eKtab
EN ع
أسلمة المنطق
Read free sample

أسلمة المنطق

by عبد الكريم عنيات

Page 1

الإهداء..

إلى ابني جبريل

إلى عائلتي الصغيرة والكبيرة

إلى زملاء العمل وتلاميذي في ثانوية الـ45 معدوما - بوسلام

وإلى طلبتي في شعبة الفلسفة

بجامعة فرحات عباس -سطيف..

أهدي هذا الكتاب الثاني

Page 2

تمهيد إشكالي

من الأعمال الفلسفية - المنهجية المعتادة، عملية تصنيف الفيلسوف وإدخاله في الاتجاه الفلسفي الذي انبثق وتخرج منه، أو حتى المذهب الذي يسعى لبلوغه وإكماله بطريقته الخاصة. فنقول أن هذا المفكر عقلاني أو تجريبـي إذا كان الأمر يتعلق بنظرية المعرفة، ونقول عن ذاك أنه مثالي أو مادي إذا كان الموضوع مرتبطا بالمسائل الأنطولوجية. وإن بلغت منـزلة الفيلسوف درجة من الإبداع الحقيقي، فإنه يخرج من النسق ويصبح هو ذاته النسق، أي يبدع مذهبا ومنهجا لم يكن معمولا به أصلا، فيصبح محورا لحركة وإنتاج فلسفيين. لذا نجد بعض الفلاسفة أفلاطونيين أو أرسطوطاليين، والبعض الآخر من صغار الديكارتيين أو من الكانطيين الجدد...

لكن هذا التصنيف ليس من المسائل البديهية دوما، إذ نجد الكثير من الفلاسفة ذوي الفكر الأصيل ينفلتون من المقاييس النسقية المعتادة، ويمتنع عليهم فعل الانتماء. وكنموذج عن حالة من هذه الحالات في الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية، نجد ابن رشد الذي يقول معبرا عن الصعوبة التي تنجر عن محاولة وضع الغزالي في نسق محدد ومسيج، أو في مذهب مألوف ومغلق ما يلي: ((إنه - أي الغزالي - لم يلزم مذهبا من المذاهب في كتبه، بل هو مع الأشاعرة أشعري، ومع الصوفية متصوف ومع الفلاسفة فيلسوف. وحتى أنه كما قيل:

يوما يمان إذا لقيت ذا يمن

وإن لقيت معديا فعدنان))[1]

وإن تفطن ابن رشد لهذا التمرد المذهبـي لدى حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، فإن الذي يهم في هذا المقام هو أثر هذا الانفلات النسقي على تحديدنا لموقفه من المنطق الأرسطي. هذا الموقف المتولد من رأيه من التراث اليوناني بصورة عامة باعتباره العلم الوافد في مقابل العلم الموروث. هذا من جهة ومن جهة أخرى، فيجب علينا الانطلاق من منهج الغزالي الذي كان جذريا ومنفردا في منطلقاته كما كان فلسفيا ودينيا في غاياته. كما لا يجب أن ننسى أن بين هذه المنطلقات والأهداف، كان الغزالي معلما ومدرسا في مدرسة أقل ما يقال عنها أنها حارسة وخادمة لمعتقدات معينة ومحددة من الناحية السياسية والمذهبية.

وفيما يخص المعلم الأول أرسطو، فنحن منجرون لموافقته على اعتبار علم المنطق من انجازاته الخاصة والشخصية. وهذه المسايرة لها ما يبررها من الناحية المنهجية والمعرفية. فقد كان أرسطو كمعلم جيد على حد وصف الأستاذ "روبير بلانشي" يعترف بمصادر أفكاره وكل الفلاسفة اللذين سبقوه في إعلان موقفهم من المسائل المطروحة للبحث والتقصي. سواء فيما يخص نظرية المعرفة أو الطبيعيات والنفس والسياسة... فأهم نظرية أرسطية في الفيزيقا وهي العلل الأربعة، لم ينسب عناصرها إلا لأصحابها السابقين عليه واعترف بأنه لم يبدع أي شيء، بقدر ما قام بعملية تجميع. حيث أخذ من الأيونيين فكرة العلة المادية مثل الهواء والماء... ومن عند أمبادوقليس فكرة العلة الفاعلة، أما العلة الصورية فقد استوحاها من عند الفيثاغورسيين وأفلاطون الذي تأثر بهم. وأخيرا فقد أخذ من أناكساغوراس، هذا الفيلسوف العاقل من بين كل السكارى، فكرة العلة الغائية التي كانت تعني في الأصل عنده العقل المصمم. وقد تكفل أرسطو في كتابه الأخير المسمى لاحقا بالميتافيزيقا بإيضاح المسألة بالتفصيل[2]. أما موضوع المنطق فإننا نجد أرسطو ينكر وجود أي محاولة سابقة عليه فيقول جازما وواثقا: ((لا يوجد، حول هذه المسألة، جزء من موضوع سابقا وآخر غير موضوع، فلم يكن هناك شيء إطلاقا... إذا كان هناك أعمال قديمة كثيرة حول البيان، فالأمر خلاف ذلك بالنسبة إلى القياس العقلي إذ ليس لدينا ما نستشهد به، وكان علينا أن ننكب، ليس بدون مجهود، على أبحاث أخذت كثيرا من الوقت...))[3].

Page 3

وإن كان الأمر كذلك، أي أن علم المنطق من الإنجازات الأرسطية المحضة، فإن تسمية المعلم الأول مبررة تماما من طرف الفلاسفة المسلمين. هذا ما جعلهم يتوجهون لدراسة هذا العلم الوافد من اليونان، دراسة فهم وتقييم والأكثر من ذلك دراسة محاكمة ومساءلة. فقد اهتم الفارابـي بالمنطق ويظهر ذلك من مؤلفاته التي تحمل عنوان هذا العلم مثل كتاب "الألفاظ المستعملة في المنطق". وفيه يدرس بالتعريف والشرح والتمثيل أصناف الألفاظ الدالة وأصناف الحروف من وصلات وحواشي وروابط، كما يخصص فصلا للألفاظ المركبة وأصناف المعاني الكلية والمفردة والمركبة والقسمة... والأمور التي ينبغي أن يعرفها المتعلم لصناعة المنطق. واختتم كتابه هذا بموافقة أرسطو على نسبة علم المنطق له دون غيره من الحكماء اليونان الذين اشتغلوا بالشعر والأوزان الألفاظ والخطب والجدل.[4] كما ألف كتاب في الخطابة والعبارة، وهذه العلوم كما هو معروف من الأجزاء المشكلة للأورغانون الذي يجمع كل كتب أرسطو المنطقية.

أما الشيخ الرئيس ابن سينا الذي يمكن اعتباره نتيجة من نتائج نبوغ الفارابـي بشهادته هو، فلم يهمل العلوم المنطقية، بل ألّف فيها الشيء الكثير والمهم كذلك، إذ نجده قد خصص كتاب الشفاء للمنطق وعرض فيه الفنون المنطقية التسعة وحلل موضوع المنطق والفائدة منه، وإن كان قد استعان كثيرا بكتاب فورفوريوس كمرجع له. وخصص كذلك كتاب عيون الحكمة للمواضيع المنطقية (إلى جانب المواضيع الطبيعية والإلهية) مثل الألفاظ والقياس وأشكاله[5]والاستقراء ومنطق الجهات المعروفة عند أرسطو وهي الواجب والممتنع والممكن.

إلى جانب الفارابـي وابن سينا نجد الغزالي الذي قام مثل أسلافه الفلاسفة بدراسات عديدة في مجال المنطق، وكانت له مواقف مميزة من الحكمة اليونانية بعامة. ومن بين كل الدراسات المنطقية الإسلامية المعروضة وغير المعروضة مثل الدراسات اللاحقة عليه لابن رشد في المغرب وابن تيمية وبعض الفقهاء والمتصوفين، يظهر الغزالي منفردا في مناهجه ومراميه ومواقفه بعامة وفي المنطق بصورة أكثر تحديدا. ومشكلة هذا الكتاب مرتبطة حصرا بموقف الغزالي من منطق أرسطو، وهي كالتالي: ما هو موقف الغزالي من منطق أرسطو؟ وهل هذا الموقف منسجم ومتسقا مع الخيط الفكري العام لفلسفته؟ هل كان موقف الغزالي من منطق أرسطو موقفا ابستومولوجيا صارما في معرفيته أم أنه موقف عقائدي يفتقر للنظر الفاحص الناقد وبذلك يسير في نهج الفقهاء حراس العقيدة بأي ثمن وبأية وسيلة؟ كيف يمكن أن يستقيم موقف الغزالي من المنطق وهو الذي تسلق على الفلسفة وعلم الكلام كعلوم عقلية في جوهرها، ليتوجه صوب علم عملي وذوقي لا حاجة له لمنطق أو منهج أو برهان؟ هذا يشكل جهة، وفي الجهة الأخرى نجد مقولة الغزالي في "المستصفى" حول ربط الثقة بالعلم مهما كان مرهونا بمعرفة المنطق التي تدل على اشتراطه لهذا العلم البرهاني؟ كيف لنا أن نستصفي موقف الغزالي في خضم كل هذه الدروب المتشابكة غير المستوية؟ وأخيرا هل يمكن القبض على موقف الغزالي من المنطق الأرسطي في ظل لا - انتمائه المؤقت؟

من أجل الاشتغال على هذه الأسئلة المتعددة، وباقي الأسئلة التي قد تظهر بصورة غير منتظرة أو مقصودة أثناء التحليل، لجأنا إلى استعمال المنهج التحليلي الذي يقتضي التعامل مع النصوص الأصلية وتفكيكها من أجل الحصول على معناها البسيط والأولي، ومن أجل رد الأفكار المركبة والمعقدة إلى عناصرها الأصلية زمنيا ومنطقيا. كذلك فإن استعمال منهج التركيب مسألة ضرورية بعد كل تحليل، هذا التركيب الذي يساعدنا كثيرا على انجاز أحكام تتميز بالجدة والأصالة، لأن إنجاز النصوص الجديدة هو في أصله عملية تركيبية لا غير. كما أن عملية المقارنة بين الأفكار المتباعدة زمنيا ومكانيا قد تتيح لنا فرصة استنتاج ظاهرة تناقل المعرفة وحركتها، مما يكشف عن مدى اتساع رقعة التفكير وتفاعله حضاريا، عكس الاعتقاد الذي يجعل المعرفة تلد وتموت في مسقط رأسها. والمعلوم أن الأفكار كلما سافرت وارتحلت في المكان والزمان، فإن تغيرات كثيرة تطرأ على شكلها ومضمونها وأغراضها، فالفكر مثل الكائن الحي وأعضاء الحيوان تتكيف دون توقف كلما غيرت البيئة.

Page 4

وعند إطلاعنا على هذا الموضوع، عثرنا على دراسات أكاديمية سابقة مهمة تناولت بصورة كلية أو جزئية هذه الفكرة. فقد وجدنا في اللغة العربية الكثير من الأعمال التي تتحدث عن إسلامية المعرفة في القديم، أي في العصر الإسلامي الكلاسيكي بوجه عام، دون تخصيص مفكر بمفرده أو تخصص بعينه. مثل الدراسة التي قام بها الدكتور "محمد علي أبو ريان" في مؤلفه الذي يقع في أكثر من أربعمائة صفحة، الموسوم بـ: "أسلمة المعرفة: العلوم الإنسانية ومناهجها من وجهة نظر إسلامية". ومجمل ما عرضه في هذا المؤلف بعد عدة فصول تمهيدية مرتبطة بالعلم وتصنيفه وأزماته، هو باب خصص للعلوم الإنسانية من منظور إسلامي أو "أسلمة العلوم الإنسانية" فيه بيّن مواطن الأصول القرآنية والإسلامية لعلوم إنسانية مثل الفقه كمصدر لكل علم إنساني في الإسلام وعلم الاقتصاد والسياسة والاجتماع الإسلامي وفلسفة الأخلاق الإسلامية والقانون وبعض العلوم الإنسانية الأخرى مثل التاريخ وعلم النفس والتربية، ورغم أنه لم يخصص فصلا أو مبحثا للمنطق إلا أنه توصل في نتائج بحثه إلى أن: ((العلم الإسلامي الذي يرتبط بقاعدة الإيمان قد ازدهر في عصور الإسلام الخوالي، وأصبح علما شموليا، رغم ارتباطه بقواعد الدين والإيمان الحق، ومعنى هذا أننا نوجه النظر إلى دعاة التغريب والمهاجمين لربط العلم بالدين ليعلموا أن هذا الارتباط لن يكون عقبة في سبيل تقدم العلوم، وقد ضرب المسلمون المثل على صحة هذه الدعوة...))[6].

ونفهم هنا أن الدافع دائما هو هاجس العلم الوافد من البلاد غير الإسلامية، فهذا الهاجس الذي كان يسكن الكثير من مفكري الإسلام فقهاء أو أصوليين أو حتى فلاسفة في العصر الإسلامي الكلاسيكي، عاد للظهور عند بعض مفكرينا في الأزمنة المعاصرة. وفي الحقيقة أن هذا العمل لا يختلف من حيث الجوهر مع كتاب الدكتور علي سامي النشار المسمى "مناهج البحث عند مفكري الإسلام" الذي سنخصص له حديثا مستقلا لاحقا. وسوف نرى أن هذه الحركة اتخذت شكلا أكثر تنظيما ومنهجية عند بعض مفكري المهجر. ونقصد بهذا الأعمال التي تصدرها الدكتور العراقي "طه جابر العلواني" الذي قام بعملية التأريخ لهذه الحركة القديمة، أي حركة إسلامية المعرفة عموما بداية بالجيل الأول وهو جيل الفلاسفة الكبار أمثال الغزالي (450 - 505 هـ) وابن تيمية (661 - 727 هـ)، وكذلك جيل القرن الثامن والتاسع عشر. حيث أن التواصل الذي حدث بين الشرق الإسلامي والغرب الوثني (والمسيحي لاحقا)، على مر العصور قد ولّد أزمات فكرية ومعرفية لدى المسلمين، وجعلهم يتباحثون في كيفية العمل والتصرف. والمنهج الملائم للتوفيق بين الإلهي والإنساني... الذي يظهر الانفصال بينهما في مستوى الفلسفة والحكمة، وإصرار البعض على الفصل بين الجانبين. لذا كان العمل المناسب هو استرجاع الإبستميولوجي إلى حيزه الأصلي وهو القيم والدين أو ما يسمى بأسلمة المعرفة.[7]

أما الأعمال التي تناولت مسألة المنطق عند الغزالي، وكيفية تعامله مع التراث اليوناني عموما والأرسطي المنطقي على وجه الخصوص - في حدود علمنا واطلاعنا المتواضع والمحدود -، فإننا نجد بعض الدراسات المهمة مثل أحد فصول كتاب الدكتور علي سامي النشار وهو "مناهج البحث عند مفكري الإسلام". رغم أنه يتسم بالعرض العام والشمولي مغفلا التفاصيل الجزئية التي تكون مهمة في الكثير من الأحيان. كذلك نجد مؤلف الدكتور محمد مهران الموسوم بـ"المنطق والموازين القرآنية" ورغم أهميته الشديدة وتحليله العميق، إلا أنه اقتصر على كتاب واحد فقط من كتب الغزالي المنطقية وهو كتاب "القسطاس المستقيم". والحق أن هذا الكتاب يمثل خلاصة مواقفه من المنطق الأرسطي لذا سوف نحاول قدر الإمكان الاستعانة به والاستفادة منه، مع توسيع البحث ليشمل كتب الغزالي المنطقية الأخرى غير القسطاس. ونجد كذلك دراسة لأحد مؤرخي الفلسفة والمنطق وهو "كارل برانتيل" Prantl الذي قدم دراسته Geschichte des logik في الجزء الثاني ص 361 وما يليها، رغم أن المنطقي المعاصر "يان لوكاشيفيتش" يتهمه بالجهل فيما يخص تاريخية المنطق إذ لم يستطع التمييز بين القياس الأرسطي والقياس التقليدي، كما أنه أخطأ كثيرا في حديثه عن الشكل الرابع من أشكال القياس الحملي.

كل هذه الأعمال وغيرها المرتبطة إما بالفلسفة اليونانية عامة، أو فلسفة أرسطو على وجه التحديد، أو الفلسفة الإسلامية التي تتناول أعمال الغزالي وما بعده. والكثير من كتب الفكر العربـي المعاصر التي تدرس التراث الإسلامي إما دراسة تمجيدية أو تمحيصية، سوف تكون عونا لنا في إنجاز هذا العمل. بالإضافة إلى الملاحظات التي نقدمها والنابعة من خلاصات التحليل والتركيب والتي تعبر عن موقف المؤلف من هذه القضايا التراثية الحساسة والتي تشكل اهتمام وانهمام كل مفكر عربـي معاصر ينظر إلى قيمة تراثه بمنظار حذر، وهو الموقف الذي تطرق إليه كل مفكري عصر النهضة العربية ابتدءا من الشيخ محمد عبده وعلي عبد الرازق والدكتور طه حسين وزكي نجيب محمود لاحقا... وصولا إلى محمد أركون وهاشم صالح وغيرهم كثيرون لا يمكن ذكرهم جميعا، لأن مشكلة أسلمة المعرفة عموما والمنطق على وجه التحديد من المسائل المنهجية التي أنجزها الأجداد وتم إعادة المحاولة مرة ثانية في الأزمنة المعاصرة مع طائفة من المفكرين الذين يمثلون نخبة محترمة ومن هنا يعود القديم إلينا طافيا فوق السطح، أفلا يحق لنا تقييم التجربة الأولى تقييما صارما قبل الخوض في التجربة الثانية؟ هذه هي الملاحظة التي قدمها الدكتور "البوطي" وشكك في إمكانية نجاح هذه التجربة المعاصرة[8] رغم أن شكوكه محدودة موجهة وليست محضة خالصة. أليس تقييم التجارب والعمل بهذا التقييم عمليا هو سبيل السير العقلاني النافع لحضارة بدأت التخبط لبلوغ مرتبة العقلانية منذ القديم ولا زالت تسعى لذلك؟ أليست المراجعة ونقد الذات هي أجدر خطوة لتأسيس حضارة العقل؟

لذا فمنهجية هذه الدراسة، ستكون مختلفة عن منهجية الكتب السابقة، والتي تناولت موضوع الأسلمة إن بوجه عام أو عن طريق التقسيم والتخصيص. لأنها في الحقيقة كانت تحلل الموضوع من منطلقات ناجزة وجاهزة، بمعنى أن الكتب السابقة الذكر تحاول إثبات أطروحة مقتنعة بصحتها أصلا وبصورة مستبقة للبحث. وفي اعتقادنا أن هذا المسلك يتنافى وخصوصيات البحث العلمي المنفتح على كل الإمكانيات المحتملة، ولو كانت على حساب التمجيد الإيديولوجي للذات التاريخية والاجتماعية. لذا فالخوف من نتائج الدراسة لا يشكل أي اعتبار بالنظر لهدف الحقيقة المتعال عن كل توجيه أو توظيف لا علمي أو مناهض للعلمية، وهنا نستحضر أجمل ما قاله أفلاطون في أحد محاوراته الكثيرة، إذ يعلن على لسان الغريب الإيلي حازما عاقدا العزم على توجيه مجهوده نحو الحقيقة فقط: ((نحن لسنا محترمي أشخاص، بل باحثون عن الحقيقة)).[9] وعلى هدى هذه المقولة التي ترتفع إلى درجة الحكمة البحثية والشعار الإجرائي، سنبحث موضوع أسلمة المنطق عند الغزالي دافعين السؤال الفلسفي إلى الأمام دوما وأقصى الحدود التي يحتملها العقل المتسائل الذي لا يخاف من الحرية والحقيقة معا، على اعتبار أنهما مترافقان، إذ لا يمكن لنا كشف حقائق الأمور إن كان عقلنا عقالا أو معتقلا.

Page 5

منهج الغزالي: مسح الموروث والانطلاق

من العقل المحض المؤقت.

إن مكانة الغزالي في مجمل تاريخ الفلسفة الإسلامية، ليست موضوعا للجدل أو التشكيك. وما القادحين والمنتقدين له إلا تمظهرا سلبيا لأهميته ومكانته. فالاعتراف بمستوى فكر الغزالي المميز كان من المستشرقين قبل غيرهم من أهل الحضارة الإسلامية ذاتها، رغم منطلقاتهم الصارمة وغير الموضوعية في بعض الحالات تجاه الحضارات الشرقية عموما والإسلامية تحديدا. فنجد مثلا "دي بور" ورغم أنه ينتقص من روح الابتكار والنقد والتمحيص عند العرب، ويجعلهم حبيسي أخطاء الترجمة والنقل، مما جعلهم متقيدين مطلقا بأفق الفكر الأرسطي المسيطر. إلا أنه في حالة الغزالي نجده يقول أنه من الأبطال الخالدين في الإسلام، وأن القيمة الفلسفية من المسائل المثبتة في كتابه "تهافت الفلاسفة" من خلال نظرته الريبية الهجومية على المذاهب الفلسفية المستمدة من اليونان. وكانت دراساته - يقول دي بور - تتسم في الكثير من الجوانب بالموضوعية والأمانة، كما أنه كان واعيا بالمسألة الدينية التي أرقته مطولا بالنظر إلى المسألة الفلسفية.[10] وهذا ما يعكس صدق الغزالي وابتعاده عن التواري المعرفي مثل ما عمد الكثير من مفكري الإسلام الذين لم يظهروا مدى جدية مشكلة الفلسفة والدين أو العقل والنقل، بل اختاروا الطرق السهلة من خلال إثبات التوافق المطلق بينهما. لكن في حالة الغزالي فقد طرح دون أي خوف مسألة الاضطراب الحاصل بين العقل الفلسفي المتحرر كلية والعقل الديني الذي يحتكم لضوابط معلومة.

كما نجد مستشرقا آخر وهو كوربان، ومع إسقاطه كل الأحكام المبالغة والمفخمة لشخص الغزالي، فإنه يحتفظ بصفات مثل الألمعية والنبوغ مقارنة بباقي الفلاسفة المسلمين، ويعتبره المتعمق في دراسة الفلسفة ويظهر ذلك في "مقاصد الفلاسفة" - ولنا عودة لهذا الكتاب، خاصة القسم الأول المخصص للمنطقيات وهو موضوع اهتمامنا - و"تهافت الفلاسفة". والأكيد أن هذا الانفراد العجيب في فكر الغزالي قد لاحظه كوربان في: ((تلك الثقة التي يوليها للمنطق والجدل العقلي في سبيل الوصول إلى غاية محاجاته، في حين أنه هو نفسه لا يؤمن بجدوى المنطق والعقل لبلوغ الحقيقة)).[11] وهذا القول في حقيقته يدعم ويقوي المشكلة المطروحة في بداية ومقدمة هذا الكتاب المتمثلة في صعوبة التوفيق بين مقولة الغزالي المدرسية التي تثبت الأهمية البالغة للمنطق في علم كل مفكر من جهة، وإنكاره لأي أهمية للاستدلال في بلوغ الحقيقة الدينية من خلال نهج التصوف. وكأن الغزالي قد وقع في المحظور العقلي عندما وضع وحمل محمولين متناقضين على نفس الحامل. ويواصل المستشرق كوربان قائلا: ((وهنا، بشكل خاص ينفجر تناقض الغزالي، فهو بالرغم من اقتناعه بعدم أهلية العقل وكفاءته لبلوغ اليقين بحد ذاته، على الأقل، على يقين من تقويض يقين الفلاسفة وذلك عن طريق الجدل العقلي نفسه)). وكأن صاحب المقولة يود أن يشير بوضوح إلى أن الغزالي قد سقط في المفارقة الفلسفية التقليدية التي بلور معالمها أرسطو، في كتابه "دعوة إلى الفلسفة"عندما ألمح ولو بصورة ضمنية إلى أنه: إما أن التفلسف ضروري ولابد عندئذ من التفلسف، وإما أنه غير ضروري، ولابد أيضا في هذه الحالة من التفلسف لإثبات عدم ضرورته وفي الحالتين، أي ضرورتها أو عدم ضرورتها، ينبغي التفلسف. لأن فعل الفلسفة في ذاته ينطوي على طرفين متنافرين ظاهريا وهما السؤال عن ضرورة الفلسفة من جهة، وهذا التشكك يجعلنا نسير في طريقها من أجل إثبات ذلك.[12]

لكن الحقيقة أن الغزالي لم يقع في هذا التناقض الذي يبدوا أنه وقع فيه. وتبرير ذلك أن كل مفكر متميز ومجدد يجد نفسه في تمفصلات فكرية غير تقليدية. إذ لا ينتمي بسهولة ووضوح إلى تيار أو اتجاه ظاهر المعالم، بل على العكس فإنه يتموقع في حيز فكري "ضبابـي" أو "رمادي" من خلال محاولته الجمع بين مسائل تظهر لأصحاب الفكر التقليدي بأنها مستحيلة التجميع. وهنا بالضبط نفهم انـزعاج ابن رشد من موضوع تصنيف الغزالي. وهذه المواقف الضبابية غير الاعتيادية قد تكررت مع أكبر الفلاسفة تميزا في تاريخ الفكر الغربـي مثل باسكال ونيتشه وياسبرز...

Page 6

ويواصل رينان من بين المستشرقين، المتعمق في الفلسفة الرشدية خاصة، إبداء إعجابه بالغزالي رجلا ومفكرا، من حيث نـزعته الإبداعية ومنهجه الشكي وفطنته الذهنية، وأصالة فكرته الهادمة للعلية مقارنة بلاحقيه من الفلاسفة في الغرب الحديث. ورغم انتقاله من التفلسف إلى معاداة الفلسفة، فإنه اشترط بلوغ الكمال في المعرفة والعمل على ممارسة العلم العقلي دون انتقاص.[13] ولعل القارئ يلاحظ هنا أن كل الاستشهادات كانت في جملتها من النصوص الاستشراقية، وتبرير ذلك لا يعود إلى ميل المؤلف لهم ومناصرتهم بقدر ما يعني الاحتكام إلى دارسين ومؤرخين أقل ما يقال عنهم أنهم موضوعيون ولا يقبلون الراويات التفخيمية والتعظيمية في حق تراثنا أو مفكرينا. وهذا التوجه قد استقاه الباحث من الموقف الطريف للأستاذ "مالك بن نبـي"، فقد كان دائم التساؤل حول أيهما أحسن لوعينا الحاضر: المستشرقين المادحين أم القادحين لتراثنا؟ هذا السؤال طرحه عندما حلل مشكلة إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، فإن َشعَر معظم المفكرين المسلمين بالاعتبار والاعتراف بالجميل بعد صدور كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" ونظموا ندوات تكريمية، فإن هذا لا يعدو أن يكون حقنة من بين العديد من الحقن الاعتزازية التي تكدس تأخر آخر للمسلمين على تأخرهم الأصلي، وينتهي "بن نبـي" إلى أنه إن كان هناك وجه إيجابـي لأعمال المستشرقين، فإنه يلمسه في أعمال القادحين لا المادحين[14] فنحن بحاجة إلى نقد الذات كشرط للنهضة وليس عكس ذلك، أي تعظيم الذات من أجل النهضة والبقاء. والتاريخ مفعم بأمثلة تؤكد أن الشك هو أساس اليقين وأن الصرامة تجاه الذات هو أساس التحضر.

هذا النهج المادح لفكر وشخص الغزالي من المستشرقين الصارمين، اللذين لا يعترفون إلا عن جدارة، والكثير من الباحثين المعاصرين تجاه تراثهم المجيد للغزالي، ظاهر في الكثير من الأقوال المدرسية القائلة مثلا أنه حجة الإسلام دون منافس حقيقي، ووصف الغزالي من طرف بعض أساتذته بأنه بحر مغرق (أو مغدق)، وبأنه مجدد القرن الخامس للهجرة. كما اشترط بعض المغالين قراءة "الإحياء" من أجل أن يكون المرء من "الأحياء". وبلغت قمة الإفراط في قول الإمام النووي ما يلي: كاد الإحياء أن يكون قرآنا ثانيا. فلو قمنا بمقارنة الأقوال المأثورة عن الغزالي من طرف المسلمين من جهة، وأقوال المستشرقين وأحكامهم لوجدنا تشابها وتطابقا واضحا، لكن مع فرق أساس وهو أن تقرير المستشرقين لم يكن نابع من تمجيد إيديولوجي لتراث ليس بتراثهم بقدر ما يعبر عن اعتراف بفكر كنتيجة بحث، وليس اعترافا سابقا لأي بحث.

قوبلت هذه الأقوال المادحة بطرح مغاير إلى حد التناقض، إذ تعرض فكر الغزالي إلى نقد وتجريح وصل لحد إحراق كتبه. فالمدرسة التيمية السلفية عارضته بشدة، وتم الحكم بالموت على" الإحياء" من طرف تلميذه المغربـي الملقب بأمغار: محمد بن تومرت. وحملة ابن رشد من أشهر الحملات التي عملت على تقويض فكر الغزالي في المغرب كذلك. وفي الأزمنة المعاصرة يعتبر كتاب "الأخلاق عند الغزالي" نموذجا للدراسة النقدية لفلسفته من طرف الدكتور زكي مبارك. وهناك من المستشرقين من جعل فكر الغزالي الصوفي امتدادا للتصوف النصراني ليس إلا.[15]

كما صنف صاحب الكتاب الموسوعي في الفلسفة الإسلامية الدكتور "حسين مروة" الغزالي ضمن الاتجاه المعادي للمنطق الأرسطي والفلسفة عموما، واعتبره القائد الأكبر للحملة الإرهابية التي امتدت في كل الأمكنة وانتشرت لمدة زمنية طويلة جدا أكثر مما نعتقد بمعنى أن فكر الغزالي امتد إلى أيامنا من خلال فعل أفكاره في كثير من تصرفات الكثير من التيارات المعاصرة. وأثّرت على مدى أجيال كثيرة، فإحراق كتب المناطقة والفلاسفة كان نتيجة عملية وسلوكية لأفكار هذا التيار المتعصب، ولم تنقص حدة هذه الموجة المعادية للعقل إلا مع النشاط الرشدي الدفاعي عن العقل والمنطق والسببية الطبيعية. إلا أن فيلسوف قرطبة رغم عمله الشجاع إلا أنه كان ضحية من ضحايا "ذهنية التحريم" التي امتدت من المشرق الذي شكله الغزالي إلى المغرب الإسلامي. ولم يدم التنوير الرشدي إلا برهة من الزمن، حيث عاودت موجة العناد على يد فقهاء أمثال الشهرزوري (ابن الصلاح الذي تمنطق جدا من أجل منع المنطق) في القرن السابع للهجرة، وابن تيمية في القرن الثامن. حيث تم تحريم المنطق على يد المفكر الأول، وتكفير الفلاسفة على يد الثاني.[16]

ما يمكن أن نقوله ونحن خارجون من هذا الجدل - جدل الجَلد والتمجيد أو جدل الحب والحرب - حول قيمة الغزالي شخصا وفكرا هو أن: التأويل المستقطب لأي فكر عبر التاريخ إن دل على شيء، إنما يدل على مدى الأصالة الحقيقية، فكل النصوص الأصلية حدث لها ما حدث لنصوص الغزالي وفلسفته. أي أنها خضعت لتفسيرات متعددة ومتناقضة، نظرا لما فيها من فائض معنى، وما تحتويه من إمكانيات لا يمكن استنفاذها من الشرح والتوظيف والتأويل والاستغلال. فالنص والفكر الحي لا يمكن إلا أن يكونا مرتعا لكل أصناف التفكير والتنظير مهما اختلفت وتناقضت، وهذه الصفة تصدق سواء على النصوص الدينية أو الفلسفية أو السياسية... كل هذا يدفعنا للعمل على كشف نقاط الأصالة في فكر الغزالي وخاصة منهاجه.

إن تجربة الغزالي كما يرويها هو من أشهر التجارب الفلسفية والاعترافات الفكرية المسجلة في تاريخ الفلسفة سواء عند الغرب أو العرب. وكل دارس للفلسفة الإسلامية يستوقفه هذا الاعتراف المميز، والذي يعبر حقا عن تطور روحي وفكري أصيل عنده. وأصبح ذكر هذه التجربة الروحية من أدبيات التأريخ لهذه الشخصية الفذة.[17]

Page 7

لقد رسم الغزالي منهجه الفكري وتطوره الروحي في الكتيب الصغير من حيث الحجم والكبير من حيث المضمون، وهو "المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال" الذي يحوي ما يحوي من الفلسفة دون أي مبالغة، هو الكتاب الذي يُعلِم درسا منهجيا لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال. فكل فلسفة أصيلة سواء قديمة أو حديثة أو معاصرة قد سلكت هذا المنطلق وهو الشك المنهجي لا المذهبـي. ولأن الغزالي كان ساعيا وراء هدف مقدس وأسمى من كل الأهداف الجزئية الأخرى، هذا الهدف المتمثل في "اليقين"، فإن بلوغه ليس بالأمر الهين ولن يكون بخطوة واحدة أو جرة قلم مفردة. بل يقتضي مسارا إن اجتنب الأصالة والابتكار فإنه لن يبلغ إلا حيث انطلق أي محاكاة النماذج المتوفرة. هذه الصعوبة متأتية من العقائد الموروثة، والفرق التي قدمت طرق ومسالك جاهزة ومتباينة في نفس الوقت، فكل فرقة تدعي لنفسها امتلاك الحق واليقين والصواب علما وعملا. إزاء "سوق الفرق" هذا الذي تعرض فيه الأفكار والاعتقادات، لا ينفع إلا شيئا واحدا وهو: "الارتفاع عن حضيض المحاكاة... وانحلال رابطة التقليد، وانكسار العقائد الموروثة."[18] فالغزالي كان بين خيارين ليس إحداهما أسهل من الآخر:

1- إما تقليد التيار المتعارف علية بفعل الزمن والعادة وسلطة القديم القوية، مما يخلق أزمة جدوى التفكير أصلا أي لماذا نفكر إن كنا نقلد؟

2- إما التجديد والخروج عن المألوف واختراق النموذج، مما يطرح معضلة الكيفية بمعنى سبيل التجديد والنتائج أي مدى تطابق النتائج مع النموذج القديم؟ والأكيد أن الغزالي قد اختار الاحتمال الثاني وهو طريق الشك.

هذا الشك في كل ما هو موجود من عقائد ونظريات وأفكار، ليس شكا بيرونيا مطلقا يعبر عن العجز الكلي للعقل في البحث عن الحقيقة أو ممارسة البرهنة والتفكير من خلال تعليق الأحكام والكف عن إصدار القضايا التي تخبرنا بشيء ما. بل هو موجه توجيها إيجابيا لبلوغ العلم اليقيني المتمثل في ((انكشاف المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم... وكل ما لا يعلم بهذا الوجه اليقيني، فهو علم لا ثقة به))[19]. ويتساءل الغزالي بعد ذلك: هل هناك علم يتميز بهذه الصفة اليقينية المطلقة؟ هل هناك حقيقة ما تكون كاملة وناجزة لا يعتريها النقص والتغيير؟ إن متتبع مسيرة الغزالي الدحضية، يكتشف أن معيار اليقين المشترط من طرفه بلغ من الصرامة بحيث تهاوت معه كل أصناف المعارف الموجودة في عصره، وفشلت كل المناهج من تجاوز هذا الحاجز الذي يمكن تشبيهه بأب الهول الموجود في مدخل مدينة طيبة مثلما تذكر الأساطير اليونانية، إذ أنه يلتهم كل من فشل في الإجابة عن ُأحجياته.[20] إن أول ضحية على مذبح الغزالي هي المعرفة الناشئة من الحواس نظرا لأخطائها الظاهرة والتي لا يمكن الغض عنها: ((فانظر إلى حاكم الحس كيف يحكم إذا نظرت إلى الشمس عليها بأنها في عرض مجر وفي الكواكب بأنها كالدنانير المنثورة على بساط أزرق... وكيف عرف العقل ببراهين لم يقدر الحس على المنازعة فيها أن قرص الشمس أكبر من كرة الأرض بأضعاف مضاعفة... وكيف هدانا إلى أن الظل الذي نراه واقفا هو متحرك على الدوام لا يفتر...))[21]

وإن كان للعقل فضل كبير في كشف خداع الحواس فهذا لا يعني أنه الأكمل، إذ ليست له السلطة النهائية في إصدار الأحكام. وهنا نلمس حجم التجاوز الذي مارسه الغزالي على الفلسفات العقلية المثالية، فإن تنبهت هذه الفلسفات إلى هذه المشكلة، مشكلة أخطاء الحواس[22] فإنها تمسكت بالعقل وسلمت له زمام الأحكام دون شك أو ريب، وجعلته صاحب القرار النهائي في مسألة المعرفة والأخلاق... أما الغزالي - وعلى غرار الما بعد- حداثيين اللذين تمردوا على العقل وكشفوا مدى محدوديته بسبب الوعود التي لم يفي بها- فقد قرر: ((قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي من الأوليات، كقولنا: العشرة أكبر من الثلاثة... فقالت المحسوسات: بم َتأمن أو تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات، وقد كنت واثقا بـي، فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر في تصديقي، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر، إذا تجلى، كذب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه...))[23] فهذا الحوار الجدلي الصريح بين العقل والحواس - رغم أن الحواس لا تفكر، إلا بالعقل وبالتالي فإن رد الحواس هنا على العقل ليس إلا رد العقل على نفسه، وكأن العقل يمارس نقدا ذاتيا ومراجعة داخلية - يكشف أن المعرفة العقلية ليست هي النهاية والفيصل في كل شيء، بل تمثل مرتبة أعلى من المحسوسات فقط، لكنها ليست المرتبة النهائية. فلكل حاكم حاكما أعلى منه يراقبه ويقيم نتائجه. لكن السؤال الذي لم يطرحه الغزالي أو لم يشأ طرحه هنا: من هو الحاكم وراء العقل؟ من يستطيع أن ُيساءل العقل غير العقل؟ الحقيقة أن نصوص الغزالي وإن لم تكن تتحدث صراحة وبأحرف مرئية، فإنها تقدم لنا أجوبة صريحة رغم ضمنيتا. بمعنى أن العقل الإنساني لا يظهر محدودا إلا بالنظر إلى العقل الإلهي الذي يكشف حدوده الضيقة جدا. وهنا نلمس اقتراب فكر الفيلسوف والقس المبشر جورج بيركلي (1685-1773) من فكر الغزالي. فقد استنتج من أطروحته القائلة "كون الشيء موجودا هو أن ندركه" المسألة الإيمانية الأساسية التي تقول أن دوام وجود الموجودات مضمون بالعقل الإلهي الذي لا يغيب وعيه إطلاقا مثل الفكر الإنساني. لأن الإنسان قد يغمض عينيه عن الأشياء، لكنها لا تختفي من الوجود بسبب انعدام وعي الإنسان المدرك لها، والضامن الوحيد لعدم اختفاء الموجودات رغم سهو الإنسان لها وعدم إدراكه لكل الكائنات هو أن هناك الإله الذي لا تخفى عنه أي خافية لأنه لا يغفل ولو لحظة.

نقول أن هناك تقارب بين فكرة الغزالي وفكرة بيركلي في قضية تفوق العقل الإلهي الأسمى على العقل الإنساني الأدنى والمحدود، لكن دون أن نجزم أن هذا الأسقف الإنجليزي قد تأثر بالغزالي أو نقل أفكاره، مثلما يميل الكثير من أساتذتنا إلى إثبات أطروحة نقل ديكارت لمبادئ فلسفة الغزالي نقلا شبه حرفي. إذ يهمس البعض منهم همسا حدسيا لا يتأسس على أي دليل عقلي وتجريبـي أن أحد الفرنسيين قد أخبر بأن ديكارت كان يرتاد مكتبه فيها مؤلف الغزالي الذي اطلع عليه وترك ملاحظات فيه. وكل هذا من أجل البرهنة على أن ديكارت قد استوحى منهجه الشكي من الغزالي أو انه نقله نقلا منه. لكننا لا نميل إلى إثبات هذه الأطروحة لسبب واحد وهو أن هذه الطريقة في التفكير والبرهنة سلبية جدا، إذ تقتضي توظيف وتجييش كل الملاحظات التي تثبت أصالة المسلمين فقط وبأي ثمن. والمعلوم أن البحث العلمي النـزيه لا يقبل إثبات أطروحة منذ البداية، لأن البحث الجاد هو ضرب من المغامرة الفكرية غير معلومة النتائج، وإلا أصبح مسلكا معهودا بفعل العادة والتقليد والتكرار. هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك الحقيقة القائلة بأن أي نص فكري أو فلسفي ليس تشكيلا مستجدا بصورة مطلقة، بل هو مجرد تقاطع لنصوص قديمة. وبالفعل فإن نقد المعرفة الحسية ليس من الأمور الجديدة التي ابتكرها الغزالي، فقد أشار أفلاطون ليس في محاورة واحدة إلى أخطاء الحواس، ومن قبله مؤسسي نظرية المعرفة أي بارمنيدس وهيراقليطس. وقد واصل الشكاك اليونان وممثلي الأكاديمية المتأخرة تبيان أخطاء الحواس، مثلما جمع المتشكك الروماني سكستوس امبريكوس ملاحظات تفيد ذلك. فلماذا لا نثبت أن الغزالي قد نقل أفكار هؤلاء. وبالإجمال يمكن القول أن الدخول في مسألة أسبقية الأفكار لا تنتهي إلى نتيجة ذي بال، بل هي مجرد جدل عقائدي يعكس تمركز كل حضارة على ذاتها ونبذها للمغاير.

ينتقل الغزالي بعد الشك في الحواس والعقل معا إلى مساءلة علم الكلام، فلئن كان هذا العلم يقصد حفظ عقيدة أهل السنة، وحمايتها من تشويش المشوشين، وهم على الإجمال المبتدعة المنحرفين والمخالفين في العقائد، باستعمال براهين مرتبة ترتيبا محكما من أجل الإقناع والإفحام. فإن هذا ليس مقصد الغزالي أصلا، فهدفه مرسوم منذ البداية، إنه بلوغ العلم اليقين وليس الدفاع عن الدين ضد المنحرفين، وإن كان هذا العمل مأمورا به ومستحسنا. ولهذا فإن مطلب الغزالي أوسع وأبعد بكثير من مطلبهم. كما لاحظ عيبا فادحا في منهج المتكلمين أثناء عمليتهم الدفاعية، وهذا ما يجعل مقصودهم يتعرض للانهيار، وهو أنهم اعتمدوا في صياغة حججهم المدافعة عن الدين على مقدمات ومبادئ هي في الأصل من وضع خصومهم، وهذا ما يحكم على دفاعهم مسبقا بالفشل.[24] لان استعمال أسلحة الخصم(المهاجمين على العقيدة) هو من إستراتيجيته المخصصة لإلحاق الأذى بهم (المدافعين على العقيدة).

الخطوة الثالثة في المنهج هي التوجه صوب الفلسفة، فبعد أن طالع الغزالي كتبهم بصورة عصامية لمدة سنتين، توصل إلى نتيجة لا تراجع عنها وهي أن الفلسفة مجرد خداع وتلبيس. لكن قبل ذلك لاحظ الغزالي مسألة مهمة بشأن الموقف من الفلسفة، فلم يعمل أي فيلسوف من قبله على التصدي للفلسفة ودراستها دراسة نقدية تنقيبية. وكأن فلاسفة الإسلام من قبله أخذوا الفلسفة كعلم أولي ضروري دون أي تمحيص أو ريب فيه. كأن الفلسفة من العلوم الضرورية التي لا تحتاج أصلا إلى مراجعة أو وقفة تأمل. وهذا القبول المباشر لها - من طرف الفارابـي وابن سينا - هو بداية خطأ هؤلاء. أما الفحص الحقيقي لهذا العلم فقد كشف للغزالي أن الفلاسفة على ثلاثة أصناف هم: الدهريين والطبيعيين والإلهيين، الأوائل زنادقة، والطبيعيون جحدوا الآخرة، وبذلك فلم يخرجوا من حيز الزندقة أصلا. والصنف الأخير وهم أقانيم الفلسفة اليونانية، أي سقراط وأفلاطون وأرسطو (الأستاذ والتلميذ وتلميذ التلميذ)، ورغم ما لهم من فضائل كثيرة مقارنة بأسلافهم، فإن أرسطو واضع المنطق قد حافظ على بدعهم وكفرهم. وهذا يلزم الغزالي على تكفيرهم هم والفلاسفة المسلمون الذين أخذوا هذه الفلسفة دون تمحيص ونقد.[25] والمسألة الجديرة بالملاحظة هنا هو أن الغزالي قد تفطن إلى هفوة الفلاسفة المسلمين السابقين عليه وكشف عن اللا-مفكر فيه عندهم، المتمثل في أنهم لم يضعوا قيمة الفلسفة موضع التساؤل. بل أخذوها باعتبارها علما بديهيا ضروريا متعاليا عن أي مضايقة عقلية، في حين أن هذا العلم كان عند اليونان ذاتهم موضع تشكيك.

ويواصل الغزالي مطاردة الفلاسفة كفيلسوف مقتدر، من خلال وضع كتاب مستقل ومخصص لذلك، وملخصه أن الفلاسفة قد ارتكبوا أخطاء لا تغتفر في ثلاثة مسائل وهي: قدم العالم ومعرفة الله بالجزئيات ومشكلة حشر الأجسام. وهذه الفداحة في الخطأ تقتضي تكفيرهم قطعا ودون تردد.[26] أما المسائل المتبقية وهي سبع عشرة، والمسألة التي قد تهمنا هنا، ونحن نتحدث عن علم المنطق والقياس القائم على الاستنتاج وفق الضرورة العقلية، هذه الضرورة النظرية تقابلها السببية الفيزيقية التي تشكل بنية العقل ذاته، فإن الغزالي عمل على إبطال قول الفلاسفة باستحالة خرق العادات أو السببية، وهذا الإقرار هو الذي جعل ابن رشد يندهش ويعلن صراحة في فصل المقال أنه: من أنكر السببية فقد أنكر العقل ذاته، كما أنه لام الغزالي الذي قطع بتكفير الفارابـي وابن سينا في المسائل الثلاث المشار إليها سابقا.

هناك مسألة تثار بشأن موقف الغزالي من الفلسفة، هي أن حجة الإسلام لم ينتقد الفلسفة بقدر من أظهر تهافت الفلاسفة. لهذا فمن حقنا البحث عن سر عنونة الغزالي لكتابه بـ:"تهافت الفلاسفة" بدل "تهافت الفلسفة". فهل كان الغزالي يفرق حقا بين الفلاسفة والفلسفة؟ وهل اختياره "تهافت الفلاسفة" كان مقصودا ومدروسا؟ أم أنه لم يفكر أصلا في هذه الفروق؟ بالنسبة للذين يدافعون عن مشروع الغزالي التنويري، فإنهم يستثمرون هذا العنوان للدفاع عن سعة فكر الغزالي وعن عدم عدائيته للفلسفة كفكر حر ومنفتح ونقدي. لان الهجوم على الفلاسفة لا يعني بتاتا رفض الفكر الفلسفي، بقدر ما يعني تقديم فلسفة جديدة بها يتجاوز فلسفة الفلاسفة المقدمة في زمانه. لكن عند المفكرين الذين جعلوا الغزالي والغزاليين اللاحقين سببا في نكسة العقل الإسلامي وجنوحه إلى العقل الفقهي المتزمت الرافض لكل تفكير خارج الأطر المرسومة من السلف، يستثمرون مسألة تكفير الفلاسفة وتبديعهم في كتاب "تهافت الفلاسفة" لإظهار أن الغزالي فعلا هو عدو الفلسفة الأول في الإسلام، وبالتالي عدو الفكر الحر الإبداعي. وتبرير ذلك يعود إلى اللهجة الغزالية التكفيرية والإقصائية. ولئن كان الفيلسوف ينتقد ويعارض والغزالي قد كفر الفلاسفة وأصدر عليهم حكما دينيا وليس فلسفيا، فإنه بهذا يكون قد عبر عن انتمائه إلى العقل اللا -فلسفي. وفي تقديرنا أن الغزالي ليس فيلسوفا بالمعنى اليوناني المحض، ولا يمكن أن يكون كذلك أصلا. لأنه في بيئة ثقافية مغايرة جذريا بفضل المستجدات التي لم تكن كائنة. فإن كانت الحضارة الهلينية قد قامت على الفكر العقلاني الإنساني الغير موجه بكتاب مقدس، فإن الحضارة الإسلامية كانت حضارة نص وبالتالي يكون مجال الاجتهاد والتفكير هو التأويل فقط أو الاغتراف من النص التأسيسي وهو القرآن في حدود معلومة مسبقا ولا يمكن الخروج منها. وهذا ما يجعل الغزالي فيلسوفا ليس بالمقاييس اليونانية التي أصبحت المعيار الوحيد للتفلسف، بل هو فيلسوف بالمقاييس الخاضعة للوحي، أي المسيحية والإسلامية. فلا يمكن لنا أن نطلب من أي قديس مسيحي وليكن أوغسطين أو الإكويني أن يتفلسف خارج النص المسيحي المقدس، كما لا يمكن لنا أن نطلب من فقيه أو أصولي أو حتى متكلم أن يفكر خارج الحدود التي رسمها النص القرآني. وكل هذه الخصائص تجعل الفكر الوسيطي إجمالا والإسلامي على وجه التخصيص فكرا تأويليا بالدرجة الأولى. أي ذلك الفكر الذي يستمد مشروعية وجوده من النص وليس من الواقع المحض.

Page 8

بعد الفراغ من الفلسفة وإقراره فشلها في اجتياز امتحان العبور للعلم اليقين، تلفت الغزالي بوصفه معلما في المدرسة النظامية، وممثلا للمذهب الأشعري الذي هو في جوهره ليس إلا مذهبا لأهل السنة[27] وهذا يعني أنهم لم يستحدثوا - فيما يقولون - أي رأي ولم يبتكروا أي مذهب بالمعنى الصحيح. بل كانوا ملتزمين كل الالتزام بالأسلاف الذين وضعوا العقال - الرباط - لعقلهم وامتنعوا عن الحديث والكلام في أكثر الأمور بارتجال الرأي، بل بالعودة للنصوص وإعلاء شأنها في مقابل شأن العقل. قلنا تلفت إلى خصومه في المذهب وهم الباطنية أو مذهب التعليم (وإخوان الصفا نموذج منهم)، وإن كانوا فرقة كلامية فلها جانب عقائدي وآخر سياسي، وقام بتقويض مبدئهم في ضرورة وجود الإمام المعصوم، والذي يتعلم عليه الأتباع دون تفكير أو اجتهاد، قائلا: ((إنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم وفي التبجح في الظفر به، ولم يتعلموا منه شيئا أصلا، كالمتضمخ بالنجاسة، يتعب في طلب الماء حتى إذا وجده لم يستعمله، وبقي متضمخا بالخبائث... لا حاصل عند هؤلاء ولا طائل لكلامهم، فعلمهم ركيك مستغث، لا يقبله إلا العوام من الناس، ضعفاء العقول)).[28] وهنا نلمح الدور الإيديولوجي لفكر الغزالي باعتباره مدافعا على مبادئ عقيدة كلامية معينة، وبوصفه كذلك مكلفا بمهمة محددة عليه إتمام انجازها. مما جعل الكثير يطرح سؤال حدود حرية فكر الغزالي وقناعته بالمهمة التي أنجزها. فإذا كان الغزالي كأستاذ في المدرسة النظامية التي تمثل عقيدة كلامية وتيار سياسي معين وإيديولوجية اجتماعية معلومة، فهل حارب الباطنية أو مذهب التعلم عن قناعة معرفية أم أن السياسي قد طغى على الإبستمولوجي وأصبح الفكر في خدمة المصلحة؟ هنا كذلك تظهر أهم مسألة تم طرحها في سياق الفكر المعاصر وهي علاقة المثقف بالسلطة. أيعقل أن يكون فكر الغزالي هو الجانب المعرفي لمشروع سياسي؟ إن كان الأمر كذلك فإن حدود فكر الغزالي تكون في غاية المحدودية والضيق، ويكون مشروعه الفكري مجرد تبرير لممارسات أقل ما يقال عنها أنها ليس فكرية أو تنويرية، بل تبرير فكري لمشروع سياسي يتمثل في تدجين وانتخاب الرعية الواقعة تحت إمرة الناظم السياسي آنذاك. يكون مشروع الغزالي في هذه الحالة هو التنظير الفكري لمشروع غير فكري في أساسه.

إلى غاية هذا المستوى من منهج الغزالي نلاحظ مسألة مهمة جدا تساعدنا في تقرير مكانته الفلسفية، فهو قد رفض التقليد مطلقا، وهذه الخطوة ضرورية لكل عمل فكري يتسم بالجدية والإبداعية. ثم رفض علم الكلام كما مارسه المتكلمون، والفلسفة كما وصلت إليه كذلك. ونحن نعرف أن رفض الفلسفة هو عمل فلسفي أصيل. كل هذا يجعلنا نقر أن الغزالي بدحضه التدريجي لكل هذه المراتب والمنازل، قد قام بعملية مسح الموروث العقائدي والفكري والكلامي الذي كان موجودا إلى غاية عصره. وانطلق من عقل نـزيه أشبه بالعقل الفلسفي المحض. لأن الفلسفة وحسب التحديد الدقيق ما هي إلا: "اتجاه العقل اتجاها نـزيها إلى العالم الذي نحن فيه ونشاهده، لأجل معرفته والعلم به من غير أي غرض أو غاية مبطنة[29]، ولا لأي سعي مضمور" مثلما ألمحنا إلى ذلك سابقا. هكذا يمكن لنا أن نعتبر الحكمة الخالصة، هي العمل الدءوب لإيجاد درب المعرفة الآمنة، والعقل النظري أو المحض هو الذي يمتلك الميزة الفريدة التي لا تمتلكها بقية العقول التابعة والمسترسلة في التبعية دون دراية أو مراجعة.[30] يمكن القول أن عقل وفكر الغزالي كان محضا لأنه استطاع أن يعود على نفسه ويقيس قدراته وإمكانياته. وهذا التحديد الكانطي للعقل ينطبق لا محالة على الغزالي، لأنه لم يكن دوغمائيا منغلقا بأحكام متكلسة ومسبقة، بل قام بنقد مسبق لقدرات العقل الخاصة، ووضع حدودا لها. ونحن نعرف جيدا أن البحث في حدود العقل وما ينتجه العقل هو الذي دفع كانط ذاته إلى الصدارة الفلسفية. فهل كان الغزالي صاحب "عقل محض وخالص ونـزيه"؟ الحق أنه لا يجب أن نسترسل وننهي الحكم على خلوص فكر الغزالي من أي غرض لا - فلسفي. أيمكن أن تكون محضية عقل الغزالي مطلقة ودائمة أم أنها مؤقتة فقط؟ هل تجرد الغزالي من كل شيء ما عدا سعيه للعلم اليقين أو الحقيقة المطلقة؟ ألم يكن متمسكا بعقيدة مسبقة مضمورة ليظهرها في النهاية بعد الأعمال الدحضية بأنها العلم اليقين دون منازع؟

إن الإجابة عن هكذا أسئلة، لا يعني إلا شيئا واحدا فقط. وهو وضع الغزالي في مكانته الحقيقية سواء من الناحية المعرفية أو المنهجية. إذ نلاحظ الكثير من الدراسات المعاصرة تضع فلسفة الغزالي في الكفة الأولى وفلسفة ديكارت أو كانط أو حتى هيوم في الكفة الثانية ندا للند. في مسألة إنكار العلية ونظرية الإدراك والتعلم والتربية. والأكثر من ذلك نجد مقارنات بين فكر الغزالي وبعض مدارس علم النفس المعاصرة المتخصصة مثل علم نفس الصورة أو الجشتالت، في تحديد آليات الإدراك والخداع البصري...[31] لكن لا يجب أن نتناسى أن هذه المقارنة لا يمكن أن نجني منها الشيء الكثير، لأن الهواء الذي كان يتنفسه الغزالي في القرن الثاني عشر ميلادي (الخامس للهجرة) يختلف من حيث النوع والكيف عن المناخ الفكري لهؤلاء الفلاسفة أو العلماء في القرن التاسع عشر أو العشرون. وهذا ما يجعل نتيجة هذه المقارنة ضحلة جدا، فالغزالي كان في مناخ ديني صرف، وتفكيره الحر والنقدي التشككي، كان داخل حدود تبدو ضيقة ومحدودة جدا من منظور حداثي أو حديث، أو حتى من منظور علمي خالص.

وما يدعم هذه الفرضية هو النتيجة التي انتهى إليها الغزالي من منهجه الشكي، فلنستمع له ماذا يقول بعد أن توجه إلى طريق الصوفية وطالع كتب المحاسبـي والجنيد والبسطامي: ((فعلمت يقينا إنهم أرباب الأحوال... إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق... هذا العلم لا يحصل بأنواع العلوم التي يشتغل بها أكثر الناس. فلذلك لا يزيدهم ذلك العلم إلا جرأة على معصية الله تعالى، أما العلم الحقيقي، فيزيد صاحبه خشية وخوفا...))[32]

بهذا التحديد المختصر لمنهج الغزالي في بلوغ العلم اليقين، يمكن لنا أن نعرف جيدا التوجه العام لفلسفته، الذي هو التصوف السني. وبذلك يستقيم موقفه من العلوم العقلية سواء الفلسفة أو المنطق. لأن فصل مذهب الفيلسوف العام عن أجزاء نظرياته أمر غير ممكن. وهذا ما يمكن أن نؤكده حتى بالنسبة للمعلم الأول أرسطوطاليس. فإن ألح الأستاذ لوكاشيفتش على أن نظرية أرسطو المنطقية المعروضة في كتاب التحليلات الأولى تتسم بالطابع العلمي المحض، إذ لا يداخلها شيء من الفلسفة، أي فلسفة التصور الأفلاطونية التي تشكل كل هيكل الميتافيزيقا الغربية إلى غاية اليوم و"بأن عرض الأنالوطيقا الأولى هو عرض متجرد جدا، ويمكن أن يتابعه من يجهل أو من يرفض الأطروحات الأساسية للميتافيزيقا".[33] حيث نجده يقول: ((هناك رأي شائع يقول إن أرسطو قام ببناء نسقه المنطقي متأثرا بفلسفة أفلاطون، الذي اعتقد بأن موضوع المعرفة الحقة ينبغي أن يكون ثابتا وقابلا للتعريف الدقيق أي كليا لا جزئيا. ولكني لا أقبل هذا الرأي. فنص التحليلات الأولى، الكتاب المنطقي البحت يخلو تماما من كل صبغة فلسفية.))[34] قلنا إن ألح لوكاشيفتش على ذلك فإن أستاذا آخر يعارضه تمام المعارضة وهو روبير بلانشي الذي قرر بأن منطق أرسطو هو نتيجة من نتائج فلسفته، ومتكيف بصورة تامة مع مذهبه المنقول من أفلاطون، وهو مذهب الصورة والجوهر. وهذا ما أعلنه الكثير من الدارسين لمنطق أرسطو، إذ اعتبروه إلى الفلسفة والميتافيزيقا أقرب منه إلى العلم الدقيق الصارم الموضوعي والمحايد. ومن الغريب أن نجد لوكاشيفتش يعود في نهاية كتابه متنازلا عما ذكره في البداية ويعلن قائلا: ((كان أرسطو خاضعا لتأثير نظرية المعاني الأفلاطونية حين صاغ نظريته المنطقية في الحدود الكلية...))[35]

وإن كان الأمر كذلك، أي تبعية علم المنطق الأرسطي لفلسفة محددة سلفا، وعدم تميزه بالعلمية النـزيهة من كل مذهبية، فإن موقف الغزالي سوف يتحدد انطلاقا من هذا الاعتبار. وسوف يكون موقفه من المنطق الأرسطي تابعا لنسقه الفلسفي عامة. وهذا ما سنحاول الكشف عنه لاحقا.

Page 9

كتب الغزالي المنطقية

إن هذا العنوان الجزئي، لهو محاكاة لعنوان طالما تكرر في المؤلفات التي تبحث في منطق أرسطو، بحثا تنقيبيا وتحقيقيا، عن حقيقة منطق أرسطو والمؤلفات التي وصلتنا منه وما لم يصلنا أصلا. والمعلوم أن مؤلفات أرسطو هي موضوع جدل ومناقشة بين المحققين منذ القديم إلى الآن، هذا الجدل نابع من مشكلة الانتحال والتحريف والتغير التي تعرضت لها كتب المعلم الأول. فإن كان هناك من يتحدث عن تأليف أرسطو لنحو ألف كتاب. وقد عد ديوجين قرابة المائة والخمسين كتابا له دون الدساتير التي أعدها للمدن المختلفة.[36] فإن ما وصل إلينا اليوم من كتبه عدد متواضع جدا، وهو في حدود الخمسة والعشرين كتابا فقط، بعدما كان يذكر أندرونيكوس الرودسي أربعين كتابا. وهذا الاختلاف ربما يعود إلى المسيرة الطويلة، والأهوال الكثيرة التي مرت بها هذه التركة الفلسفية الثمينة. فالمعروف أن أرسطو قد أوصى بمكتبته الخاصة التي تضم ما اشتراه من الأكاديمية وما ألفه هو لخليفته وتلميذه ومساعده ثيوفراسطيس، ومنه انتقلت إلى نيلي (نيليوس) ومن بعد إلى أسكبسيس. وقد دفنت في باطن الأرض احترازا من ضياعها وسرقتها، خاصة وأن بعض الملوك آنذاك كانت لهم رغبة شديدة في الحصول على كتب الفلسفة، مثلما نلاحظ ذلك أيضا على البطالمة في الإسكندرية إثر إنشاء مكتبتها الكبيرة. وفي حدود القرن الأول قبل الميلاد، وصلت هذه الكتب للفيلسوف والنحوي الأثيني أبيلكون، فقام بنسخها من جديد وسد الفجوات التي سببتها الرطوبة للنسخ الأصلية، وهنا بدأت تتشكل الحواجز والحواجب على النصوص الأرسطية الحقيقية. وفي الأخير وصلت مؤلفات أرسطو المُرممة إلى روما على يد قواد الجيش الروماني، وقد ذكر شيشرون أنه قام بالاطلاع عليها وبنسخها وإضافة تعليقات.[37]

هذا عن كتب أرسطو عامة أما الكتب المخصصة للمنطق فقط، فقد جمعها التلميذ الحادي عشر لأرسطو وهو أندرونيكوس من رودس الذي عاش في القرن الأول للميلاد، عندما اعتمد معيار الموضوع في عملية تجميع وتصنيف كتب المعلم لذا كانت التسمية تصنيفية. ومحصلة ذلك كان مجموعة من الرسائل المشتركة في موضوع واحد وهو المنطق وهي: المقولات (قاطيغورياس)، كتاب العبارة (باري أرميناس)، التحليلات الأولى والثانية (الأنالوطيقي)، الجدليات (الطوبيقا)، وأخيرا نجد رسالة دحض الأغاليط (السوفسطيقا). لكن هناك من يضيف كتبا أخرى هي فن الشعر (البويطيقا) والخطابة (الريطوريقا) على اعتبار أن هذه الكتب تتناول موضوعات ذات صلة متينة بالبرهان والاستدلال. فنجد أرسطو يتحدث عن العلاقة الموجودة بين الجدل والخطابة والمتمثلة في معارضة الحجة بالحجة سواء دفاعا أو هجوما، هي من خصائص كلا العلمين، ولأن الخطابة من الناحية المنهجية تستند إلى الأدلة، فإن كل برهان خطابـي هو قياس مضمرL’enthymème ينتمي للقياسSyllogisme بصورة عامة.[38] كما أن البحث عن مكونات الخطابة، يقول أرسطو يوصلنا إلى أنها تنحل إلى قسمين الأول نظري تحليلي (الجدل) والآخر خلقي سياسي والمتمثل في السفسطة.

أما مطالعة كتاب "فن الشعر" فإنه يكشف عن تناول مسائل ذات علاقة بعلم المنطق ولو بصورة غير مباشرة وغير صريحة. وأول ملمح تقريبـي نلاحظه، هو أن أرسطو يقارب بين الشعر والفلسفة على أساس قيامهما على الأقوال الكلية، ففي هذا الشأن يقول: ((الشعر أقرب إلى الفلسفة وأسمى مرتبة من التاريخ، لأن الشعر أميل إلى قول الكليات، في حين أن التاريخ أميل إلى قول الجزئيات... فصناعة الشعر هي أكثر فلسفية وأكثر في باب ما هي حريصة من أنسطوريا (أي التاريخ) الأمور.))[39] وهذا التقارب بين الشعر والفلسفة يرافقه بالضرورة تقارب مع فرع معرفي آخر وهو المنطق أو العلم بالبرهان، الذي يقوم بدوره على الأمور الكلية الغير محدودة بحدود زمنية أو مكانية، ويلخص ابن رشد هذه الفكرة قائلا: ((ولا سبيل إلى حصول العلم بالبرهان عن الحس، وذلك أن الحس إنما يدرك الأشخاص المحدودة الوجود بالزمان والمكان. وأما العلم بالبرهان فإنما يكون على الأمر الكلي وبالأمر الكلي، والأمر الكلي هو في كل شخص وفي كل زمان... فأن الكلي إنما يدركه العقل... ويتبين من ذلك أن الكلي أشرف من الجزئي من أجل أنه السبب القريب في وقوع العلم لنا...))[40] ونفهم من هذه النصوص إذا قمنا بالجمع بينها؛ أن الشعر والفلسفة والمنطق كعلم برهاني هي معارف مجتمعة على مبدأ واحد وهو الكلية كشرط للمعرفة ومنطلق لها أيضا، لذا نجد أن العبارة القائلة "لا علم إلا بالكليات" Il n’est de science que de l’universel هي العبارة التي تستعمل للدلالة على الجوهر والمحور الذي يدور حوله كتاب الأورغانون الأرسطي.

Page 10

وإن كانت هذه المقاربة مقبولة من حيث المبدأ لاعتبار كتاب فن الشعر من الكتب المنطقية، فإننا نجد أرسطو في النصف الأخير منه، يحلل مسائل ذات علاقة بالمنطق والنحو أكثر مما هي مرتبطة بالشعر كفن من فنون المحاكاة. فالتراجيديا تتكون من عدة أجزاء وهي: القصة كجوهر ونواة لها، والأخلاق، ثم الجزء الثالث وهو الفكر والعبارة، وعند الحديث عن الفكر يقول أرسطو: ((فمحله المقالات الخاصة بالخطابة... وكل ما عبر عنه باللغة فهو من قبيل الفكر، وأجزاؤه هي: الإثبات، والمناقضة... والأجزاء الداخلة في العبارة بوجه عام هي: الحرف (وهو الصوت الذي لا ينقسم بأجزائه الصائتة ونصف الصائتة والصامتة)، والمقطع (الذي هو صوت غير دال وُركب من حرف صامت وحرف صائت)، والرباط (الذي هو حرف غير دال)، والاسم (كصوت مركب)، والفعل (باعتباره صوت مركب ودال يتضمن الزمان)، والكلام (أو الكلمة التي هي صوت دال أو لفظة دالة).[41] ونحن نعلم أن كل هذه التحليلات اللغوية والنحوية لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن المنطق، فالحد يقابله الاسم، والقضية تقابلها الكلمة والرابط يقابله الرابطة بين الحامل والمحمول في القضية... الخ.

لكن إدخال كتابـي "الخطابة" و"فن الشعر" في كتب أرسطو المنطقية أو الأورغانون، يسوقنا إلى إدخال كتب أخرى واعتبارها منطقية رغم أنها ليست كذلك من حيث الموضوع والهدف، ويظهر هذا جليا في الكتاب الأخير لأرسطو وهو "الميتافيزيقا". إذ يذكر في كتابه الرابع (livre Γ)مبدأ عدم التناقض الذي هو أساس المنطق الذي أسسه ردا على "ترهات" هيراقليطس المتناقضة على حد تعبيره. فالاستماع لحكيم آفازيا وهو يقول "خالدون فانون، فانون خالدون، نحيا في الموت ونموت في الحياة.." يجعل فكرنا مشوشا من الناحية المنطقية، ويجعلنا نعجز عن إقرار الحقائق الثابتة، لذا يجب التقيد بالمبدأ التالي: ((من المستحيل إثبات محمول واحد ونفيه عن نفس الموضوع في آن واحد، ومن نفس الجهة))[42]. ورغم أن أرسطو في هذا الكتاب يبرهن دون أي إمكانية لنقضه أن مبدأ عدم التناقض هو أساس كل علم برهاني منطقي، إلا أن هذا الكتاب لا يمكن تصنيفه إلى ميدان علم المنطق، بل إلى موضوع الفلسفة الأولى التي تتناول أعلى المسائل الفلسفية وأشرفها على الإطلاق.

كل هذا يجعلنا نحصر كتب أرسطو المنطقية في الكتب المتعارف عليها وهي على الترتيب السابق الذكر، أي المقولات les catégories المخصص للطرق التي بمقتضاها يمكن وضع محمولات على الجوهر، وهي الأشياء التي أسماؤها مشتركة، والتي تتمثل في الجوهر والكم والإضافة والكيفية... ومختلف اللواحق والأعراض. وكتاب العبارة Hermeneia؛ فيه ذكر الاسم والكلمة والقول، ثم أنواع القضايا المركبة والبسيطة. والكم والكيف في هذه القضايا، إضافة للقضايا الموجهة ومختلف العلاقات الموجودة بينها من تقابل وتلازم وتضاد، والقضايا التي تكون محمولة على احتمالات مستقبلية.[43] والرسالة الثالثة هي التحليلات les premières et les seconds analytiques مقسمة إلى جزأين؛ الأولى التي تسمى القياس، وفيها يعرض أرسطو مقالتين حول القياس ومبادئه المحددة في عبارة "المقول على الكل والمقول على لا واحد" وعكس القضايا سواء المطلقة أو الموجهة وأشكال القياس الثلاثة وكيفية الرد إلى الشكل الأكمل وهو الشكل الأول. وبعد ذلك ينتقل للأقيسة الشرطية والغير مباشرة. وتحدث في الأخير عن البرهان الاستقرائي، وبصورة جامعة يمكن القول أن الأنالوطيقي الأولى مخصصة لدراسة القياس من الناحية الصورية، وهو جوهر المنطق الأرسطي بكافة على اعتبار أنه يهتم بالبنية والصورة اللازمة للبرهان فقط. أما الجزء الثاني من التحليلات المسمى بالبرهان، فقد كان مخصصا بقسميه للعلم والبرهان من خلال ضبط مبادئ وشروط البرهنة المختلفة، ومكانة الحد الأوسط في عملية البرهنة، من خلال تقديم أمثلة واقعية وجزئية ذات حدود محددة أو مسماة. ويمكن اعتبار هذا الجزء أنه يمثل الجانب التطبيقي للمبادئ الصورية المعروضة في التحليلات الأولى، فهو تطبيق لأمثلة متعينة الحدود على القوانين المنطقية الشكلية، وكأنه تمرين تجريبـي على مبادئ نظرية.

والكتاب الرابع من الأورغانون هو الجدليات topiques أوالطوبيقا، وهو كتاب يقع في ثمانية أجزاء مخصص أساسا للقياس القائم على مقدمات احتمالية، والتي تسمى بالأقيسة الشبيه بالحق ولكنها ليس حقا، بمعنى أنها تقبل الصواب مثلما تحتمل الخطأ. وهذا هو الفرق أصلا بين الأقيسة البرهانية والأقيسة الجدلية، فإن كانت الأولى مؤسسة على مقدمات يقينية لا شك فيها فإنها تنتج نتائج تتسم بنفس اليقين وهذا ما يجعل القياس شبيه بالبرهان الرياضي على اعتبار أنه اليقين الذي ينتج يقينا، فإن الثانية مؤلفة من مقدمات لا يمكن التحقق يقينيا منها وهذا ما يجعل الاحتمال هو خاصية نتائجه.[44] وعلى أساس هذا قسم ابن رشد الدلائل إلى خطابية وجدلية وبرهانية، وهذه الأخيرة هي أعلى مراتب البرهان نظرا لأنه مصدر اليقين في الاستدلال.