eKtab
EN ع
أصول علمي الإجرام والعقاب
Read free sample

أصول علمي الإجرام والعقاب

by د. طلال أبو عفيفة

Page 1

 مقدمة

 

صراع الإنسان ضد الجريمة، هو صراع طويل ضد قوى الشر. والشر قديم قدم الإنسان، وهو باق ما بقي الإنسان، ومن ثم فالخير والشر متلازمان وأزليان وأبديان إلى ما شاء الله خالق الكون. فقد لازمت الجريمة المجتمع البشري منذ نشأته، فسفح الأخ دم أخيه الإنسان ظلماً وعدواناً، وكان مصرع هابيل على يد أخيه قابيل أول مأساة إنسانية على وجه الكرة الأرضية.

ومع مرور الزمن وتقدم البشرية أصبحت الجريمة من أخطر المشاكل الاجتماعية التي تواجه الأفراد والحكومات حتى كانت ولا تزال مرضاً عالمياً خطيراً يهدد الأمن والاستقرار الدوليين، خاصة مع ظهور وتزايد الجرائم المنظمة عبر الحدود الوطنية للدول.

لذلك تحرك الباحثون والعلماء خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الماضيين للبحث في أسباب الجريمة من أجل القضاء عليها أو الحد منها على الأقل، فمنهم من أرجع الجريمة إلى عوامل عضوية ونفسية، ومنهم من أرجعها إلى عوامل طبيعية أو اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية. وفي ذات الوقت تحركوا للتخفيف من قسوة العقوبات التي كانت سائدة وتُفرض على مرتكبي الجرائم منذ العصور القديمة والوسطى، فطالبوا بإلغاء العقوبات البدنية الوحشية، وحلّت مكانها عقوبات سالبة للحرية تمثلت في ردع المجرمين من ناحية، وتحقيق العدالة من جهة أخرى، بالإضافة إلى تطوير أساليب المعاملة العقابية داخل مراكز الإصلاح والتأهيل التي تهدف إلى إصلاح وتأهيل نزلاء السجون وتهيئتهم للعودة للانخراط في المجتمع بعد الإفراج عنهم.

وخلال البحث في أسباب الجريمة والعقوبة الملائمة خلال القرنين الماضيين ظهر علما الإجرام والعقاب كعلمين مستقلين وإن كانا مرتبطين ويؤثر كل منهما في الآخر، باعتبار أن لكل جريمة عقاباً، ولا جريمة إلا بنص قانوني، ولا يقضى بأية عقوبة أو تدبير احترازي لم ينص القانون عليهما حين اقتراف الجريمة. فعلم الإجرام تخصّص في دراسة أسباب وعوامل الظاهرة الإجرامية والحد من هذا المرض الخطير، بينما تخصّص علم العقاب في دراسة أغراض الجزاء الجنائي وتحديد أفضل الأساليب لتنفيذه على النحو الذي يحقق هذه الأغراض.

وبالرغم من حداثة علمي الإجرام والعقاب، فإنهما يقومان بدور هام بين العلوم الأخرى، ويحتلان مركزاً متقدماً ليس فقط على الصعيد المحلي، بل على الصعيد الدولي، وخاصة في المؤتمرات الدولية التي تعقدها الأمم المتحدة، وفي المؤتمرات الإقليمية. وقد ازداد اهتمام المجتمع الدولي في نهاية القرن العشرين وبداية هذا القرن بمكافحة الجريمة بعد ظهور أنماط جرمية جديدة لم تكن معروفة سابقاً رافقت التقدم العلمي والتكنولوجي وعصر العولمة، وخاصة انتشار الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية للدول، مثل: جرائم تجارة المخدرات، وغسل الأموال، وتزييف العملة وترويجها، والاتجار بالأشخاص والأعضاء البشرية، والقرصنة البحرية، والاستعمال غير المشروع لتقنية أنظمة المعلومات.

ولأهمية مادة علمي الإجرام والعقاب، تقرّر تدريسها كمادة أساسية في كافة كليات الحقوق في جامعات العالم، من بينها كليات الحقوق في فلسطين والأردن، وهي مادة مشوقة وجذابة وممتعة. وقد تميز هذا- المؤلَّف- بالأسلوب الموجز الخالي من التعقيد، والمعلومات المدعَّمة بأحدث الدراسات والأبحاث والإحصائيات الجنائية الصادرة في كل من الأردن وفلسطين والعديد من دول العالم. كما استحدث باباً جديداً في هذا- المؤلَّف- حول مكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية لأهميته، وخاصة بعد إعلان الأمم المتحدة عام 2000 لاتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية، والطلب من دول العالم التوقيع عليها وتطبيقها، وأيضاً إعلان الجامعة العربية في نهاية عام 2010 لاتفاقية عربية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية بعد اجتماع وزراء الداخلية والعدل العرب في القاهرة والتوقيع على هذه الاتفاقية وأربع اتفاقيات أخرى، وبدء كل دولة عربية بتطبيق هذه الاتفاقيات من خلال قوانينها الوطنية.

لهذا، أقسِّم هذه الدراسة إلى قسمين، أولها لعلم الإجرام، وثانيها لعلم العقاب، على النحو:

القسم الأول: علم الإجرام.

الباب الأول: أولويات علم الإجرام.

الباب الثاني: النظريات العلمية في تفسير الظاهرة الإجرامية.

الباب الثالث: العوامل المؤثرة في الظاهرة الإجرامية.

الباب الرابع: مكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية.

القسم الثاني: علم العقاب.

الباب الأول: أولويات علم العقاب.

الباب الثاني: الجزاء الجنائي (العقوبة والتدبير الاحترازي).

الباب الثالث: تنفيذ الجزاء الجنائي (المؤسسات العقابية والإشراف عليها، تنفيذ الجزاء الجنائي داخلها وخارجها).

وأخيراً، أقدم شكري للأديب ربحي المرقطن والدكتور صبحي عبيد لإشرافهما على التدقيق اللغوي لهذا الكتاب، والكتاب الذي سبقه "شرح قانون العقوبات–القسم العام". وأرجو أن يكون لهذا المؤلَّف قيمته لدى الدارسين والباحثين في المجال القانوني، فالنقص والخطأ واردان، وما الكمال إلا لله وحده الجبار العادل الرحمن الرحيم، وما التوفيق إلا منه.

 

المحامي الدكتور طلال أبو عفيفة

القدس

Page 2

القسم الأول

علم الإجرام

الباب الأول

 أولويات علم الإجرام

تمهيد وتقسيم

نبدأ دراستنا في هذا الباب بعون الله العالم العليم بالحديث حول أولويات علم الإجرام من حيث تعريف هذا العلم الحديث الذي ما زال يشغل رجال القانون نظراً لتداخله وعلوم أخرى واحتياجه الدائم للتطور والتطوير، ومن حيث تاريخ هذا العلم ومراحل تطوره، وموضوعه المتركز في الجريمة والمجرم، وطبيعته وعلاقته بالعلوم الجنائية الأخرى. وبعد ذلك سيتم التطرق إلى أساليب البحث في علم الإجرام.

ولا نعني بحداثة علم الإجرام أن البحث في الجريمة بدأ متأخراً، فالجريمة كسائر وجوه الشر شغلت منذ القدم فكر بني الإنسان، فلا يخلو أي مجتمع قديماً وحديثاً من الجريمة باعتبارها مرضاً يصيب الإنسان ومن ثم تنتقل عدواه إلى إنسان آخر. من أجل ذلك تحرك العلماء والدارسون والباحثون للبحث في أسباب الجريمة للوقاية منها وعلاجها. ورغم كل الجهود المبذولة في هذا المجال إلا أن الجريمة ما زالت تُرتكب في كل مكان من الكرة الأرضية ويقف العالم الذي دخل في الألفية الثالثة عاجزاً عن القضاء على ظاهرة الإجرام وإن كان عمل الكثير للحد منها.

لهذا، ومن أجل المحافظة على الإنسان وتحقيق الأمن والاستقرار له يتوجب علينا أن لا نكون مغرقين في التشاؤم، يائسين كل اليأس من قدرتنا على التأثير ولو بقدر في الظاهرة الإجرامية التي تجعل الإنسان عدواً لأخيه الإنسان. ولئن كان استئصال هذه الظاهرة من جذورها ليس بالسهل، فإن تخفيف وطأتها والحد من ضراوتها هدف يستحق الجهد والعناء من قبل الجهات الحكومية والجهات الأهلية على حد سواء. وذلك هو الهدف البعيد لعلم الإجرام، الإسهام في الجهود الرامية لمحاصرة وتخفيض الجرائم والحد من آثارها. ووسيلة علم الإجرام إلى تحقيق هذا الهدف البعيد هي في فهم الفرد والجماعة واستقصاء الأسباب التي تجعل مجال الأعمال الإجرامية لدى كل منهما خصباً. ولا شك أن معرفة أسباب انتشار الجريمة هي بداية الطريق للحد منها وحماية الإنسان من شرورها.

وقبل الخوض في النظريات العلمية في تفسير الظاهرة الإجرامية وأسبابها الداخلية والخارجية لا بُد من إلقاء الضوء على أولويات علم الإجرام. لهذا نقسم هذا الباب إلى خمسة فصول:

الفصل الأول: التعريف بعلم الإجرام وأهميته. الفصل الثاني: تاريخ علم الإجرام ومراحل تطوره. الفصل الثالث: موضوع علم الإجرام. الفصل الرابع: طبيعة علم الإجرام وعلاقته بالعلوم الجنائية الأخرى. الفصل الخامس: أساليب البحث في علم الإجرام.

Page 3

الفصل الأول

تعريف علم الإجرام وأهميته

علم الإجرام علم حديث النشأة، يرجع العهد به إلى قرون قليلة مضت، سبق مولده إرهاصات طال بها الزمن، ثم تمخض الفكر البشري في نهاية المطاف عن هذا العلم الجديد إلى جانب علم العقاب. ولعلم الإجرام أهمية لا يستهان بها على صعيد محاربة الجريمة في نهاية المطاف.

لهذا، نقسم هذا الفصل إلى مبحثين، نعرض في الأول تعريف علم الإجرام، وفي الثاني أهميته.

المبحث الأول

تعريف علم الإجرام

نقطة البداية في تعريف علم الإجرام هي تحديد محله. وهذا العلم كما يفصح عنه اسمه هو العلم الذي يعكف على دراسة الجريمة، إلا أن علماء الجريمة لم يتفقوا على تعريف واحد موحد لعلم الإجرام. وترجع صعوبة ذلك إلى أن هذا العلم الحديث ما زال في بدايته ويتوقف تعريفه إلى حد كبير على نوع وطبيعة الفكرة التي يكوّنها كل عالم وكل باحث عنه ويرسمها له(1).

ولعلم الإجرام تعريفات عديدة، بعضها متقارب، وبعضها متباعد، ومنها تعريفات موجزة إلا أنها قاصرة عن تحديد معالمه، ومنها تعريفات فضفاضة تدخل فيه ما ليس منه، وبالرغم من تمايز هذه التعريفات وليس اختلافها، إلا أن جوهرها واحد، وهو تفسير الظاهرة الإجرامية، ولهذا قيل أنه توجد لعلم الإجرام تعريفات بقدر ما يوجد علماء للإجرام. فمن التعريفات المجرّدة الموجزة لعلم الإجرام أنه "علم الجريمة"، أو أنه "علم الإنسان المجرم"

أو أنه "العلم الذي يدرس أسباب تكوّن الظاهرة الإجرامية في المجتمع كما يدرس الأسباب الفعالة في مواجهتها"(2)، أو أنه "العلم الذي يبحث في الجريمة وعواملها التي تؤدي بإنسان معين إلى ارتكابها"، أو أنه "العلم الذي يبحث في الجريمة باعتبارها ظاهرة في حياة الفرد، وفي حياة المجتمع، لتحديد وتفسير العوامل التي أدت إلى ارتكابها"(3).

ويمكن تعريف علم الإجرام بشكل فضفاض أنه أحد فروع علم الاجتماع الذي يهتم بدراسة (الظاهرة الإجرامية) في المجتمع دراسة قانونية واجتماعية، تتعقب أسبابها وتستهدف مكافحتها، فهي دراسة ترصد الظاهرة الإجرامية- باعتبارها ظاهرة اجتماعية وقانونية- وتتحرى الأسباب الواقعية التي أدت إلى تكوينها، ثم دراسة الوسائل الكفيلة بمواجهتها- أي أسباب الوقاية منها أو ما يسمى (بالعقوبة أو التدبير الوقائي)- وتحديد أنسب سبل تنفيذها. وبهذا، يكون علم الإجرام فرعاً من فروع علم (الاجتماع القانوني) أو علماً متصلاً به، وهو العلم الذي يهتم بدراسة جميع الظواهر القانونية في واقعها الاجتماعي- ومن بين ذلك الظاهرة الإجرامية- بقصد ترشيد المشرّع، ووضع تنظيم قانوني يتكفل بمقاومتها أو مكافحتها. وقد يقال من هذا المنطلق، أن علم الإجرام هو العلم الذي يدرس أسباب تكوين الظاهرة الإجرامية في المجتمع وأسباب مواجهتها الفعالة. أما الظاهرة الإجرامية فهي: سلوك إنساني لا اجتماعي يحدث اضطراباً في المجتمع أو في العلاقات الاجتماعية- سواء أكان ذلك فعلاً أم امتناعاً- مما يخل بقواعد (الضبط الاجتماعي) أو يخرقها. كما يمكن أن يسمى هذا السلوك (ظاهرة فردية) بصورة عامة، قد تتأتى عن تكوين الفرد أو ظروف الجماعة(4).

ومن التعاريف الفضفاضة لعلم الإجرام ما قاله العالم الايطالي (انريكو فيري) الذي عرّف علم الإجرام بأنه العلم الذي يضم كافة العلوم الجنائية، وخاصة قانون العقوبات الذي

يعد أحد الأبواب له(5). كما عرّفه العالم (سيلج) بأنه علم الجريمة، وعرّفه (فوان وليوتيه) بأنه الدراسة العلمية للظاهرة الإجرامية، وعرّفه (بيلايز) بأنه الدراسة العلمية للمذنب من الناحيتين الداخلية والخارجية، وعرّفه (اكستر) بأنه العلم الذي يدرس الجريمة كظاهرة في حياة الجماعة وفي حياة الفرد، وعرّفه (ستفاني ولوفاسير) بأنه العلم الذي يدرس أسباب الإجرام(6).

وفي الأردن عرّفه الدكتور محمد صبحي نجم بأنه العلم الذي يدرس ظاهرة الجريمة والظواهر المرتبطة بها وطرق وأساليب مكافحتها وطبيعة المجرمين وخصائصهم وبيئتهم(7).

وعرّفه الدكتور محمد عبد الله الوريكات بأنه العلم الذي يُعنى بدراسة الظاهرة الإجرامية سواء في حياة الفرد أو في حياة الجماعة، دراسة تستند إلى أسس علمية، بهدف تفسيرها واستجلاء العوامل التي أدت إلى اقترافها(8).

أما في مصر فقد عرّفه جانب من الفقه بشكل موسع حيث قالوا بأن علم الإجرام هو العلم الذي يدرس أسباب تكوّن الظواهر الإجرامية في المجتمع(9). بينما عرّفه جانب آخر من الفقه بشكل ضيق حيث قالوا بأنه العلم الذي يدرس الجريمة كظاهرة في حياة الفرد   والمجتمع(10).

أما المؤتمر الدولي الثاني للإجرام الذي انعقد في باريس سنة 1950 فقد أقر تعريفاً لعلم الإجرام بأنه: "الدراسة العلمية لظاهرة الإجرام". وأن موضوعه "دراسة أسباب الظاهرة الإجرامية وسبل علاجها"، وأنه يقع في موقع وسط بين قانون العقوبات وبين العلوم التي تدرس الإنسان بصفة عامة، بمعنى أنه يمثل حلقة الاتصال بين أحكام قانون العقوبات وبين هذه العلوم الإنسانية التي يعد علم الإجرام أحدها. وهذا التعريف الواسع لموضوع علم

الإجرام ينطوي على دراسة جميع أصناف المجرمين: من يتمتع منهم بالأهلية الكاملة التي تتطلب توافر القدرة على الإدراك والاختيار، ومن لا يتمتع منهم بهذه القدرة، فيطلق عليهم وصف المجرمين غير الأسوياء(11).

الآراء تعكس مذهب أصحابها

ومهما اختلف الفقه في تعريفهم لعلم الإجرام، إلا أن هذا الخلاف ليس خلافاً عقيماً، والجدال فيه ليس جدلاً أجوف، ذلك أن كل تعريف يعكس مذهب صاحبه في تصوره لعلم الإجرام، وفي تحديد نطاقه، وبيان موضوعه. وجميع هذه التعاريف تباينت فيها آراء أصحابها، وعلى الشكل التالي:

أولاً: أن بعض التعاريف لا يحصر اهتمام علم الإجرام في الجريمة وحدها، بل يمده ليشمل الانحراف إطلاقاً، سواء كان هذا الانحراف جريمة أم لم يكن. وهذا الاتجاه غير  سديد. فما ينبغي لعلم الإجرام أن يجاوز الجريمة الى غيرها من صور السلوك غير الاجتماعي- كالانتحار وإدمان الخمر- مهما بدا الشبه قوياً والارتباط وثيقاً بين الجريمة وبعض هذه الصور.

ثانياً: أن بعض التعاريف يركز على علم الإجرام باعتباره ظاهرة في حياة الفرد، والبعض يركز عليه بوصفه ظاهرة في حياة الجماعة. وكلا المذهبين قاصر عن تحديد موضوع علم الإجرام.    

فهذا العلم لا يقتصر على ظاهرة الإجرام في أحد شقيها، بل أنه يعنى أو ينبغي أن يعنى بدراستها في مجموعها، سواء وصفها حدثاً في حياة الفرد أم في حياة الجماعة.

ثالثاً: أن بعض التعاريف تحمّل علم الإجرام- فضلاً عن دراسة أسباب الجريمة- مهمة اقتراح الوسائل اللازمة لقمع الإجرام وتقويم المجرمين. وذلك الظن فيه إسراف كبير، لأن علم الإجرام لا شأن له بأساليب القمع والتقويم، وإنما هي رسالة ينهض بعبئها علم آخر، وهو علم السياسة الجنائية.

باختصار...

باختصار، فإن علم الإجرام يُعنى بدراسة الجريمة التي تعد أهم أولى موضوعاته التي ينشغل بها، ومن ثم دراسة المجرم الذي يعد ثاني الموضوعات، حيث تشكل الجريمة والمجرم نقطتي البداية لدراسات هذا العلم، ومحوراً لأبحاثه. لذلك فإن علم الإجرام يتناول بالدراسة والتحليل كافة العوامل العضوية والنفسية، والعوامل الاجتماعية المتصلة بالمجرم، والتي دفعته إلى الخروج عن القواعد التي تحكم المجتمع، فأضرّت بمصالح أفراده وعرّضت حياتهم وسلامتهم للخطر(12).

لهذا، فإن علم الإجرام يبحث في الجريمة باعتبارها ظاهرة اجتماعية لها وجودها الحتمي في كل مجتمع وفي كل زمان ومكان، حتى لقد ذهب بعض العلماء إلى القول بوجود ما يسمى بقانون الكثافة الجنائي الذي يقضي بأن ظروفاً بيئية معينة إذا تضافرت معها عوامل شخصية معينة فإنها تنتج في مجتمع ما عدداً معيناً من الجرائم. ويفسر هذا القانون وجود نسبة كبيرة من الجرائم حتى في أكثر المجتمعات رقياً وتقدماً ومدنية. وعلم الإجرام حين يبحث الجريمة باعتبارها ظاهرة حتمية في حياة المجتمع وظاهرة اجتماعية في حياة الفرد إنما يسعى إلى تفسير هذه الظاهرة، ويحاول تحديد العوامل التي أدت إلى ارتكابها(13).

وقد اختلفت المذاهب حول تحديد نوع العوامل الإجرامية، فذهب رأي إلى أن هذه العوامل فردية دائماً تكمن في شخص المجرم سواء تعلقت بتكوينه العضوي حيث يتصف المجرم بسمات معينة، أو تعلقت بتكوينه النفسي حين تضطرب شخصيته، أو كان لها صلة بتكوينه العقلي حيث توجد علاقة واضحة بين درجة الذكاء والجريمة.

وذهب اتجاه إلى القول بأن العوامل الإجرامية لا تعدو أن تكون عوامل بيئية اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية ولا شأن للعوامل الفردية بالجريمة، إلا من حيث إن العوامل البيئية ينعكس أحياناً أثرها في صورة الجريمة عبر شخص المجرم.

أما الرأي الثالث وهو الأقرب إلى المنطق فيقضي بأن العوامل الإجرامية مزيج من عوامل فردية تتعلق بشخص المجرم وعوامل بيئية تتعلق بالمحيط الذي يعيش فيه، إذ يتفاعل نوعا العوامل فيتولد عن تفاعلها حدوث الجريمة.

Page 4

المبحث الثاني

أهمية علم الإجرام

منذ ظهور المدرسة الوضعية بقيادة العالم الإيطالي (لمبروزو) ظهر الارتباط جلياً بين علم الإجرام الذي يبحث في أسباب الجريمة والسياسة الجنائية باعتبارها تهدف إلى حماية المجتمع ضد الجريمة. وعلى ضوء التطورات التي لحقت بعلم الإجرام والتي بينت أهمية العوامل الاجتماعية في وقوع الجريمة ومهدت الوصول إلى معرفة مدى قابلية المجرم للإصلاح، وبتطور مبادئ السياسة الجنائية لعلم الإجرام ظهر الاتحاد الدولي لقانون العقوبات وغيره من المدارس الوسطى، ثم نشأ مذهب الدفاع الاجتماعي في صورته المتطرفة على يد الأستاذ (كراماتيكا) ثم في صورته الجديدة المعتدلة على يد المستشار (مارك آنسيل). ولعب كل من هذه السياسات دوراً في تفسير ظاهرة الإجرام وحق المجتمع في العقاب(14).

لهذا، فإن نظريات علم الإجرام وأبحاثه ودراساته كان لها مساهمة فعالة في الكشف عن الحالات الخطرة التي تنذر بوقوع الجريمة، مثل حالات التشرد، والإدمان على المواد المخدرة والكحولية، والبغاء والمقامرة. فمثل هذه الحالات تقود إلى ارتكاب الفعل الجرمي، وكشفها قبل تنفيذ الجريمة واجب يقع على عاتق رجال الأمن لمنعها وعلاجها باتخاذ التدابير الوقائية منها. ولتحقيق هذه الغاية يقوم الباحثون والمختصون الاجتماعيون ومن لهم علاقة بهذا الشأن بإجراء أبحاثهم ودراساتهم الميدانية على الحالات الخطرة التي تنبئ عن

سلوك إجرامي، إذ تتيح هذه الدراسات الوقوف على عوامل الجريمة سواء كانت فردية أم اجتماعية، وتنبه السلطات المختصة في الدولة لاتخاذ الإجراءات والتدابير الوقائية اللازمة لمواجهة هذه الظواهر الإجرامية والحد منها(15).

كما أن لدراسة علم الإجرام أهمية كبيرة، لأن تحديد الأسباب أو العوامل التي تؤدي إلى وقوع الجريمة هو الأساس الذي لا غنى عنه لتفريد العقوبة(16) تشريعاً وقضاءً وتنفيذاً(17).

فمن حيث التفريد التشريعي للعقاب

يستعين المشرع بأبحاث علم الإجرام ليقرر لكل طائفة من المجرمين العقوبات التي تتناسب مع ظروفهم، من أمثلة ذلك أن يقرر المشرع للمجرمين الأحداث عقوبات تندرج معهم بحسب سنهم، وهي بمجموعها أخف من العقوبات التي يقررها لغيرهم من المجرمين. وهذا ما فعله المشرع الأردني في قانون الأحداث رقم (24) للعام 1968. كما قرر المشرع الأردني عقوبة على تظهير الشيك أو تحريره بصورة تمنع من صرفه من خلال القانون المعدل رقم (9) لسنة 1988.

وهكذا، يفيد الباحث المشرع في علم الإجرام في صياغته للقاعدة الجنائية(18)، سواء فيما يتعلق بشق السلوك (أي تحديد العناصر والأركان المادية التي تعطي للجريمة وصفها

القانوني) أو كذلك فيما يخص شق الجزاء (أي تحديد الجزاء أو التدبير الاحترازي الذي يجب توقيعه على الجاني)(19).

من حيث التفريد القضائي

يستفيد القاضي من الإحاطة بالدوافع التي حدت بالمجرم إلى ارتكاب الجريمة في تقديره للعقوبة المناسبة لظروف كل جريمة، وذلك في نطاق سلطته التقديرية حيث يمنحه القانون سلطة تقدير العقوبة المناسبة بين حد أدنى وحد أقصى للعقوبة، أو في حكمه بإيقاف تنفيذ العقوبة بالنسبة لبعض المجرمين وبشروط معينة، إذا رأى من أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مخالفة القانون.

ومن الأنظمة التي استنبطتها التشريعات الجنائية المعاصرة استناداً لدراسات علم الإجرام، في مجال التفريد القضائي للعقوبة: نظام الاختبار القضائي والإفراج الشرطي، بغية تأهيل المجرم وإصلاحه(20).

من حيث التفريد التنفيذي

تفيد معرفة أسباب ارتكاب الجريمة في تنفيذ السلطات المختصة للعقوبة المحكوم بها على المجرم. ففي ضوء الظروف التي ارتكب المجرم فعله تحت تأثيرها تتحدّد طريقة تنفيذ العقاب، فيراعى في ذلك مثلاً سن المجرم حيث يودع الأحداث في مؤسسة غير التي يودع فيها الرجال، أو جنسه إذ يودع النساء في مؤسسة مستقلة، أو خطورته فيودع مرتكبو الجريمة لأول مرة في مكان غير الذي يودع فيه العائدون إلى الجريمة أو معتادو الإجرام. كذلك يسند إلى المحكوم عليهم أعمال تتفق مع ميول كل منهم.

ولعلم الإجرام أثر كبير في تطوير مراكز الإصلاح والتأهيل والاهتمام بالجوانب الصحية والنفسية والدينية والتعليمية للمحكوم عليهم. كما أن العديد من المنظمات الدولية قامت بعقد

مؤتمرات دولية في مجالات مختلفة كما أنشأت منظمة الأمم المتحدة قسم خاص بالدفاع الاجتماعي لوضع الخطط اللازمة لمكافحة الجريمة والوقاية منها. وعلى الصعيد المحلي، فلقد أنشأت الجمعيات والهيئات والمنظمات المحلية الرسمية والخاصة لدراسة أسباب الجريمة وسبل علاج السلوك الإجرامي، كما حظي هذا العلم أيضاً باهتمام عدد من الجامعات التي أدخلته ضمن برامجها التدريسية في كليات الحقوق(21)، وخاصة كليات الحقوق في الجامعات الفلسطينية والأردنية.

Page 5

أهمية علم الإجرام ليست في ذاته

إذن، ليست أهمية علم الإجرام في ذاته، بل في صلة هذا العلم بالقانون الجنائي. وإذا كان الأخير هو الفرع الذي يضم صور السلوك الموصوفة الجرائم والعقوبات المقررة لها. فإن علم الإجرام يتولى بالوصف والتفسير تحليل هذه الجرائم لا بوصفها فكرة قانونية مجردة، بل باعتبارها مظاهر سلوك واقعية تخضع للبحث التجريبي التفسيري. ولعلم الإجرام في ذلك نظرياته المعروفة كنظرية الانتقال إلى الفعل الإجرامي وفكرة الخطورة الإجرامية كما يولي علم الإجرام- بمفهومه الواسع- اهتماماً خاصاً برد الفعل الإجرامي في مواجهة الجريمة بهدف مكافحة ظاهرة الإجرام. ومن الإسهامات الهامة في هذا الشأن التدابير الاحترازية وفكرة تفريد الجزاء الجنائي.

بل إن أهمية علم الإجرام لا تقتصر على مجال القانون الجنائي الحالي، بل إنها تتجاوز ذلك لتستشرف آفاقاً جديدة في مجال القانون الجنائي المستقبلي. وهنا بالتحديد يتجلى أثر علم الإجرام على السياسة الجنائية. وفي هذا المعنى تؤكد أعمال الجمعية الدولية لعلم الإجرام مدى تغلغل التجارب العلمية لعلم الإجرام ومعطياته العلمية في توجيه السياسة الجنائية، الأمر الذي يكشف عنه التقدم الحادث في الإحصاءات الجنائية الكاشفة عن خط سير حركة الإجرام، وفي رفع النقاب عن أغوار أشخاص الجناة، وفي تثقيف المساجين، وفي ارتقاء مستوى الخبرة في المسائل الجنائية سواء لتشخيص حالة الجناة أم لرسم الأسلوب الناجح في معاملة كل منهم(22).

رسالة علم الإجرام

ولعلم الإجرام رسالة إنسانية متعددة الجوانب منها(23):

إن علم الإجرام يلقي أضواء جديدة على مكافحة الجريمة قبل أن تقع بالفعل عن طريق إعطاء تفسيرات صحيحة لها. وبدون تفسير ظاهرة الجريمة تفسيراً صحيحاً تتعذر الوقاية منها، والوقاية خير علاج.
إن علم الإجرام يلقي أضواء كثيرة على أوجه جديدة للإصلاح الاجتماعي لا يمكن الوصول إليها إلا عن هذا الطريق، وذلك عندما يوضح جذور الجريمة في الأسرة، وفي القيم الاجتماعية السائدة، وفي أثر البيئة الخارجية، وفي الظروف الاقتصادية والتربوية، وأيضاً في الدوافع الداخلية الكامنة في نفس الجاني.
وبالتالي، فإن علم الإجرام يلقى أضواء هامة على سياسة التشريع العقابي، بالإضافة إلى أنظمة السجون وما يرتبط بها من مشكلات دقيقة، ناهيك بسياسة التشريع الاقتصادي والاجتماعي بوجه عام.
إن علم الإجرام يؤدي إلى فهم أكثر عمقاً للإنسان في غرائزه وميوله ونزعاته واندفاعه وسقطاته، وكل ما يؤدي إلى المزيد من فهم الإنسان، يؤدي خدمات عظمى لإسعاده وتخفيف ويلاته.
إن علم الإجرام يفتح آفاقاً جديدة لمعاملة الجناة، وسبلاً جديدة لتصنيفهم ولتفريدهم، سواء أكان التفريد تشريعياً، أم قضائياً، أم إدارياً، بما يتفق مع حالة كل واحد منهم وبواعث جريمته، وقابليته للإصلاح عن طريق العقاب، أو عن طريق مجرد التهديد بالعقاب، بالإضافة إلى نوع تدابير الوقاية وحسن اختيارها بما يلائم حالة كل منهم.
أخيراً، فإن علم الإجرام هو الطريق الوضعي الذي بدّد الكثير من أخطاء النظريات المتطرفة في العقاب، ومن الأوهام البراقة التي طالما ضلّلت خطى التشريع فيما سبق، مثل المبالغة في وظيفة الردع العام أو الخاص، النابعة من المبالغة في تقدير حرية اختيار الجناة، فهو الطريق ليس فقط إلى العقوبة الناجحة، بل أيضاً إلى العقوبة العادلة، والتوفيق بين منفعة العقوبة وعدالتها هو أثمن ما ينبغي أن يصبو إليه أي تشريع عقابي ناجح.

 

Page 6

الفصل الثاني

تاريخ علم الإجرام ومراحل تطوره

في المفهوم المعاصر فإن علم الإجرام هو العلم الذي يبحث في تفسير السلوك الإجرامي الضار بالمجتمع وفي مقاومته، عن طريق إرجاعه إلى عوامله الحقيقية. وهذه العوامل قد تتمثل في الظروف الاجتماعية المحيطة بالجاني، فيوصف عندئذ بأنه علم إجرام اجتماعي، كما قد تتمثل هذه العوامل في دوافع داخلية كامنة في نفس الجاني فيوصف عندئذ بأنه علم إجرام فردي أو علم طبائع الجناة أو العلم الإنساني(24).

وعلم الجرائم هذا بالمعنى الفني لكلمة "علم" حديث نسبياً شأن كل العلوم الأخرى المتصلة بالإنسان والتي لم تزدهر إلا بازدهار الأسلوب الوصفي في التنقيب عن حقائق الحياة بعد أسلوب الافتراض النظري أو التخيل الرحب. على أن ذلك لا ينفي أن من يعود إلى كتابات الأقدمين قد يجد بعض الحقائق التي تكشفت فيما بعد وخلال القرنين الثامن والتاسع عشر بظهور دراسات ونظريات حول علم الإجرام تطورت تاريخياً حتى وصلت إلى ما وصل إليه علم الإجرام هذه الأيام.

لهذا، نبحث في هذا الفصل في نشأة وتاريخ علم الإجرام في مبحث أول، ومراحل تطور علم الإجرام في مبحث ثان.

المبحث الأول

نشأة وتاريخ علم الإجرام

عُرفت الجريمة منذ القدم عندما قتل قابيل أخاه هابيل، وبعد ذلك استمرت الجريمة في المجتمعات البدائية بالخروج عن نظام الجماعة، وكان الاعتقاد السائد أن الأسباب التي تدفع مرتكبي الجرائم لارتكاب جرائمهم هو وجود أرواح شريرة بأجسادهم لابد من طردها من خلال تعذيب المجرم(25). أما فلاسفة الإغريق مثل ايبوقراط وسقراط وأرسطو وأفلاطون فقد أرجعوا الجريمة إلى نفسية مضطربة يرجع اضطرابها إلى عيوب خلقية جسيمة أو انحرافات عقلية(26).

والتفكير الحقيقي في أسباب الجريمة يرجع إلى القرن السادس عشر حيث كتب المؤرخ الانجليزي الشهير (توماس مور) حول ازدياد الجرائم في انجلترا بشكل ملحوظ رغم قسوة العقوبات التي كانت مقررة لها، مستخلصاً من ذلك أن فرض عقوبات قاسية لا يجدي في القضاء على ظاهرة الجريمة إن لم يقترن ذلك بالبحث عن أسباب هذه الظاهرة والقضاء عليها. وفسّر (توماس مور) ازدياد عدد الجرائم في عصره بما كانت عليه حالة الناس من سوء وفقر بسبب البطالة الناجمة عن انتزاع مساحات من الأرض من أيدي كثير من المزارعين لاستغلالها في رعي الماشية. فسوء الأحوال الاقتصادية وحرمان الناس من أسباب العيش المشروعة هو في نظره السبب الرئيس الذي يدفعهم إلى ارتكاب الجرائم(27).

وفي أواخر القرن السادس عشر أصدر العالم (بورتا) كتاباً عن أسباب الإجرام عزا فيه السلوك الإجرامي إلى صفات خاصة في ملامح الوجه لاسيما الجبهة والعينين. وقد أيد هذه الفكرة فيما بعد بعض الفلاسفة والعلماء أمثال (داروين ولمبروزو)(28).

وفي بداية القرن التاسع عشر وفي عام 1833 ظهر مؤلف علمي للعالم الفرنسي (جيري) خصصه لدراسة ظاهرة الجريمة أشار فيه إلى دراسات إحصائية حول الجريمة في فرنسا حلّل خلالها أثر الجنس والعمر والحرفة ومستوى الثقافة وتقلبات الطقس في الجريمة. وفي عام 1864 أصدر (جيري) مؤلفاً آخر عن مقارنة إحصائيات الجريمة في فرنسا بمثيلاتها في انجلترا، وقد انتهى فيه إلى عدة نتائج: منها أن بواعث ظاهرة الإجرام تتكرر سنوياً بنفس النظام، وأن الصلة بين الجهل والجريمة غير محققة، لأن بعض الجرائم يزداد مع ازدياد التعليم، وكذلك أيضاً الصلة بين الفقر والجريمة، حيث إن بعض الجرائم يزداد مع ارتفاع مستوى المعيشة(29).

وفي بلجيكا أصدر (كيتيليه) عام 1835 مؤلفاً عن "الإنسان وتطور ملكاته". وقد عرض فيه لمباحث تعد من صميم علم الإجرام الحديث مثل أثر الطقس في الجريمة، وأثر الظروف الاقتصادية، والذكورة والأنوثة، وتغير الانحراف نحو الجريمة بحسب سني الحياة المختلفة. وقد وزع (كيتيليه) الجناة بحسب صفاتهم الجسمانية والأدبية، كما وزع المجتمعات إلى عدة فئات بحسب الجنس، والسن، ونضج العقل، وذلك من ناحية السلوك الإجرامي لهذه الفئات، وكان (كيتيليه) شديد العناية بتنظيم الإحصاءات الجنائية وتبويبها على أسس علمية، لذا ينظر إليه بعض الباحثين بوصفه مؤسساً لعلم الإحصاء الجنائي.

وأخص ما يميز نتائج بحوث (كيتيليه) أنها حاولت أن تفسر جميع ظواهر الحياة الاجتماعية بحسب قانون "الأعداد الضخمة"، وأن تعتبر الجريمة- لا كواقعة فردية- بل كواقعة عددية تبدو في تذبذباتها الدورية كعمل رياضي خاضع لظروف الساعة الاقتصادية والاجتماعية. وهذا النظر لا يرتبط بالمجرم الحي الذي يضرب صفحاً عن خصائصه البيولوجية الواقعية، بل بالحساب الإحصائي عن الإنسان المتوسط الذي لا وجود له في الواقع(30).

ويؤخذ على أبحاث العالمين (جيري وكيتيليه) أنهما أسرفا في الاعتداد بالعوامل الاجتماعية على حساب العوامل الفردية. مما كان له أكبر الأثر في الاتجاه الفكري لبعض العلماء الذين اعتبروا النظام الاجتماعي هو سبب الظاهرة الإجرامية، أما المجرم فهو ضحية لهذا النظام. ولعل السبب في ذلك أن هذين العالمين قد اعتمدا في دراستهما بصفة أساسية على أسلوب الإحصاء، فهذا الأسلوب يصلح لدراسة الجريمة باعتبارها ظاهرة اجتماعية فحسب ولكنه يعجز عن أن يفسر لنا أسباب الجريمة باعتبارها ظاهرة فردية حيث يتحتم دراسة نفسية الجاني لاستخلاص البواعث الشخصية التي دفعته إلى ارتكاب الجريمة.

غير أن هذا النقد لا يقلّل من فضل هذين العالمين إذ ألقيا الضوء ساطعاً على العوامل الاجتماعية للسلوك الإجرامي بعد أن اقتصرت الدراسات السطحية المتناثرة السابقة عليهما على العوامل التكوينية لدى المجرم، سواء ما تعلق منها بجسمه أو بنفسه، وبذلك يرجع إليهما الفضل في وضع اللبنات الأولى لعلم الاجتماع الجنائي(31).

وتعد دراسات العالمين (جيري وكيتيليه) وعلماء آخرين من وجهة نظر البعض من أهم الدراسات في علم الإجرام التي ظهرت في القرن التاسع عشر وحتى الآن، في حين يرى البعض الآخر أن الدراسات في علم الإجرام لم تزدهر إلا في أحضان المدرسة الوضعية، ومهما يكن من أمر فإنه لا يمكن إغفال دور المدرسة الجغرافية في إبراز العوامل الاجتماعية لإحداث الظاهرة الإجرامية، ويسجل لها أيضاً أنها مهدت الطريق للمحاولات العلمية في تفسير الظاهرة الإجرامية(32).

Page 7

المبحث الثاني

مراحل تطور علم الإجرام

لمبروزو صاحب كتاب "الإنسان المجرم"

شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطوراً في علم الإجرام بعدما ظهرت المدرسة الوضعية الإيطالية بقيادة مؤسسها الأول الطبيب الايطالي (شيزار لمبروزو). وقد اتجهت هذه المدرسة إلى البحث عن أسباب الجريمة في التكوين الجسماني للمجرم فركّزت اهتمامها في دراسة المجرمين من الناحيتين التشريحية والعضوية. وكان (لمبروزو) أستاذاً للطب الشرعي بجامعة تورين وعمل في خدمة الجيش الايطالي فترة من الزمن لاحظ خلالها انتشار الوشمات والرسوم القبيحة على أجسام الجنود المنحرفين في مقارنتهم بالجنود الأسوياء. وقد دفعه هذا إلى دراسة الخصائص العضوية للمرضى ثم للمجرمين، فلفت نظره بصفة خاصة وجود شذوذ في التكوين الجسماني لعدد من مرتكبي جرائم العنف. ثم قام بفحص جماجم عدد كبير من المجرمين فلاحظ عليها شذوذاً في الأسنان وفي حجم الجمجمة وشكل الجبهة. وبمقارنة هذه الجماجم بجمجمة الإنسان البدائي وبجماجم بعض الحيوانات المتوحشة انتهى (لمبروزو) إلى أن المجرم الحقيقي هو "المجرم بالفطرة" أي ذلك الإنسان الذي يولد مجرماً بطبيعته بناء على ما ورثه عن أصله الأول من خصائص أو علامات بيولوجية معينة هي التي تدفعه ن طريق التفاعل مع شخصيته إلى ارتكاب الجريمة. وحاول (لمبروزو) أن يحدّد خصائص هذا الجرم في كتابه عن "الإنسان المجرم" الذي أصدره في سنة 1876(33).

ومما لا شك فيه أن (لمبروزو) كان له فضل كبير في إنشاء وازدهار علم الإنسان "الانثربولوجيا" حيث قسٌم المجرمين إلى طوائف بحسب اختلافهم في أوجه النقص محاولاً دراسة خصائص كل مجموعة وبيان الصلة بينها وبين السلوك الإجرامي. وبذلك يعتبر المنشئ الأول لعلم الطبائع الإجرامية، كذلك لا يجحد فضله في الدعوة الى اتخاذ التدابير الوقائية لحماية المجتمع من جريمة يرجح احتمال ارتكابها. إلا أن (لمبروزو) قد جانبه التوفيق حين قصر موضوع بحثه عن أسباب الجريمة على شخصية المجرم، وأغفل كل تأثير للعوامل الاجتماعية التي لا يمكن إغفال قوتها الدافعة إلى السلوك الإجرامي، فضلاً عن تأثيرها في نفسية الشخص وعاداته وطباعه(34).

أنريكو فيري صاحب قانون "الكثافة الجنائي"

وإزاء الانتقادات التي وجهت إلى (لمبروزو) ظهر تلميذه (أنريكو فيري) وحاول إبراز أهمية عامل البيئة في خلق الجريمة، فذهب في كتابه "علم الاجتماع الجنائي" الذي أصدره في عام 1884 إلى أن الجريمة خلاصة تفاعل أنواع ثلاثة من العوامل هي:

العوامل الطبيعية والجغرافية كالجنس والمناخ والموقع الجغرافي وتأثير الفصول والحرارة.
العوامل الانثربولوجية ويدخل فيها السن والنوع والخصائص العضوية والفسيولوجية.
العوامل الاجتماعية وتشمل كثافة السكان والعادات والعقائد والتنظيم السياسي والظروف الاقتصادية... الخ.

ومن هذه العوامل الثلاثة ينشأ ما سماه (فيري) "قانون الكثافة الجنائي" ومؤداه أن اقتران عوامل أنثربولوجية معينة بظروف اجتماعية معينة وعوامل طبيعية وجغرافية معينة ينتج عدداً معيناً من الجرائم لا يمكن ارتكاب لا أكثر ولا أقل منه. وخلص (فيري) من ذلك إلى أن الجريمة نتيجة حتمية لعوامل معينة بحيث إذا توافرت هذه العوامل بالنسبة لشخص ما فإنه يجد نفسه مسيّراً إلى ارتكاب الجريمة. لهذا فإن الإجراء الذي يتخذ قبل المجرم لا يمكن تأسيسه على فكرة المسؤولية الأدبية- إذ هذه الفكرة تفترض حرية الاختيار- وإنما على حق المجتمع في الدفاع عن نفسه ضد الجريمة أياً كانت أسبابها وذلك بمحاولة القضاء على هذه الأسباب(35).

جاروفالو صاحب تسمية "علم الإجرام"

يعتبر العالم الايطالي (جارو فالو) أحد مؤسسي علم الإجرام الوضعي، بل أنه يعد أول من استخدم مصطلح علم الإجرام جاعلاً منه عنواناً لكتابه الصادر في تورينو عام 1885. وقد عني (جاروفالو) بالتعريف الاجتماعي للجريمة رافضاً الأخذ بالتعريف القانوني. وقد خلص إلى تقسيم الجرائم إلى طائفتين هما الجرائم الطبيعية والجرائم الاصطناعية أو الاتفاقية. فالجريمة الطبيعية هي كل سلوك يتعارض مع الشعور بالشفقة والأمانة. والمجرم بدوره هو الشخص الذي يتصف بأن مشاعر الغيرية لديه ليست سليمة، فلم تنضج إلى الدرجة التي تتوافر لدى الشخص الطبيعي في المجتمع. والحق أن (لجاروفالو) يرجع الفضل في ضبط وبلورة المفهوم الاجتماعي للجريمة(36).

وحاول (جاروفالو) الربط بين السلوك الإجرامي وبين الخصائص الخلقية والعضوية في شخصية المجرم. وذهب إلى أن العيوب التي تتوافر في عظم الفك السفلي تعد دليلاً على العنف والوحشية، وأن الجزء الخلفي من الرأس يمتاز عموماً لدى المجرمين بزيادة في النمو عن الجزء الأمامي. إلا أنه قد أخذ تلك النتائج بتحفظ. حيث لم يثبت من الناحية العلمية أن الخصائص البيولوجية التي بنى عليها (لمبروزو) نظريته تتوافر دائماً لدى كافة أنماط المجرمين.

ومع ذلك فلم يتوقف (جاروفالو) عند إبراز الصفات العضوية لدى المجرم، بل وجه اهتمامه أيضاً إلى فكرة الشذوذ النفسي أو الخلقي واعتبرها تفسيراً للظاهرة الإجرامية، وأكد انتقال هذا الشذوذ بالوراثة. فالمجرم لديه ليس فحسب تكويناً خلقياً شاذاً بل هو كذلك نفس شاذة تفتقد إلى الورع والأمانة. ويعد تخلف الورع فيها مصدراً لجرائم الدم، وتخلف الأمانة مصدراً لجرائم المال. وقد قسّم (جاروفالو) المجرمين إلى طوائف أربع طبقاً لدرجة الشذوذ الخلقي وهم: 1. القاتل، 2. المجرم بالعنف، 3. اللص، 4. المجرم الشهواني. وقد اقترح (جاروفالو) طائفة من التدابير التي تناسب كل صنف من الجناة الهدف منها تأكيد حماية المجتمع بصفة أصلية، وتقويم سلوك الجاني مستقبلاً بصفة تبعية. وترتبط كافة هذه التدابير بدرجة الخطورة التي تفصح عنها شخصية الجاني لا بالجسامة الموضوعية للفعل الإجرامي نفسه(37).

هانز جروس أول من أنشأ "معهد إجرامي"

وفي النمسا أيضاً ظهرت إرهاصات مدرسة خاصة لعلم الإجرام على يدي (هانز جروس 1847-1915) الذي كان مدعياً وقاضياً ثم أستاذاً للقانون الجنائي في جامعة جراتز والذي أنشأ "المعهد الإجرامي" هناك منذ سنة 1912 بهدف دراسة جميع أنظمة علم الإجرام المختلفة. وتتميز آراء (هانز جروس) بأنها تنظر للمجرم كوحدة نفسية ينبغي أن تقوم دراستها على ملاحظة كل حالة فردية بكل خصائصها، مادام أن المجرم لا يوجد "كنموذج أنثربولوجي موحد" كما يراه (لمبروزو)، ولا "كإنسان متوسط" كما يراه (كيتيليه). كما تتميز بمحاولة الربط الوثيق بين أحكام التشريع العقابي التي تكشف عنها علم الإجرام(38).

ولعل من أهم ما يميز هذه المدرسة النمساوية لعلم الإجرام هو أن جميع روادها من أساتذة القانون الجنائي، وفي ذلك تختلف عن المدارس الفرنسية والايطالية حيث نجد العدد الأكبر من هؤلاء الرواد من علماء الاجتماع أو من الأطباء. وقد كان (لهانز جروس) فضل إدخال علم الإجرام كمادة أساسية في جامعة جراتز.

ومنذ سنة 1923 حذت جامعة فيينا حذو جامعة جراتز في شأن كيفية تدريس علم الإجرام، وقد حسمت بهذا الحل الخلاف الذي أثير أحياناً حول الجهة المختصة بمباحث علم الإجرام، وهل ينبغي أن تكون هي كليات الحقوق أم الآداب أم الطب؟ وذلك لأن موضوعات علم الإجرام بمفهومه الحديث تنتمي إلى أوجه نشاط علمية متعددة تتبع هذه الجهات الثلاث في وقت واحد، وربما بنفس المقدار، ولكن جدواه للمشتغلين بالعدالة الجنائية تبدو أقوى بكثير من جدواه لغيرهم، حتى ليمكن اعتباره حجر الأساس الآن في كل عدالة تستحق هذا الوصف(39).

وقد تتابعت بعد ذلك مجهودات العديد من العلماء الذين قاموا بدراسة أعمال رواد المدرسة الوضعية، فظهرت نظريات جديدة أكثر التزاماً بمنهج البحث التجريبي، وأكثر شمولاً في تفسيرها للسلوك الإجرامي. وساهم كذلك في تطوير وإثراء الدراسات الإجرامية ما يمكن تسميته بحركة تدويل علم الإجرام حيث اهتمت الجمعيات والمنظمات الدولية ببحث ظاهرة الجريمة على مستوى العالم كله(40).

فالقرن العشرون تميز بتوحيد الجهود السابقة التي ظهرت خلال القرن التاسع عشر في دراسة وتحليل الظواهر الإجرامية ووضع قواعد علم الإجرام، فأنشأت هيئات علمية مختلفة، وأنشئت الجمعية الدولية لعلم الإجرام في عام 1934، ثم انعقدت مؤتمرات دولية كان أولها في روما عام 1938، ثم في باريس عام 1950، ولندن عام 1955، ولاهاي عام 1960(41)، وما زالت هذه المؤتمرات حول علم الإجرام والجريمة تعقد حتى اليوم في دول العالم.

باختصار...

باختصار، يتبين من المراحل التي تطوّر فيها علم الإجرام أن كل عالم أو باحث اتخذ وجهة معينة تعمّق في دراستها على حساب الوجهة الأخرى. فقد طغت لدى البعض دراسة الإنسان وتكوين أعضائه على دراسة العوامل الاجتماعية. كما طغت لدى البعض الآخر دراسة العوامل الاجتماعية على العوامل الشخصية. ولما كانت دراسة ظاهرة تتطلب دراسة عواملها المختلفة بقدر متساو من الأهمية فقد دعا البعض في أوائل القرن العشرين إلى إنشاء علم جنائي جديد تُدرّس في نطاقه جميع العوامل التي تسبب الجريمة من عوامل تكوينية عضوية ونفسية وعقلية إلى بيئية، على أن يستعان في ذلك بدراسة العلوم المختلفة مثل الأنثربولوجيا الجنائية، وعلم الاجتماع، وعلم الطب بما يشمله من دراسة الأمراض العقلية وعلم وظائف الأعضاء، ومثل علم الاقتصاد والجغرافيا والإحصاء والتحليل النفسي الذي يلقي الضوء على الدوافع الخفية للسلوك الإجرامي(42).

وهكذا نشأ علم الإجرام في صورته الحديثة بعناصره المتكاملة. ثم قررت كثير من الجامعات تدريسه كمادة أساسية فيها، وخاصة كليات الحقوق في فلسطين والأردن.

Page 8

الفصل الثالث

موضوع علم الإجرام

الجريمة ليست حركة مجهولة المصدر، ولكنها سلوك إجرامي يقوم به الإنسان. ولا يمكن لعالم أو باحث أن يتناول بالدراسة فعلاً مجرداً، فهذا أمر يجاوز الطاقة، لاستحالته منطقياً. وإنما السبيل إلى دراسة سلوك بالوصف والتعليل هو دراسته من خلال مرتكبه. لهذا فإن علم الإجرام دائب البحث في موضوعين، هما: الجريمة والمجرم. فقد شغلت الجريمة والمجرم ومازالتا تشغلان اهتمام قانون العقوبات وربما بدرجة أكبر. غير أن معالجته لكليهما تختلف عن معالجة علم الإجرام لهما.

في هذا الفصل نعرض لمفهوم الجريمة في مبحث أول، ومفهوم المجرم في مبحث ثان.

المبحث الأول

الجريمة

حدثت أول جريمة على الأرض عندما قتل قابيل هابيل في أول جريمة عرفها الإنسان. لهذا تمثل الجريمة منذ القدم ظاهرة ضارة وميكروباً خطيراً يصيب كل المجتمعات، القديم منها والحديث، بحيث لا يخلو أي مجتمع من المجتمعات من الجريمة، باعتبارها مرضاً يصيب الفرد، ومن ثم تنتقل عدواه إلى غيره من الأفراد. لهذا كله فإنه بات من اللازم والضروري لكل المجتمعات أن تضع يدها على الأسباب المؤدية إلى الجريمة من أجل القضاء عليها أو الحد منها كحد أقصى بواسطة الأبحاث والدراسات في شتى الميادين العلمية والطبية والاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية. ولا يتم ذلك إلا من خلال العلماء والباحثين والمتخصصين في علم الجريمة، وما يقومون به من جهد للوقوف على أسباب السلوك الجرمي. ولم يتوقف البحث عن أسباب الظاهرة قديماً وحديثاً للوقاية منها وعلاجها، فالتقدم الحضاري الذي وصل إليه العالم المتحضر منذ الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر كان ومازال عاجزاً عن القضاء على الجريمة، لكنه يستطيع أن يحد من هذه الظاهرة إلى أقصى درجة ممكنة(43).

والجريمة تمثل من المسؤولية الجزائية جانبها الموضوعي، حين يمثل الجاني جانبها الشخصي. وقد كان جل الاهتمام- قبل ظهور المدرسة الوضعية الايطالية- بالجانب الموضوعي للجريمة، عندما نجحت هذه المدرسة في تحويل الانتباه إلى شخص الجاني والاقتراب بذلك من أرض الواقع في معالجة مشكلة الجريمة. ولكن لا بُد في النهاية لكل مسؤولية من اجتماع الجانبين معاً: الجريمة حتى تكون مصدراً للمسؤولية الجزائية والجاني حتى يكون محلاً لها، فلا يتصور الفصل بينهما في الواقع(44).

وفي كل جريمة، لا بد أن يكون جانٍ ارتكبها، ومجني عليه لحقه الأذى منه. فالجاني هو الشخص الذي يحقق بسلوكه الجريمة، ولذلك فإن كل جريمة لا بد أن يرتكبها شخص مهما كانت الوسائل التي استخدمها في ارتكابها. وكقاعدة عامة لا يتطلب القانون صفة معينة في الجاني أو مرتكب الجريمة. فغالبية قواعد التجريم تخاطب جميع الأفراد الخاضعين لسلطان النص، وبالتالي تتحقق الجريمة من أي فرد مخاطباً بالنص ويكتسب بذلك صفة الجاني. أما المجني عليه فهو الشخص- الطبيعي أو المعنوي- الذي لحق به الأذى من الجريمة. غير أن الجريمة قد تضر بآخرين خلاف المجني عليه، إلا أنه ليس كل متضرر من الجريمة يعتبر مجنياً عليه. ويلاحظ أن هذه التفرقة تنعكس على كثير من جوانب قانون العقوبات والإجراءات الجزائية، ذلك أن المشرع يعطي للمجني عليه حقوقاً لا تثبت للمتضرر، كما قد يمنحه عوامل أخرى تؤثر على قيام الجريمة وعلى مباشرة الدعوى الجزائية المتعلقة بها.

وللجريمة مفهوم في علم الإجرام يختلف عن مفهوم الجريمة في قانون العقوبات، إلا أننا هنا لا بُد من عرض مفهوم الجريمة في قانون العقوبات في مطلب أول، ومفهوم الجريمة في علم الإجرام في مطلب ثان، والجريمة في الشريعة الإسلامية في مطلب ثالث.

 

Page 9

المطلب الأول

مفهوم الجريمة في قانون العقوبات

تعرف الجريمة عند فقهاء القانون الجنائي بأنها فعل أو امتناع يقرر له المشرع جزاءً جنائياً، سواء كان هذا الجزاء عقوبة أو تدبيراً وقائياً. ويتضح من هذا التعريف أنه لا يكفي لوصف سلوك ما بوصف الجريمة أن يثبت أن هذا السلوك غير مشروع، بل ينبغي التحقق أساساً من نوع الجزاء الذي يرتبه القانون عليه. والجزاءات الجنائية واردة في القانون على سبيل الحصر، وهي أثر مقصور على الجرائم وحدها، ووسيلة لازمة وكافية لتمييزها عن غيرها من الأعمال غير المشروعة (45).

فالتعريف الصحيح للجريمة في المدلول الجنائي هو التعريف الذي يبين عناصر الجريمة إلى جانب بيانه لأثرها. لهذا فإن الجريمة فعل غير مشروع صادر عن إرادة جرمية يقرر لها القانون عقوبة أو تدبيراً احترازياً(46).

إن صفة عدم المشروعية التي تلحق بالفعل الجرمي إنما تحدّد على أساس مدى ارتباط الفعل بالمصلحة المحمية من حيث إضراره بها أو تهديده إياها بالضرر من عدمه. فإذا انتفت تلك العلاقة الضارة بين الفعل والمصلحة زالت عنه الصفة التجريمية. لهذا فإن لكل جريمة موضوعاً قانونياً تشكل اعتداء عليه. وهذا الموضوع هو الحق أو المصلحة محل الحماية الجزائية. فالمشرع لا يجرّم الأفعال من أجل التجريم وإنما باعتباره وسيلة لحماية مصلحة بعينها. والمصلحة المحمية تعتبر حجر الزاوية في دراسة الجريمة، وذلك وفقاً للفقه السائد(47).

لهذا، فإن أي سلوك لا يخالف القانون ولم يرتب له القانون عقوبة بنص قانوني، فلا يعد سلوكاً جرمياً، ولا يكون مرتكبه مجرماً، ومن ثم يخرج من إطار اهتمام علم الإجرام، ولا يمكن لعلم الإجرام أن يبحث بالدوافع أو العوامل التي أدت إليه(48).

وقد وضع العالمان الأمريكيان المعاصران (سذرلاند وكريسي) سبع مميزات للجريمة، هي(49):

1- حدوث ضرر ينعكس على المصالح الاجتماعية. فالقانون لا يعاقب النية المجردة. ومن أراد أن يقتل ثم لم يفعل فإنه لا يكون مجرماً.

2- وجود نص يعاقب على الفعل الذي أحدث الضرر، وبالتالي فكل فعل لا يحدث ضرراً، لا يعاقب.

3- أن يقوم الفاعل بسلوك يتصف بأنه فعل أو امتناع مقصود أو على الأقل متسبب من إهمال خطير.

4- النية الجرمية أساس التجريم. ولا بُد من التفريق بين النية الجرمية والأسباب الدافعة إلى السلوك الجرمي، أي الدوافع. فالنية دوماً تكون سيئة، ولكن الدافع قد لا يكون كذلك.

5- يجب أن يتحقق امتزاج بين النية الجرمية وبين الفعل. فالشرطي الذي يدخل بيتاً للقبض على مجرم، وبعد أن يقبض عليه يرتكب جريمة قبل أن يغادر البيت، لا يعتبر منتهكاً حرمة البيت لعدم وجود امتزاج بين النية الجرمية وبين الفعل المعاقب. (ذلك أنه دخل من أجل القيام بعمل مشروع، لذلك تنحصر مسؤوليته في الفعل الذي ارتكبه فقط، وليس لدخوله البيت أية مسؤولية خاصة ولو انتهى إلى ارتكاب الجريمة).

6- وجود صلة سببية بين الضرر الذي يمنعه القانون والفعل المقصود المعاقب. والامتناع يكافئ الفعل. فالذي لا يمسك القلم ليملأ الورقة التي يجب أن يقدمها إلى مسؤول الضرائب، يخالف بامتناعه القانون الجزائي.

7- يجب أن يكون القانون قد تضمن النص على عقوبة صريحة.

ويتنازع تعريف الجريمة من الناحية القانونية اتجاهان في الفقه: أحدهما مادي والآخر شخصي ويهتم الاتجاه المادي بالفعل الإجرامي أو نتيجته المادية. أما الاتجاه الشخصي فإنه يقيس الجريمة بالنظر إلى الإرادة الآثمة لمرتكبها ومدى اتجاه نيته نحو مخالفة القانون. وواقع الأمر أن الجريمة تجمع بين الركنين المادي والشخصي معاً، ولا تقوم على عنصر واحد منهما. فالجريمة ليست محض فعل مخالف للقانون، أو إرادة ضد القانون، وإنما تجمع بين الاثنين ولا قيام لها بدونهما.

ومن الناحية الاجتماعية، تتحدّد الجريمة في ضوء أثرها على العلاقات الاجتماعية ووجهة نظر المجتمع في مدى وجوب العقاب عليها. وقد لا يتفق مدلول الجريمة من الناحية الاجتماعية مع مدلولها من الناحية القانونية إذا ما أدرك المشرع أن الانحراف الاجتماعي الذي تتضمنه لا يصل إلى درجة المساس بالمصلحة الاجتماعية. ويهتم علم الاجتماع القانوني بأن تكون الجريمة من الناحية القانونية تعبيراً صادقاً عن أحاسيس المجتمع بوجوب إضفاء التجريم عليها، حتى يتجاوب التجريم مع حاجيات المجتمع. فهناك خلاف بين علماء الإجرام حول تحديد معنى الجريمة، وهل ينصرف إلى مدلولها القانوني أم مدلولها الاجتماعي. والرأي الراجح هو المدلول القانوني(50).

عناصر الجريمة

بما أن الجريمة فعل مشروع صادر عن إرادة جرمية يقرر له القانون عقوبة أو تدبيراً احترازياً، فإن عناصر الجريمة هي(51):

1- ارتكاب سلوك جرمي

تفترض الجريمة ارتكاب فعل يتمثل فيه الجانب المادي لها، فلا جريمة إذا لم يُرتكب فعل. ونعني بالفعل السلوك الجرمي أياً كانت صورته، وعلى هذا النحو يتخذ تعبير الفعل مدلولاً اصطلاحياً يشمل النشاط الايجابي كما يتسع للامتناع، ومثال النشاط الايجابي تحريك المجرم يده لأخذ مال للمجني عليه أو قدمه لركله أو لسانه للنطق بعبارات تعد ذماً أو قدحاً في حقه، ومثال الامتناع إحجام الموظف عن تنفيذ الأوامر القانونية الصادرة إليه من رئيسه أو إحجام الأم عن إرضاع طفلها ليهلك. والأصل أن تترتب على الفعل آثار يتمثل فيها الاعتداء على الحق الذي يحميه القانون، مثال ذلك: وفاة المجني عليه في جريمة القتل، وانتقال المال المختلس من حيازة المجني عليه إلى حيازة السارق في جريمة السرقة، فالوفاة اعتداء على الحق في الحياة وانتقال الحيازة اعتداء على الملكية والحيازة، وتعد آثار الفعل جزءاً من ماديات الجريمة، ويطلق عليها تعبير "النتيجة الجرمية"(52).

2- أن يكون السلوك الجرمي غير مشروع

تفترض الجريمة المرتكبة من قبل المتهم الجاني أن يكون السلوك المرتكب غير مشروع طبقاً لقانون العقوبات أو القوانين المكملة له. وعدم مشروعية السلوك طبقاً لأحكام قانون العقوبات يفترض وجود نص في القانون يجرّمه، وذلك إعمالاً لقاعدة أنه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص قانوني"(53).

والقاعدة في التشريع الحديث أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون. فأي أداة غير القانون لا تقوى على إسباغ وصف الجريمة على سلوك مهما ثبت ضرره أو خطره، ومهما أجمع الناس على استنكاره. وإنما يكتسب السلوك هذه الصفة في اللحظة التي يتدّخل فيها المشرع فيحظر هذا السلوك ويقرّر لمرتكبه عقوبة. وهذه القاعدة في العصر الحاضر من القواعد الأساسية لتعلقها بالحريات. ولذلك لا يكتفي المشرعون بالنص عليها في مجموعات قوانين العقوبات، بل يبلغ الحرص عليها حداً يدفعهم الى إدماجها في صلب دساتير الدول(54).

صدور السلوك الجرمي عن إرادة جرمية

تفترض الجريمة صدور الفعل غير المشروع عن إرادة جرمية، فليست الجريمة ظاهرة مادية خالصة، بل هي عمل إنسان يُسأل عنها ويتحمل العقاب من أجلها، ولذلك يجب أن تكون ذات أصول في نفسيته، وبغير العلاقة بين شخصية المجرم وماديات الجريمة يستحيل تحديد شخص تقوم مسؤوليته عنها. وتتوافر هذه العلاقة إذا سيطرت إرادة المجرم على ماديات الجريمة فكانت بذلك محل لوم القانون. وللإرادة الجرمية صورتان: القصد الجرمي والخطأ. ويعني القصد الجرمي اتجاه الإرادة إلى الفعل ونتيجته، ويفترض الخطأ اتجاه الإرادة إلى الفعل دون النتيجة على الرغم من أنه كان في وسع المجرم ومن واجبه أن يتوقع النتيجة وأن يحول دون حدوثها(55).

فرض عقوبة أو تدبير احترازي على مرتكب الجريمة

تفترض الجريمة أن القانون يقرر لها عقوبة أو تدبيراً احترازياً. ويفترض توقيع العقوبة أو التدبير الاحترازي نشوء المسؤولية الجزائية على عاتق مرتكب الجريمة نتيجة لاستجماع أركانها. ومن العقوبات التي تفرض على المتهم المدان بارتكاب الجريمة، الإعدام والأشغال الشاقة والحبس. ومن التدابير الاحترازية، الحجز في مأوى احترازي أو علاجي والمصادرة العينية وحل الهيئة المعنوية. لهذا لا تعد مخالفة القانون جريمة إلا إذا كان نهي أوامر القانون مشفوعاً بإنذار المخالف بالعقاب. فقانون العقوبات لا يقال فيه مثلاً: "لا يجوز لأحد أن يقتل"، بل يقال: "من قتل يعاقب بعقوبة كذا..."(56).

أركان الجريمة

تقوم أركان الجريمة على ثلاثة أركان، وهي(57):

1- الركن القانوني، وهو الصفة غير المشروعة للفعل، ويكتسبها إذا توافر له أمران هما: خضوعه لنص تجريم يقرر فيه القانون عقاباً لمن يرتكبه، وعدم خضوعه لسبب تبرير، إذ إن انتفاء أسباب التبرير شرط ليظل الفعل مختصاً بالصفة غير المشروعة التي اكسبها له نص التجريم.

2- الركن المادي، وهو ماديات الجريمة، أي المظهر الذي تبرز به إلى العالم الخارجي. ويقوم الركن المادي عادة على ثلاثة عناصر: الفعل والنتيجة الجرمية وصلة السببية. فالفعل هو النشاط الإيجابي أو الموقف السلبي الذي ينسب إلى المجرم، والنتيجة الجرمية هي أثره الخارجي الذي يتمثل فيه الاعتداء على حق يحميه القانون، وصلة السببية هي الرابطة التي تصل ما بين الفعل والنتيجة، وثبت أن حدوث النتيجة يرجع إلى ارتكاب الفعل.

3- الركن المعنوي، هو الإرادة التي يقترن بها الفعل، سواء اتخذت صورة القصد، أو اتخذت صورة الخطأ. ويقوم الركن المعنوي للجريمة على الإرادة الآثمة التي وجهت سلوك الجاني المخالف للقانون، حيث إن هذه الإرادة الآثمة هي حلقة الوصل بين الجريمة كواقعة مادية لها كيان خارجي، وبين الإنسان الذي صدرت عنه، والذي يعتبره القانون بالتالي مسؤولاً عن هذه الجريمة ويصفه بأنه جان أو مجرم(58).

ولقد سار الفقه في البلاد العربية على هذا التقسيم الثلاثي لأركان الجريمة، ولكن بعض الشراع يرون إضافة ركن رابع للجريمة، أطلقوا عليه ركن البغي، ومقتضاه ألا يكون الفعل الجرمي المعاقب عليه قد ارتكب استعمالاً لحق مقرر بموجب القانون(59).

تقسيم الجرائم في قانون العقوبات

تنقسم الجرائم في قانون العقوبات أقساماً عدة تتنوع تبعاً للأسس التي تقوم عليها، وهي من موضوعات قانون العقوبات، لكننا سنعرض لها بشكل موجز لارتباط بعضها بعلم الإجرام، على الشكل التالي(60):

 

Page 10

أولاً: تقسيم الجريمة بحسب خطورتها

تقسّم الجريمة حسب خطورتها إلى ثلاثة أنواع:

الجنايات والجنح والمخالفات: وأساس هذا التقسيم هو اختلاف الجرائم فيما بينها من حيث مقدار جسامتها، فأشد الجرائم جسامة هي الجنايات وأقلّها جسامة هي المخالفات وتتوسط الجنح بين النوعين. وقد قدّر المشرع جسامة كل جريمة ينص عليها ناظراً إلى كل جوانبها وعناصرها ثم رتّب الجرائم من حيث جسامتها ووزعها على الأقسام الثلاثة السابقة، وبعد ذلك وضع معياراً واضحاً سهل التطبيق تقاس به جسامة كل جريمة ويعرف موضعها في أحد الأقسام السابقة، هذا المعيار هو نوع أو مقدار العقوبة المقررة لها(61).

ومعيار تقسيم الجرائم إلى جنايات وجنح ومخالفات هو نوع العقوبة المقررة للجريمة. فإذا كانت العقوبة المقررة بنص القانون هي إحدى العقوبات الجنائية فتكون الجريمة جنائية. أما إذا كانت العقوبة المقررة هي الحبس أو الغرامة، فتكون الجريمة المرتكبة جنحة أو مخالفة. ولذلك كانت التفرقة بين الجنايات من جهة والجنح والمخالفات من ناحية ثانية يسيرة. 

وأخيراً فإن العبرة في التمييز بين الجرائم (الجنايات والجنح والمخالفات) هي بما نص عليه القانون لا بما تقضي به المحكمة الجزائية(62).

ويترتب على تقسيم الجرائم إلى جنايات وجنح ومخالفات أهمية كبيرة، سواء في نطاق قانون العقوبات من حيث تطبيق الأحكام الجزائية مكانياً والشروع في ارتكاب الجريمة وتوقيع العقوبة، أم في نطاق الإجراءات الجزائية من حيث الاختصاص والإجراءات والضمانات وطرق الطعن في الأحكام وتقادم الدعوى الجزائية والدعوى المدنية(63).

ثانياً: تقسيم الجرائم بحسب المصلحة محل الحماية

يمكن تقسيم الجرائم تبعاً لهذا المعيار إلى جرائم مضرة بالمصلحة العامة، وجرائم مضرة بالمصلحة الخاصة، على الشكل التالي(64):

1- الجرائم المضرة بالمصلحة العامة

هي كل جريمة تضر بالمصلحة العامة لإخلالها بالنظام العام الذي فرضه المجتمع وأقر له عقوبة على كل من يخالفه. لكن هناك طائفة من الجرائم خصها المشرع بأن وصفها بأنها "مضرة بالمصلحة العامة" لما قدرّه فيها من أنها تمس- أكثر من غيرها- بهذه المصلحة مساساً مباشراً ومقصوداً لذاته في الغالب. وهي قد تقع من موظفين عموميين، كما قد تقع من أفراد الناس على موظفين عموميين، أو على جهات ذات طابع عام، كالدولة والحكومة والإدارات الحكومية والمؤسسات ذات النفع العام. فهي موجهة- بحسب الأصل- ضد "الشيء العام" طبقاً للتعبير الفرنسي، وذلك هو ما يميزها على الجرائم الموجهة- بحسب الأصل- ضد آحاد الناس، بصرف النظر عن صفة الجاني ونوع الباعث الذي حمله على ارتكابها(65).

والجرائم المضرة بالمصلحة العامة كثيرة، وقد أفرد لها المشرع الأردني كثيراً من المواد في الكتاب الثاني وغيرها من قانون العقوبات. فعلى سبيل المثال تعرّض المشرع الأردني في قانون العقوبات إلى الجرائم التي تقع على أمن الدولة الخارجي (المواد من 110-134)، والجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي (المواد من 135-153)، والجرائم الواقعة على السلامة العامة (المواد من 154-168)، والجرائم التي تقع على الإدارة العامة (المواد من 169-205).

2- الجرائم المضرة بالمصلحة الخاصة

وهي الجرائم الموجهة ضد الأفراد، وقد أفرد المشرع الأردني لها في قانون العقوبات كثيراً من المواد، وأهمها الجنايات والجنح التي تقع على الإنسان من قتل وجرح وضرب وإذاء (المواد من 226-335)، والجرائم التي تقع على الأموال من سرقة ونصب وخيانة أمانة (المواد من 399-427).  

ثالثاً: تقسيم الجرائم بحسب ركنها المادي

يمكن تقسيم الجرائم بحسب ركنها المادي إلى عدة أقسام، وهي(66):

1- الجرائم الوقتية والجرائم المستمرة

الضابط في هذا التقسيم هو المدى الزمني الذي يستغرقه النشاط الإجرامي. فإن كان هذا النشاط يبدأ ويتم في وقت واحد كانت الجريمة وقتية، أما إذا كان يشغل مساحة من الزمن عريضة نسبياً فإن الجريمة تكون مستمرة. ومن الجرائم الوقتية القتل والضرب والسرقة والتزوير، ومنها الامتناع عن أداء الشهادة. ومن الجرائم المستمرة إخفاء المسروقات وحيازة السلاح أو المخدرات وحبس الأشخاص بغير حق، ومنها عدم تبليغ السلطة المختصة بما يعلمه الشخص من جرائم تمس أمن الدولة.

لهذا، فإن الجريمة الوقتية هي التي يقع فيها الجرم بتوفر عناصره، وتتم النتيجة المترتبة عليه، عادة دفعة واحدة معاً وفي آن واحد، وفي فترة زمنية متقاربة وقصيرة، وذلك بقطع النظر عن إمكانية استمرار آثار هذا الفعل من حيث النتيجة فقط(67). أما الجريمة المستمرة فهي الجريمة التي تتكون من فعل واحد (أو امتناع واحد) ينتهك القانون انتهاكاً واحداً، إلا أنه يستمر في الزمن بعض الوقت كحجز حرية الإنسان بدون وجه حق (اختطافه)، أو الامتناع عن تقديم طفل أمرت المحكمة بتسليمه إلى أحد أبويه(68).

2- الجرائم البسيطة وجرائم الاعتياد

يمكن تلمس الفارق بين الجريمة البسيطة وجريمة الاعتياد في معيارين، أولهما: ظاهر يتعلق بعدد مرات وقوع الفعل، وثانيهما: خفي يعكس حكمة التجريم. ووفقاً للمعيار الأول فالجريمة البسيطة لا تتطلب لقيامها قانوناً سوى وقوعها ولو لمرة واحدة، بينما لا تكتمل جريمة الاعتياد إلا إذا وقعت أكثر من مرة. ولم يحدّد القانون عدد المرات اللازمة حتى تقوم الجريمة، والرأي السائد فقهاً وقضاء أنها تكتمل قانوناً إذا وقعت مرتين فأكثر. أما المعيار الثاني الذي به يمكن تلمس الفارق بين الجريمة البسيطة وجريمة الاعتياد فيتمثل في حكمة التجريم: ففي الجريمة البسيطة تبدو حكمة التجريم هي خطورة الفعل في ذاته ومدى ما ينجم عنه من آثار تضر بالحق المعتدى عليه. أما في جريمة الاعتياد فإن حكمة التجريم تتجلى في "حالة الاعتياد" التي يوجد عليها الجاني، والتي تصبح مصدر الخطورة الحقيقية التي من أجلها يعاقب على الفعل، وليس في الفعل ذاته(69).

لذلك، فإن الجرائم البسيطة هي التي تقع وتتم بفعل مادي واحد أياً كان نوعه يكتفى به دون سواه لتحقيق الجريمة، لأنه بحد ذاته ولوحده يشكل العنصر المادي للجريمة، كجريمة القتل- إطلاق نار- فهي جريمة بسيطة من فعل شخص واحد فقط(70). أما جرائم الاعتياد فهي الجرائم التي يتطلب القانون لاستحقاق العقوبة عنها تكرار الفعل المادي، فلا يكفي لوقوعه مرة واحدة فقط لأنه لا يكشف في تقديره عن الخطورة التي تستحق العقاب، وهي جرائم نادرة. وأهم جرائم الاعتياد، هو الاعتياد على ممارسة الفجور والدعارة. ومعنى الاعتياد هو ارتكاب نفس الفعل مرتين على الأقل، ولو على مجني عليه واحد في وقتين مختلفين، فلا يشترط تعدّد المجني عليهم(71).

3- الجرائم الإيجابية والجرائم السلبية

ويستند هذا التقسيم إلى طبيعة السلوك الإجرامي الذي يتكوّن منه الركن المادي للجريمة. ولهذا السلوك مظهران أحدهما إيجابي والآخر سلبي والذي يتمثل في الامتناع عن فعل. ويطلق على الحالة الأولى اصطلاح الجريمة الإيجابية، ويطلق على الحالة الثانية تعبير الجريمة السلبية.

والجريمة الإيجابية هي التي يتكوّن ركنها المادي من ارتكاب نشاط إيجابي ينهى عنه القانون. ويمثل هذا النشاط بحركة عضوية إرادية تترتب عليها نتيجة يعاقب عليها القانون كما لو استخدم الجاني يده أو ذراعه في جرائم السرقة والضرب.

أما الجريمة السلبية فهي التي يتكوّن ركنها المادي من امتناع الجاني عن إتيان فعل يوجب القانون إتيانه. ومن أمثلة هذا النوع من الجرائم امتناع القاضي عن الحكم في الدعوى التي تطرح عليه أو امتناع الشاهد عن الحضور للإدلاء بشهادته(72).

رابعاً: تقسيم الجرائم بحسب ركنها المعنوي

يمكن تقسيم الجرائم بحسب ركنها المعنوي إلى جرائم مقصودة وجرائم غير مقصودة، على الشكل التالي(73):

1- الجرائم المقصودة

وهي الجرائم الأكثر ارتكاباً في العالم، حيث يتطلب المشرع نشاطاً مقصوداً من الجاني، أي تنصرف في إرادته إلى تحقيق جميع أركان الواقعة الإجرامية مع العلم بتوافرها وبأن القانون يعاقب عليها، فالجاني فيها يريد ارتكاب النشاط المادي المعاقب عليه وتحقيق نتيجته المحظورة أيضاً، ومن هذه الجرائم الرشوة والتزوير وتزييف المسكوكات والغدر والقتل والحريق العمد والسرقة والاحتيال وخيانة الأمانة وهتك العرض والسب والقذف. والأصل في الجريمة أن تكون قصدية، ما لم ينص التشريع على غير ذلك فلا يكفي وقوعها بسبب مجرد خطأ أو إهمال ولو كان جسيماً مؤكداً. فالخطأ المجرد عن العمد يرتب بحسب الأصل المسؤولية المدنية لا الجزائية، وقد يرتب المسؤولية الجزائية عندما يقرر النص صراحة ذلك في أحوال استثنائية(74).

لهذا، تعتبر غالبية الجنايات، إن لم تكن جميعها جرائم مقصودة، بينما تكون الجنح مقصودة أحياناً وغير مقصودة أحياناً أخرى، بحسب الظروف والأحوال. بمعنى أن الجرائم المقصودة هي أحياناً من نوع الجنحة، بينما الجرائم غير المقصودة هي دوماً جنحية الوصف(75).

2- الجرائم غير المقصودة

الجرائم غير المقصودة قليلة الحدوث، حيث تنصرف إرادة الجاني إلى ارتكاب نشاط مادي معاقب عليه بذاته أحياناً كقيادة سيارة بسرعة تتجاوز الحد المسموح به، وغير معاقب عليه بذاته أحياناً أخرى كإلقاء عقب سيجارة مشتعل بدون احتياط أو كإطلاق عيار ناري في المزارع- ولكن في الحالتين معاً لا تنصرف إرادته إلى تحقيق نتيجته المحظورة. فالقصد الجنائي ينعدم هنا لتحل محله فكرة خطأ الجاني أو إهماله بوصفه أساساً أدبياً كافياً لمساءلته متى تسبب هذا الخطأ أو الإهمال في إحداث أضرار معينة مما يتطلبها القانون كإصابة إنسان أو وفاته(76).

ويضيف الفقه إلى الصورتين السابقتين صورة ثالثة هي الجرائم متعدية القصد. ويقصد بها تلك الجرائم التي يتولّد من الفعل أو الامتناع فيها نتيجة أشد جسامة من تلك التي انصرف قصد الجاني إلى ترتيبها أصلاً(77). والمثال الدقيق لهذه الجريمة في القانون الأردني هي جريمة الضرب أو الجرح أو إعطاء مواد ضارة حين يتسبب عنها موت إنسان دون قصد إحداثه (المادة 330 ق ع أ). وأيضاً قانون العقوبات المصري تحدّث عن هذه الجريمة من خلال المادة (236).