Page 1
هذه إذاً السيدةُ الصغيرة التي أشعلت الحربَ الكبيرة؟!(1)
··· وهكذا هي الأيام، نتداولها· تمر بنا وعلينا مرَّ السحاب في السماء· توجِهُها ريحٌ لا ترى·
وهكذا هي الأحداث، تطأُ جسدَ التاريخ؛ وتنثني·· منها ما تجري جريانَ ماءٍ على حصى، ومنها ما تنحت وجودَها ندباً أو حفراً لا قدرة لأظافر الزمن مهما جهدت على محوها·
تموت أمم وتولد أمم· تتعاقب فصول، وتنصرف حقب·
لكنَّ الأرض تبقى أمّاً وذاكرة·· أمّ تفرح لانبثاقِ الزرع وتحزن للذواء، وذاكرة تفرد الذراعين لمن يرهف سمعه، ويفتح عينيه، ويوارب أبوابَ لهفته لما تريد أن تقول·
لا تصدق منوبية لحظة رمت رأسَها المثقل بأحمال القلق والهم والحيرة على الوسادة في صمت الليل الأدهم ما حصل ويحصل· كانت صرفت أعواماً دنت من الخمسين بين حياة يومية مثابرة في ريف يجاور مدينة صغيرة، وحياة زوجية مع رجل اقترنت به يسكن مدينة تحسبها من عداد الفوز ونيل الحظ الضاحك· ذلك أن بوناً واضحاً بين حياة ريف فيه الكدُّ يبدأ من طلوع الشمس حتى مغيبها، ومدينة لها زمن محدد للعمل وجغرافية تفتح قلبها للتحضّر وتنهل من منهل ما تجود به دولُ الشمال·· دول ما بعد البحر·
منوبية لا تصدق أنها أنجبت أولاداً من زوج أطلعتها الأيام على فقره وقلة حيلته في العيش· لكنها كانت راضية تمنّي النفسَ بأيامٍ آتية من عالم الغيب لا بدَّ أن تتغير؛ لذلك ترفع رأسها شاكرةً ربّ السماء على كل ما كانت تحصل عليه· فالله عندها واسع الرحمة لا يترك عبده يتيه في براري الحيرة· وكثيراً ما رددت ما كان أبوها يردده: لئن شكرتم لأزيدنكم.
مرت الأيام، وشبَّ الأولاد، ومات الأب/ الزوج· وشكرت·· واستمرت تشكر، لكن الزيادة لم تحصل· استمرت مؤمنة تعزو عدم الحصول لاختبار صبرها، مرددةً ما كان أبوها يردده: المؤمن مبتلى·
لا تصدق منوبية أنّ بيتها المهمل، وأولادها الذين لم ينالوا غير قسوة الحياة والتهميش، يُطرَق بابه كل لحظة هذه الأيام· صحفيون ومصورون ومراسلو وكالة أنباء محلية وعربية وأجنبية، يحتشدون في الساحة المواجهة للبيت· يستظلون بشجرة الزيتون التي تصنع ظلاً على الرصيف جوار سياج البيت، من أجل لقطة أو كلمة تفوه بها إليهم ليكون سبقاً صحفياً وإعلامياً· تبصر الكاميرات المثبتة على أرجل ثلاثية تلتقط واجهة البيت، وتروح كاميرات الفيديو تصور له ببطء فيلماً من زوايا مختلفة·· لا تصدق أن (بان كي مون) باسم أمم الأرض يزورها في بيتها، فينحني أمامها، ويطبع قبلة إجلال على ظاهر كفّها كأمٍّ أنجبت مَن مزّق أوراق الزمن الرتيب، وصنع آخر يعبق بأنفاس صدور هتفت بالكرامة والثورة ورسمت لافتة الحرية من نجيع الدماء الفوّارة·
ما إن تُفتح الباب حتى يهبّ الجميع بحشدٍ متأهب لمن سيظهر أمامهم·· يوجّهون العيون الزجاجية بفضولٍ نهمٍ أو يفتحون لاقطات التسجيل، وبعض يعتمد الكتابة في قصاصات أو كرّاسات أعدّوها مسبقاً، فيما آخرون يستلّون أجهزةَ الهواتف النقّالة من حافظاتها المشدودة إلى أحزمة بناطيلهم ليصوّروا، ويسجّلوا·
Page 2
وفكّرت منوبية: لقد مرَّ أكثر من شهر وهي في دوّامة الحدث·
ترشقها الفلاشات بوميض يستفز عينيها الحسيرتين، وتداهمها اندفاعات الأجساد لالتقاط ما تفوه به خبراً أو إجابة عن سؤال· فتلكم اللحظة وذلكم المشهد قد لا يجريان مجدداً· هي الأميّة التي لم تمر أصابع النور على أيام حياتها لتتعلم في فصل، وأمام سبورة·
البلاد تمور!·· والعالم في استفهامات تترى: كيف حدث هذا الهول والتغيير بهدير لم يخطر على بال أحد من بيت كان قبل زمن يسير لا ترتفع إليه عين، ولا يستدير له رأس؛ وفي مدينة تشكّل نقطة تائهة على خارطة منسية؟!
لقد أقسمت أنْ لا توجه نظرها لشاشة التلفاز، ولا تستمع لمذياع؛ فهما لا يبثان غير فجيعتها ومأساتها، تجسده قسوة القدر الذي سرق فلذة من فلذات كبدها·
في صخب الأسئلة، ونزف الذاكرة، وتواليات الأسى المهول تسيل دمعتان صامتتان على خديها الضامرين يمتصهما قطن الوسادة··
بعدها تطبق الأجفان·· وتنام·
تنام منوبية··· لكن سيدي بوزيد المدينة تبقى· لا يأتيها النوم قطعاً· تظل مستيقظة، تجتر الأحداث وتتابع التفاصيل· فقد استحالت منذ أسابيع مزاراً تهفو إليها عيون الفضول عابرة البحار والمحيطات ومجتازة الصحارى والبراري· تجري المحاولات لفك شفرة انبثاقها بحيث تغدو محط اهتمام العالم بأسره·· صارت شوارعها مبعث اهتمام ومسعى بحث: عن آثار أقدام ذاك الذي زلزل الأرض بتضحيته، عن أنفاس ما زالت عالقة في ذرات الهواء أو متكئة على جدران البيوت وأوراق الشجر تشكو ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، عن همس سبق فعل الهول، أو رافق شجاعة القرار في وضع حدٍّ للصبر والتحمل والإذلال الذي لا يمكن لِحرٍّ تحمّله·
نامت منوبية، لكن سيدي بوزيد لم تنم قطعاً· استمرت مستيقظة على متوالية أمطار متقطعة يأتي بها البحر من بعيد لتغسل حشود الآهات والآلام وتوالي الصرخات، تتعالى في الفضاء كما لو كانت تمتص حرارة القلوب والمد غير المحدود من الاحتجاج والرفض، ووضع حدٍّ للتعسف، والجور، والمرارة·
Page 3
(1)
يوم متوسطي ممطر
منذ عصر أمس حتى اقتراب ظهيرة هذا اليوم المجنون من أيام ديسمبر من عام 2010 كان المطر يهطل بلا انقطاع، وشوارع سيدي بوزيد وأبنيتها البيضاء تستحم بالماء المدرار وسط قلة مركبات لم تعهدها هذه المدينة في مثل هذا الوقت من أيامها الجارية، حيث الشمس تسكب نورها الدفيء وتقول للمتسوقين والباعة على السواء خذوا من حناني المتسلل إلى قلوبكم، وتدفأوا في هذا الشهر البارد الذي تهرب من زمهريره بلدان ما وراء البحر المتوسط وشعوبها، أولئك الذين يُطلق عليهم شعوب شمال أوربا·· يأتون كالطيور المهاجرة الباحثة عن دفء يهبهم رغبة البقاء في عيش رخي يخلو من المفاجآت، فيجدون ما يفرد ذراعيه ترحاباً، ويقول: هلموا، انهلوا من خيرات الله في بلد الله·
الآن والساعة تتجاوز الحادية عشرة توقف المطر، وهيمنة قبضة الغيوم تفككت· تسللت حزم ضوئية باهرة لشمس افتقدها الجميع طوال فترة الصباح·· في هذا الوقت انطلق الباعة ممتلئين بالحبور، ومفعمين بأمنية بيع وفير، لاسيما وحركة المارة شرعت تزداد والمتسوقون يدخلون سوق الخضار· تجول عيونهم على المعروضات من الفواكه والخضر·
صباح هذا اليوم كان استيقظ على نداء أمه في ضرورة النهوض والتحرك بعربته صوب ميدان الجمهورية· نهض متململا· يدمدم كأنه يصرخ في وجه العالم والدنيا التي سحبته من رحم الأم الدافىء: (إنهم يحاربوننا في رزقنا فكيف يروق لنا العمل؟)، ويتمتم كما لو كان في وجبة عتاب مع الخالق: (لماذا ولدنا في وطنٍ كهذا لا مكان لنا فيه، ولا مخرج من هذه البلوى!)· يفوه بملحمة الألم يومياً على مسمع أمه· والأم اعتادت على تلقي تلك التراجيديا المتكررة بقلب يقطر جزعاً، وفم يمتلىء مرارةً·· فضل البقاء في فراشه رافضاً الخروج ومواجهة المعاناة من جديد·
صوت المطر يُحدِث في رأسه طرقات هائجة آتية جراء قطراته الضاربة بقوة على زجاج نافذة غرفته، التي تشكل واحدة من ثلاث غرف وصالة بمثابة بيت يضم عائلة بعديد الأفراد· الصوت يستحيل نقراً يتضخم فيبدو كما لو كان دوي انفجارات، يحاول تفاديه بتكوير رأسه ودفعه إلى بطنه، متخذا شكل جنين في رحم، مستعيناً بالبطانية التي تبث رائحة جسدٍ استعان بها ساعات طويلة· يحاول سرقة دقائق كرى فلا يقدر، ويتضرع للسماء أن توقف حربها عليه فلم تستجب·· لكن صوت نداء الأم وطلبها منه أن ينهض دفعه إلى رمي الغطاء عنه، وتمتمته بكلمات فيها تذمر فهمتها الأم وإن لم تسمعها بوضوح· توجه صوب المغسلة، تناول قطعة صابون صغيرة، مد كفيه تحت صنبور الماء·· وفي المرآة طالع الصفرة المتسيدة وجهه، والجزع الطافح من عينيه مثلما تابع تيبس شفتيه وتقشر وجنتيه·
في طريقه وهو يدفع العربة مر من أمام مقهى (الخيام)، لم يكن ثمة جلاس باستثناء قادري يتخذ المنضدة المحاذية للزجاجة الأمامية للمقهى، ومنضدة يتحلَّق حولها ثلاثة عمال يعانون البطالة وينتظرون من إبراهيم صاحب المقهى تكليف أحدهم بنقل صناديق المشروبات الغازية حين تأتي عربة توزيعها مقابل أجرة تعادل أجرة جلوسهم وتناول أقداح القهوة التي يبغون·
رفع يده تحية لقادري، راسماً ابتسامة مقصودة فهمها الذي في الداخل على أنها رسالة سريعة كتلك التي يبعثها هو في تحاوره مع الآخرين عبر شبكة الانترنيت من الـ(لاب توب) الذي يصاحبه ويحمله أنّى ذهب·· صاح قادري، يناديه: تفضل يا محمد·· لكن محمد لم يتوقف· فقط لوَّح بيده شاكراً، واصطاد من عينيه بوحاً يقول: سيقتلك حب عائشة قبل أن تظفر بها، يا قادري (·· إنه ينتظرها كل صباح متجهة إلى مكان عملها في ورشة صناعة الفخار: أوان متنوعة الأحجام والمتطلبات، ومزهريات مختلفة يحكم صناعتها الذوق والفن، ونافورات تتشكل من بين الأنامل الرقيقة لفتيات خمس كانت عائشة المتخرجة من معهد صفاقس للفنون الجميلة إحداهن، وثلاث نساء يرأسهن سي عزيز القادم من الأكاديمية الايطالية يحمل شهادة الماجستير في فن النحت، الذي افتتح الورشة هنا قبل خمسة أعوام لتوفر المادة الخام من الطين المناسب لخلق الأشياء التي تدخل في الحياة المنزلية للناس)· صباح كل يوم تمر عائشة من أمام المقهى فيبصرها قادري· يمتصَّها بالنظرات، ويخاطبها بالحسرات· يتأمل القوام الناهض، ويحاور البشرة المليحة· يبعث برسالة أثيرية تترجمها: >متى يحنُّ القلب فتطاوعينه، وترسمين ابتسامةً، فكلاماً، فموعداً، فلقاء؟ ·
Page 4
لم تكن عائشة تعرف بجلوس قادري من أجلها، ولم تكن أصلا تنظر إلى قلب المقهى لتكتشف أن هناك شاباً تخرج منذ أربعة أعوام من كلية الآداب، جامعة تونس حاملا الليسانس في الفلسفة ينتظرها كل يوم من فوق مصطبة البطالة· وحين مرت إحدى الصباحات قبل ستة أشهر من أمام المقهى، لمحت شاباً يخرج مندفعاً لينتصب على الرصيف ويوجه نظراته النهمة صوبها· يومها واجهته بتقطيبة الحاجبين وزم الشفتين دلالة النفور وضرورة أنْ لا يبدر من شاب يبدو عليه متعلماً هكذا تصرفٍ حسبته أخرق·
وهو يدفع عربته رمق محمد شاشة تلفاز المقهى يحتلها شخص مهندم، ذو صلعة لامعة فتذكر أنه شاهد هذا الرجل من قناة الجزيرة، مساء أمس، عبر برنامج (الاتجاه المعاكس) المثير، والمبني على الجدل· كان فيصل القاسم يبتسم للمتحاور الأصلع وهو يردد: >هذه ليست شعوب عربية، هذه قطعان من الدجاج أو أكوام من الخراف·<·· يهز القاسم رأسه تأييداً كما لو كان يهتف في أعماقه: أحسنت، زد مما تقول·· هكذا ينبغي إيقاظ النائمين من الأجيال أو السادرين في الصمت القاتل· كان محمد بالأمس وهو يجلس متكئاً على أريكة وحيدة في غرفته المتواضعة بأثاثها ولون جدرانها الحائل، يتوافق واهتزازات رأس القاسم، يحتقن مع احتقان رقبة المحاور فيما الذي يواجهه في الحوار رجل خمسيني، بوجهٍ ممتلئ وجسد سمين يجلس مسترخياً· يرسم ابتسامة فسَّرها محمد على أنها رسالة سخرية تجاه محاور لا يمتلك غير حنجرة يصرخ بها، وفعل لا يتعدى أمتاراً من الكلام الغائر في اللاجدوى· كان محمد امتلأ غيظاً وهو يشاهد المحاور السمين يتحدث ببرود وبلا أدنى حماسة، مدافعاً عن أنظمة يقول عنها إنها تكافح من أجل استمرار حياة الأجيال·
دفع عربته تاركاً وراءه المقهى وماراً جوار مطعم يبيع أكلات سريعة· معظم رواد المطعم من الشباب العاطلين عن العمل، أولئك الذين، عاماً بعد عام، يتكاثرون كما الفطر، يتململون كالذين تصعد قلوبهم إلى الحناجر، دون أن تتكحل عيونهم بمرأى المرتب الشهري الذي يعينهم على تمشية الحياة وتكوين أسر يراد لها أن تتواصل في مسار الإنسانية من أجل أن تبني وتعمّر؛ لذا تراهم تجاوزوا الخامسة والثلاثين، وبعضهم أدرك الأربعين ولم تمر على رؤوس رغباتهم أنامل الزواج، فظلوا هائمين في براري الضياع· لا همسة تُنغِمَها في مسامعهم زوجة حنون، ولا جلسة عاطفة مؤثرة يجلسونها مع حبيبات يكحلن عيونهم ببريق يشع بالبهاء جراء بحبوحة يعيشونها في عمل مستمر وميزانية مالية ترسم لهم مستقبلاً آمناً·· فقط ظلوا يتجهون إلى المواخير لتكون أحضان المومسات مخادع دفء لامتصاص آهاتهم، وتبديد شيء من ضياعهم المتناسل·
مرَّ من أمام مكتبة تبيع الكتب العربية والفرنسية مع القرطاسية· أبصر المعرض المزجج مموَّهاً برطوبة الهواء الندي، ما جعل صورة جاك ديريدا، التي تمثل كتاباً عنوانه (صورة ديريدا) لمؤلفيه جايتريا سبيفاك وكريستوفر لوريس غير واضحة· العينان المتأملتان ضاعتا، فيما اليد اليسرى التي تمسك فكّه بدت كلطخة صفراء تغطي ذقنه· كان قادري قد قرأ هذا الكتاب أكثر من مرة عندما استعاره من صديق كان محباً ومتأثراً بديريدا في تفكيكه لأفكار فلاسفة ومفكرين: هيجل وهوسرل وهيدجر ونيتشه وقبلهم سقراط وأفلاطون، وكان محمد يستمع لقادري يحكي له عن هؤلاء الأفذاذ وما عملوه لخدمة البشرية· كذلك ضاعت عليه صورة رولان بارت في كتابه (إعداد الرواية) تذكر أن قادري رغب كثيراً في قراءة هذا الكتاب، وكثيراً ما وقف وإياه برجاء منه أمام المعرض المزجج وقرأ عنوانه باللغة الإنكليزية (The Preparation of the Novel)، لكن سعره الباهظ كان يغتال فيه رغبة الشراء· لذلك قرر محمد حالما يتوفر لديه المال أن يشتريه ويهديه لصديق طفولته·
واصل سيره، متخيلاً عظم فرح قادري حينما يهدي إليه إياه·· سيقول له خذ واقرأ· اقرأ واشرح لي فحواه في ما بعد عندما تمزقت صورة بارت، وقلبه خفق برجة رعب كما عصفور تلقّى ضربة من خفقة جناح نسر انقض عليه بغتةً·
بغتةً انعطف في زنقة ضيقة عندما لمح سيارة ضبط المخالفات تتخذ الشارع الذي يسلكه· لابد أن الشرطية شادية كانت في دورية تفتيش في سوق الخضار، ولا بد أنها حضرت لضبط بعض الباعة الذين ليست لديهم إجازة بيع، وهو منهم·
كانت انعطافته شديدة ولَّدها رعبُ احتمال اكتشاف الشرطية له، فكادت معروضات عربته من طماطم وباذنجان وجزر وجرجير وكراث ومانجا وعنب وبرتقال وتين شوكي، أن تتناثر في الدرب المترب للزنقة الضيقة، وكاد هو يفقد قلبه الذي سقط في بئر الهلع· لذلك تعالت نظراتـــه تبعـــث شكرها للسماء عندما مرت السيارة ولم تلمحه الدورية يستدير فراراً، ولم يُدر واحد من رجالاتها وجهه صوب عمق الزنقــة·
Page 5
مرةً، فوجىء هو واقرأنه من بائعي الخضر بمداهمة أفراد ضبط المخالفات يدخلون سوق الخضار من مداخله الثلاثة بطريقة كبس منظمة، كأنها أعدت مسبقاً وراح أفرادها بأمر من الشرطية يطالبون الباعة بإبراز إجازات عملهم· أدرك محمد أنه الوحيد الذي لا يحمل إجازة ترخيص بيع خضار، وأن المداهمة خصصت للإطاحة به وقصد منها إحراجه ومعاقبته· توقف إزاءه >صابر<· شرطي ذو قامة متعالية وكتفين عريضتين، هو الذراع اليمنى للشرطية شادية، مطالباً إياه بإبراز رخصة البيع·· حاول محمد توضيح أنَّ لديه معاملة ترخيص مُقدَّمة لدائرة البلديـــة وأنه بصدد إكمال الإجراءات، وأن الأيام القليلة القادمة ستضع بيده الإجازة فيكون بمقدوره تقديمها في أية لحظة تُطلب منــه·
التفت الشرطي صابر منتظراً رأياً تفوه به رئيسة الدورية مع علمه أنها لن تقبل (لن تقبل!·· قال محمد في سره·· إنها تتقصد إذلالي·· وما مجيؤها إلى هنا إلا لتحقيري ومعاقبتي· أربعة أعوام وأنا أتقدم بطلب الحصول على إجازة فترفض البلدية منحها لي·· لكأنها الجبروت الذي لا يقدر أحد على مواجهته، لكأنني المنبوذ الذي تنفره أصابع الرحمة)·
انعطافته المفاجئة وضعته عند مقهى (جندوبي) المتَّخذ جدار معمل خياطة قمصان مكانا لرزقه· كراسي تستند إلى الجدار مع طربيزات مصنوعة من قضبان حديد مستدقة لُحمت فوقها صينية دائرية توضع فوقها أقداح القهوة والكابتشينو والمكياطا والشاي الأخضر، يعدها جندوبي من كشك تفوح منه رائحة القهوة الفائحة والحليب الفاغم·
- متى تنتهي هذه الملحمة يا محمد؟·· تلقاه جندوبي بنظرة أسى، فلطالما أبصر بائعي العربات يفرون كما لو كانوا سرّاقاً، يبحثون عن ملاذٍ يتخفون فيه من دورية البلدية·
- عندما تمزقون ثياب الخوف وتطلقون أصوات شجاعتكم!·· ردَّ، شاحباً، لاهثاً؛ ماطراً من عينيه شيئاً ما كالاحتجاج أو العتب أو اللوم، ونظراته تتجه إلى لطفي الجزيري الدافن وجهه في صحيفة (الصباح)، منشغلاً بقراءة خبر فشل محاولة التقريب بين محمود عباس وإسماعيل هنية، قطبي منظمة التحرير الفلسطينية ومنظمة حماس·
الكلام فاجأ الجزيري فجعله يسحب عينيه من الأسطر ويركن الجريدة، ثم يروح يحدق في الوجه الشاحب والعينين المحتجتين· كان الرعب من الشرطية شادية لمّا تزل تفشيه ملامح الوجه وتعلنه مهيمناً·
أطلق جندوبي حسرةً كأنه يعلن تأييده لكلام الشاب المحتج·· لكنه تدارك الأمر خشية إحراج الجزيري، زبونه الشاعر، الذي يفضل الانزواء في مقهى متواضع على مقاهٍ تتباهى بالصخب، واللغط الذي ترشقه الفضائيات المتهافتة على بث الأخبار في مسامع المشاهدين، فهتف:
- خفف من غضبك، يا رجل· هؤلاء راضعين مع الشياطين، من يقدر على تحديهم؟!
ألجم الصمت محمد وجعله يدفع العربة إلى أمام لئلا يتسبب في غلق الزقاق· أحسن إيقافها جوار كشك إعداد طلبات الزبائن· واستدار ليجلس جوار الجزيري، مُبدياً اعتذاراً، وطالباً قدح كابتشينو ساخناً·
بحميمية وتعاطف طالعه الجزيري، مُقدراً غضباً وتذمراً جاءا رذاذاً من فم جَهِد بإطلاق زفرات طويلة أحدثها تعب دفع العربة· سحنة محمد ترسي الرجل الشاعر عند يقين أنه ابن مدينة سيدي بوزيد بحق· فأبناء هذه المدينة العذراء، الصافية، والنقية يتباهون بقامات طويلة ووجوه دائرية وسمرة مليحة·· غربة الجزيري عن سيدي بوزيد في تونس العاصمة لخمسة عشر عاماً شوشت لديه صور الجيل الشاب الذي كبر بغيابه، فبات يعرف بعضهم من تقريب ملامحهم لملامح آبائهم وإخوانهم الذين يكبرونهم فيما تضيع عليه معرفة بعض الوجوه·· ولأن محمد من البعض الثاني غابت معرفة الجزيري له· الجزيري استدرك في سره:
- هذا الشاب شاهدته مراراً، ولكن أين؟!
Page 6
ذاكرته سريعاً أطلعته على مكتبة بيع الصحف وقراء اعتادوا المجيء للمطالعة، عندما كان يجمع ما يبغي من معلومات لكتابة رواية تحقق ذاته، بجعلها تجربة يسعى لأن تصنع نجاحاً في حقل السرد مثلما صنعه في ميدان الشعر· سريعاً قالت له الذاكرة أن هذا الشاب كان من مطالعي عناوين الصحف اليومية والمجلات الدورية حيث اعتاد ممن ليس لديه مال يشتري به متابعة العناوين، وممن أكلت البطالة أيامه المجيء للقراءة المجانية بتقليب الصفحات سريعاً قبل ان يمتعض صاحب المكتبة ويطالبه بالشراء·(لا بد أنه يعرفني من رؤيته لي هناك! أو أنه كان يشاهد صوري في الصحف والمجلات الوطنية، وإلا ما كان رده بهذه الشجاعة والحدّة·· هذا كلام لا يطلقه أحد في زمن بن علي· زمن الاختطاف السري والضياع الأبدي لمن يعلنون رأياً مضاداً وقولا لا يعجب السلطات)·
حدق في وجه الشاب المُمتقِع فأنتج حناناً، وأظهر تعاطفاً· تحاور مع ذاته مستفهما بما يشبه تأكيد رأيه: ألم تصرف خديجة بن عثمان شهراً كاملاً موقوفة على ذمة التحقيق لإعلانها - في محاضرة عن المسكوت عنه في الأدب النسوي - أن المرأة التونسية تقف في الدرجة العاشرة من نساء المجتمعات الفرنكوفونية، وأن عليها أن تكد وتشقى من أجل نيل حقوقٍ لا يجب أن توهب لها هبة بكثير من المنّة، مع أن كلامها مدعوم بشواهد وأدلة طرحتها بأسلوب أكاديمي بحثي ناضج؟·· ذلك التوقيف أضاع عليه إحدى فرص الاقتران بها وجعلها تخرج مأزومة، محزونة، متوترة؟ ما لبثت أن غادرت الوطن شمالاً باتجاه فرنسا·· هناك··· ذلك الهناك فتح أمامه باب الحوار معها برسائل إلكترونية متبادلة، من أجل إدامة الصلة، فقد عاشا زملاء إبان دراستهما الجامعية في جامعة الزيتونة· صرفا أربعة أعوام من الزمالة يلتقيان في نادي كلية الآداب مع أقران لهما من الأقسام الإنسانية؛ كان زكي وعبد الله وصدّيق من قسم التاريخ يشكلون ثلاثياً لهم حكاياتهم وأسرارهم الخاصة، ولا يكادون يفترقون· وكان منهم وداد وصديقتها حميدة، اللتان تدرسان في قسم الجغرافية، وتتندران حين السؤال عن تأخرهما أو اختفائهما أنهما عَلِقتا في مضيق ماجلان أو أسرهما كولمبس وساقهما عبر رحلته الاستكشافية مع بواخره إلى أمريكا· معهما أيضاً أيسر ورجاء ورغد، الطالبات في قسم اللغة الإنكليزية، المتبجحات في مرافقة شكسبير، ومناكفة عطيل أو مستفزات هاملت·· ذلك النادي الوسيع الذي تضج قاعته بحركة الملاعق وهي تضرب الصحون في وجبات الغداء والطلبة من الجنسين، يحملون الصواني ويقفون في طابور فيختارون مأكولات متنوعة يعرضها الطهاة في قدور وصحون كبيرة: كسكسي، ومكرونة، ورز، وأنواع الطبيخ، والسَلَطات المختلفة·
ارتشف محمد سائل الكابتشينو الساخن فانسحبت المرارة من فمه·· حزن الجزيري لرؤيته يتيه في شرود طويل وهو ينزل القدح من شفتيه، تاركاً البخار يتبدد في هيمنة الهواء البارد السائح في فضاء الزقاق· شاهد بعين الكاتب السارد في مشهد شرود الشاب العامل تعاقب أجيال من العاطلين· طوابير يراهم يفترشون الأرصفة أو يتكئون على الجدران، هناك في العاصمة تونس؛ أولئك الذين قدموا بنفوس ملأى بالأمل ومضمخة بعبير تحقيق المآل· نفوس دخلت ميدان الشباب هاتفة بشموس التطلعات أن تأتيها· فالوطن يريد طاقات البناء عامرة بالقوة والحزم والكبرياء، لكن هذه النفوس سرعان ما تتعثر وتترنّح ثم تسقط في هوة خيبة الأمل وبطالة صقيعية لا ترحم·
- انهض·· لبّي الطلب!·· جاءه صوت جندوبي يحثه على النهوض·
ثمة امرأة خرجت للتو من بيتها وجدت بمعروضات العربة خير ملبٍّ لما تحتاج من خضروات بدلا من قطع شوارع واجتياز تقاطعات·
المرأة سمعت جارةً لها تُطل من شرفة شقتها في الطابق الثاني من بناية بثلاثة طوابق تسألها عن الأسعار، فردت أنها لا تزيد عما يباع في سوق الخضار· هيا انزلي ووفري الوقت والجهد!·· وأومأت لأخرى أطلت من شرفة شقتها في الطابق الثالث·
نزول ونزول·· حركة وحركة·· ومحمد منهمك بتلبية حاجات اللاتي خرجن إليه من بيوتهن وتوافدن على إيقاع رغبة حضوره إلى الزقاق في قادمات الأيام·
Page 7
مرَّ الوقت وانصرف·· تناقص المعروض وخف وزن العربة·· ولم ينتبه محمد متى نهض الجزيري وغادر المكان، ولا إلى زبائن جدد جلسوا وارتشفوا ثم غادروا·
الذي انتبه إليه هو أن النهار جاوز الانتصاف، وعربته فرغت من البضاعة، وارتياح كالدفء في ساعة زمهرير شرع يتسلل إلى دواخله فيمنحه السرور؛ ويأخذه الطريق مبتهجاً عائداً صوب البيت··· إذاً في المساء سيلتقي قادري، وسيعلمه بنهار عمل وهبه الله له دون مشقة· سيعلمه أنه يحتفظ له بهدية سيبتاعها ويقدمها له شرط أن يطلعه على فحواها· سيسحب دخان الأرجيلة بتبغها المعسَّل بارتياح؛ لأن تكلفتها مدفوعة من عرق جبينه لا من كفِّ أمه المسكينة التي تحسب لخروج القرش من جيبها ألف حساب، متسبباً في تخلخل ميزانية عليلة، منهكة·
استقبلته الأم بوجه يعرض انشراحاً لحظة واربت الباب وأبصرت ولدها يبعث رسالة استقرار تشي بها قسماته· لم تسأله عن عودته إلا عندما تحركت إلى نافذة المطبخ وأطلت بنظراتها فتهللت بخلو العربة من البضاعة·· حدثها كيف خاف وارتعب عندما شاهد من بعيد سيارة ضبط المخالفات، وكيف انحرف إلى زقاق فرعي فتح عليه باب الرزق·
في مقهى (الخيام) التي تتناثر كراسيها ومناضدها على الرصيف العريض لشارع الجمهورية، الذي يقسم مدينة سيدي بوزيد إلى قسمين متساويين من الأحياء، التقى قادري بمسحة سرور أفشى بها وجه صديقه· وقبل أن يسأله شرح محمد ما جرى له·· أعلمه بلغة من وثق بالقدر أن الفرج فتح بابه له فلم يعد يحتاج للذهاب إلى سوق الخضار وتلقي تعنيف شادية وزمرتها· ولكي يراكم كمية السرور على قلب محمد فاهَ قادري بقرب الحصول على رواية (العطر) لزوسكند؛ تلك الرواية التي عرض تفاصيلها فايز الجروالي، صديق قادري عن ذلك الفتى الذي ولد في أسوأ أسواق باريس قذارة، ونشأ عند مرضعات بعدما ماتت أمه لحظة ولادته، ثم تلقفه صانع عطور ليخلق منه أبرع عاملٍ في استخلاص العطور· العطور التي لا تضمها الحدائق والجنائن الضاحكة للطبيعة؛ بل عطور من أجساد فتيات جميلات يختطفهن بعدما يميز بحاسة الشم التي يمتلكها جمال عطر أجسادهن·
امتعض محمد لسماع فحوى الرواية التي تجري أحداثها في باريس وأجوائها، فهي تذكره بتفاصيل رواية (البؤساء) لفكتور هوجو - التي كانت ضمن منهاج كتاب المطالعة في المرحلة الأولى من الدراسة المتوسطة باللغة الفرنسية المبسطة - وقائد شرطة باريس الذي كان يلاحق جان فالجان أينما سار وحيثما جلس، مقضّاً مضجعه كلما حاول الكرى التسلل إلى عينيه·
يرى محمد في شادية معادلاً موضوعياً لقائد شرطة باريس بينما يطابق شخصه مع شخص جان فالجان· كلاهما اتخذ درب الآلام؛ وكلاهما عانى من جثومية السلطة والهراوة القمعية التي يلوَّح بها أمام عيونهما· لذلك اعتاد أن ينهض تاركاً المقهى كلما جاء الحديث عن فيكتور هوجو، مقدماً اعتذاراً سواء عَلِم الجالسون بالسبب أم لم يعلموا·
Page 8
(2)
قادري يكتب روحه
حالما غابت عائشة عن أنظار قادري عاد إلى منضدته في المقهى· أخرج اللاب توب من حقيبته النسيجية السوداء· رفع الغطاء· ضغط على زر التشغيل· لحظات وأضيئت الشاشة التي احتلتها صورة لشاكيرا تفرد ذراعين إلى أعلى بهيئة Vتعرض بطناً ضامرة وساقين مرفوعتين تمسان الأرض بأصابع قدميها القائمتين· الصورة مأخوذة من أغنيتها التي افتتحت بها بطولة العالم لكرة القدم في جنوب أفريقيا، محاطة بجموع بشرية تعيش الكرنفال الكوني، ورقصات يؤديها جوق من الشباب: فتية وفتيات يرتدون فانيلات الفرق المشاركة في البطولة، وجمهور يملأ المدرجات ينتظر بطولات سيحققها أبناء وطنهم من (البافانا بافانا)··
مسح بسبابته على المربع الفضي أسفل صفوف الأحرف ثم نقر، فانبثق سهم راح يوجهه صوب أيقونة الملفات· نقر عليها مرتين· أظهرت أمامه عدداً منها· اختار ملفاً يحمل عنوان: (رسائل إليها)·
كان قد انتهى من الرسالة الواحدة والعشرين· فكتب: الرسالة (22)، عنوَنَها:
(فجر الضجر·· ضحى البهاء)
لحظة استيقظتُ على هدير الرعد ورشقات المطر على النافذة وأعلمتني ساعة الجدار بدقاتها الخمس اكتأبت· قلت سيكون نهاراً ممطراً سأخسر فيه مشاهدة مَقدَم عائشة، وسينطفئ حلم إرسال رسالة الوله بنظرات رجاء أنْ ترد ولو برموش ترقص لا بابتسامة تُحيّي· هاجمني الضجر بأسلحة من جزع، ورأيتني أتناول قهوة الصباح بلا طعم من يد أمي التي حدقت بي، وقالت: اشرب كي تصحو، وجهك أصفر مثل الليمونة·· شربت، كأني أشرب دواء أُجبرتُ على تناوله·· كيف هي عائشة الآن؟ لا شك أنها مكتئبة مثلي· ليس لأنها لن تراني عند مرورها من أمام المقهى بل لأن المطر سيعيق وصولها، هي التي لا تفضل ركوب الباص للوصول إلى مكان عملها· مرورها اليومي خلق داخلي حدساً أنها تحب الوصول سيراً، تفضل المشي ترجلاً، تبغي اغتراف نسمات من الهواء الطلق·· الهواء ينعشها، حركة المارة تمنحها الألفة، رؤية تلاميذ المدارس يذكرها بطفولتها، ضحكة الشمس تسكب على أهدابها ألق الشباب·· هي شابة وأنا شاب، ماذا لو لانَ قلبها وابتسمت؟ ماذا لو توقفت مرة أمام المقهى وأومأت لي، حتى إذا خرجتُ مذهولا كحالم ووقفت أمامها كتلميذ طائع أطلقت تحية الصباح· حتماً سأترجمها رسالة حب من نوع الرسائل التي تشبه مشهداً رومانسياً من مشاهد الأفلام؟·· مع ذلك لن أيأس·· اليأس قاتل ومحبط للآمال، بينما الحب عصفور يحيا على شجرة تمنحه العزيمة وهواء يهبه روح الزقزقة·· سأنهض! نهوضي يجعلني أقاوم رغبة الوسادة في إبقاء رأسي صديقاً لها، وأرفض رجاءات البطانية في تشرب حرارة جسدي·
المظلة المشرعة الطائرة فوق رأسي تقيني مدرار المطر وأنا في الطريق إلى المقهى· الرصيف يتلقف خطواتي المسرعة فلا يضجر· حقيبة اللابتوب تتكىء على كتفي اليسرى، لا تدركها الرشقات المائية، ذلك أن المظلة تتولى حمايتها· غيري يحتمون مثلي بالمظلات، وآخرون يتخذون من صف أشجار الكالبتوس المتجاورة على امتداد رصيفي الشارع مظلات طبيعية، والمطر مجنون·· كان الشاعر السياب يكره المطر· المطر يجلب له الكآبة ويرميها في رئتيه المتعبتين، ويزرق له الروماتزم في مفاصل عظامه·· الكآبة تذكره بالأم التي فقدها بعمر السادسة، وبالحنين الذي لا يُلبى من قبل النائمة في اللحد ليست بعيدة عن دموع حزنه وثورة لوعته·· المطر يحثني على الجري للوصول إلى المقهى، يمدني بأرصدة الإصرار على ركل التقاعس، يجعلني أشعر أن عائشة تناديني عبر قطرات المطر وهي تضرب قماش مظلتي السوداء· القطرات تكلمني: قطرة تقول صباح الخير يا أول الصباح، وقطرة تنده على أخرى لكي ترقصا على المشمَّع المتشرب بأجساد أخواتها من القطرات، وقطرة تكركر جذلاً من شدة تزاحم قطرات قرينات معها، وقطرة تهمس: كيف أنت يا قادري، يا عصفور الوله؟، وقطرة تتكسر نثاراً فلا تشكو بينما قطرة أخرى تنتحب·· تنتحب يا أمي، يا صافية··
Page 9
أمي صافية فشلت في حشد التحذيرات الموجهة لي منذ الصغر· خسرت وعودها إزاء نساء الحي من أنني لن أخدع فأسقط في شباك فتاة تغويني، وتذيقني لوعة الحب وعذابه·· قالت لهن سنرى! ردّاً على تسفيههن لرأيها·· المستقبل كرَّس التسفيه، ذلك أن عائشة خرجت من بين غيوم الحلم بعد أعوام من الصمود وملاحقة أمي لي بسيل من النصائح··· عندما ظهرت عائشة كان القلب طفلاً يلعب بدمى اللامبالاة ولم يكن صياداً ينتظر طريدةً·· مرت عديد المرات من أمام المقهى والقلب طفل يلهو· غير أنه رفع رأسه مرة فاصطدمت عيناه بدميةٍ تتحرك· تضرب على رصيف الشارع بنقرات حذاء ذي كعبين مرتفعين أحسَّهما ينقران على شغافه·· صرخ القلب: آآآآآخ، أعقبه الفم بصيحة: آآآآآآه·· أما هي فأومأت له برموشها النافرة ومضت كظبية تناهض ولع صياد انتبه فجأةً لوجود طريدة·
لحظة كفَّ المطر عن نشيده ارتفع بخار القهوة من القدح الذي وضعه النادل أمامي على المنضدة فصار ضباباً على الزجاجة الرئيسة· الضباب سريعاً تكثف فاستحال قطرة كبيرة أرتني فتاةً تتألق طافيةً فيها· تمرير سبابتي على القطرة كشف أمامي عائشة تخطو على الرصيف الندي، وشعرها يعلن هتاف الشباب، ويطلق نداء خروجي إليها لألقي تحية النظر، وأتلقى هذه المرة سماحة ملامح وهدوء يتخلى عن النفور، ما يزرع في قلبي روضاً من زهور الأمل بأن الآتيات من الأيام قد تفتح مغاليق الأمور وأجد كفي بكف عائشة·· أتخيل نفسي سائحاً يرافق سائحة مع جوق من السياح، الذين اعتدنا مشاهدتهم يقطعون بلادنا طولا وعرضاً، طلباً للدفء ورغبة في التجوال والتقاط الصور لأماكن ومشاهد لم يألفوها في بلدانهم· نخطو هائمين· وأروح أعزف لها سيمفونية القلب، وتروح تسمع اللواعج صولوات من (أبواق) تنفر آهات، و(كمانات) تسكب شوقاً، و(فلوت) ينثر رحيق الروح، و(جلو) يؤكد بوح الكمانات، و(كونترباص) يمنح رخامة رصينة للبوح·· وأجد عائشة تتهادى رحيلاً، تميل شمالاً ويمينا بجسد تطوح به هارمونية الهيام، ثم تفيق لتقول: سامحني يا حبيبي، أبهذا القدر المهول من غيوم الشوق والوجد والانتظار يحمل قلبك ولم أنتبه له؟!·· ألهذا الحد كنت تعاني ولم أقف لأمرر أنامل شفاهي على رموش لهفتك·· ها أنا لك· لن تعاني بعد اليوم· لن ألبسك ثوب الحزن الثقيل· لن أجعل من ساعاتك سوى رياض هناء أبدي· سأستدعي موزارت ليعزف لك على كمان الروح ما يبهجك ويغذيك بعذيب الشهد الروحي· سأنده على جايكوفسكي ليكتب لك تونات الرخاء الزمني؛ فلا أسى ترى، ولا ألم يتسلل لمملكة فرحك، سأتضرع لبيتهوفن أن يؤلف سوناتة الأمل ليرسم مستقبل حبنا ينعم بالرفاه والجذل·
عودتي إلى منضدتي جاءت على هدي حنين نبيهة كراولي، راقصاً في فضاء المقهى بهيئة صوت فيه لكنة الجنوب التونسي العذب·· >محلاها كحلة الأنظار< تقول نبيهة على شاشة البلازما العريضة، فيكمل القلب ىتباهى بسر وخطّار<، وتتجه الأصابع لتنقر على وجه المنضدة نقرات التوافق مع إيقاع الروح الذي يشهد للمرة الأولى تسلم شهادة النجاح في امتحان الحب·· لم أكن قبل سنةٍ أولي اهتماماً لصوت كراولي· محمد هو الذي أشار إليَّ مرة ونحن نجلس معاً في منضدة خارج المقهى نتابع المارة ونطالع حركة سير العربات في ساعة من ساعات البطالة المشتركة· قال فجأة: انهض، لندخل·· هيا سأسمعك سحراً جنوبياً من الغناء تهيم له روحك وترحل خيالاتك، سأريك جمالاً صحراوياً لن تنساه·· نهضنا·· وقتها وجدت نفسي أطالع أنوثة ملائكية تحتل شاشة التلفاز·· رشاقة في القوام وجمال في الصوت·· صحيح أن العينين اللتين تبثان البوح الأنثوي كانتا ضيقتين وحسيرتين، لكنهما فاتنتان وغريبتان·· خيل إلي أنها تتوجه بالكلمات واللحن والفخامة لي أنا فأسقط في هوة ذهول عميم· تجمدت في مكاني، تصلبت يدايَّ· رحلتُ إلى قلب الصحراء، إلى تجمعات الرحالة وهم يجوبون بإبلهم وأغنامهم ظهور البوادي وبواطنها· تخيلتها أيضاً تخاطب مدينة سيدي بوزيد، فتأتيني المدينة بدروبها، وحدائقها، وغنجها، وبراءة نسائها، وكرم شيوخها، سابحة في بحر من هيام وألق· ترفع رأسي وتضمه بحجرها، تغمره بدفء العطف ممررةً كفها على رأسي· تدخل أناملها بطيّات شعري:
- شعرك أسود··· تقول· ثم بعد صمت، يتخلله تسلل أناملها في الطيّات، تسألني·· أحكي لك أم تحكي لي؟
- سأحكي أنا·· قلتُ، كما لو كنت أمتلك الكثير عنها وأود البوح الوفير لها·· حدثني أبي عن أبيه أنكِ تحتلين قلب تونس· أنتِ أحشاؤها· وهبك الله ثوباً أخضر تتراقص على نسيجه اليانع طيور الجنة تطلق لحنا تستفيق له أراضينا الناعسة· تندهين على البحر، ترجينه أن يزورك· تتمنين الذهاب إليه لتشتري نسائمه· تعبئينها في صندوق صدرك· توزعينها في ما بعد على الشوارع الغافية على وسادة النقاء، والبيوت الحالمة بطيف الله يزورها·· الأزقة تقول: أريد جرعة كبيرة من النسمات فصدري يكاد يختنق، ورئتاي تحنان إلى البهاء··· يقول أبي: سيدي بوزيد تفخر أنَّ لها وطناً ينتظر ثماراً تجود به أشجارها السابحة في الرضا عمّا تقدم·· تغني لنبيهة كراولي محلاها كحلة الأنظار· حيازة تجمع الشعر والغناء وتنثره على الناس سواسية·· الشعر في سيدي بوزيد رغيف لا يمكن استثناؤه من وجبة الحياة اليومية·· الغناء عسل الروح· تجمعه ذائقات سكان بوزيد من عذيب أصواتهم· أمي قالت إنَّ لنا حكايات لا تنتهي إن أفلتناها من عقالها؛ ولأصابع النساء قدرة نسج سجادة الفخر والصبر والقدرة على تجاوز البكاء·
البكاء كثير في سيدي بوزيد، لكن الأمل يتناسل أيضاً· قد يركله شرطي لا يعرف الرحمة؛ أو يذبحه بوليس سري اعتاد على لغة السادية، لكن إنسان سيدي بوزيد صابر، مؤمن، يصر على الفرج وحضوره مطراً بعد طول ضيق· ويؤكد أنَّ مَن يئس ضاق به العيش واندثر ما لم يجعل من الشمس مآلاً للوصول إلى المبتغى·
أبي كان يردد أيضاً: أحلى ما في مدينتنا عدم تخلّيها عن بساطتها وبراءتها وخجلها الريفي·· ترى في الريف وأهله أهلاً وأقراناً· ترى في مزارعه البطاح التي تحلم في حضورها· مدينة تزور ريفاً· زيارة يتجلى فيها الشوق والبهجة والكرم·· سيدي بوزيد، يقول أبي، تخلع نعليها وتروح تعدو على أرض معشوشبة خضراء تقول سأطعم شعب تونس جميعاً بسِفرتي· سأغذيهم بما يجعل يومهم بلا منغصات ولا كمد·
هزة كبيرة تلقّاها ساعدي الأيسر أرتني دهشة محمد وهو يطيل النظر في وجهي، مثلما كشفت لي كراولي مستمرة في غنائها كما لو أنها تعيد الأغنية وتكررها لأجلي·
Page 10
(3)
عائشة تقول أيامها
ما إنْ ألقت عائشة آخر نظرة على المرآة وتحركت تدفع برأسها من باب المطبخ ساعة كانت أمها منشغلة بغسل صحون طعام الإفطار وفاهت هامسة >أنا خارجة، يا أمي حتى ارتسمت صورة قادري أمامها·· بدأت متوالية العادة اليومية: لا تخافي، يا أمي ابنتك ليست حمامة غرّة بمقدور الصيادين إسقاطها في شباك أحدهم·· لا تأمني النظرات المنسكبة من عيون تتسع حين تمرين·< تحذرني أمي، فأقول: معك حق، لكن الشاب الذي يجمع الغناء في قلبه وينثر عطر الحنين من عينيه لا قدرة لي على مناهضته· كل صباح تسألني النسمات يا أمي عن سرِّ تحول قلبي إلى عصفور يريد أن يطير من قفصه لحظة يدنو من مقهى الخيام هناك! ينتظرني قادري ليحط على كتفه ويزيح العصافير المحتشدة عليها· قد يخطر على بالك أن العصافير نساء، يا أمي، كلا بل رسائل عتاب·· قرأت إحداها· كانت قصيدة تسكب آهات، تستحيل طفلة تبكي· قلبي أيضاً طفل يبكي· يبكي، يا أمي حين أشيح بوجهي عن توسلاته· يبعثر دموعه على أناملي، ويطلب مني أن أرفعها وأقدمها هدية إليه· مرةً قال: أنا قادري·· لا·· لا هو لم يقل ذلك· قالت عيناه المنسكبتان لوعةً وهما تطالعاني، ترجمها عامل المقهى عندما ناداه: قهوتك بردت، يا قادري، والهواء صقيع·
يومها عرفت أن اسمه قادري· وبنطلون الجينز الأزرق هو، هو الذي ألمحه كل صباح يرتديه· فقط القمصان تتغير·· فقط البطالة لا تفارقه· لذلك قالوا عندما يكثر عدد المقاهي نقرأ على الرفاه السلام·· وقرأنا منذ أعوام سلاماً على الشهادات وأعداد الخريجين التي تزداد، والطوابير التي تتضخم·· وقادري الذي يحق لي أن أطلق عليه حبيبي بعد الآن هو رقم من متهافتات الأرقام المعطلة·
المقهى هويته· يملأ جيوب الصباح بعملة الأمل في أن يراني فيبتسم·· يرتب الظهيرة على مقاس ضجره· يحصد من جلوسه الطويل على كرسي الخمول حتى المساء باقات الكمد·· وفي الليل يعد العدة لصباح قادم علّه يحمل مفاجأة ابتسامة مني، أو تحية··· أدريك حبيبي تبحر كما سندباد بحثاً عن جزيرة رضاي، لتعود بكنوز خبيئة تغدقها عليك خرائط عيني الراضيتين عنك، المشغولتين ببحثك وصدق نواياك·