولم ينقطع حبلُ تَواصلنا رغم بُعْد المسافات. وسَحر التي عرفتها عصبيّة سريعة الغضب ورَدّ الفعل، غير مُتهادنة في حقّها، وصلبة في موقفها والمُعلنة صرختها العالية: لا. هي سحر اليوم التي يأخذُها تاريخُ الوطن الفلسطيني الجريح لتستقْرئه من جديد وتُعيد صياغتَه الحقيقيّة ليعرف كلّ فلسطيني أين كانت جذور المأساة ومُسبّبات النكُبَّة وتَشريد الشعب وضَياع الوطن. وقد شرَعتْ بذلك في روايتيها (أصل وفصل) و (حبّي الأوّل.)

كانت كلماتُ سَحر وتساؤلاتها المثيرة لكلّ مَكامن الغضب والحزن والألم في مؤتمر الإبداع الروائي الذي عُقد في القاهرة يوم 16 شباط 2008: "نحن –الفلسطينيين- عشنا على الهامش كشعب مأزوم. وسرّ الأزمة، بل محورها، أنّا لا نعرف واقعَنا بل نحلم عنه وربّما نَشْطح، وهذا الأصح لما نفعل أو فُعلَ بنا. عشنا شعارات وعلَوْنا فوق السحب عَبْر الأوهام ثمّ هوَينا. قيل لنا إنّا قوّة، أقوى قوّة ضاربة في الشرق الأوسط قبل حزيران 1967، فماذا نتَج عن ذاك الشعار؟ قيل لنا إنّ المشكلة في الغازي وليست فينا، فغضَضنا النظرعمّا فينا وغضضنا النظر عن تفاصيل ذاك الغازي وبتنا لا نعرف مَن هو، ولا مَن نحنُ، ولا نعرف كيف نُجيب على السؤال حول أسباب هزيمتنا. يعني لا نعرف ما الواقع. يعني لا نعرف كيف نجيب، ولا حتى نعرف ما نسأل".

وتابعت سحر خليفة أمام المجتمعين من مثقفي ومُبدعي العالم العربي بألم الإنسان الفاقد كلّ شيء في حياته، والمنبوذ من كلّ العالم ومن الله: "لدينا سؤال، لديّ سؤال. أنا المحتلة لديّ سؤال. أنا المهزومَة لديّ سؤال. أنا المأزومة لديّ سؤال. وسؤالي هو: لماذا هزمْتُ؟ أين القوّة ونقاط الضّعف؟ مَن أنا، مَن هم، مَن يعرفُني؟ والسّؤال الأهم: هل أعرفُني؟"

وتُؤكّد سحر خليفة للمستمعين: "هذا ما أسعى لتحقيقه. لأني قبل أن أكون فنّانة، أنا إنسانة، بنت البيئة، والاحتلال، والهزيمة. وفني هذا لخدمة ذاتي، دفاعا عنها، ذاتي الكبرى في مجتمعي، لأني محروقة من الدّاخل ومن الخارج، ولا يُمكنني أن أغضّ النظر عن هذا الوجَع وآلامة".

وحتى يتفهّم القارئ عالمَ سحر خليفة الإبداعي عليه أن يُرافقَها في سيرة حياتها التي تركتْ أثرَها العميق في حياة سَحر وإبداعها وعلاقاتها.

تقول سحر في حوارها مع الصحفي راشد عيسى الذي التَقاها في دمشق في مؤتمر (الثقافة والمدينة) حول مدينتها نابلس وأثرها في رواياتها (1): "كتاباتي كلّها عن نابلس، مَسقط رأسي، التي أعتبرها المُختبرَ والنّموذج الحميم والصّادق للعالم العربي بأسره كمُجتمَّع، لتعدّد التناقضات فيها. ففيها من التناقضات والتوتّر والعلاقات الاجتماعيّة، ورسوخ الهويّة القوميّة العربيّة ما يُمَكّنُني منَ التقاط مَلامح المجتمع العربي، ذلك من خلال تصوير العلاقات الأسَريّة والاجتماعيّة في مدينتي نابلس".

في هذه المدينة المحافظة التقليديّة وُلدَتْ سحر في عائلة محافظة حيث نشأت في بيت حُرم منَ الصبيان فعانت مع أمّها من غربة اجتماعيّة نفسيّة، وخاصّة بعد أن تزوّج الأبُ امرأة أخرى بحثا عن إنجاب الصبّي. وتصف سحر في روايتها (مذكرات امرأة غير واقعيّة) ما عانته من تفضيل المولود الصبي عليها، وما كان من فَرض كلّ القيود والممنوعات عليها بينما أعطيَتْ كلّ الحريّة للولد الذكر. وتصف استمراريّةَ مُعاناتها كأنثى عندما أرغمت على الزواج من رجل رفضته، ونجحت في التحرّر من قَيْد الزواج منه بعد ثلاثة عشرَ عاما.

هذه المعاناة الذاتيّة جعلت شخصيّة المرأة في روايات سحر، كما يقول الدكتور حسين المناصرة في قراءة نقديّة في شؤون النصّ الأدبي قدّمها بقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الملك سعود يوم الثلاثاء 7/2/1422 هجرية، تبدو على صورة "المرأة الضحيّة التي عليها أن تسعى إلى بناء المساواة بين الذكورة والأنوثة في الحقوق والواجبات داخل بنية المجتمع، متكئة على رفض المفاهيم الثلاثة: سيطرة الأب (بطريركيّة الرجل)، واعتبار الجنس أو النّوع صالحا لتَقسيم الأدوار، وهيْمنة القضيب!"

لكنّ سحر خليفة تجاوزت الذاتيّة في واقع الاحتلال الإسرائيلي للوطن وخرجت لتُواجه جُنودَ الاحتلال جنبا إلى جنب مع الرجل، ولكنها لم تتنازل عن موقفها الدّفاعي عن المرأة ضدّ موقف الرجل العدائي منها لكونها أنثى، وأعلنت في أكثر من موقف أنّ الشعبَ الذي يضطهدُ المرأةَ لن يستطيع أن ينتصرَ على عدوّه، مهما حاول أن يفعل، لأنّ نصفَه النّسوي مُغَيّب ومُكبّل بقيود كثيرة!! وأنّ تَحرّر الوطن لا يكون تاما إلا بتحرّر المرأة من قيود الرجل. وتحرّر الرجل والمرأة وثورتهما على قيود المجتمع بعاداته وتقاليده ومَفاهيَمه التي يجب أن تتغيّر وتُراعي تغيّرات المجتمعات العالمية والتطوّر الجاري في كل العالم.

وقد شدّدتُ في دراستي لرواية (مذكرات امرأة غير واقعيّة) على تميّز سحر خليفة في إبداعاتها بالتزامها بمعالجة "هموم الشعب وتَصوير حياته اليوميّة وما فيها من تعقيدات وتَشابكات خاصّة بكلّ ما يتعلّق بوضع المرأة وعَلاقتها بالرجل، وبالمقابل في مرافقة نضال الناس في مُواجهتهم لاحتلال الأرض وظلَّم الإنسان حتى باتت سحر خليفة تُؤطّر بين ثنائيّتين، هما: المرأة في مُواجهة الرجل. والإنسان الفلسطيني في مواجهة جندي الاحتلال. هاتان الثنائيّتان المترافقتان والمتلازمتان في معظم روايات سحر خليفة حتى أصبح من الصّعب الفصل ما بين النضال ضدّ المحتل الغريب والنضال ضدّ ظلم الرجل والمجتمع للمرأة، والاقتناع أنّ تحرّر الوطن من رَبَقة الاحتلال لا يكون كاملا وناجحا إذا لم يُرافقه تحرّر المرأة من قيود المجتمع والرجل (2).

ويرى الدكتور حسين المناصرة في قراءته النقديّة أنّه "في ضوء تشابك الأنساق الثلاثة: الذاتي والاجتماعي والوطني، نهضَ خطابُ سحر خليفة السّردي يحمل رؤية أو منظورَ الواقعيّة النقديّة التي ترى العالم مَسكونا بالسّواد، وفي أحسن الأحوال بالرّمادي. حتى ولو أنّها كانت تُنهي بعض رواياتها بنظرة متفائلة أحيانا عن طريق تَغْييب أو تخدير التناقضات الذاتيّة والاجتماعيّة لصالح ضرورة الاستمرار في مواجهة الاحتلال من خلال الانتفاضة الشعبية التي تظهر فيها شخصيّة المرأة أكثر حكمة وفاعليّة من الرجل".

وفي جوابها عن سؤال الصحفي توفيق عابد الذي أجراه مع الكاتبة لموقع (الجزيرة نت): لماذا يُطلق عليك (كارهة الرجال؟) قالت: "لأنني طرحتُ بقوّة فكرة أنّ المرأة مُساوية للرجل، وأنّ اضطهاده التاريخي من المفروض مُراجعته، ولن تقوم قائمة هذه الأمّة ونصفها مسحوق تماما، فالمجتمع الذي لا يَفْتَقِدُ دورَ نصفه لا يُمكن أن يكون فاعلا".

سحر خليفة التي انطلقت في إبداعاتها المتميّزة لم تر في الأدب كما قالت في المُقْتَبَسِ الذي جمّعته ونَشَرتْه الكاتبة عالية كريم "حلية نُعلقها في صدر البيت، وشَكْلة على الرأس.. بل إحساس أعمق، مجبول بالتراب، بالشوارع، بهموم الناس، برصاص المحتل والمدافع، بالضحايا ودم الثوّار. وأيضا بالحبّ والتمنّي وحنين القلب، وجمال الرّوح والتّصدّي للكآبة بأجنحة الحلّم. الأدب بالنسبة لها ليس نزهة، بل جدًا وأجنحة ومرايا وعتابا دائما للذات، وسماء ماطرة وقذائف ومآذن في أرض ما عَرَفت إلا الدم" (3).

وكما قالت للكاتبة عناية جابر ونشرته في جريدة السفير اللبنانية: "الأدب هو بالضرورة أداة تعبير عن الحياة وتجاربها، ومُنطلقي المنطقي هو المكان الذي عشتُ فيه، مكاني أنا، مجتمعي أنا، ألمي أنا، جذري وتجربتي وتاريخي" (4).

وترى الكاتبة عناية جابر في سحر خليفة "روائيّة فلسطين، ومن الصعب أن نفكّر برواياتها بدون أن نفكّر في فلسطين. هذه هي وهذا هو مشروعها الروائي الذي تضيق الشّقة بينه وبين البحث الاجتماعي كما تضيق الشّقة بينه وبين النضال الفعليّ" (5).

وسحر نفسها تقول: "إنّ مشروعي الروائي هو رصدُ تأثير تجربة الاحتلال على المجتمع الفلسطيني في تحوّلاته المختلفة، وبالتالي فإنّ رواياتي هي حكاية مجتمع بأسره. أردتُ أن أصوّر الناسَ كأحياء من لحم ودم، وأن أستعيرَ لغتهم وتعبيراتهم، وأنْ أصفَ معاناتهم وإحباطاتهم، وأيضا تضحياتهم، وصدّقيني، لقد رأيتُ ما قدّمه الناسُ من تضحيات تفوقُ الوصفَ. أنتم في الخارج تسمعون وتعرفون عن تضحيات الشهداء والمُقاتلين، لكنّي أنا كباحثة، وروائيّة، ومواطنة، رأيتُ بعيْني كيف أعطى الناسَ كلّ ما لديهم: أموالهم، أبناءهم، بيوتَهم، مصدر رزقهم، أقول كلّ شيء، خصوصا في الانتفاضة الأولى التي عشتُ حذافيرها وعبّرت عنها في رواية "باب الساحة" (6).

وتقول سحر خليفة في حوارها مع راشد عيسى (7): " في (باب السّاحة) رصدتُ الانتفاضة الأولى. وفي (الميراث) رصدتُ مرحلة أوسلو. وفي ( صورة وأيقونة وعهد قديم) رصدتُ تحوّلات القدس. وفي (ربيع حار) رصدتُ الانتفاضة الثانية. بمعنى أنّ الوضع الفلسطيني العاصف، السّريع التحوّل مع الضّربات والانتكاسات، لا بدّ له من عين مُتفحّصة وكاميرا مُدقّقة لتستطيع أنّ تُوثّق وتُؤرّخ الأبعاد المأساويّة التي يمرّ بها شعب صغير ولكنه ذو عزيمة وإرادة قويّة وإيمان خارق بالحريّة ورفض الاستعمار والعبوديّة. لا بدّ لهذه الظواهر من أن تُحْفَظ في كتُب، في لغة مَكتوبة كي لا تضيع هذه التّجارب من الذاكرة الفلسطينيّة العربيّة، ولا حتى من الذاكرة الإنسانية".

كانت سحر قد عرضَتْ مواقفَها الواضحة في مختلف القضايا الحادّة والمثيرة التي تعرّضتْ لها في رواياتها بجرأة وقوّة وإثارة وتحَدّ، وقد أبرزتها في دراستي للروايات. ففي رواية (لم نعد جواري لكم) نادت بتمرّد المرأة على قَيْدها الطويل، ودَعَت المرأةَ للخروج لمواجَهة الرجل ومُطالبته بكلّ حقوقها. كما أنّها اهتمّت بتَعْرية الطبقة البرجوازيّة المتعلمة العَفنة، وتَعْرية أفكارها ونهجها وواقعها، وأظهرت استحالةَ الاعتماد عليها في تَسْيير دفّة الحياة ومُواجهة الصّعاب. فهي طبقة مُخادعة تافهة، تمضغُ الفلسفات حول الموائد، مغرورة عاجزة عن المبادرة ولا يؤمَن جانبها.

وتبنّت في رواية (الصبّار) أسلوبَ الحرب اللامُتَهادِنة مع الطرف الآخر في تَعاطفها الشديد مع أبي العزّ الذي أهدته روايتَها. ولمّا سألت الصديقةَ سحر: هل حقا تَرَيْن في أبي العزّ الطريقَ الوحيدةَ لِحلّ القضيّة؟ وهل انتهى دَوْرُ أمثال عادل الكرمي الواقعي؟ أجابت سحر وحراب الفاشست الكتائبيين والشّمعونيين وقنابل الأنظمة الرجعيّة في العالم العربي وإسرائيل تنعكس من قلب (تل الزعتر) على شفتيها: لستُ أدري! كلّ شيء في هذا العالم غريب، غريب، وللقضيّة أكثر من بُعْد واحد.

وهدفت سحر من روايتها (الميراث) إلى إعلان موقفها من مُجْمَل المواقف السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة التي يعيشها الشعبُ الفلسطيني في ظلّ الاحتلال، وتَصوير وضْع المرأة الفلسطينيّة، وكيف أنّها لا تزال أسيرةَ العادات والتقاليد، وخاضعة للرجل، لم تنلْ أيّ حقّ من حقوقها رغم بطولاتها وتضحياتها سنوات الانتفاضة، ورغم التحوّلات الكبيرة التي ألمّت بالشعب الفلسطيني سنوات الاحتلال الطويلة.

وكانت دمعةُ سحر الكبيرة التي فجّرَتْها في روايتها (صورة وأيقونة وعهد قديم) حزنا وألما على ما حدث للوطن تحت حراب الاحتلال الإسرائيلي، وأنّه لم يبقَ من القدس في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي غير الهياكل والكنائس وما عَداها انتهى وفي طريقه للزوال.

واهتمّت سحر خليفة في (ربيع حار) التي عرضَت فيها لزمن الانتفاضة الثانية، بفضح الواقع غير المقبول، وكشف حقائق الناس الكبار المتسربلين ثوب الطهارة والنُّبل والوطنيّة والتضحيّة والشرف، فعَرّتهم على حقيقتهم وكشَفَتْ أسرارَهم.

وأظنّ أنّ سحر خليفة، بَعْد فَوات العمر وتكرّر الخَيْبات والنكسات والنكبات، التي عايشتها وشاركت في بعضها وتابعت تفاصيلَها، قد وعَتْ ووصلت مع نفسها، كما مع كل أبناء الشعب الفلسطيني إلى المواجهة الحادّة الدّائمة مع الأسئلة الصعبة الموجعة: إلى أين تمضي بنا الطريق! وإلام المصير!؟ ولماذا نحن الفلسطينيين وحدَنا من بين شعوب الأرض كُتِبَ علينا الشّقاء الأَبديّ؟ والغربة الأبديّة والعذاب الأبديّ؟ كيف جرى الذي جرى لنا؟ ولماذا؟ ما سببُ ما أصابنا؟ وماذا فعلنا لنخرجَ من قمقم نكْبتنا؟

وكان أن اتّخذَتْ قرارَها الحاسم بالبحث عن الجذور وتَوجيه أصابع الاتهام للمسؤولين المباشرين عن النكُبَّة وضَياع الوطن وتَشْريد الشعب. فتركت الحاضر بأحداثه المكرّرة، وكلّ ما فيه من الم وحُزن ودموع وفقدان أمل وابتعاد حلم وتَلاشي وطن. وانسحبت لتستعيدَ كلّ الماضي بأحداثه، وكانت روايتها الطويلة بجزأيها: (أصل وفصل) و (حبّي الاوّل(.

وتُؤكدُ سحر في لقائها مع عناية جابر: "في (أصل وفصل) اعتمدتُ البحث والتوثيق وذكر المصادر حتى تكونَ التجربة المرصودة ذات مصداقيّة لا تسمح بالتكذيب أو مُزاودة المُزاودين. نحن ورثنا كميّة ضخمة من الأكاذيب لا بُدّ من دَحْضها حتى نتعلم من أخطائنا ومآسينا. اعتدنا تَعْليقَ خَيْباتنا على شمّاعة الاستعمار وعَلاقة الإسرائيليين. واسْتَمْرَأْنا أنْ يُقال عنّا وأنْ نقول نحن عن أنفسنا ما يفوقُ قدراتنا بمئات المرّات. وهذه للأسف خاصيّة يتمتع بها الإنسان العربيّ بشكل عام ولا تخصّ الفلسطينيين فحسب. وقد عمَدْتُ في هذه الرواية أنْ أعيدَ قراءة التاريخ بشكل روائيّ يعتمد البحثَ والتّوثيق. فمن ناحية، أردتُ أنْ أجعل تاريخَنا في متناول يد مَنْ ليس لديهم الصّبر ولا الإمّكانيّة على التّنقيب في كتب التاريخ وآثاره. ومن ناحية ثانية، أردتُ أن أقول: أنظروا كيف يُعيد التاريخُ نفسَه، ونُعيدُ نحن الأخطاءَ نفسَها، ونظلّ نحن كشعب، ندفع ثمنَ غَباء وجهل وتخلّف قياداتنا، وكذلك نظل نُصدّق مَقولاتهم وادّعاءاتهم التي سبق وسمعها آباؤنا وأجدادنا من قبل على ألسنة قادتهم الذين لا يختلفون عن قادتنا. أردتُ أن أقول: انظروا كيف أنّ التخلّفَ الاجتماعي يؤدّي إلى التخلّف السّياسي. انظروا كيف يتخبّطُ أبطالنا في عالمهم المليء بالثّغرات والعَثَرات. أردتُ قولَ كلّ ذلك من خلال رواية تعتمدُ أسلوبا سَهلا يستطيع الوصولَ إلى كلّ الناس. وكذلك تعمّدتُ التركيزَ على التّشْويق بحيث لا يتمكن القارئ من قَذْف الرواية بَعيدا وقد ملّ من أجوائها وشخوصها وحكاياتها". (8)

وأتمّت سحر رواية قصّة النكُبَّة بروايتها (حبّي الأول) بإيصالنا مع الأحداث المثيرة المؤلمة الجارحة القاتلة الكاشفة عَفَن القيادات العربية وتآمرها وخيانتها وعُهْرها وصفاقتها إلى ضياع الوطن وتَشريد الشعب عام 1948.

وما يُثيرني ويُغضبني ويطرح أمامي ألف سؤال: لماذا يُبخِسُ البعضُ من النقّاد والكُتّاب الذين تناولوا روايتي (أصل وفصل) و (حبّي الأوّل) أهميّتهما القيميّة، ويتعاملون معهما كروايتين عاديّتين، ولا يُجْهدون أنفسَهم ويتناولون التفاصيل المثيرة التي تعرّضت لها الكاتبة؟ ولماذا يقوم هؤلاء بمسخ رواية (حبّي الأوّل) وكأنّها قصّة حبّ مبرح. ولماذا تجاهلوا كلّ التفصيلات والحكايات وقصص الخيانة التي أودتْ بضياع الوطن وتشريد الشعب؟

ولماذا توقّفَ بعضُهم في حديثه كلّه حول عبد القادر الحسيني، ولا اعتراض لي على ذلك، ولكن ماذا عن حكايا وقصص خيانات الزعماء والقادة وكشف المستورعمّا جرى من أحداث أوصلتنا إلى النكُبَّة وضياع الوطن وفيما بعد إلى النكسة وضَياع كلّ الوطن ووقوعه تحت الاحتلال وتلاشيه في غَمرة الزحف الاستيطاني الشرس؟

لماذا هذا التجاهل لمضامين الروايتين؟ وكيف توصل الكاتبة رسالتها إلى القرّاء إذا قبلت وشاركت بمسخ روايتيها وتحجيَمَّهما تحت تعريف (حكاية حبّ مبرح)؟

أسئلة تُثيرني وتُغضبني وتشدّني لأصرخ عاليا: كفاكم تَشويه ومسخ وقتل كل برعم جميل نفرح به.

وتظلّ سحر خليفة، كما كانت في مسيرة إبداعها الطويلة صاحبة الرؤية الثاقبة الصحيحة، والرؤية البعيدة، والرّافضة لكل مخادعات الواقع ومغريات الحياة مُعلنة صرختها العالية القويّة المتحدية: لا.. لا.

Page 2

لا تقولوا لي أني لم أقل شيئا جديدا،

إنّ طريقة ترتيب العناصر هو الجديد.

باسكال

Page 3

سـتي زكية

كانت ستي زكية القحطان أحلى راوية ورواية. كانت تقصّ علينا القصص فننسى العالم ونسرح وندوخ وندخل معها عبر الكانون عوالم مسحورة ، لها نوافذ تنفتح على أفق أزرق فنعلو ونطير كعلاء الدين، تلك القصص كانت حواديث. أما عن الناس، فتقول فلان قال: كذا ...وتبدأ بالقصّ وبالتقليد حتى تظن أنك تسمع ما قاله فلان شخصيا، يعني صوته، يعني نَفَسه، يعني الشخرات وهو يضحك أو يتجشّأ، فنضحك ونقول: آه يا ستي، ما أحلاك! لكنها حين تهلل نبكي ونموت في داخلنا؛ لأن التهليل يذيب الإحساس ويُخرج منا حناناً دافقاّ مثل المطر ودموع الحب. أما القمر فله قصة، قصة تتعلق بالتنجيم. يعني تفتح؛ يعني تكشف، يعني تقول: انكشف وبان، فيجمد فينا خفقان القلب.

قالت أمي في ذاك الليل: هل انكشف؟ ماذا رأيت؟ قالت: يا حرام! قالت: قولي! قالت: يا حرام. هتفت أمي: من هو؟ من مات؟ قالت: آلاف، ناس مثل النمل، وعَلَم كبير يسقط من فوق ويغرق بالدم. الدم للركب، آه يا ويلي! وبكت وبكينا وما زلنا نرتعد بخوف.

كنا نجلس في ذاك الليل على الشرفة. ستي تمسك بصفحة مرآة، وظهرها مقلوب لوجه القمر، والقمر بدر كالمرآة، أبيض ناصع، وبوجه جميل. كان الفصل صيفا، وكانت الطريق إلى حيفا قد سُدت بمدافع ودبابات. كنّا صغارا، وكنّا نسمع نشرة أخبار تقلقنا وتقول: اليهود أخذوا يافا، أخذوا حيفا، أخذوا صفد، أخذوا الرملة. وبدأت جيوشنا تتراجع، وبدأ التاريخ يهرب منا. كنّا صغارا، وكنّا نخاف مما نسمع. لكن الكبار كانوا أشطر. ثم مع الوقت هبط التاريخ وباتوا أصغر. لماذا ؟ ما السر؟ قالوا سقطت وها هم في القدس. قالت أمي: هذا كذب، هذه إشاعات. هيا نفتح؛ فالقمر يقول ما لا نعرف، وكان ما كان، وقالت ستي: آه يا ويلي. يا حرام، يا حرام! وظلَّت تقول كلمة "يا حرام" حتى ماتت، وصرنا يا حرام!

أما قصة ذاك الفتح، فهي التالي: الدنيا ليل، والقمر الكامل كالفضة، وأمي تجلس خلف الجدة تقرأ آيات من القرآن، وستي تمسك بصفحة مرآة تكشف فيها. أحيانا تمر بضع ساعات ولا تكشف، وأحيانا بضع دقائق، فتقول: فتح. فتسكت أمي، وتقول: هس، ولا نص كلمة. ولا نكون بحاجة لذاك التنبيه، إذ كلمة فتح تعني القمر بدأ يفتح، أي يتنبأ، أي ستي تقول ما يكشفه داخل مرآة. هل يتحرك؟ يعني الأشياء والعوالم داخل مرآة تتحرك؟ كانت تقول: مثل السينما، مثل الأفلام. يعني أفلام أنور وجدي وعبد الوهاب وليلى مراد في شاشات تحكي بوضوح. لكن القمر لا يتكلم، فقط الصور مثل السينما من غير كلام. أي صور تتحرك وآدميون يمشون ببطء، وكذا الأشياء تتحرك. صور ورموز ومعان لا نفهمها إلا حزرا. نحزر ما معنى ذاك الرمز وتلك الصورة. يعني العَلَم حين تهاوى فوق الرؤوس في برك الدم كان النكبة، فبكت ستي، وقالت: راحت، ضاعت البلاد. وبدأت تبكي فحدقت الأمّ وقالت بخوف: لا مش معقول‍ !‍ فقالت ستي، وهي ترمي بتلك المرآة: أقول لك راحت، ضاعت البلاد، والناس يا حرام مثل النمل، والدم للركب، آه يا ويلي!‍ ورمت المرآة.

كان ذلك قبل النكبة ببضعة أشهر، وكنا ما زلنا نتفاءل، وكان العرب مثل النمل، وجيوش زاحفة من سيناء ومن العراق ومن الأردن. كنا نظن أن القوة هي بالكثرة.كنا نظن أن العرب أقوى وأهم، مثل العيلة.‍ لكن القمر قال قوله، وانكفأ العَلم فوق رؤوس تغرق بالدم. هل كانت ستي تتخيل؟ أنا لا أعرف. أنا حتى الآن لا أعرف. أحيانا أقول مثل الأحلام، يعني تفسير تلك الأحلام. لكنني أعود وأتذكَّر ما قاله القمر عن أشياء لم نفهمها في ذاك الوقت ثم مع الزمن تحققت على سطح الأرض. فما سر القمر ومرآته وهل من تفسير؟ وهل هذا ما يذكره بعض النشطاء في ذاك العِلْم أو ذاك الفن عن قوى خفية ننكرها لأنّا بالأصل لا نعرفها؟ أنا لا أعرف. وقد كنت أقول وأنا أصغر، وأنا ما زلت أتفلسف، تلك خرافات نبدعها أو نصنعها حتى نفهم، وتكون النتيجة لا نفهم . والآن أقر بعد كل السنين، وبعد تجارب تخترق العظم: أنا لا أفهم. لكن ستي الأمّية، وما كانت تقرأ أو تكتب، وكانت أمية على السكين، كانت تفهم. وهذا ما قصدت بلغة القمر. يعني المخبوء والغائب والمستبطن في أزمنة فوق الإنسان.

Page 4

جــدي الفنـان

وجدي أيضا كان غريبا في جو غريب. كان فنانا بالفطرة رغم عمله بالميكانيكا. كان يدير – في ذاك الزمن المتأرجح بين حوافر تركيا المندحرة وجيوش الحلفاء المنتصرة – جهازا أسموه بالبابور. كان جدي يدير البابور (المطحنة). يفكّه بيديه كلعبة أطفال. يزيل الصدأ ويزيته ويشحمه ويجعله يدور مثل الساعة. كان يحبه، يحب البابور. يحب الصوت المندفع من أركانه مثل المدفع. ومن ذاك الصوت ورعشات الأذن المرتجفة تحت الضربات المنسجمة مثل الإيقاع يسمع نغمات ومقامات تعصف جوَّاه مثل الشهوة ونداء الجنس، فيهرع للدار مثل المجنون، ويخرج قانونا مخبوءا خلف خزانة ويبدأ بالعزف. وتراه ستي منشغلا عن كل الدنيا ومن فيها بتلك الأوتار، وشعره منبوش كدجاجة وأصابعه مثل الأسماك تسبح وتلعبط وتتقافز وتصدر ألحانا عاصفة ثم رقيقة، فتهمس بخشوع: هس، ولا كلمة، خليه يرتاح. كانت تحسّ، كانت تفهم، أن القانون بالنسبة له حاجة ملحة مثل التفريغ، مثل الشبع، مثل الشهوة ونداء الروح.

وجدي أيضا كان ذكيا، كان يفهم لغة الأرواح عبر القانون وصبا ونهاوند وسيد درويش. أما أخوها وكان جميلا بعيون زرقاء خابية، مثل الإفرنج فكان غبيا. كان أبوها يجلس ليلا؛ ليسمّع للولد سور القرآن والمحفوظات وجدول الضرب وما تعلمه عند الكتّاب. يقول له بصوت هادر: سمّع، اقرأ. فيرتبك الولد ويتلوى، ويقول عن السورة صورة، وعن القدَر قِدر، وعن خمسة بستة تساوي ستين. فيصيح أبوه:وَلَه يا حيوان، لسه امبارح كانت ثلاثين. وَلِه يا زكية. وتكون هي عند الكانون تُحمِّص أرغفة الخبز:

- وَلِه يا زكية، خمسة بستة؟

فتقول بخوف:

- تساوي ثلاثين.

- وسبعة بأربعة؟

- 28.

- وسبعة بسبعة؟

- 49.

فينزل بالكف على عنق الابن، ويقول بغيظ:

- شايف يا حمار؟ حتى البنات تعرف هذا. وأنت أتيس من أتيس بنت.

ويلتفت إليها، ويسألها:

- وشو حفظتِ كمان؟ هات لنسمع!

فتبدأ بقراءة ما حفظته عن ظهر قلب وتتلو القرآن والمحفوظات وجدول الضرب من غير كتاب. يعني ستي كانت أشطر، لكن أخوها الأفندي هو من أرسلوه إلى الكتّاب. أمّا هي، فظلت أميَّة على السكين. لكنها رغم ذلك كانت موهوبة وقوية وتحب الحياة. وحين كبرت صارت زوجة رجل صنديد يدير البابور، مثل الساعة ويعزف القانون مثل المجنون، ويمشي على الأرض فيهزّ السوق. ورغم ذلك فلم تكن تسمع كلامه حين يمنعها عن الزيارات والاستقبالات.كانت تحب الزيارات وشم الهوا. تخرج من الدار وهي تهرول حتى لا تضيع فقرة صغيرة مما يقال أو يقدم عند الجارات. وفي يوم ما حلف عليها إن هي خرجت ألا تكون على ذمته حين ترجع. فتحت الباب، وقالت بعناد:

- لأ، أنا خارجة.

- وتكوني طالق يا زكية؟

هزّت كتفيها وأعادت:

- لأ، أنا خارجة.

- طب والطلاق؟ أنا صرت حالف!

- اخرج فتوى من عند الشيخ، دبِّر حالك.

ولفّت غطوتها على رأسها وشدَّت الرضيع إلى صدرها وخرجت تركض. وجلست في العرس وهي تصفق مع جموع النساء. وحين صاح الطفل ألقمته ثديها، وهي تردد لازمة الغناء لامرأة ترقص وتتمايل وسط النسوة ثم أخرى ثم أخرى حتى انتهت مراسيم العرس. وحين عادت كانت الشمس قد غابت وشبابيك الجيران مغلقة ويغطي الزقاق ظلام دامس. ورأته يجلس على العتبة ينتظر بحزن. كان الغضب قد تلاشى وحلَّ محلّه حزن ساحق. إذ أن زوجته الجميلة أم الأولاد باتت طالقا وحراما علية. فبعد خروجها ولومها لعدة ساعات لام نفسه؛ لأنّه تسرَّع وحلف اليمين وخرَّب بيته. وقد كان عليه أن يتوقع أن زوجته الجميلة كانت تختلف عن كل النساء؛ لأنّها سليلة عائلة شريفة تمتد أصولها إلى جذر النبي. يعني عائلة مشهورة بأصالتها وشهامتها وانكشاف السر واختراق الغيب. فأبوها شيخ متصوِّف، وجدها ولِيٌّ له حضرة، وجدتها معروفة بقدرتها على مكالمة الجن ورؤية أحلام تتحقق في وضح النهار. وهكذا عاد إليها أو عادت إليه عبر الفتوى. استخرج فتوى من عند الشيخ، وأخرج كفّارة، وصام عن الأكل ولم يقرب زوجته عدة أيام. ومن ذاك اليوم حرّم أن يرمي عليها الطلاق أو يمنعها عما ترغب. يعني ستي كانت أقوى. لكنها رغم القوة كانت أميِّة على السكين. ولهذا حين مات الزوج بضربة بابور سحبه إليه وفرم نصفه، وجدت نفسها من غير معيل. إذ أن ميراث الفقيد صار هباء حين سرقه كبير العيلة، سليل العائلة النبوية وكليم الجن.

Page 5

كبـير العيلـة

كان عمها، كبير العيلة، رجلا مهيبا محترما بجبّة واسعة كالوطواط وعمامة ضخمة بحجم القدر. كان يجلس في حوش الدار حول البركة تحت النارنج، فيقصده الناس للتبرك وسماع النصح من الشيخ الجليل ذي العمامة والأصل الشريف. كان يحفظ سور القرآن، وأحاديث الرسول، وما قال علي، وما قال عمر، يفتي ويشرّع ويفسّر، ويقول للناس: صوموا تصحّوا. فيسألونه: حتى المرضى؟ فيقول بثقة: الصوم يشفي من القرحة ومن الغازات. وكذا الزواج المتعدد يشفي من الفسق والغواية وحب النسوان. كما أن اللحية الممتدة تحد من الفتنة والإغراء. ولهذا كانت لحيته مثل الجاعد، وفي ذمته طابور نساء، وفقّس منهن مليون ولد. فكنت ترى أنحاء الدار مثل الحسبة وسوق الإثنين. لكن الحوش حيث الديوان والدكَّة ونصف دستة من الأراجيل، كان مزارا لا يدخله إلا الوجهاء والمحتاجون ومن كان بحاجة للفتوى حتى يأمن معصية الله.

إذن عمُّها كان شريفا من أصل شريف. لهذا حين مات الزوج وخلَّف لها ألف مجيدية ذهبية وسبيكة ذهب ذهبت للعم فور الحادث، وقالت همسا: خذ يا عمي. ألف مجيدية ذهبية وسبيكة ذهب مال الأيتام. خذ خبئها حتى تنتهي مراسيم الدفن وحصر الإرث وما شابه. أطفالي القصر سيكونون تحت وصاية عدة أعمام. وهؤلاء هل هم أمناء؟ هل هم تقاة ويخافون الله؟ أنا لا أعرف. لكنك أنت، أنت عمي. أنت الكبير المتفضل على كل الناس. خذ الأمانة وخبئها حتى نضمن حق الأيتام. قال: طيب، بالحفظ والصون. وأخذ الأمانة وخبَّأها ونسي الموضوع.

حين عادت لتذكره بالأمانة، قال بغضب: أي أمانة؟ قالت: مجيديات وسبيكة ذهب! نفخ الدخان ولوى بربيش الأرجيلة، وقال بدهشة: أي مجيديات وأي سبيكة؟! قالت: التي أعطيتك إياها قبل الدفن. وأخذت تبكي. فأمسك لحيته، وقال بعطف: اسمعي يا زكية يا بنتي. بدك زكاة؟ بدك صدقة؟ حاضر، على راسي، من عيوني. لكن تقولي لي مجيديات وسبيكة ذهب؟ عندك ورقة؟ عندك شهود؟

قالت بذهول:

- لا عندي ورق، ولا عندي شهود. أنت عمي.

أمسك لحيته وشد بها، وهي تبكي وتجوح وتنوح.

قال بأسف:

- لا حول ولا قوة إلا بالله. خذي يا بنتي. خذي هذا المبلغ عن روحه.

نظرت إلى المبلغ بين يديه، وسألت بذهول: "عشر مجيديَّات ؟!"

قال بإشفاق:

- هذي المجيديَّات عن روحه، لستر الايتام.

خرجت من عنده وهي تنوح، ووقفت في الحوش تحت النارنج، وأخرجت ثديها ونظرت للسماء، وقالت: يا رب، بجاه النبي وملائكتك، تقطع أثره وتعمي بصره وما تخلي في بيته نور ولا نار. بجاه الرسل وملوك الجن اخفض قدره، واهدم حجره، ويدور شحاذ من دار لدار.

وهذا ما كان. إذ فقد عائلته في زلزال كبير هزّ الدنيا، فانهدت الدار على من فيها. وحين سحبوه من تحت الردم كان ضريرا، ومات فقيرا، وأمضى ما تبقى من عمره يشحذ قوته عند الجامع ويدور شحاذا ذليلا من دار لدار.

أما ستي، فلجأت للرفو والماكينة. ففي ذاك الزمن من التاريخ وما خلفته تركيا من فقر وقحط وأمية، فقد كان الناس، حتى الوجهاء، يلبسون المرقوع والمدوّر ويخيطون ملابسهم عند الخياط. وستي الموهوبة الذكية بدأت بالرفو والترقيع ثم ترقّت وصارت تخيط القنابيز والبراقع، وصارت مشهورة بموضتها وأناقتها والدرزة النظيفة المخفية من غير حواش مهملة أو قطبة نشاز. ومع ذلك، ظلت تسترشد بضوء القمر وانكشاف السر عبر المرآة. لكن القمر والماكينة لا يستويان، إذ مع الوقت طغت الماكينة على المرآة ودخل القمر دائرة الظل وكذا ميراث آل قحطان.

Page 6

جد الأجداد الشيخ قحطان

لم تكن ستي سليلة عائلة صغيرة، بل كبيرة واسعة ممتدة فيها المتعلم والأمّي وراعي الغنم، يعني قبيلة. وكانت القبيلة لها أفخاذ، أي ذيول وأطراف وحواشٍ تصل مكة، وواسعة باتساع الصحراء، حيث جاءوا. وطبعا ممتدة ومديدة لأن الأفخاذ إذ تتزاوج تبدو للعين مدملجة في أحسن حال. لكن الحال ليس جميلا بكل الأحوال؛ لأن المؤسس – جد الأجداد الشيخ قحطان – جاء من الربع الخالي واستلم الخراج زمن الأتراك وصار من الخاصة والأعيان. كانت له سحنة جادة وعيون واسعة عسلية. كان جميلا، طويل القامة، عريض المنكبين، وله صوت مثل المارد حين ينهر ويقول بحزم: شبيك لبيك. وهذا ما قاله حين زاره والي السنجق في ذاك الزمن، زمن السلطان. رآه جميلا فاستحلى الطول والصوت العريض ولون الناقة. كانت ناقته مسحوبة مثل سفينة ذات شراع يمخر في الأفق فيتلألأ مثل القمر في ليل بهيم. وليل البادية إذا تحلّك ينبت أشباحا وشياطين.

كان الوالي في رحلة صيد فلم يصطد، وحل الظلام فضلّ طريقه وأرسل من يبحث عن مأوى وماء وطعام، فعاد الياور، وقال بلهفة: سيدي العربان خلف الكثبان. ماء ونخيل وربابة وناقة بيضاء مثل القشطة وحليب الغنم. فالتفت الوالي لحاشيته، وقال بهمة: ابشروا يا رجال، سنجد هناك من يطعمنا ومن يسقينا وننام بعيدا عن الضواري ووحوش الفلاة. فخاضوا في الرمل حتى وصلوا ورأوا نارا وأشجار نخيل، ورأوا نوقا تقعي وتلوك خلف الماعز وقطيع غنم، ورأوا خياما وصواري وبسط حمراء تلمع كالجمر خلف الموقد. انطلق نباح فوقف الراعي وهزّ بعصاه، وقال للكلب: اركض، جيبه. فصاح الوالي: ضيوفك يا شيخ. من منكم شيخ القبيلة، من يُقري الضيف؟

وقف جدي، جد الأجداد الشيخ قحطان، وقال:

- أهلا، شرفت الديرة وحماها، أنا شيخ القوم وأنت الوالي، أليس كذلك؟

دهش الوالي، وقال:

- أحسنت، فكيف عرفت؟

قال:

- من الياور والشاويش ونياشينك. الدار أمان، تفضل، حوّل. طعام وشراب من خير الله وخير السلطان.

ونادى ابنه:

- اذبح يا سعد، أغلى ناقة واحضر ثريدا وتمورا وحليب النوق.

قال الوالي وهو يشمر عن أردانه ويغطس بالثريد حتى كوعيه:

- جازاك الله. كرم العربي لا يضاهى. جازاك المولى من خيره.

قال جدي:

- خير المولى مثل المزنة فوق الصحراء تمطر ماء فيخضرّ العشب.

قال الوالي:

- وهو كذلك، سيخضر العشب، وبدل الناقة نوقا وحميرا وبغالا وخراج المال.

وهذا ما كان، إذ بعد شهرين أو ثلاثة، كان جدي، جد الأجداد الشيخ قحطان، شيخ الناحية الصغرى ثم الكبرى ثم السنجق وخراج المال.

Page 7

*****

جد الأجداد الشيخ قحطان صار من العلية والأعيان. كان يعتصر الفلاحين ويذيق البدو مرّ الأهوال فأسماه الناس الشيخ قاحط. حتى أن إماما من الأوقاف قال عنه في خطبة جمعة أمام الجموع: الناس بقحط ونحن بقحطين، يعني قحطان. وحين جيء بالشيخ كي يحاكم، قال للدرك: أنا ما قصدت قحط الوالي، إنما قصدت قحط المولى -جل جلاله- لأن الجراد لم يُبق لنا عرقا أخضر. قحط المجاعة وعرفناه، ثم جاء الجراد ليمحقنا فصرنا بقحطين، يعني قحطان، هذا ما قصدت. أخلوا سبيلي. فأخلوا سبيله. لكن الناس فرحوا جدا بذاك التعبير، وصاروا يقولون لمن يبخل أو يتجبَّر: أنت قاحط، أنت قحطان. ولمن انضحك عليه من التجار والفلاحين: أنت مقحوط، أنت مقحِّط.

إذن جدي الشيخ قحطان صار وجيها ومن والأعيان، فسكن المدينة وطوّرها وبنى قصرا يشبه قصور بني الأحمر في غرناطة فيه أعمدة وجنائن وبرك ومآذن وسراديب. كان السرداب لحبس الأشرار، أي لمن لا يلتزم بدفع الضريبة والجزية أو يتمرد على حكم الوالي والسلطان. وكان السرداب مثل مغارة طويلة كالنفق عند المدخل وتمتد طولا تحت الأرض حتى تصل سفح جرزيم. كان من يدخل في السرداب لا يخرج منه إلا للقبر، فأسماه الناس بحبس الدم. وحبس الدم صار لقبا يطلق على الشارع برمته ليومنا هذا. فإذا مررت بحبس الدم وأنت قادم من باب الساحة وخان التجار تجد المذكور على يمينك في ذاك الزقاق، لأن الشارع صار زقاقا مع مرور الزمن واتساع المكان. صار الناس بمئات الألوف، وصارت نابلس أم السنجق مدينة بقضاء وفلاحين وزيت وزيتون وجبنة غنم وصابون شهير، وصارت شوارعها مرصوفة ببلاط ناعم للعربات وبغال الجيش والبلدية، وصارت بجنود بتنانير من اسكتلنده وايرلندة إضافة إلى الهند واستراليا وسود السنغال. وكذلك صارت بحاخامات جاءوا من روسيا وبولندة ثم أميركان. لكن الأميركان تأخّروا جدا، أو بعض الشيء، لأن الانجليز ظلوا في البلد حتى داخت، وصارت بيهود بعد الجراد والمجاعة والشيخ قحطان.

*****

الشيخ قحطان ليس فريدا، فمثله أمثال. قبيلة قحطان في المدينة صارت عائلة كبيرة، عريقة جدا، ذات أركان وزوايا. ومثلها في العراقة والهيبة وخراج المال عدد محدود من العائلات و كلّها تمتد إلى مكة والنسب الشريف والصحابة والحسن والحسين. أما جدي، فهو قحطان إبن قحطان يضاهي الآخرين حسبا ونسبا، لأنّه أيضا من أصل شريف وامتداد الرسول. وهؤلاء، كل هؤلاء، صاروا الأعيان والقادة بمرور الوقت، وتوارثوا الألقاب والوظائف وحتى الأوقاف أباً عن جد، وأيضا توارثوا حروب الغبراء والتنافس على كسب ود من حكمونا بدءا من الأتراك وبريطانيا حتى أميركا وأبناء سام. لكن للحق كان منهم من ضحّى من أجلنا، وآخرون من ضحوا بنا لدرجة أن بن غوريون، شيخ اليهود، قال يوما أن باستطاعته شراء أكبر عربي مهما تكبَّر. وهذا للحق قول مردود على قائله لأن المذكور هو الآخر لبس الطربوش وخدم السلطان وتذيَّل له وتغزل به قبل أن يعلو ويتربع على عرش اليهود. وكذلك وايزمان ذو المقام الرفيع قال عن الشيوخ ما قال ذاك. قال عن القادة والأعيان ما أكده بعض الشعراء والموثوقين في ذاك الزمن، زمن التشهير، وما أكَّدته الوثائق وصكوك البيع. لكن بالرغم من كل ذاك البيع وتلك السرقات، لم يرقَ أحد من العربان إلى ما وصل إليه أبناء سام، إذ سرقوا بلدا بأكمله، بكل قراه، بكل مدنه، بالدور بالعفش وحلي النساء. وكل ما قيل عن الشيخ قحطان وأمثاله يعد غبارا إذا ما قيس بما فعله شيوخ اليهود بأبناء الرسول والشيخ قحطان.

Page 8

زلزال كبير هزّ الدنيا وعيلة قحطان

انهدمت دار آل قحطان على من فيها ومات كبيرها وهو شحاذ وأعمى ومقطوع بلا ذرية، ولم يبق له من أصل وفصل إلا ستي وأخوها الغبي ذو العيون الزرقاء الخابية مثل الإفرنج. فأرسلت ستي في طلبه حتى يتقاسما بقايا الميراث فلم يجبها. كان قد سافر إلى مكة في بعثة حج كمرافق، فالتقطته امرأة غنية من الحجاز وتزوجته، لأنّه كان جميلا وكانت بشعة. لكنها كانت أذكى وأغنى وأهم، فجعلته مُهمَّا بعد خمول، وجعلته غنيا بعد فقر، وأنجبت منه دستة أطفال، فترسخ وكبر وانتفخ ونسي أصله. وهكذا حين جاء ميراث ذاك العم وهو عبارة عن دار مهدمَّة وحاكورة وبابور طحين لم يكلِّف نفسه عناء الرد أو حتى السؤال. كيف لا؟ وهو لم يسأل عن أخته، وما حل بها بعد الرملة، وعن مدينته بعد الزلزال، وعن أهل الحي وعن أهله! فرأت ستي أن الله قد كافأها وأستدّ لها من ذاك العم بأن جعلها الوريثة الوحيدة لأملاكه، بما فيها بقايا الدار والحاكورة وبابور الطحين. وحين أجالت النظر في تلك الدار وجدت أن الزلزال قد أبقى منها غرفتين في وضع سليم صالحتين للسكن، وبابور طحين مليء بالعناكب وبعر الفئران. أما الحاكورة فما زالت – رغم الإهمال– تنعم بعبير زهر النارنج والياسمينة فوق البركة وأنقاض الدار. فنادت بِكرها، وقالت: يا وحيد، تعال يا ابني، هذه الدار صارت لنا والحاكورة وبابور الطحين. سنقيم هنا.

نظر حوله ورأى الأنقاض، فقال بدهشة:

- هذي خرابة!

قالت بحزم:

- هذه الدار سنصلحها، والحاكورة سننظفها، وبابور الطحين تُديره أنت.

كان الولد ما زال في الثالثة عشرة من عمره وكان ما زال يقرأ عند الكتّاب، ويفك الخط. ومن حسن الحظ انّه لم يرث ذكاء خاله، فحفظ الفاتحة وجدول الضرب وبعض الأشعار.

قال لها، وهو يفكر:

- طيب الدار سنصلحها، والحاكورة سننظفها، أما البابور فكيف أُشغِّله؟ أنا لا أعرف.

قالت بحزم:

- تعال يا ابني، تعال معي. في البداية تشتغل عند الطحان حتى تتعلم أصول الطحن وتحصل على أجر يساعدني، لأن الخياطة لا تأتينا إلا بقروش.

هزّ الولد رأسه بدون تعليق، إذ كان يعرف رغم صغره أن العائلة بحاجة إليه فهو الأكبر، أما الباقون فما زالوا أطفالا بلا قوة قاصرين وأيتاما. وحتى هو كان قاصرا ورقيق العود إلا انّه كان ذكيا، وكان قد تعلم عند الكتّاب. والتعليم في ذاك الزمن بضع سنوات عند الكتّاب كان بمقام البكالوريوس. وهو وقد بات يتيما ولديه أم قادرة تفتح بالقمر وتحلم أحلاما لها معنى، فقد أحس أن الأقدار قد اختارته ليقوم بأعمال هامة. وهكذا هجر الكتّاب وبدأ يعمل. يحمل أكياس القمح على ظهره وينقلها من هنا لهناك ومن تحت لفوق. وبعد شهرين بدأ يطحن. وبعد سنة أدار البابور. وبعد سنتين فكَّ البابور وأصلحه وزيَّته وجعله يدور مثل الساعة. ورث الموهبة عن الوالد، لكنه بات أقوى لأنّه مسنود بأم مكشوف عنها الحجاب وبجدول ضرب تعلَّمه عند الكتّاب. أما ستي، فقد استمرت في تحصيل القرش من الخِياطة ورقع القنابيز. وحين رأت أن ابنها بدأ يتذمّر وبابور الطحين بدأ يخسر، حيث أن اليهود بدءوا يتوافدون على الساحل ويحضرون مطاحن حديثة وسيارات تمشي على النفط، قالت لابنها: نبيع البابور ونشتري سيارة تُشغِّلها على خط حيفا. وكان السائق في ذاك الزمن له هيبة مثل الطيار في هذا الوقت. أما السيارة فكانت حينها أعجوبة مثل الصاروخ وسفن الفضاء اليوم. وهكذا فحين عاد إلى نابلس يسوق الشفروليه على تراب الأرض وبلاط السوق وقف الناس يتفرجون على الحنطور العجيب الغريب، الذي لا ينجر بأية دابة بل يمشي وحده من غير حصان! أما وحيد فقد جلس خلف المقود ينظر إلى الناس باعتزاز عظيم وهم يلمسون مقدمة الحنطور وينفضون أيديهم ويقولون: سُخن!! وينادون بعضهم بعضا، ويقولون: عمرك شُفت حنطور بلا حصان؟ فيقول: لا. ويقترب من الحنطور ويجس مقدمته، ويقول: سخن! سبحان الله! عشنا وشفنا. الله ينجينا من الأعظم. شو يا وحيد، منين هالفنون؟

Page 9

فيقول وحيد بكبرياء:

- هذا من هناك، من الساحل، من الانجليز ومن السكناج.

- أي سكناج؟

- سكناج جايين من أوروبا، يعني لاجئين مثل الأرمن.

- مثل الأرمن؟ يعني مساكين!

ابتسم وحيد، وقال بهزء:

- اليهود مساكين؟!

وأجال عينيه في الشارع، شبه شارع، أشباه دكاكين. فقْر وذُلّ وتعاسة ورقع قنابيز. وخبز أكلوه من مطحنته ممزوج بوسخ الفئران والعناكب وبيض الصراصير. وأطفال يدورون في الشارع حفاة عراة. فقال بإشفاق: نحن المساكين!

وعاد يمخر بالشفروليه ليرى الدنيا بعين أخرى عند اليهود والانجليز على الساحل. كان اليهود يتمركزون في مجموعات حول يافا، حول حيفا، حول عكا وصفد والجليل. كانت موانئ مفتوحة على العالم بفعل التجارة والاستيراد وبعض الوجهاء ممن خدموا عند الأتراك وتعلموا في الأستانة، وكذلك بعض الجاليات الأجنبية والرهبان. هناك وجد اليهود بيئة مناسبة للاستيطان فاستقروا. أما العرب، وقد خلفتهم تركيا شبه معاقين بعد أن امتصت دماءهم واقتنصت خيراتهم وشنقت رجالهم وساقتهم لحروبها مثل الأغنام فقد كانوا قطعانا مشتتة ينهشها الفقر. لكن طبعا، بفضل الإقطاع، هناك أحياء ومبان إن مررت بها في ذاك الوقت تحسّ أنك في الأستانة عاصمة الكون. لكن الآن، وقد باتت الخلافة مهددة بغريم جديد فقد تراجع العزّ وتآكل ونخر السوس أعمدة الحكم، فدخل الانجليز على أرض تمور بالثورة وترحب بالغزاة الجدد وتساعدهم ليجيء الخلاص. ومن المفارقات وسخريات القدر أن الخلاص ما جاء لهم ولا وصلوا إليه. إذ أن الانجليز، وقد أصبحوا الأولياء والمنتدبين على القصَّر ومال الأيتام فعلوا ما فعله كبير العيلة حين خان الأمانة وأكل الميراث ونسي الموضوع. وهذا ما كان. إذ أن الانجليز حين ورثوا ما آل إليهم من الأتراك لينتدبوه ويحرروه ويطوروه، تصرفوا به تصرف الملاك والسادة، فصالوا وجالوا وأخذوا وأعطوا واقتسموا الغنائم وباعوها ووعدوا العرب ثم اليهود ثم فرنسا. وبهذا كان وعد بلفور وسايكس بيكو ثم الدولة، فوق ميراث كومة أيتام.

Page 10

فصـل

بعد اندحار الأستانة ومجيء اليهود، اهتز اقتصاد عيلة ستِّي، إذ بات القنباز موضة قديمة. فما عادت ترفو أو ترقع فاختل الدخل. ابنها وحيد ظل يكافح حتى لا ينهار ويهزمه اليهود. لكن اليهود طبعا أشطر، إذ جاءوا بأموال ومعارف ولغات أوروبية – أميركية، ومهندسين من كل لون وجنسية فحدَّدوا شكل الشارع ولغة الكوشان. وكان بلفور ينفِّذ وعده والجنرال اللنبي يحابي اليهود وذاك المندوب، غير السامي، جاء ليتأكد من الموضوع. وبالفعل تأكد من أننا بالكاد نفكّ الخط وأن العرب صاروا قاب قوسين أو أدنى من السقوط، وأن العروش باتت تحكم والشعب ينخ. وهكذا صرنا بلا ظهر يحمينا وما من غطاء لهامتنا إلا الطربوش ولباس الست. ولحسن الحظ، بسبب التغيير، بات الطربوش، وكذا الغطوة، أهم مصدرين لتحسين الرزق. فركبت ستي تلك الموجة وبدأت تخيط ما يسترهم، أقصد بالذات لباس الست.

في ذاك الزمن، زمن التغيير، عاد أخو ستِّي من مكة. بعد وفاة زوجته السعودية، عاد محملا بما تركته زوجته من ذهب وجواهر ومنقولات، واشترى سرب مراكب بخارية تنقل الحمضيات إلى أوروبا وتعود محملة بالبضائع وما لذ وطاب من مأكولات. كان قد بات ثريا فاشترى بيّارة حمضيات، وبنى بيتا جميلا في الكرمل، وجعل من أسطوله أسطورة، فبات اسمه على كل لسان.

رغم غناه، لم يتقدم أحد لخطبة بناته أو يجرؤ أحد على مصاهرة ابنه. كان ابنه قد ورث شكل أمه وذكاء أبيه، فخرج إلى الدنيا مزودا بأغرب ميراث وأقبح خلقة. كان بطرا مترفا، بجبين ضيق وأنف شاهق. يسهر للصبح وينام للظهر ويضاجع الجنكيات واليهوديات وينثر النقوط على رؤوس الراقصات، ويشعل السجائر بورقة العشرة جنيهات. كانت سمعته لا تحمد، لكن أباه لم ير فيه إلا غزالا شاردا قلَّ نظيره. كان إذا قيل له: ابنك فالت، يكون ردّه بثقة واعتزاز: خليه يشبع.

لكن الولد لا يشبع، ولهذا لم يفلح مع ذوات العفاف. إذ بعد أن خطب ابنة عائلة عريقة ضبطه أبوها في ماخور ينثر النقوط على أقدام الراقصات، ويشعل سيجارة لغانية بورقة العشرة جنيهات، ففسخ الخطوبة وكتْبِ الكتاب. منذ ذاك الحين سدت في وجهه أبواب العائلات وحجبت عن عينه كل المصونات، فعاد إلى المواخير ينهل ويعبّ ويتدحرج حتى التقطته غانية يهودية لجمت جماحه وجعلته ينخ. علم أبوه بالأمر فبدأ يقلق ويلتمس النصح من الأقارب والأصدقاء، فقيل له: الحق بابنك وزوِّجه قبل أن يجعلك نسيبا للنور والسكناج. وحين فشل في إيجاد واحدة محترمة ترضى بابنه، تذكَّر ابنة أخته فجاء متوددا يطلب الرضا والقرب، بعد أن كان مترفعا مبتعدا متمنعا بدون عواطف.

استقبلته أخته بالحفاوة والحماس المضاعف. فها هو يطلب ابنتها المتواضعة لابنه الغني الثري ابن العزّ والمستقبل البهي. وقد كانت تتخوف أن يطالبها بميراث عمهما فلم يفعل. أشار إلى الموضوع بطرف خفي، وقال بمواربة وبما معناه: أن ذاك الميراث لا يذكر قياسا بما سيكون لدى ابنه وبناته بعد عمر طويل. وكان لذاك التلميح أثرة البليغ إذ انّه يشير إلى ما لدى بناته البائرات من مواهب وإمكانيات فانتبهت. صحيح أنهن غبيات شبه معاقات ويلثغن بالسين وينثرن الكلام بشكل مضحك، إلا أنّهن مدججات بالذهب والألماس واكتناز العجول. فإذا أخذت واحدة منهن لابنها وحيد فستكون قد اصطادت عصفورين بحجر واحد. تكون قد ضمنت لابنتها عشا راسخا بزواج البدل، وضمنت لابنها أدسم ميراث وأرقى زيجة.

حين زفت الخبر إلى الأولاد انبرى الأوسط رافضا. قال إن أخته ليست سلعة وان الاقتراب من ذاك الخال ليس مزية، فخاله معروف بالجشع وافتقار الذكاء، وابنه معروف بالاستهتار وسوء الخلق، أما بناته فغبيات بطِرات ويخربشن الكلام وينطقن السين ثاء، هذا ما قاله أمين، فبدأ الصغير يقلدهن ويجعل منهن أضحوكة. نهرتهما الأمّ وحذرتهما من التفوه بمثل ذاك الكلام أمام وحيد، فوحيد هو المسؤول عن العيلة وأمور الزواج. أليس هو المسؤول عن شؤون الدار ورزق الأيتام؟ لوى أمين شفتيه وغادر الدار وهو يتمتم، وعاد الصغير لدروسه، وعادت هي للاستماع لأخيها وما يسرده على سمعها من معجزات وأعاجيب قام بها مذ فارق نابلس أم الهم - كما كان يسميها - وجال في بقاع الأرض وتبرَّك من بئر زمزم.

قال بإيجاز:

- رحمة الله عليها. تركت من المال ما لا تقدر على أ كله النيران. كانت محترمة ووقورة. كانت تصلي وتصوم ولا تقطع فرضا. الحمد لله، فقد ورث أبناؤها ورعها وتقواها وكل ما تركته من أملاك. سبحان الله! من كان يظن أو يتوقع أني سأعود من الغربة بكل هذا العزّ والثروة؟ وقد كنا نظن هنا في نابلس أن عمنا كان أغنى من كل الناس! عمك يا زكية يا أختي، إذا ما قيس بأموال شيوخ السعودية وذهب البترول فلم يكن أكثر من شحاذ. عمي وعمك، ذاك النصاب، أنسيت ما فعل بميراثك ورزق الأيتام؟

هزّت رأسها، وقالت بأسى:

- لا تجوز على الميت إلا الرحمة.

- إلا الرحمة! وهل رحمك ورحم الأيتام؟

رمقته بنظرة مستغربة من ثلامته وقلة حساسيته، فهو لم يسأل عنها وعن أولادها طوال سنوات. وها هو الآن يذكرها ويذكِّرها. الآن احلوّت في عينه! لماذا؟ ما السبب؟ بسبب ابنتها؟ أو ربما بسبب بناته؟

قال بحماس:

- ابنك وحيد ما شاء الله، جدع ومسؤول ولا ينقصه شيء. لو يطلب أحسن واحدة في الدنيا تقبل على طول، بدون تردد.

هزّت رأسها، وقالت بأسى:

- هو من أسندني وواساني بعد المرحوم. نزل للشغل وهو ابن 13. حمل أكياس على ظهره مثل العتال، ودوّر بابور عمي وعمك مثل الرجال، وبعدها ساق السيارة.

صاح مستغربا:

- أيةِ سيارة؟ يعني سوّاق؟ بكرة أخليه أحسن قبطان. ويمكن إذا الله وفقنا نشتري بواخر. ابني وابنك يا أم وحيد، شباب زي الورد. جمال ومال وصحة وعافية وذراع من حديد. إيه! نعم، ابني دلُّوع وناقص شد، لكن لما يشتغل مع ابنك يتعلم منه أصول الشغل ويصير قبضاي. أنا متأكد. أولادنا يا أختي حيلتنا وزينة الدنيا. إذا أنت وأنا وجَّهناهم ولمينا الشمل ممكن نصير أحسن عيلة ويرتاح البال، صحيح والا لأ؟

هزّت رأسها باقتناع شديد:

- آ والله صحيح.

- طيب إذن نقرا الفاتحة.

ثم حدجها بنظرة فاحصة مشحونة، وتابع قوله: أو الفاتحتين؟

فهمت قصده لكنها ظلت صامتة تفكِّر بقلق وشرود. أعاد السؤال:

- نقرأ فاتحة ابنك وبنتك؟

- طيب يا أخي لما أشاور.

- أنت المسئولة وست الدار!

قالت مفسرة معتذرة:

- صحيح يا أخي، لكن وحيد بدل المرحوم وكبير الدار. وحيد يا رشيد، الله يخليك ويديم عزك كبير ومسؤول، ضروري يوافق.

ورمته بنظرة مطمئنة مشجعه:

- طبعا المسألة شكلية، لأنّه يوافقني على أي شيء. لكن ضروري آخذ رأيه. صح، والا لأ؟

هزّ رأسه بتفاؤل:

- طبعا، طبعا، هذا الولد ما شاء الله! شاطر وموزون وكلّه رجولة. أنا متأكد يا أم وحيد، لما يعرف كل التفاصيل لازم يوافق ونقرا الفاتحة، وبإذن الله الفاتحتَيْن.

لم تعلق وظلَّت صامتة تفكر بِأمل مشوب بالخوف. فالعرض هام ومغرٍّ جدا. صحيح أن ابن أخيها سخيف ودلوع وقبيح الشكل، إلا أنّه غني جدا وسيحيل ابنتها إلى ملكة تغطس بالعزّ. وتلميح أخيها إلى ابنته والفاتحتَيْن يعني اشتراط زواج البدل. فهل يرضى وحيد؟

**********

وافق وحيد بفضل تشجيع أمه وحماستها. قالت له:

- رشا يا وحيد، بيضا وشقرا مثل أبوها. تلثغ بالسين لثغة خفيفة يمكن من الدلع وزيادة العزّ. لكن لما تصير عندك في البيت ممكن تربيها على كيفك. وأخوها رشاد صغير ودلوع وبكره يكبر ويصير مسئول. أنت لما تشتغل مع خالك ممكن تعلِّمه على كيفك. يعني الاثنين خام بلا خبرة، ممكن تربيهم على إيدك.

هزّ وحيد رأسه وقال، بأمل:

- على بركة الله. خالي وأولاده على راسي، خير وبركة.

بالنسبة له، كل الناس خير وبركة ونواياهم طيبة مثل نيته. كان خجولا طيبا وبقلب أبيض لا يعرف اللف ولا الدوران. كان لا يرى سوى الجانب الطيب من الأشياء. وبما انّه لم يتعلم فقد ظل عقله محدودا وبنظرة سطحية وبسيطة. ربما لهذا السبب أحبه كل من تعامل معه أو اقترب منه. كان صادقا مستقيما قليل الكلام كثير العمل. كان يعتمد على نفسه ويثق بأمه، فقد علَّمته الدنيا منذ الصغر أنّه قادر على القيام بأي عمل مهما كان، فنشأ عصاميا كادحا لا يعرف التعب ولا يكل من حمل الأثقال. كانت أمه هي مدرسته، وكان يراها تعمل وتكدّ بالخياطة حتى مننصف الليل، فتعلَّم منها أن يضع قلبه وعقله في عمله ولا يلتفت إلى ما يدور حوله من مناورات ومناوشات تنتجها العلاقات بين الناس. وما زاد في عزلته ومحدوديته هو أن ما قام به من أعمال لا يتطلب الاحتكاك المتواصل بالزبائن والناس. فهو مع البابور ومندمج فيه، سواء في المطحنة أو في كراج السيارات. كان العمل هو موهبته وفيه تجلَّى وأبدع ونجح. ولهذا حين فاتحته أمه بمخطط خاله لم ير من المشروع إلا الجانب العملي منه. فالزواج بالنسبة له أمر طبيعي لا بد منه، وابنة خاله أحق من الغريبات. وإذا كانت تلثغ بالسين فلا ضير عليها، فلتلثغ بالسين كما شاءت طالما أنّها ستحمل منه، وتلد وتنجب أطفالا أصحَّاء يرثون عنها الصحة والجمال والأصل الطيب.

قال له أخوه أمين ناصحاً:

- وإذا ورثوا الغباء والتياسة؟

نهرته أمه، وقالت:

- عيب يا ولد تقول مثل هذا الكلام عن بنت خالك.

- بنت خالي صحيح، لكن غبية ودلوعة وتلثغ بالسين.

- ومين قال ناخذها لتتوظف؟ البنت حلوة وصحتها عال، بكرة تجيب له دستة أولاد.

- أولاد بعقل مثل المحروس؟

- ماله المحروس؟ بكره يكبر. اشكر ربك. هذي نعمة. نعمة من السما نزلت علينا لتعوضنا عن الشقا وأيام الفقر. الدنيا بكرة تتغير ويصير أخوك زي البكوات.

- طيب وأختي؟

- مالها أختك؟

- نعطيها لواحد ما يسوى..؟!

حدجته بنظرة هازئة، وقالت: رشاد، ابن أخي، صحيح أن الولد "داير وداشر" كما قال الناس، لكن الولد ما زال صغيرا وسيكبر. هذا الولد سيكبر حتما كما قال أبوه. قال الزواج سيكبِّره والشغل مع وحيد سيجعله يسير مثل الساعة.

سألها بغضب واستفزاز:

- وهل استشرت وداد؟

بهتت الأمّ وانتبه وحيد فردت بوجوم:

- البنت صغيرة ولا تعرف مصلحتها.

ابتسم بسخرية، فصاحت بغضب:

- أنا أدرى منك بمصلحتها. روح لدروسك.

فخرج من الغرفة وخبط الباب.

*********

لم يستشرها أحد. كل ما قيل لها أثناء العشاء إن خالها الغني قد طلبها لابنه رشاد، وأن وحيداً سيكون معها ويتزوج من ابنة خاله. وانتقلت الأمّ مباشرة لتعدد مآثر ذاك الخال وكرم نفسه، لدرجة أنّه لم يسأل عن تركة عمها وعن حصته في إرث الدار.

غمغم أمين وهو يأكل: عنده بدل الدار عشرين! فقاطعته الأمّ قائلة أن لدى الخال دور ومخازن وبيّارات. ولديه قصر في الكرمل وخدم وحشم وسيارات. ولكزت ابنتها، وقالت بحماس: بكرة تصيري زي الملكة وتغرقي بالعزّ.

ابتسمت البنت وطأطأت رأسها وهي تأكل ولم تعلق، بل فتحت أذنيها لتسمع المزيد عما سيكون، إلا أن الحديث توقف عند ذاك الحد، وكأن المسألة منتهية. فقامت عن الأرض وحملت ما فرغ من الصحون وخرجت على رؤوس أصابعها حتى لا تخدش جو الصمت.

مرت أمام مرآة الممر، فلمحت شبحها الشاحب على ضوء قنديل البيرو، فتوقفت لحظة ثم أسرعت كي لا يراها أحد، إذ أن النظر في المرآة قد يفسر بعدة أشياء. فماذا يقولون لو رأوها تفعل ذلك؟ ماذا يقولون؟

كان قول الناس هو المحور. الناس هم، أي إخوتها وأمّها والحارة والجيران. الناس هم، هم يقولون وهي تسمع. هم يطلبون وهي تلبي. هم يأمرون وهي تنفذ. يقول وحيد وهو ينظر بعيدا بلا تحديد: يرضى عليك شربة ميه. فتقوم لتحضر كوب الماء. ويقول أمين: أختي حبيبتي بدي آكل. فتقوم لتجهِّز له الأكل. تقول الأمّ: ناوليني المقص والقطي حواشي هذا الفستان. فتفعل بالضبط ما قيل لها.

لم تفعل مرة ما يحلو لها أو تطلب شيئا يلزمها. كانت الأمّ تزودها بكل ما يلزم وتقول عنها كل ما يقال، ولهذا اعتادت عدم السؤال. حتى في المدرسة، كانت لا تسأل أو تضحك بصوت عال. كانت تبتسم إذا سئلت، ولا تجيب إلا بغمغمة مفهومة أو غير مفهومة، فقيل عنها: "عاقلة وآدمية وعلى البركة." وأحيانا يقولون: "طبطوبة" أي لا تفهم. لكنها تفهم ما يقال إذا ما قيل بشكل واضح. أما الإشارات والتنويهات والغمز واللمز، فتلك أشياء لا تعرفها ولا تلقطها ،ولهذا أسموها "الطبطوبة."

حين بلغت، وكانت قد أكملت الصف الرابع، أخرجتها الأمّ من المدرسة وخاطت لها غطوة وإزارا أسودين لتلبسهما حين تخرج معها للزيارات أو لشراء الأقمشة والحاجات. ونادرا ما حدث ذلك. فظلت الغطوة على حالها شبه جديدة، وكبرت رجلها على الحذاء ولم تستعمله إلا حين خرجت مع أمّها وبعض الجارات إلى حمَّام البلد. تلك الزيارة لم تتكرر، واختبأ الحذاء في الخزانة حتى كبرت رجلها وبات صغيرا، فقالت أمّها: سبحان الله، رجلك كبيرة زي أبوك! فهربت من الغرفة إذ اعتبرت أن كبر القدم عند المرأة ليس جميلا، بل هو دليل الفظاظة وقبح التكوين.

على أية حال، لم تكن جميلة ولا جذابة. كانت شاحبة رقيقة بعود ضامر وضفيرتين نحيلتين وصدر ممسوح. لم ترث الجمال وقوة الإرادة والشخصية عن أمّها. وربما كانت شخصية أمّها الطاغية السبب الرئيس في ضمور شخصيتها وعدم نموها، فظلت مركونة على الهامش في ظل الأمّ. وظلَّت الأمّ تعاملها بصيغة النفي حتى بلغت. حينذاك أحست أن لديها أنثى تحتاج للرعاية واهتمام خاص فخاطت لها غطوة سوداء وإزارا وأخذتها لحمَّام البلد مع الجارات. لكن شحوب ابنتها وضمور الصدر والردفين أثار تعليقات بنات الجيران، فاحمرَّت البنت وأُحرجت الأمّ وتولّد لديها إحساس راسخ بأن ابنتها ليست حلوة، ولن تجد من تتمناها زوجة لابنها، فأغلقت الباب وظلَّ الحذاء في الخزانة، وكذا الغطوة شبه جديدة. لهذا، حين جاء الخال وطلب الفتاة لابنه طار عقل الأمّ ونسيت، أو تناست، كل المحاذير وشجعت الابن على زواج البدل حتى تضمن زواج البنت، وتضمن الغرق في بحر العزّ.

**********

كانت في الخامسة عشرة حين كتبوا الكتاب. ألبسوها الكعب العالي، وحشوا صدرها وغطّوا وجهها كي يراها الشيخ ويتأكد أنّها ناضجة بالغة تصلح للزواج. أما ابنة خالها، وكانت طبعا أكبر حجما وأكبر سنا، فما كانت بحاجة لذاك الحشو. وقفت بكامل قامتها تحت الغطوة، بثقة تامة، وقالت: "وكّلت" فقال الشيخ "على بركة الله." وكتبوا الكتاب.

حين كشفت عروس وحيد النقاب عن وجهها أصيب برجفة كالزلزال. بياض الوجه مثل القشطة، ولون العينين الدعجاوين جعلاه يهيم في بحور الشوق ويتلهف على لمسة يد. كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى امرأة قريبة منه، غريبة مكشوفة الوجه أمام عينيه. كان يرى اليهوديات في شوارع حيفا ويافا، فيحسّ أنّه يشاهد جنسا آخر من عالم لا يمتّ لدنيانا أو دنيا البشر بأية صلة. كن مكشوفات الوجوه والأرجل وبلا أكمام، لكنهن لا يثرن الإحساس أو الشهوة. كن غريبات. كن بعيدات. كن بلا جنس. أما هذه، ما شاء الله! فلديها صدر من مرمر، ووجه كالبدر، ثم عجيزة تدير الطاحون. كان الجمال في ذاك الوقت يقاس باللحم والشحم والبياض الوفير. وكان لديها ما يوصف بكامل الأوصاف. لكنها حين فتحت فمها لتتكلم أصيب بخيبة أمل لم تستمر إلا لحظات ثم تناسى.

أما ابن خاله رشاد، فحين رفع النقاب ورأى أمامه طفلة صغيرة ممسوحة الصدر رغم الحشوة، شاحبة الوجه رغم الحمرة، وبلا تعبير، أصيب بخيبة أمل شديدة، فلوى بوزه ونظر بعيدا وأخذ يتمتم بالشتائم ومسبّات الدين عمّن كان السبب في ذاك الفخ. أما أبوه، وكان المقصود، فكان سعيدا يضحك بحبور، ويسلِّم بكلتا يديه، ويغدق على المهنئين أحلى الألفاظ. كان ما زال في الخمسينات وما زال يحتفظ بقوته وجثة ضخمة، وهذا ما أورثه لبناته. أما ابنه، فصغير البنية ضئيل الحجم مثل أمه، ولونه بني على أخضر وبأنف ضخم. كان قبيحا، وهذا ما أسعد عمته - أي حماته؛ لأنّها رأت أن ابنتها، قياسا بدمامة عريسها، جميلة جدا وتليق له ويليق لها. أما هو، وكان قد اعتاد النوريات وغنج وحلاوة اليهوديات، فرأى بنتا لا تحظى بذوقه ومزاجه، فقرر من فوره أن يهجرها ويتزوج عليها في أقرب وقت.

قال له أبوه بتهديد خفي: أوعى تنجن وتغلط معها. تذكَّر أختك. فتمتم بكلمات غير مفهومة ولَبّسها الخاتم وهو ينظر يمنة ويسرة وإلى أخته التي كانت تجلس بجوار عروسه، وتملأ الكرسي بحضن واسع ووجه كالبدر، وكانت تبتسم بسعادة. أما عروسه، فكانت مجفلة خائفة تنظر للجمع من تحت لتحت، ثم تركِّز على ذهب الشبكة في يديها دون أن تُعير العريس أية نظرة أو تقول له أية كلمة. كانت تنتظر أن يقول لها ما تجيب عليه. لكنه لم يقل إلا "إمسكي هذه،" وهو يناولها علبة الذهب المخملية، ويفك الزردات، ويغلقها حول معصمين رفيعين مثل العيدان.

شبكة العروسين كانتا فخمتين. الخال اشترى الشبكتين كنقوط منه. وكان الاتفاق على أن تتم الخطوبة وكتب الكتاب في احتفال بسيط في نابلس، على أن يحتفل بالعرس المزدوج في حيفا بعد أشهر. في تلك الأثناء تقوم العروستان بشراء الجهاز، ويقوم وحيد بترتيب أموره العملية والعائلية بحيث ينتقل إلى حيفا دون إرباك. وهكذا، في ذاك المساء، بعد أن انفضّ الجمع وغادر أهل حيفا إلى حيفا واختلى وحيد بأمه، قال لها بقلق واضح إن انتقالهم إلى حيفا سيكون صعبا على الجميع؛ لأن التغيير سيكون كبيرا وأكيدا. فقاطعته بسرعة وثقة:

- أنا وأخوتك نظل بدار العيلة، وأنت وأختك عند خالك هناك. حيفا قريبة، كلّها ساعتين أو ثلاث وأكون عندكم. أنا قلبي عليك مطمئن، لكن أختك...

وتلفتت حواليها، وقالت همسا:

- وداد يا وحيد مسكينة، وهذا الولد، ابن خالك...

هزّ رأسه، وسأل بقلق:

- يعني غلطنا؟

نظرت بعيدا، وهمست بخوف:

- أنا خايفه عليها من الدنيا! البنت صغيرة ومغمضة.

وصمتت لحظات ثم عادت لتقول بلهجة اعتذاريه كما لو كانت تبرر فعلتها:

- أنا خفت عليها تتعنَّس. أنت عارف...

وكانت تقصد أن شكل وداد ليس جميلا، وأن ذاك الشكل لا يؤهلها للحصول على حظ أفضل. لكن الولد ابن أخيها لم يبادل ابنتها أية كلمة. سألت وحيداً إذا كان قد لاحظ ذلك، فهزّ رأسه نفيا وظلَّ صامتا، لأنّه لم يلحظ ولم ينتبه، فقد كان مشغولا بعروسه، يتأمّلها ويبتسم لها وتبتسم له، ويتحين الفرصة ليقول لها كلمة من هنا وكلمة من هناك في غفلة عن جموع النسوة المحتفلات. في ذاك الجمع، وصوت الفونوغراف يلعلع بأغنية مصرية، وصوت النسوة، وعدد كبير من الأطفال، وانشغاله التام بعروسه، لم يلحظ ما كان يدور حوله بجانب أخته، فسأل بفضول:

- يعني ما قال لها ولا كلمة؟

قالت بقلق:

- ولا حتى ابتسم.

حدّق في وجهها يتفحصها، فقالت بأسى:

- ولا نص كلمة.

*********

بعد كتب الكتاب لم تذق وداد طعم النوم. كانت تفكِّر بالعريس، ماذا سيقول وماذا سيفعل؟ منذ كتب الكتاب لم تسمع منه. فرحت جدا بذهب الشبكة، وأصيبت بإثارة كالحمى وهي تخرج مع أمّها لانتقاء الجهاز. كانت صغيرة وبريئة ولا تعرف من دنياها إلا ما تسمع من أمّها ومن أخوتها. ولهذا كانت فرحتها بالشبكة والملابس فوق العادة. كأن السماء انفتحت فجأة واستجابت لدعاء لم تطلقه، لأن ما حدث كان أكثر من أي دعاء أو أي حلم. ذهبٌ وملابس حريرية وحذاء جديد وآخر وآخر‍ ثم فساتين. سبع فساتين كل واحد منها بلون: أحمر وأخضر وأصفر وأزرق وغيره وغيره. وملابس داخلية مزوقَّة بالتلّ وبالدانتيل. كل هذا لها؟ مثل الأحلام!‍ أما العريس، فلم تفكِّر فيه كثيرا، لأن الذهب والملابس كانوا أهم. ولكن، بما أن وجود العريس كان السبب في كل ذاك السخاء، إذن لا بد من تقديره.

أمّها قالت ما لم تفهمه. قالت إن على المرأة أن تكون قوية حتى تتحمل مزاج الرجل وطلباته، وأن تكون ذكية حتى تعرف كيف تلجمه وتحتفظ به. لم تسأل أمّها ما معنى هذا وما معنى ذاك، إذ فهمت أن على المرأة أن تكون قديرة في أمور المطبخ وشؤون البيت، هذا مفهوم. أمَّا أن تلجمه لتحتفظ به، فهذا ما عجزت عن فهمه. إذ كيف تلجمه؟ هل هو حصان حتى تلجمه؟ وكيف تحتفظ به، وهي على ذمته بعد كتب الكتاب؟ احتفاظه بها واحتفاظها به تحصيل حاصل بفضل كتب الكتاب والخواتم، وذهب وجهاز وملابس. ألم يشتروا كل هذا وذاك ليحتفظ بها وتحتفظ به؟

توتر أمّها وقلقها جعلها تستغرب وتتساءل: لماذا لا تبدو سعيدة؟ ألم تقل لها منذ أول يوم "بكرة تصيري زي الملكة؟" ألم تقل أن باب السماء انفتحت لهم وسيصير وحيد مثل البكوات؟ لماذا إذن تبدو غاضبة وحزينة؟ لماذا لا تكفّ عن ترديد كلمات وعبارات لا معنى لها؟ لماذا سألتها كما لو كانت غاضبة أو مستاءة عمّا قالاه؟

قالت الأمّ:

- أنا شفته قال لك كم كلمة.

قالت البنت بسذاجة:

- قال لي امسكي هذي العلبة.

همرت الأمّ:

- هذا كل شيء؟

واستدارت بوجهها، وهمست بقلق:

- استر يا رب!"

وتركت البنت ترتب الجهاز في أهرامات.

**********

دعاهم الخال لقضاء يوم في جريشة. وجريشة مكان للنزهات فيه نهر وشجر وقوارب وشلال صغير، يضعون تحته سلال الفاكهة والبطيخ حتى يبرد. وهناك مغارة يخرج منها ماء بارد برغوة كثيفة يكتشفها الرجال برفع البناطيل والخوض في الماء حتى الركبة، بينما تجلس النساء بالملاءات تحت الشجر قريبا منهم يعددن الأكل بسعادة. كانت فلسطين كالجنة، وكان الناس في غيبوبة.

ابتدأ التحضير للنزهة بإعداد الأكل. امتلأ المطبخ بالخيرات ودخان الفرن وزيت القلي. كُبَّة ومقالي وصفيحة وأقراص سبانخ ومتبَّل. سألها وحيد وهو يضحك:

- كل هذا الأكل ليوم واحد؟

قالت باعتزاز:

- خالك أرمل، وبناته كسالى ودلوعات.

قال متوددا:

- تسلم هالإيد ما نعدمها.

وتركها واستدار نحو الساحة، وجلس وحده عند البركة تحت الخشخاش. كان سعيدا، فأحست الأمّ بالخيبة. فها هو سندها ورفيقها في العبء ينشغل عنها بعروسه. وهذا الانشغال لا مبرر له؛ لأن عروسه مثل اللعبة، وجه جميل ورأس فارغ. رأتها مرة تصب القهوة وتدلق وتشرشر وترشرش. فإذا كانت تفعل ذلك بصب القهوة، فماذا تفعل بطبيخ الزوج؟ ماذا تفعل بشؤون البيت؟ ماذا تفعل بالأمومة حين تحبل وتلد الأطفال؟

لم تتفوه بأي من ذاك لأنّها المسئولة عما حدث. ألم تكن هي من شجعته على ذاك الزواج؟ ألم تتحمَّس لزواج البدل حتى تزوج ابنتها فلا تتعنَّس؟ إذن السكوت أحسن وأشرف، لأن الاعتراض فات أوانه، ولا اعتراض على حكم الله. هذا نصيبه ونصيب البنت. على كل حال، لا أحد يعرف من أين يأتي الخير وما الأفضل. فلو ظلت وداد كالعوانس، أهذا أفضل؟ ولو ظل وحيد في نابلس، أهذا أحسن؟ لا، لا يمكن. فلو ظل في نابلس لظلَّ فقيرا على قد الحال يعمل في سواقة السيارات ويعود إليها كل مساء بما لا يكفي، فتضطر للعمل في الخياطة ورقع القنابيز. إذن لا اعتراض على حكم الله. الخيرة فيما اختاره الله. نصيب البنت ونصيبه. وما عليها سوى أن ترضى بحكم الله وتقنع به.

لكن، الغريب، أنّها لا تحسّ بالسعادة وينخرها الخوف، فماذا تفعل؟ صلَّت ركعات إضافية. قرأت سورة ياسين عشر مرات. عملت استخارة للاثنتين، والاستخارة تنبئها أن الخيارات ليست خيرا، فتعيد الاستخارة ثانية وتكون النتيجة واحدة، فيزداد الخوف وتزداد صمتا وشحوبا، فتسألها البنت: مالكِ يَمَّه؟ فتهزّ رأسها وتقول بوجوم: ما مالي شيء. فتسألها البنت: خايفه نتزوج وننساك؟ فلا تجيب. تغرز رأسها في جهاز البنت تخيط هذا وتسوي ذاك، فتقول البنت بسعادة: حيفا قريبة، تعالي زورينا كل جمعة، تنامي عندي. البنت أقرب من الكنّة، صح يا أمي؟

تقول"صح" وقلبها يخفق، لأن القول صحيح جدا. البنت أقرب من الكنَّة. البنت أضعف من الولد، جناح مكسور. البنت صغيرة على الزيجة، والعريس قبيح، قبيح جدا. تصلها أخبار بأنّه داير، ما زال يدور. يسكر ويخمر وينثر النقوط على الرقَّاصات والجنكيات ويشعل سجائر اليهوديات بعشرة جنيهات.

سألت أخاها، فقال لها:

- الولد صغير. بكره الزواج يخليه يعقل. أنا متأكد. وجود وحيد معي فوق رأسه لازم يوعيه. أنا متأكد. وبعدين يا أختي، كلام الناس ماله نهاية ويعمل من الحبة قُبّة. اسمعي مني. أولادنا بخير، وأنا وأنت بخير. خذي هذا المبلغ يا أختي ودبري أمورك. بلاش خياطة. الخير كثير والحمد لله واسمعي مني اتركي نابلس. حيفا أحسن. الدنيا هناك أحلى وأحسن. بحر ومينا وناس زي النمل وشوارعها فيها كهارب وفيها عمارات ما شاء الله! وأنا عندي عمارة في الكرمل ثلاثة طوابق: طابق لرشاد، وطابق لرشا، وطابق لك إذا وافقت. يعني تكوني قريبة منَّا.

هزّت رأسها، وقالت بقنوط:

- أنا لازم أظل بدار العيلة. أنت لك في الدار أكثر مني.

نهرها أخوها وأسكتها:

- هس، ولا كلمة. أقول لك عمارة تقولي لي الدار!

قالت بحزن:

- الدار لمتنا وسترتنا أنا واولادي. ما شفنا بظلها إلا الخير.

قال ساخرا:

- خير الخياطة ورقع القنابيز!

نظرت اليه من تحت لتحت، وقالت بخبث:

- لولا الخياطة ورقع القنابيز لمتنا من الجوع.

وصمتت فجأة كي لا تكمل وتكيل له اللوم وتقول له كلمة جافة تذكِّره بما نسي هو، ولم تنس هي، أنّه لم يسأل عن أخته حين احتاجت. أنّه لم يسأل عن الأولاد حين كانوا صغارا أيتاما وبحاجة لكتف تسندهم وتحنو عليهم. في ذاك الوقت حين احتاجوا لم يجدوا أحدا يسندهم أو يطعمهم إلا الخياطة ورقع القنابيز، ثم هذا البيت وبابور الطحين والسيارة هنا في نابلس. مالها نابلس؟ صارت كخة؟ لأن نابلس بقناديل تضوي على الكاز وحيفا بلمبات وكهارب؟ لأن نابلس بلا ميناء وحيفا على البحر؟ لأن نابلس بلا أجانب ولا يهود ولا رقَّاصات؟ نابلس مستورة بعتمتها. نابلس للناس المستورين. نابلس لها، وهي لنابلس.

ونظرت حوله، فرأت الدار، دار العيلة، مثل الجنة. سقف عال وكلّيل عريض وزجاج نوافذ يصل السقف، وساحة الديار حيث البركة وشجر الخشخاش وأصص الريحان والياسمينة تظلل شبابيك غرفتها وغرف الأولاد.

سيرحل ولدان من هذا البيت. وحين يتخرَّج أمين سيلحق بهما ليدرس في القدس، ومن بعده سمير. كل في طريق. كل في اتجاه. وتبقى هي في ظل الدار والياسمينة وشجر الخشخاش. الابن يغيب وهي تبقى. مهما غابوا ومهما رحلوا ستظل الدار، وتظل هي، لأن الأمّ أصل العيلة، هي سند الدار.