eKtab
EN ع
أسوار الكراهية
Read free sample

أسوار الكراهية

by جيم مومجو

Page 1

الفصل الأوّل

 
كان الحمّامُ يرى أنّ لجوءَ الزمان إلى الصفع واللطم يتوقف ـ والمستعمل منهما معروف طبعاً ـ على مجرد قرعةٍ، كما كان يرى توقعَ أذى وضربات الحياة الظالمة والغبيّة ممكناً. وحين يذكر الحمّامُ أيامه الخوالي لما كان يستهلكُ من حوضه وماءه الساخن وطاسَه، حينئذٍ هل كان بمقدوره أن يتمنّى: "ليتني لم أقطر قطراتِ الماء دائماً على نقطة بذاتها من الرخام كيلا تحفر فيها هذه النقرة"؟. هل كان بوسعه أن يقول: "عسى أن يكون أحدهم قد جدّد جلدة هذا الصنبور، أو (خيط اللف)، ويا ليتني أحدثتُ ضجيجاً أكبر أثناء السقوط، أو ليتني دققتُ كالمسمار في دماغهم هذه القطرات المُمْرضِة والمزعجة والتي تتساقط سريعاً، فلا يطيقونها، فيستبدلون الجلدة؟".
لولا تهشمُ زجاج القبّة الصغير من المنتصف وإفساد فسحة الحمّام العميقة، لمَا كانت الحوادث تجري هذا المجرى... لولا ذلك هل كان ممكناً أن يحوّلَ الزجاجُ البسيطُ والممتدُّ بطول الرخام والجدار والقبة، التقاءه السريَّ والمهيبَ بالمعدن الصدئ والحجر المختلطِ المتحوّل إلى اللون الأخضر الشبيهِ بالطحلب؟.
كم كان مفيداً تخصيصُ أيّام أو ساعاتٍ للرجال والنساء. كلٌّ على حدة!. كم من الرجال دخلوا إلى هذا الفراغ المتناوب وهم يرتدون المآزر والقباقب دون أن يكون في أذهانهم وأرواحهم وأعضائهم المنتصبة عُرْياً، خيالُ امرأة؟ كم ألفاً أو مئات آلاف من نطفٍ ذات رأس وذيل كانت تحمل جوهرَ الحياة، قُذِفَتْ بين شقوق الرخام الصغيرة؟ كم مليوناً من أطفال موتى، أي قابلين للولادة أو الموت، تُركوا في الأحواض أو الأرض أو في الأحجار التي تحوّلت ألوانها على الماء؟ أثناء نوبة النساء، كم من النساء حضْنَ فوق النطف المقذوفة، أو كم من آلاف النساء في غمرة نشوة الإباضة أشبعن رغبتهنّ بالفرك برخام التمدّد؟.
كم يخفي الحمّام من أجساد أطفال لم يولدوا بين أحجاره! هل هو أنّه مبنيّ من أحجار قبور لكمْ من ملايين أطفال لم يلدوا؟. من يدري أنّ الحمّامَ، موطنَ النطف والبيوض بما فيه من رطوبة وحرارة وفراغ مخيف، مزمعٌ على يكون قبراً لكم من أطفال سيلدون، وكم بينهم من أغبياء ومنفصمي الشخصية؟ وإلى كم من رجالٍ ونساءٍ وأطفالٍ كان قبراً؟.
 
Page 2

الفصل الثاني

كان محرّم يخرج من البيت صباحاً حتى في ساعات الصيف الباردة. وحين اضطرّ إلى أن يخبر أحد الشيوخ الذين يفركهم، أنّ هذا الاسم قد أُطلق عليه على شرف الشهر الذي وُلِدَ فيه، أجابه الرجلُ: "لحسن الحظ، أنك لم تولد في شهر ذي الحجّة"، فنظرَ في وجه الرجل الخبير في الحياة بتمعّن، كما ينظر إلى الأمور كلها. وأفهمه أنه لا يحمل أي نوع من ملامح الغضب أو الحنق في وجهه، كما أفهم الجميع قبله.
كان محرّم أباً لطفلين، صاحب حمّام، ذا شعر أشيبَ، ينوء تحت حمل لن يكون بمقدوره أن يكفر عنه من ماضٍ أليم ومستقبل مجهول.
وُلد محرّم في (العُلية) (1) الخشبيّة القديمة حفيداً لعلي رضا بيك، صاحبِ الحمّام. وبعدما وُلد لم يعد لذلك البيتِ حاجة إلى حفيدٍ جديدٍ، أو رغبة فيه... رأى النورَ ذات صباح عاديٍّ على يد قابلةٍ عاديةٍ...هذا كلَّ ما في الأمر... أُطلق عليه اسمٌ من أسهل الأسماء تيمناً بالشهر الحرام... كان القماشُ النظيفُ والماءُ الساخنُ متوافرين بسخاءٍ... في تلك الليلة غفا أبوه (بخار بيك) الذي سيذهب إلى عمله في الحمام في الصباح الباكر، في غرفة مستقلة بعيداً عن زوجته التي تعاني آلام المخاض... وهكذا تمّ تجاوز أهم شيء وهو الحمّام، مع كلماتٍ أخرى متداولة كالرزق والعمل، مع الانشغال بمحرّم. وانصبّ الاهتمام على فرحة قدومه... كان بخار بيك يطلب طفلاً، يريد أن يكون أباً، ولكنه لم يكن قادراً على البوح بما يريده. وكان عليه أن يُبقى رغبته طيَّ الكتمان. وحين خرج من البيتِ طرحَ بما يشبهُ السؤال على الخبيرة: "سلطانة":
-"هل وُلد؟ ماذا؟".
فأجابت جواباً عادياً:
-"وُلد قبل قليل".
في تلك الأثناء تناهى إلى سمعه صدى أذان يتلوه (علي رضا بيك) على أذن المولود الجديد. لكنّ (بخار بيك) خرج من البيت كدأبه مقدّماً رجله اليمنى بادئ ذي بدء، قائلاً: "بسم الله"، دون أن يسأل، أو يجرؤ على السؤال: "هل هو ذكر أم أثنى؟".
هكذا كان ذلك الصباح.. بداية يوم جديدٍ عاديٍّ بالنسبة للكلِّ... كانت الساعاتُ الأولى ليوم لا يَعرف هو نفسه أنّ كلّ شيءٍ سيتغيّر فيه بعيد الظهر... كان ذلك الأحد أشبه بأمٍّ على وشك الولادة، لكنها ليست على علم بها. وعلى الرغم من أنّ (بخار) في ذلك اليوم سيكون ضحية الحرارة الرطبة التي لم يكن يطيقها منذ الطفولة، لكنه لم يكن يُسِرّ بهذا لأحد، ولن يلبث خبرُ موته أن يصلَ إلى البيت.
في البيت الخشبي كان مهدُ الصبيّ بهذا، الذي انتقل إليه من الأحفاد الآخرين، يُهزّ في غرفةٍ، وفي غرفةٍ أخرى كان جسدُ أبيه مسجّىً لا حرَاكَ فيه، يُهوّى بمهواةٍ، تحرِّكُ الشرشف إن لم يكن الجسدَ، وقد صدّق الحضورُ أوّل مرّة أنه لم يكن يطيقُ الحرارةَ.
كانت الأم (راضية هانم) في ذلك اليوم تعاني مخاض ألمين متناقضين: الأوّل ولادة محرّم الذي حملته مصادفة ودون إرادة منها، والثاني موتُ زوجها (بخار) الذي تزوّجته مرغمة ودون أدنى حبٍّ. وبعد الموت والولادة انتابتها آلام أمرين مختلفين، واختلج في نفسها شعورٌ بذنبين ثقلين.
في اليوم التالي كان المتوفى قد غُسل، ومحرّم قد لفلف بالشكل نفسه... كلاهما قد قمّط داخل قماش قطنيّ أبيض. وكلاهما على وشك الخروج في رحلته... أحدهما وُضع في المهد والثاني في التابوت، وكان مذهبُ كلٍّ منهما لغزاً.
بعد صلاة الجنازة التي صُليت عقب صلاة الظهر وُوريَ (بخار بيك) الثرى. هكذا أسدل الستارُ على حياته. ها هو قد انتهى. أمّا محرّم فكان يخطو أولى خطواته نحو الحياة.
Page 3
مام الباب أحذية رجالية ونسائية وولادية مختلفة الألوان، متداخلة ببعضها. وكان المطبخ طافحاً بقدور الطعام، أتى بها الجيرانُ والأقاربُ... من جهة كان يُذرف الدمعُ على الميت، ومن جهةٍ ثانيةٍ كان الطعام يُؤكل بنهم كمن يقولُ: "أما الآخرون فإنهم مازالوا على قيد الحياة". والموائد ترفع وتؤتى... كان يَجلس إلى المائدة رجالٌ بقدر ما يسمح به المكان، ثم ينهضون ليأتي غيرهم. والكنة الكبيرة، من جهة تأمر مساعديها بتجهيز المائدة الجديدة، وتوجه الرجال، ومن جهة ثانية تقررُ من الذي يجلس إلى المائدة هذه المرة، فتدعوهم بصوتٍ مبحوح: "تفضلوا وكلوا شيئاً ما"... في هذه الأثناء تكون النساء اللواتي لا يحضرنَ المائدة ـ كان الرجال والنساء في غرف منفصلة ـ إما منغمسات في الحديث عن حقيقة الموت، وإمّا يعزّين أو يبكين: بعضهن همساً، وبعضهن عويلاً، وبعضهنّ بما يشبه الديمة التي تمطر فجأة، وبعضهن يبكين على الميتِ، وبعضهن على الموت نفسه... لكن الجميع في نهاية المطاف يذرفون الدمع على موتهم هم، على حقيقة الموت، أو على كون الحقيقة موتاً. وبعضهن يبكين كل ما وفرنه من بكاء... كان الأطفالُ أداة وصل بين غرف الرجال وغرف النساء... رجلٌ يرسل طفلاً إلى زوجته، معتقداً أنه حلّ موعدُ الرحيل قائلاً: "يا بني! اذهب إلى خالتك عائشة، وقل لها: عمّي محمّد يقول لك: هيا نذهبْ"... وكان من الرجال من يريد في قرارة نفسه أن يعود إلى حياته التي قطعتْ صلتها بالموت، لكن هل يُدرَك ذلك بالتمني وحده؟. لقد أظهر الموت جبروته هذه المرة. وقد جاء من جاء "رفع عتب". إذ بعد قليل سيعودون إلى بيوتهم، سيتنفسون أكثر، وسيحاولون أن يكونوا سعداء أكثر، وسيطلبون طعاماً ألذ، وسيضحكون ويمرحون أكثر من ذي قبل دون أن يدروا السبب. وإن غضّوا النظر فإنهم لن يستطيعوا، وسيحاولون التهرّب، لكن دون جدوى.
من الحق أنه قد أطلق على الطفل اسمُ محرّم تيمناً بالشهر المبارك، لكنه في حقيقة الأمر لم يُولد في شهر محرّم إطلاقاً... إنما في الواقع لم يخطر ببال أحد أن يطلق اسماً على الطفل وسط هذه الجلبة كلها. وبقي مدة طويلة ـ حين يُذكر أو يضطرون إلى ذكره ـ يُطلق عليه اسمُ طفل. ربما قال جدّه (علي رضا) بعد عدّة شهور: دعونا نطلق عليه اسماً، وحين نظر إلى مفكرة (المعارف الموقوتة) تعلقت عيناه باسم محرّم فقال: "فليكن محرم".
راضية هانم التي ترمّلت في يوم ولادته، كانت في فراشها الذي تأوي إليه مع زوجها (بخار بيك)، وعيناها عالقتان في السطح... لم يكن أحدٌ يعلم أنها قد بدأت تنضج، فكانت في عالم آخر وبهيئة أخرى، تسمع أصواتاً أخرى بدلاً من الأصوات القادمة من الخارج... يداها ورجلاها جامدتان، شفتاها جافتان، ولسانها أبيض... لقد صارت خارج الزمن، مشلولة النفس... لقد نسيت ما حدث منذ زمن. لا بل نسيتْ ما هو النسيان... بكاءُ محرّم لم يكن بوسعه أن يقطع عليها أصواتها الداخليّة... كفّ محرّم عن البكاء... في ذلك اليوم بالذات أدرك أنّ الحلول لن تأتي، وأن الصرخات غير مجدية. ولئن كان لم يعرف الإدراكَ بعد، فقد بدأ يتعلم في تلك اللحظة بعضَ الأشياء غير المحسوسة في جسده الصغير... مثلاً شفتاه اللتان رأتا أنّ التطاولَ طلباً للحليب غير مجدٍ، تعلمتا ألا تتطاولا لأحدٍ. وغير ذلك كثير من ألوان السلوك التي لا نعرف لها اسماً... راضية هانم جمّدتْ عينيها على السطح، وشطت نحو المجاهيل. وإذا كان لم يشعر أيّ عضو منها ببكاءَ محرّم فإنّ ثديها الأيمن شعر، وأدرّ، ودرَّ قطرة حليبٍ مقدارَ دمعة... ربما فاحتْ رائحة قطرة الحليب تلك في الغرفة، وقد تكون قد انسلت إلى أعماق محرّم عبر أنفه... فكانت هذه هي القطرة الوحيدة التي رآها، وما احتسى حليباً بعدها طوال عمره، حتى أنه اشمأز من منظر الحليب نفسه.
لم يلحظ أحدٌ نهوضَ راضية من فراشها بما لم يكن يتوقعه. لو أنّ أحدهم لاحظ أين تتسمّر نظراتها، لكان قد أدركَ من نظراتها أنّ ذلك المكان خارج الغرفة والبيتِ وحتى العالم. كانا وحدهما في الغرفة: طفلٌ لم يحملْ اسماً بعد، وأم نسيتْ اسمَها منذ زمن. نهضت إلى المهد، وراحت تخاطب الطفل بلغة غير مفهومة... كانت يداه ورجلاه ووجهه بيضاء بنفسجية... مدت يديها إلى محرم، مدّت وسدّت فمه وأنفه ووجهه الصغير... لقد صار الاثنان بنفسجيين الآن. ثم سحبت يدها فجأة. ولما تنفس مشخراً، ودبّت فيه الحياة ثانية، كانت راضية قد طارت من النافذة... لاشك أنّ أحداً لم يسمع رفرفة جناحيها، إلا أنّ ضجيجَ تهشم الزجاج بلغَ كلِّ مَن في البيت المكتظ... كان ارتفاع طابقين كافياً لمن همّ بالتحليق، ولم يبنْ أيُّ أثر للدم على الأرض.
لقد أمضى محرّم شطراً من حياته أمام تلك النافذة... كان ينظر على الدّوام إلى السماء كمن ينتظر عودة طائر حلق بعيداً. لكنه سيعلم نهاية أمّه بعد مدّة طويلة، كان سيتعلم حين ينبغي التعلم، وربّما التذكر.
Page 4

الفصل الثالث

كان المنزل قد فقد زوجين من الأرواح في يومين متتالين. وكان جسد محرّم صغيراً إلى درجة لم يكن معها بوسعه أن يملأ الفراغ الذي تركه خروج جسدين من البيت. وعدا عن ذلك كان هو سبب كلّ هذا الشؤم في نظر جدته (عنايت هانم). أمّا العلامة الكبرى لهذا الشؤم الذي حلّ في البيت فهي عدم رضاعته حليب أمّه... كان طفلاً عجيباً، لاشكّ أنه جنيّ أو شيطان أو مصيبة من ربّ العالمين... ربما كان سببُ عدم ارتزاق (بخار) بطفل في هذه المدة كلها هو تأخيرُ هذه اللعنة. لكن (عنايت) لم تكن تجرؤ على طرح هذه الأفكار كثيراً خوفاً من زوجها (علي رضا).
ثم قضى علي رضا هو الآخر نحبه حين بلغ محرّم الثانية من عمره. كان في مماته كما هو في حياته، كأنما قد شعر بهبوط هازم اللذات (ملك الموت) لقبض روحه الرزينة. لم يحدث أيّ نزاع بين الملك والرّوح، إذ أخبره الملكُ بقدومه، فقال له علي رضا: "أهلاً وسهلاً. كنتُ في انتظارك. أنا جاهز، دعنا نذهبْ". فأغمض جفنيه، ليس لأنه ميت، بل ليموت.
وإن كان علي رضا قد بلغ من العمر عتياً فإنّ (عنايت هانم) حمّلت (محرّمَ) مسؤولية وفاته. ولكيلا تُغضبَ اللهَ كانت تحقدُ على هذا الطفل، وتتمنى ألاّ تراه أبداً، ولم تكن تسمع صوته أصلاً... لأنه لا يبكي ولا يتكلم... كانت (سلطانة هانم) قد أُخرجت من غرفتها في الطابق الأرضي، وجيء بها إلى الغرفة التي توفيت فيها أمّ محرّم، والتي قُذفتْ فيها بذرة محرّم المنحوسة... والآن يرقد محرّم في غرفتها، فيكون بهذا قد حُبس الشؤمُ في تلك الغرفة على الأقل، بل إنه يقضي كامل يومه في تلك الغرفة... وعنايت هانم غير مستعدة لرؤيته أو سماع صوته أو أيّ شيءٍ يتعلق به... في أدعيتها في ختام صلواتها الطويلة، وحين تفطر عن صومها الذي يكاد يتجاوز نصفَ أيّام السنة، كانت تتضرع إلى الله دون ذكر اسمه، أن يجازيها على كلّ سيئاتها... كانت الأمراض والمشاكل المادية والمعنوية تتراكم مع مرور الأيام على كاهل البيت... كل هذه التطورات السلبية كانت تغذي أفكار (عنايت هانم) حول محرّم، إلى أن يخلو ذهنها الهرم من الأفكار... كان هذا موضوعها الشاغل الوحيد... لقد خلا قلبها من المشاعر ماعدا الحقد... حتى إذا دخلتْ فأرة إلى البيت، أو خفّ حملُ الأشجار، أو أمطرت السماء، أو آلمها عضو من أعضائها، أو احترق أسفل الطعام، عندئذٍ كانت ترّد الأمر إلى محرّم وحده. وتتلو من القرآن آياتٍ هي أقرب إلى الخرخرة منها إلى الهمس، وخصوصاً سورة (الناس) لتقي نفسَها من شرّ الوسواس الخناس. إلا أنه بعد قليل تحلّ محلّ السّور خرخراتٌ أخرى تتشكل من كلماتٍ جديدةٍ. لم يعِ أحد هذا التحوّل عليها وعياً تاماً لأنّ أحداً لم يسمع شيئاً، رغم أن قراءتها التي تتلوها سراً لم تحوِ كلمة واحدة معروفة. وقد غضبت منذ مدة، وعصت اللهَ الذي تعوّذت به من هذه الشرور التي أحدقت بها. لقد كان في ذهنها إلهٌ ودينٌ جديدان... غطاءُ رأسها ومسبحتها وسجادتها، وحتى صلاتها الظاهرية... طقوس عبادتها ظلتْ هي ذاتها.
كانت أفكارها تسري إلى بقية أفراد المنزل رويداً رويداً... في البداية سرتْ إلى (أبي بكر) عمّ محرّم الكبير، ثم إلى الصغير، أي إلى (أمين)، ثم إلى عمته العانس في البيت. أمّا أحفادها فإنهم لم يملكوا أن يردّوا هذه الأفكار التي أُقحمت إلى عقولهم الطرية... فقط بقيت سلطانة هانم والكنة الكبيرة (شادومان)، التي أدركت في وقت مبكر أنها لن تستطيع أن تطرد مثل هذه الأفكار الباطلة عن أذهان هؤلاء، أو أنها لم تكن تقوى على ذلك... شادومان تردّدت طويلاً، ثمّ حاولت أن ترشد زوجها في البداية ثمّ أولادها، لكن عبثاً كانت تحاول... كان الشيء الوحيد الحسن هو خوفهم من ذلك المخلوق اللعين في الغرفة المغلقة. ومع ذلك لم تكن سلطانة هانم وشادومان تغفلان عن إقفال مفتاح الجوزة على باب تلك الغرف... وكان محرّم يأكل طعامه في تلك الغرفة... طعامه أصلاً لم يزد عن طعام العصفور. وكان يستحمّ في الشهر مرّة في حوض الحمّام ذي الباب الخشبي الأخضر. كما كان يقضي حاجته من بول وغائطٍ فيه... كانت شادومان وسلطانة هانم تعتنيان به جيداً، وتلبسانه مما صنعته أيديهما من سراويل ونسجته من كنزاتٍ. كان كلّ شيء يعود إليه يجري داخل الغرفة... في الحقّ كانت هذه الغرفة تسمّى في البيت (غرفة)... وكان محرّم يجيبُ بكلماتٍ قليلةٍ همساً. ولم يكن حديثُ الهمس لديه اختياراً، فهو لم يكن يعلم أنّ ما يسمى بالتحدّث يمكن أن يجري بغير الهمس. كل عالمه ـ عبارة عن غرفة، أو ما يراه من الحديقة حين يطلّ من النافذة خلسة ـ هو ما يسمعه من شخصين ويتعلمه منهما. ولم يكن يُظهر أبداً ما يُنتظر من طفل. مثلاً لم يكن يرغب في شيءٍ، ولا يطرح أيّ سؤال.
عمته العانس (خديجة) لم تعد تساعدُ في أعمال البيت، ولا تخرج من غرفتها في الطابق الأعلى إلا ـ والذي تنساه أحياناً ـ لتناول وجبة الظهر. كانت تمضي يومها في ثلاثة أعمال فقط... ربما كانت الصلاة والدعاء أحد أقصر هذه الأعمال، ومع ذلك تستهلكُ ما لا يقل عن ساعتين من وقتها. ثم تنبطح على الأرض في غرفتها التي ترفع ستائرها، وتثبّت نظراتها إلى ظلام دامس، ثم تتلمّس نفسَها، ثم تعمد إلى غسل يديها ورجليها وذلك الجزء من جسمها، بل كلّ أجزاء جسمها، مرّة بعد مرة. إذ كلما لمست نفسها اغتسلت، وكلما اغتسلت لمست نفسها.
كان الصعود إلى الطابق العلوي محظوراً على الأطفال. وكانت ألواح ضخمة قد أسندت إلى مطلع السلم إلى الطابق العلوي. ولم يكن أحد غير شادومان أو خديجة يصعد ـ أو ينزل ـ إلى الأعلى، وهما تصلان إلى الدرج بتحريك أحد الألواح... كانت خديجة قد هزُلت كثيراً، حتى أنها لم تعد ترى حاجة في أن تسير مجانبة أثناء مرورها بين الألواح... لم تكن شادومان وحدها من هزلت، وإنما عنايت أيضاً كانت قد تحوّلت إلى شبح حقيقي. حتى باتت تبدو داخل أثوابها التي بقيتْ من أيام كانت تزن فيها تسعين كليو، أشبه ببعبع بوجهه الملوّن بالأصفر والبنفسجي والبني. وأمين الابن الأصغر في البيت ينام في الوقت المعهود ليستيقظ باكراً، ويذهبَ إلى الحمّام عقب صلاة الفجر، فيلحقه أبو بكر (زوج شادومان) بعد ساعة. ولم يعد لهما أصدقاء أو زملاء... يذهبان ويأتيان برزقهما. ولا يتسنى لهما أن يلقيا على أحدٍ تحية الصباح... ولم يعد أحد يزور المنزل الذي كان يعج بالضيوف يوماً، أو لا يُسمح لهم بالزيارة.
 
Page 5

الفصل الرابع

في الليلة التي بلغ فيها محرّم سنته الرابعة أزيح أحدُ الألواح الخشبية بهدوءٍ. حتى (عنايت هانم) التي لم تكن غافية، لم تسمع صوت انزياح اللوح... محرّم وحده من سمع وقع الخطى التي صعدتْ على السلم حتى وصلت إلى الأعلى، إلى الرواق الخشبي. فُفتح بابُ غرفة خديجة من الخارج، فاستفاقت من نومها الخفيف. وحين رأت أخاها أمين إزاءها لم تنبس ببنت شفةٍ، ولا همستْ بأيّ حرفٍ، ولم يُحرَّكُ أيُّ ساكن سوى أنفاس أمين المتسارعة. وحين كان السكوتُ يخيّم على خديجة وأمين وحدهما، شقَّ السكونَ صوتٌ يصدرُ من السرير الحديديّ برهة... هذا الصوتُ الذي لم يعهده أحدٌ كان كبيراً بمقدار زلزال خفيٍّ قادر على تحطيم الأخشاب التي تحاول أن تبقي البيت قائماً، وكذلك المسامير الصدئة التي تثبّت الألواح ببعضها.
هكذا جرتِ الأيام، أو بالأحرى حاولت أن تجري. لم يعهد الزمنُ جموداً وكدراً إلى هذه الدرجة. حتى أنّ عقرب الثواني كان يلاحق عقرب الدقائق، فيلسعه، فيرتمي عقرب الدقائق عند أقدامه ويلتف عليه. وشادومان تمضي أكثر أوقاتها في الغرفة، فتعلّم الطفلَ أسماء اليوم والنهار والشهر والشمس والألوان، وتريه ما وسعها أن تريه من الموجودات في الخارج، عبر النافذة. وقد باتت (سلطانة هانم) تمضي وقتاً أكثر في الغرفة، ليس رأفة وحباً بالولد فحسب، بل لأنهما تجدان راحة ودعة فيها... كانتا تنزعان ثيابه بشكلٍ شبه كامل، حين كانت الشمس تتسللُ إلى الغرفة، وتعرضانه إلى نورها بجانب النافذة، إيماناً منهما أنّ جسمه الصغير بحاجة إلى نور الشمس. مع أنّ أولاد شادومان نفسها كانوا ملفوفين بالظلام وإن كانوا يرون الشمس. كانوا فقط يخرجون إلى الحديقة، وتكون الألعاب التي يمارسونها موسومة بالهروب جرّاء الخوف الذي ولدته فيهم الأفكارُ المسمومة. ولم تعد في ألعابهم لعبة (الزعيم) بل حلّ محلها الشياطين والجانّ... كلاهما كان تحت عينه توّردٌ شديدٌ، ولم يكن بوسع شادومان أن تفعل شيئاً. فالجميع كانوا تحت إمرة عنايت هانم، وقد بدؤوا هم أيضاً بتلقي مفردات هذا الدين الغامض والجديد... بإيمان راسخ ثابتٍ لم يعودوا يفكرون أو يتكلمون شيئاً آخر.
عنايت هانم بعد أن فاتها أن تنتج فكراً جديداً بما افتقدته من وقت وجهد وذهن مستقر، بدأت بعد فترة تنشر موجة من المخاوف... هذا الفكر الجديد لمّا افتقد له مكاناً في ذهنها، استقر في معدتها. ولمّا كانت تستفرغ ما تناولته من شوربة بمقدار ملعقة، سمع أهل الحي جميعاً صوتها. ظلت تتقيأ حتى استفرغت دماً من معدتها. ثم إنها حقنت حاشيتها بجوهر أفكارها الجديدة في الاجتماع الذي عقدته لهم في غرفتها. وفاتحتهم بخبر غريب: وهو أنّ سلطانة هانم قد أضافت سمّ فئران للشوربة التي صنعتها. كذلك ردّت الأمرَ للطفل، وأعلنت أنّ المرأتين اللتين هما على علاقة بمحرّم تدخلان وتخرجان إلى غرفته، تأتمران بأمر الإبليس... لقد زادَ عددُ الأعداء. لكن هذه الفكرة الخبيثة حيثما جاءت فلتأتِ... لقد أفلحت عنايت هانم في إنتاج أفكار تتعلق باتخاذ قرار ينطوي على معرفتهم بمحاولة التسميم وضرورة التظاهر بتجاهل الأمر في الوقت الرّاهن... فأخفوا معرفتهم. لكن تمّ اتخاذ تدابير. إذ لم يعودوا يأكلون الطعام الذي تصنعانه. وأبو بكر زوج شادومان يغمض عينيه طوال الليل دون أن يغفو لحظة، محاولاً أن يتقي شرّ الروح كي لا تستقرّ في فراشه... بعد فترة أدركت شادومان وخديجة هانم حقيقة الأمور. أما أولئك فقد ارتؤوا أن يتظاهروا بأنهم لم يفهموا شيئاً. فأخفى كل طرفٍ عن الطرف الآخر مخاوفه وعداوته مدة طويلة.
كانت خديجة التي لم تظهر على الملأ مدة طويلة خارج هذه اللعبة... فقط في الليل كانت تخرج من غرفتها وتنزل إلى الأسفل. وفي إحدى الليالي لم يبال بها أحدٌ إلى أنّ هزّت صرخاتها أركان البيت. ولما استيقظ أفراد الأسرة وجدوها ملقاة على الآرض أمام الباب الذي ينفتح على الحديقة. كانت شادومان أوّل من رأت ذلك الانتفاخ الكبير في بطنها... عنايت ثبتت نظراتها إلى نقطة معينة، وظلت هكذا. والآخرون لاذوا بالصمت. بلا حراك... سلطانة هانم جلست لتتدبر أمر المرأة الحامل التي (طق ماء رأس) الجنين. لم يحرّك الآخرون ساكناً مدة نصف ساعة، إلى أن رأى طفلٌ ذكرٌ النورَ. ولم يتحدثوا أو يهمسوا. أخذت عنايت الطفلَ إلى حضنها، بينما تولت كل من شادومان وسلطانة هانم أمر خديجة فأخذتاها إلى الأعلى. أما عنايت هانم فإنها خرجت إلى الحديقة برفقة أمين. كان الاثنان كمن ارتكب خطيئة مئات المرّات... لم يتحدثا... اكتفى أمين الذي هو أبو الطفل وخاله، بإنزال ضربة رفش على رأسه. بينما دخلت عنايت هانم إلى البيت. ثم اختفى أمين وسط الظلام حاملاً الطفلَ الذي رأى النور لعشر دقائق فقط. وحين عاد، كانت شادومان وسلطانة هانم تبحثان عن الطفل مولولتين باكيتين دون أن تحصلا على أدنى جوابٍ من أحد. وحين رأت شادومان أمين يدخل من الباب مغبراً مترباً أدركت كل شيءٍ. فانفطرت عَبرة كبيرة من عينها.
في صباح اليوم التالي أخذت خديجة التي حملت من إبليس إلى الحَمّام. وظلت عنايت هانم تغسلها إلى اليوم التالي.
Page 6

الفصل الخامس

كان التباين بين الفرقاء قد اتضح بجلاء... لقد تفاقمت الأمور بعد الآن... شادومان وسلطانة هانم أجرتا بينهما حديثاً سرياً في غرفة محرّم، على أن تأخذاه وتهربا به على الفور. ولكن إلى أين؟ فهما لا تملكان من المال شيئاً... سلطانة هانم التي دخلت هذا البيت طفلة ولم تخرج منه سوى في الأعراس والجنازات، لم تعرفِ المال يوماً. كانت تتخيل أنها ستموت هنا. فإلى أين ستذهب الآن؟. لقد ساورها خوفٌ عظيمٌ... خوفٌ أعمق من الذي سببته مجريات الأمور في البيت. أما شادومان فقد كانت أجرأ منها. لكن هي الأخرى ليست على اطلاع كبير على الخارج. كانت قد فقدت أباها في الثالثة من عمرها، كما أنّ أمها فارقت الحياة منذ ما ينيف على عشر سنواتٍ. وكانت تعتقد أنّ لها أقاربَ في (أرزنجان) ولكن أين أرزنجان؟.
كان معها عدّة قطع من الحلي، منحتها لأبي بكر حين أجرى تعديلاً للحمّام قبل سنواتٍ. وكان قلق شادومان عن كيفية خروجها من البيت أكبر من قلقها على الخروج. إنّ قتل أمين وعنايت هانم للطفل الوليد كان ينذر بمخاوف كبيرة لشادومان. بهذه الحال كان البيت يختلف عن حالة الحرب بفارق وحيد، ألا وهو توضّع الفرقاء على مستوى عموديٍّ. فإما أنهم سيتعرضون إلى هجوم من العدو على غفلة منهم، وإما أنهم سيفلحون في الهروب من بين صفوفه... مخاوفُ الفرقاء من بعضهم، ومعرفةُ الفريق الآخر هذا الأمرَ، وإدراكه إياه، لم يكن يهوّن من الأمر شيئاً، بل كان يزيده اتقاداً. إن معرفتهم بخوفهم، وإدراك الطرف الخائف حتى لسلوكهم الذي لا يحمل نية هجوم، كان دليلاً على قيامهم بهجوم مباغت... روحهم الممزقة كانت تتمزق خوفاً. فأيّ خوفٍ هذا الذي أبْعدَ شادومانَ عن أولادها؟. كيف لها ألا تفكر بهم أبداً؟. ترى هل كان شعور عنايت هانم إزاء محرّم هو نفس شعورها إزاء أولاد شادومان؟. في حقيقة الأمر كانت شادومان تفكر في إنقاذ محرّم في البداية، ثم في إنقاذ أولادها بما ستتلقاه من دعم خارجيٍّ. لكن ممن في الخارج؟ والأهم من هذا، كيف السبيل إلى الخروج؟ كانت هذه هي الأسئلة الرئيسة التي تدور في الوقت الحالي في خلدها.