Page 1
المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين الذي أنزل الفرقان هدى وشفاء للناس، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي بعثه المولى عز وجل بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين .. أما بعد:إن من دوافع هذه الإصدارة؛ ومن أهم الاعتبارات التي تستدعي لكتابتها، وضع الخطوات الأولى للقواعد الأساسية التي تمكن الباحثين من الوصول إلى القوانين والنتائج الصحيحة في بحوثهم، وحتى يطابق ذلك مع النواميس الكونية، ويحاكي الواقع الماثل بكل صوره؛ ولا يتأتى ذلك إلاَّ إذا اشتملت هذه البحوث على قاعدتين أساسيتين هما الأسئلة والفرضيات المشاهدة؛ بالإضافة إلى تلك الاستفسارات والمعاني غير المشاهدة حتى تكتمل الصورة الحقيقية للمناهج العلمية الحديثة التي أغفلت الجانب الثاني بتاتاً.
وقد اقتضت مجموعة من المواقف الاهتمام بكتابة هذه الإصدارة منها؛ ما واجهني من المشاكل والصعوبات في كتابة البحوث باحثاً ودارساً. وما استشعرته منها في مناقشة مجموعة من الرسائل العلمية ومن قراءتي لعدد من البحوث، وفيما اطلعت عليه من دراسات ونظريات علمية حديثة. وقد تبينت من كل ذلك أن هنالك جانباً هاماً مفقوداً في طرق المناهج العلمية الحديثة ألا هو الجانب الذي يتعلق بالغيب، وعلى هذا الأساس لجأت إلى مصدر علمىّ يحقق لي ذلك؛ ألا هو القرآن الكريم، لا أقول ذلك تحيزاً للقرآن، ولكن لما يتضمنه من أساليب وتساؤلات وإجابات على الجانب المشاهد والغائب معاً.
ولما كانت النتائج والتوصيات الناتجة عن البحوث العلمية الحديثة كثيرة المتغيرات وإن احتوت جانباً من الحقائق العلمية، ولهذا قال العلماء والباحثون في علوم القرآن أن لا نقحم القرآن الكريم في مثل هذه المسائل، وحتى لا ينسحب الخطأ في النتائج العلمية الحديثة إلى اتهام القرآن بأن فيه خللاً.
وفوق كل ذلك حتى يتسنى لنا نحن المسلمين المشاركة الفعلية في وضع المناهج العلمية الحديثة التي انطلقت أساساً من حضارتنا الإسلامية، لقول بعض الأوائل من المسلمين في مثل هذه المناهج، اختراع معدوم، أو جمع متفرق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مجمل، أو تهذيب مطول، أو ترتيب مخلط، و أو تعين مبهم، أو تبين خطأ.
وأول عمل أقوم به هو تكميل ما ينقص هذه المناهج العلمية الحديثة بإضافة الجانب الغيبي لها بما أفقه في هذا الإطار، ولعله يكون جهداً علمياً يضاف إلى سبق العلوم الإسلامية في هذا المضمار.
وقد قسمت هذا الكتاب إلى عدة فصول على نحو يفيد في التسلسل للمعلومات فكان الفصل الأول تحت مفهوم إجراءات إعداد البحث في القرآن الكريم، والثاني تناول العينات البحثية في القرآن، والثالث مناقشة نماذج من المناهج البحثية في القرآن، والرابع احتوى على أدوات البحث في القرآن والخامس احتوى على اختيار عوامل الصدق والثبات وأخيراً كتابة التقرير البحثي بالمنهج القرآني، ثم الخاتمة والمصادر والمراجع والملاحق.
Page 2
الفصل الأول
خطوات إعداد البحث
مدخل لإعداد البحث في القرآنإن المنهج هو الطريقة التي يتبعها الشخص في كشف ما غاب عنه من حقائق علمية ومعلومات، أو الوصول إليها، أو إتباع الأسباب المؤدية إلى ذلك.
ولما كان الأمر يتعلق بمفهوم (المناهج عموماً أن نبحث عن طريقة النهج القرآني في البحث العلمي حتى نؤصل للطرق والأساليب التي اتخذها العلماء في الكشف عن الحقائق العلمية التي لم تكن معروفة لدى أسلافهم، والتي نوه عنها المسلمون اليوم بوسائل مختلفة وبصيغها الكثيرة؛ لكي يستفيد الإنسان من تراكم المعلومات، وخبرات التجارب الإنسانية لديها في حياتها؛ حيث قال عز من قائل : ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾" سورة: العلق الآيات: 4، 5".
وأما إذا أردنا أن ندخل الأسلوب الذي ارتضاه الله للعالمين بعد ما ختمت الرسالات السماوية بالإسلام، لقوله تعالى :﴿اهدِنَــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ{6}صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ سورة: الفاتحة الآيات: 6، 7.
يكون لزاماً علينا أن نجتهد في إظهار هذا الأسلوب من بين الأساليب العلمية الحديثة.
إن الضرورة التي أفرزت مناهج البحوث العلمية الحديثة تلبية للفطرة الإنسانية التي جبلت عليها وتجعلها دائماً تبحث عن الحقيقة العلمية في طرفيها المشاهد والغيبي معاً؛ ولذلك لابد من خطاب يلبي ويشبع تلك الغرائز الإنسانية بعد ما وصلت إلى تكوين الإجماع البشري، وبلغ المجتمع الإنساني إلى درجة التحضر والرقي المدني الذي على أثرها يمكن له أن يؤسس المؤسسات المختلفة التي توفر تلك الضرورات الحياتية التي يحتاجها في حياته النمطية الماثلة، ولم يكن ذلك إلاَّ بعد أن أكمل الله تعالى للناس الدين الذي ارتضاه لهم لقوله تعالى : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ﴾ سورة: المائدة الآية : (3).
وهذا الخطاب واضح في افتتاحية سورة النساء؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ سورة: النساء الآية : (1).
ومن هذه الحاجات الواردة في هذه السورة على سبيل المثال المرجعية إلى مصدر هذا الوجود وخالقه من العدم لكي ترجع الإنسانية إليه، ولهذا كان النداء الرباني مخاطباً كل الناس إلى خالق واحد ورب واحد يجب أن يخشى ويخاف منه. كما يحتاج الإنسان للتذكير ومعرفة أصله وكيفية نشأته، ولهذا كان التذكير بالوحدة بالأصل البشري في وحدة النفس، ووحدة المجتمع الإنساني في الأسرة، ثم تطرق الخطاب الشامل إلى كيفية النشأة والتكاثر الإنساني بالترتيب حيث خلق الرجل قبل المرأة للرجوع بالبداية التي نجهلها تماماً لولا الذكرى القرآنية التي أضحت في طي النسيان.
من الطبيعي أن تكون للإنسان بفطرته بعض التساؤلات على أقل تقدير من الجهات المسؤولة في تلك المؤسسات التي تحكم مجتمعه الحديث مثل مؤسسات الدولة الرئيس ووزرائه مثلاً ولله المثل الأعلى ويخشى مساءلتها؛ ولذلك أنشأ النظم والتشريعات والأساليب العلمية التي تحقق له الاستفادة القصوى من تلك الظاهرة والناموس الكوني الذي جبل عليه، ومن ذلك الأسئلة العادية على سبيل المثال، من الذي أوجدني؟! ولماذا ؟! وماذا أنا فاعل ؟! وإلى أين مصيري بعد مصيبة الموت ؟! والتي أجاب عليها الفرقان في قوله تعالى : ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ﴾. سورة النساء الآية (1)، ثم أردف إلى تلك الأسئلة والإجابة عليها توضيح الأسئلة المتعلقة ببعض النظم الإنسانية والعلاقات الاجتماعية من نظم مثل التراحم والتكافل في المجتمعات الإنسانية كافة، ولذلك ربط تلك النظم الاجتماعية البشرية وما يدور فيها من بحوث علمية بتلك التساؤلات التي تدوي في النفس الآدمية قاطبة وتحاول أن تجد لها حلاً لإشكالها من خلال دراسة الأنساب التي تتكون فيها تلك المجتمعات مثل الأسرة والعشيرة والقبيلة، أو لجماعات الإنسانية التي في نهايتها تنسب إلى وشائج صلة الرحم بينها لقوله صلى الله عليه وسلم :(كلكم لآدم وآدم من تراب) أو كما قال . وما من شيء أو نظام إلاّ وهنالك من جهة تراقبه وتكون مسؤولة عنه؛ ولذلك في نهاية الإفرازات التي تكون إحدى مكونات مصطلح (المنهجية) العلمية الحديثة التي ساهمت في تطور المجتمع الإنساني الحديث التي تجد الرعاية من قبل الدولة الحديثة وجامعاتها العلمية لابد من الرقابة العليا من الله العلي القدير القائل : ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.
المحيط البيئي الذي أوجد ظاهرة البحوث العلمية هو الحاجات التي تلبي غرائز الإنسانية من حب استطلاع، وطلب للمعرفة. ونجد الدافع إلى ذلك هو الغاية التي من أجلها خلق الله الإنسان. وهذا المبدأ السامي هو عمارة الأرض القائمة على الصراع أصلاً والمنافسة الحادة بين الحق والباطل؛ ولذلك كان الخطاب المقر لطبيعة ذلك الصراع من قبل خلق الإنسان لقوله تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ سورة: البقرة الآية (30).
Page 3
إذاً فإن الصراع القائم بين الإصلاح والإفساد هو المحيط البيئي الذي على ضوئه يكون مسرح العمليات والأحداث والقضايا العلمية مجال البحوث سواءً كانت في العلوم الطبيعية أو الإنسانية على حد سواء. وكانت بداية من قوله تعالى : ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ ﴾ سورة: البقرة الآية (35). فكانت الرسالة واضحة للإنسان، والتحذير له في شخص آدم ـ عليه السلام ـ ولكن حب الاستطلاع، والتطلع إلى ما وراء الممنوع كانت الدافع لمسرح البيئة التي تمتحن فيها الإنسانية كلها أي الأرض .
وهنا بدأت أول رسالة سماوية للإنسان على الأرض لتصحيح الخطأ الذي يقع فيه عن طريق تعليم العليم الحكيم؛ لقوله تعالى : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ سورة البقرة الآية: 37.
وعلى أية حال تحددت أطراف المنهجية التي ينصلح بها حال البشرية جمعاء، وتتم بها المعرفة، وتحصل بها الإجابة على جميع الأشياء الاستطلاعية لقوله تعالى :﴿ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{38} وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ سورة البقرة الآيات: 38، 39.
واستمر هذا المنهج التصحيحي إلى أن ختم الله تعالى تلك الرسالات السماوية بالدين الإسلامي، لقوله تعالى : ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ سورة آل عمران آية : 85.
أيضاً جاء عن الأسلوب المتبع في تلك الرسالات كخطاب من الله تعالى لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله تعالى : ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ{252} تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ سورة البقرة آية 253.
نجد في آية أخرى الأسلوب المتبع في الكتاب في كل الرسالات المقدسة، لقوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ سورة الشورى آية : 51".
إذاً في الآية سالفة الذكر خطاب عام يحدد المنهج الرباني في حل القضايا والمشاكل الإنسانية سواء كانت في العلوم الطبيعية أو الإنسانية سوياً، ولذلك ضرب بعض الأمثلة للإلهام الإلهي للبشر في العلوم الإنسانية كقوله تعالى : ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى{38} أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ سورة طه الآيات : 38، 39.
فالوحي هنا بمعنى الإلهام أو الافتراض حيث افترضت أم موسى ـ عليه السلام ـ أن تضع موسى ـ عليه السلام ـ في التابوت أي الصندوق من الخشب حتى لا يموت غرقاً أو جوعاً أو لعدم التنفس خوفاً من فرعون ـ عليه لعنة الله ـ ولذلك رمت بالتابوت في البحر على الساحل القريب من القصر حتى تحمله الرياح إليه لكي يتبناه فرعون وقد نجح هذا الافتراض. وهذا مثال على الفرضيات العلمية الحديثة ومبدأ نجاحها، وأما الجديد في هذا الافتراض أنه ذكر كما حدث في دلالة على الجانب الغيبي المفقود في المناهج العلمية البحثية الحديثة حيث أنها لا ترد ذلك للخالق الكريم العالم بكل شيء.
أما فيما يتعلق بإتباع الإنسان في مناهجه البحثية لأسلوب تجربة الآخرين في الاستفادة منها في فعل أفعال تفيده في بعض جوانب حياته وسلوكه، كقوله تعالى : ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ{30} فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ سورة المائدة الآيات: 30، 31.
وهنا بدأت أول رسالة سماوية للإنسان على الأرض لتصحيح الخطأ الذي يقع فيه عن طريق تعليم العليم الحكيم؛ لقوله تعالى : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ سورة البقرة الآية: 37.
وعلى أية حال تحددت أطراف المنهجية التي ينصلح بها حال البشرية جمعاء، وتتم بها المعرفة، وتحصل بها الإجابة على جميع الأشياء الاستطلاعية لقوله تعالى :﴿ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{38} وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ سورة البقرة الآيات: 38، 39.
واستمر هذا المنهج التصحيحي إلى أن ختم الله تعالى تلك الرسالات السماوية بالدين الإسلامي، لقوله تعالى : ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ سورة آل عمران آية : 85.
أيضاً جاء عن الأسلوب المتبع في تلك الرسالات كخطاب من الله تعالى لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قوله تعالى : ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ{252} تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ سورة البقرة آية 253.
نجد في آية أخرى الأسلوب المتبع في الكتاب في كل الرسالات المقدسة، لقوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ سورة الشورى آية : 51".
إذاً في الآية سالفة الذكر خطاب عام يحدد المنهج الرباني في حل القضايا والمشاكل الإنسانية سواء كانت في العلوم الطبيعية أو الإنسانية سوياً، ولذلك ضرب بعض الأمثلة للإلهام الإلهي للبشر في العلوم الإنسانية كقوله تعالى : ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى{38} أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ سورة طه الآيات : 38، 39.
فالوحي هنا بمعنى الإلهام أو الافتراض حيث افترضت أم موسى ـ عليه السلام ـ أن تضع موسى ـ عليه السلام ـ في التابوت أي الصندوق من الخشب حتى لا يموت غرقاً أو جوعاً أو لعدم التنفس خوفاً من فرعون ـ عليه لعنة الله ـ ولذلك رمت بالتابوت في البحر على الساحل القريب من القصر حتى تحمله الرياح إليه لكي يتبناه فرعون وقد نجح هذا الافتراض. وهذا مثال على الفرضيات العلمية الحديثة ومبدأ نجاحها، وأما الجديد في هذا الافتراض أنه ذكر كما حدث في دلالة على الجانب الغيبي المفقود في المناهج العلمية البحثية الحديثة حيث أنها لا ترد ذلك للخالق الكريم العالم بكل شيء.
أما فيما يتعلق بإتباع الإنسان في مناهجه البحثية لأسلوب تجربة الآخرين في الاستفادة منها في فعل أفعال تفيده في بعض جوانب حياته وسلوكه، كقوله تعالى : ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ{30} فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ سورة المائدة الآيات: 30، 31.
Page 4
وهذه التجربة مستمرة إلى أن يرث الله الأرض من عليها، لدليل آخر على نسبة تلك النتائج في البحوث العلمية للخالق العليم الحكيم حتى تأخذ كل جوانب صلاحها وفائدتها، كما أن يكون دليلاً قاطعاً بالبرهان على علم الله تعالى الذي أشار إلى بداية العمل بهذه التجربة وكيفيتها.
أما الإلهام الرباني أو الجانب الغيبي الموجود في العلوم الطبيعية نجده في مثال قرآني آخر في مخلوق جُبل على ذلك الفعل ليكون درساً للدارسين وأنموذجاً يحتذا إليه في تطبيق المناهج العلمية في البحوث في العلوم الطبيعية لقوله تعالى : ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ{68} ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾. سورة النحل الآيات: 68، 69.
وهكذا يكون المحيط البيئي الذي تحدث فيه دراسة تلك البحوث من الأهمية بمكان في تحديد المناهج العلمية التي تحقق للبشرية الإشباع في تلبية رغباتها من حب الاستطلاع، وطلب المزيد من المعرفة، واللتان قامت على ضوئهما الحضارات الإنسانية المختلفة، ونشأت الثقافات الكثيرة والمتعددة لها، وبهما تحقق الرصيد العلمي المتواتر لتراكم المعارف البشرية، وتزايد خبراتها المتعاقبة من جيل إلى جيل حتى أدت إلى الحضارة الماثلة التي انتهجت المناهج العلمية الحديثة وأنشأت بها المبتكرات الجديدة، ولكنها تظل ناقصة لبحثها من جانب واحد أو أساس واحد من أسس القواعد المنهجية العلمية التي تؤدي لحقائق العلم المتعارف عليها لاقتصارها جانب من الحقيقة الكاملة، وهو الجانب المحسوس الملموس المشاهد فقط، وإغفالها الجانب الغيبي بدعوى إبعاد العامل الديني من كل المناهج كما حدث لفصله في الدولة الحديثة ومؤسساتها العلمية لتلك البحوث من جامعات ومعاهد للدراسات العليا.
إن كثرة الحاجات البشرية وقضاياها المتشابكة ومشاكلها المتعاظمة لزيادة فهمها لما يدور حولها للاستفادة من ذلك في إشباع رغباتها المتزايدة كلما كثر الاجتماع البشري والحضر معاً لظهور ضرورات التواصل ومعرفة الأخبار وما ورائها بالإضافة إلى التنافس المحموم الذي يؤدي إلى الصراع الشديد على الحصول للفائدة القصوى من الموارد الطبيعية والبشرية على حد سواء، ولتكوين القوة التي تمكن من الاستيلاء على ما هو موجود من موارد شحيحة إذا تعاظم وكثر عدد الأنفس على هذا الكوكب، ولا يتأتى ذلك إلاّ إذا امتلك الإنسان السلطان العلمي الذي يكشف به الجديد المفيد من معلومات، وهذا لا يكون إلا بشيئين أساسيين أو نزعتين مفطورة عليها النفس الإنسانية ومرتبة ترتيباً دقيقاً على حسب الأسبقية في الخلق كما يحدث في الاستمارات العلمية الحديثة التي ترتب للمعلومات الأول فالأول، ولذلك قال تعالى : ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ "سورة الشمس الآيات: 7، 8، 9، 10".
فالحاجات الإنسانية كثيرة جداً؛ ولنأخذ على سبيل المثال أو الاستفسار والتوضيح لكُنْه الأشياء قال تعالى : ﴿ الرَّحْمَنُ{1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ{2} خَلَقَ الْإِنسَانَ{3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ{4} الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. "سورة الرحمن الآيات:1، 2، 3، 4". ثم إن كذلك في حاجات الإنسان الحديثة غزو الفضاء ومعرفة علوم الأرض وما فيها من مياه ويابسة لا يكون ذلك إلاّ بسلطان العلم ودليله، الذي كان الأمر الإلهي الأول عند نزول القرآن الكريم حيث قال تعالى موحياً لرسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. "سورة العلق الآيات: 1، 2، 3، 4، 5". ولذلك قيل العبرة بعموم السياق لا بخصوص السبب.
وهكذا تكون الأسس العامة للمناهج العلمية في القرآن والتي تفقدها تلك المناهج التي تمثل الحضارة الإنسانية القائمة؛ فإنها تفتقر للجانب الغيبي الذي يجعل من النتائج العلمية الناتجة ناقصة ومستمرة في التغيير ما لم تنتبه لهذه الحقيقة العلمية المهمة جداً، ومن هنا تكون الانطلاقة لتصحيح المناهج العلمية لكي تعم الفائدة.
أما الإلهام الرباني أو الجانب الغيبي الموجود في العلوم الطبيعية نجده في مثال قرآني آخر في مخلوق جُبل على ذلك الفعل ليكون درساً للدارسين وأنموذجاً يحتذا إليه في تطبيق المناهج العلمية في البحوث في العلوم الطبيعية لقوله تعالى : ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ{68} ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾. سورة النحل الآيات: 68، 69.
وهكذا يكون المحيط البيئي الذي تحدث فيه دراسة تلك البحوث من الأهمية بمكان في تحديد المناهج العلمية التي تحقق للبشرية الإشباع في تلبية رغباتها من حب الاستطلاع، وطلب المزيد من المعرفة، واللتان قامت على ضوئهما الحضارات الإنسانية المختلفة، ونشأت الثقافات الكثيرة والمتعددة لها، وبهما تحقق الرصيد العلمي المتواتر لتراكم المعارف البشرية، وتزايد خبراتها المتعاقبة من جيل إلى جيل حتى أدت إلى الحضارة الماثلة التي انتهجت المناهج العلمية الحديثة وأنشأت بها المبتكرات الجديدة، ولكنها تظل ناقصة لبحثها من جانب واحد أو أساس واحد من أسس القواعد المنهجية العلمية التي تؤدي لحقائق العلم المتعارف عليها لاقتصارها جانب من الحقيقة الكاملة، وهو الجانب المحسوس الملموس المشاهد فقط، وإغفالها الجانب الغيبي بدعوى إبعاد العامل الديني من كل المناهج كما حدث لفصله في الدولة الحديثة ومؤسساتها العلمية لتلك البحوث من جامعات ومعاهد للدراسات العليا.
إن كثرة الحاجات البشرية وقضاياها المتشابكة ومشاكلها المتعاظمة لزيادة فهمها لما يدور حولها للاستفادة من ذلك في إشباع رغباتها المتزايدة كلما كثر الاجتماع البشري والحضر معاً لظهور ضرورات التواصل ومعرفة الأخبار وما ورائها بالإضافة إلى التنافس المحموم الذي يؤدي إلى الصراع الشديد على الحصول للفائدة القصوى من الموارد الطبيعية والبشرية على حد سواء، ولتكوين القوة التي تمكن من الاستيلاء على ما هو موجود من موارد شحيحة إذا تعاظم وكثر عدد الأنفس على هذا الكوكب، ولا يتأتى ذلك إلاّ إذا امتلك الإنسان السلطان العلمي الذي يكشف به الجديد المفيد من معلومات، وهذا لا يكون إلا بشيئين أساسيين أو نزعتين مفطورة عليها النفس الإنسانية ومرتبة ترتيباً دقيقاً على حسب الأسبقية في الخلق كما يحدث في الاستمارات العلمية الحديثة التي ترتب للمعلومات الأول فالأول، ولذلك قال تعالى : ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ "سورة الشمس الآيات: 7، 8، 9، 10".
فالحاجات الإنسانية كثيرة جداً؛ ولنأخذ على سبيل المثال أو الاستفسار والتوضيح لكُنْه الأشياء قال تعالى : ﴿ الرَّحْمَنُ{1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ{2} خَلَقَ الْإِنسَانَ{3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ{4} الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾. "سورة الرحمن الآيات:1، 2، 3، 4". ثم إن كذلك في حاجات الإنسان الحديثة غزو الفضاء ومعرفة علوم الأرض وما فيها من مياه ويابسة لا يكون ذلك إلاّ بسلطان العلم ودليله، الذي كان الأمر الإلهي الأول عند نزول القرآن الكريم حيث قال تعالى موحياً لرسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. "سورة العلق الآيات: 1، 2، 3، 4، 5". ولذلك قيل العبرة بعموم السياق لا بخصوص السبب.
وهكذا تكون الأسس العامة للمناهج العلمية في القرآن والتي تفقدها تلك المناهج التي تمثل الحضارة الإنسانية القائمة؛ فإنها تفتقر للجانب الغيبي الذي يجعل من النتائج العلمية الناتجة ناقصة ومستمرة في التغيير ما لم تنتبه لهذه الحقيقة العلمية المهمة جداً، ومن هنا تكون الانطلاقة لتصحيح المناهج العلمية لكي تعم الفائدة.
Page 5
أولاً : مفهوم المشكلة:
إن المشكلة العلمية هي القاعدة الأساسية في تحديد مصطلح (العلم) الذي بموجبه يتجدد مفهوم (المعرفة) أو الإدراك لكنه الأشياء، ثم تتم الفائدة من استخدامها الفعلي، بإتباع الأساليب المؤدية إلى ذلك؛ ولذلك كان العلم أولاً ثم الفعل ثانياً؛ لقوله تعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ.. ﴾. "سورة محمد الآية 19".فما من رسالة مقدسة أو عادية إلاّ وهي تعالج المشكلات التي تواجه السلوك الإنساني سواء كان في الانحراف عن الفطرة السوية بالنسبة للرسالات السماوية، أو إشكال علمي بدراسة الظاهرة موضوع الدراسة للرسالات العلمية الحديثة. وما يهمنا هنا في هذا الكتاب المشكلة العلمية.
إن المشكلة العلمية تنقسم إلى قسمين هما القسم المتعلق بالعلوم الطبيعية، والآخر يختص بالسلوك الذي يعرف بالعلوم الإنسانية ويمكن تفصيل هذين القسمين على النحو التالي:
أولاً : العلوم الطبيعية:
حيث نجد أن القرآن الكريم دعا لامعان النظر والتفكر في طبيعة الأشياء لمعالجة الإشكالات التي تعترض الإنسان في معرفة كنه الأشياء في الطبيعة من حوله، بالإضافة لتصحيح أوجه الانحراف في فطرته السوية، وكذلك الانحراف في اعتقاده ولذلك دله على كل السبل العلمية التي تساعده على حل المشاكل العلمية في مجال العلوم الطبيعية ونذكر من ذلك مجموعة نماذج على النحو التالي :
(أ) علوم النبـات:
من اللافت للأنظار الطرح القرآني في حل الإشكال العلمي في مجال علوم النبات وعرضه للمشكلة وما يتعلق بها في تحديد النظرية العلمية التي تلبي حاجة المعرفة الإنسانية في أصل النبات وكيفية نشأته، بالإضافة إلى تصحيح العقيدة الإنسانية بطرح أسئلة تكون الإجابة مقنعة للإنسان بالحقيقة العلمية لمعرفة كُنْة النبات وكيفية نشأته؛ ومن ثم الإيمان بقدرة وعظمة من أوجده من العدم الله (جل جلاله)؛ لقوله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ{10} يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. "سورة النحل الآيات:10، 11". هذا في مجال الملاحظة المتعلقة بعلم النبات. وأيضاً قال تعالى : ﴿ وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. "سورة النحل الآية 67". وقال تعالى كذلك : ﴿ وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. "سورة الأنعام الآية 99". وهذه إشارة واضحة لعملية التمثيل الضوئي. وأخيراً تلك القضايا النباتية ببعض التساؤلات والتفسيرات الربانية من القرآن الكريم كقوله تعالى : ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ{63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ{64} لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. "سورة الواقعة الآيات 63، 64، 65".
(ب) علوم الحيوان:
إذا كان الإشكال العلمي هو المشكلة التي تجذب اهتمام الباحث فإن التنزيل أشار إلى ذلك في عدد من الآيات التي تدعو للبحث في عالم الحيوان ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، قوله تعالى : ﴿ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ{5} وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ{6} وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ{7} وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ{8} وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾."سورة النحل الآيات: 5، 6، 7، 8، 9".
ومثال آخر عجيب قال تعالى : ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾. "سورة النحل الآية 66". ثم نختم ذلك بتساءل للعلي القدير حيث قال المولى عز وجل : ﴿ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ )"سورة الغاشية الآية 17".
Page 6
(ج) علوم الأرض:
إن العلوم المتعلقة بالأرض لقد أخذت حيزاً واسعاً في القرآن من حيث لفت الأنظار لمعالجة الإشكالات التي تواجه الإنسان في معرفة عناصرها للاستفادة منها ومكوناتها المختلفة من جبال وبحار وأنهار وتربة أي اليابسة، وأشار إلى كل ذلك في إطار الدلالة الكلية القائمة على الجزء المشاهد التي تؤدي إلى الغيب المطلق حيث قال تعالى في تساءل بسيط : ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ{17} وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ{18} وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ{19} وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. "سورة الغاشية الآيات:17، 18، 19، 20". هذا لا يتنافى مع حقائق توصل إليها العلم الحديث مثل كروية الأرض، التي لا تتعارض مع مشاهدة الأرض وهى مسطحة أينما حل الإنسان على طرف من أطرافها ولا يشعر على الإطلاق أنها مكورة أو يريد أن يتدحرج منها أو أن يسقط إن هذه نعمة يجب على الإنسان بمجرد التأمل فيها بالإحساس والشعور المادي والمعنوي المعايش حقيقة أن تؤدي إلى الإيمان بالغيب الذي شكلته لنا لوحة التساؤلات السابقة المتعلقة بالمخلوقات ذات الفائدة على الأرض وكيفية خلقها الله والجبال المنصوبة على الأرض كالخيام لقوله تعالى : ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً{6} وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾. "سورة النبأ:6، 7"؛ يا لها من لوحة جعل من رسمها في النفس كمالها وجمال صورتها حيث كانت السماء المرفوعة كالخيمة المشدودة سقفها عالياً في قبتها وواسعة في أطرافها التي تتراءى للمرء وكأنها مشدودة على الأرض في دائرة لقوله تعالى : ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾."سورة النبأ آية 12". ثم أبدع المبدع في تصوير الشمس وهى في أعلى هرم قبة السماء كأنها السراج المنير الذي يتوهج من شدة ضوئه ينير للعالمين سطح الأرض والفراغ الذي بينها وبين قبة السماء وأطرافها المترامية.
وفى هذا الإطار ثمة تساؤلات طرحها القرآن عن الأرض وعناصرها مذكراً للاستفادة العلمية منها؛ ثم التفكر فيها إذا كانت عن طريق منهجه سوف تؤدي إلى الحقائق المغيبة؛ حيث قال تعالى : ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ{14} هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ{15} أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾. "سورة الملك الآيات: 14، 15، 16". فالإجابة على تلك الأسئلة قطعاً تؤدي إلى كمال الحقائق العلمية التي تربط المحسوس المادي بالغيب والتي تدعو إلى أن يكون البحث في حل الإشكال العلمي لأخذ القضايا من كل جوانبها المشاهدة والغيبية معاً لقوله تعالى : ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{22} قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾. "سورة الملك الآيات:22،23". وأخيراً نعالج المشكلة العلمية في علوم الأرض ليس في معرفة عناصرها سواء كان ذلك فيزيائياً أو كيميائياً ومكوناتها ولكن لابد للإشكال العلمي أن يأخذ البعد الغيبي الذي تكتمل به حلقات الحقائق العلمية وتفسيراتها الناتجة عن تحديد المشكلة العلمية ثم بحثها كما جاء في التساؤل القرآني الآتي الذي لا يبحث في العناصر المكونة للماء فقط كيميائياً وفيزيائياً ولكن لو اختفى هذا الماء عن الوجود من أين نأتي به، لقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ﴾. "سورة الملك آية: 30".
(د) العلوم الكونيــة:
إن الإشكال العلمي في العلوم الكونية قد أخذ جوانب عدة سواء كان عن طريق التساؤلات أو الافتراضات ومن تلك الافتراضات، إن الله تعالى افترض علينا التأمل في طبيعة السماء بحاسة البصر وإمعانه في تلك الفطرة التي جبلت عليها السموات كما قال تعالى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ{3} ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ{4} وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ ﴾. سورة الملك الآيات: 3، 4، 5". هذا الافتراض الرباني يدعو إلى التأمل في مجال هندسي رفيع المستوى لم يستطيع أحداً من المعماريين القدماء أو اللاحقين أن يجيب على تلك الملاحظة إلاّ أن يصل إلى تلك النتيجة أو الحقيقة التي أقرها القرآن الكريم وهى خلق السماوات السبع في طوابق بعضها فوق بعض ليس فيها زيادة في الزوايا أو الأطراف وليس في سقفها من شقوق على الإطلاق مع أن السماء الدنيا لقد زينه بالشمس للإضاءة بالنهار أو النجوم والقمر بالليل، ولذلك نستعرض ماهية المشكلة العلمية في العلوم الطبيعية ومعايير المقاييس العلمية فيها واختلافها مع العلوم الإنسانية ناتجة عن ماذا حتى يتمكن مـن وضـع الفروض العلمية التي تؤدي إلى نتائج علمية حقيقية في صورتها الكاملة إذا عرف أصل المشكلة العلمية التي توافق مجال النظرية العلمية في العلوم الطبيعية القائلة إن النظرية العلمية في العلوم الطبيعية إن لم تكن سابقتها تؤدي إلى نتائج أفضل مما كانت عليه من قبل مع استصحاب النتائج السابقة مع عدم إلغائها كلية وهذا ماذا قال القرآن فيه؛ قال تعالى : ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾. سورة الحجر الآية 21".
وإنطلاقاً مما تقدم فإن سجود الأشياء الطبيعية لله رب العالمين هو سيرها أو ظهورها في مسارها وشكلها الطبيعي أو هيئتها التي خلقت عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فهذا مفهوم لابد من إدراكه في البحث العلمي في العلوم الطبيعية أن لا خيار لها في ذلك لقوله تعالى : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ{36} وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ{37} وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ{38} وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ{39} لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. "سورة يس الآيات:36، 37، 38، 39، 40". ومفهوم آخر يتعلق بالمعلومات الجديدة المكتشفة في البحوث العلمية الحديثة التي ما في رسالة علمية حديثة إلاّ تهدف إلى تحقيق ذلك نجد ذلك في قوله تعالى : ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. سورة الرعد الآية 38". وفي الختام لابد أن تراعى كل ما ذكر من أمثلة واعتبارات في مجال الإشكال العلمي في العلوم الطبيعية لتحدث الفائدة للبشرية من تلك البحوث.
إن العلوم المتعلقة بالأرض لقد أخذت حيزاً واسعاً في القرآن من حيث لفت الأنظار لمعالجة الإشكالات التي تواجه الإنسان في معرفة عناصرها للاستفادة منها ومكوناتها المختلفة من جبال وبحار وأنهار وتربة أي اليابسة، وأشار إلى كل ذلك في إطار الدلالة الكلية القائمة على الجزء المشاهد التي تؤدي إلى الغيب المطلق حيث قال تعالى في تساءل بسيط : ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ{17} وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ{18} وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ{19} وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. "سورة الغاشية الآيات:17، 18، 19، 20". هذا لا يتنافى مع حقائق توصل إليها العلم الحديث مثل كروية الأرض، التي لا تتعارض مع مشاهدة الأرض وهى مسطحة أينما حل الإنسان على طرف من أطرافها ولا يشعر على الإطلاق أنها مكورة أو يريد أن يتدحرج منها أو أن يسقط إن هذه نعمة يجب على الإنسان بمجرد التأمل فيها بالإحساس والشعور المادي والمعنوي المعايش حقيقة أن تؤدي إلى الإيمان بالغيب الذي شكلته لنا لوحة التساؤلات السابقة المتعلقة بالمخلوقات ذات الفائدة على الأرض وكيفية خلقها الله والجبال المنصوبة على الأرض كالخيام لقوله تعالى : ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً{6} وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ﴾. "سورة النبأ:6، 7"؛ يا لها من لوحة جعل من رسمها في النفس كمالها وجمال صورتها حيث كانت السماء المرفوعة كالخيمة المشدودة سقفها عالياً في قبتها وواسعة في أطرافها التي تتراءى للمرء وكأنها مشدودة على الأرض في دائرة لقوله تعالى : ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ﴾."سورة النبأ آية 12". ثم أبدع المبدع في تصوير الشمس وهى في أعلى هرم قبة السماء كأنها السراج المنير الذي يتوهج من شدة ضوئه ينير للعالمين سطح الأرض والفراغ الذي بينها وبين قبة السماء وأطرافها المترامية.
وفى هذا الإطار ثمة تساؤلات طرحها القرآن عن الأرض وعناصرها مذكراً للاستفادة العلمية منها؛ ثم التفكر فيها إذا كانت عن طريق منهجه سوف تؤدي إلى الحقائق المغيبة؛ حيث قال تعالى : ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ{14} هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ{15} أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴾. "سورة الملك الآيات: 14، 15، 16". فالإجابة على تلك الأسئلة قطعاً تؤدي إلى كمال الحقائق العلمية التي تربط المحسوس المادي بالغيب والتي تدعو إلى أن يكون البحث في حل الإشكال العلمي لأخذ القضايا من كل جوانبها المشاهدة والغيبية معاً لقوله تعالى : ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{22} قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾. "سورة الملك الآيات:22،23". وأخيراً نعالج المشكلة العلمية في علوم الأرض ليس في معرفة عناصرها سواء كان ذلك فيزيائياً أو كيميائياً ومكوناتها ولكن لابد للإشكال العلمي أن يأخذ البعد الغيبي الذي تكتمل به حلقات الحقائق العلمية وتفسيراتها الناتجة عن تحديد المشكلة العلمية ثم بحثها كما جاء في التساؤل القرآني الآتي الذي لا يبحث في العناصر المكونة للماء فقط كيميائياً وفيزيائياً ولكن لو اختفى هذا الماء عن الوجود من أين نأتي به، لقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ﴾. "سورة الملك آية: 30".
(د) العلوم الكونيــة:
إن الإشكال العلمي في العلوم الكونية قد أخذ جوانب عدة سواء كان عن طريق التساؤلات أو الافتراضات ومن تلك الافتراضات، إن الله تعالى افترض علينا التأمل في طبيعة السماء بحاسة البصر وإمعانه في تلك الفطرة التي جبلت عليها السموات كما قال تعالى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ{3} ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ{4} وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ ﴾. سورة الملك الآيات: 3، 4، 5". هذا الافتراض الرباني يدعو إلى التأمل في مجال هندسي رفيع المستوى لم يستطيع أحداً من المعماريين القدماء أو اللاحقين أن يجيب على تلك الملاحظة إلاّ أن يصل إلى تلك النتيجة أو الحقيقة التي أقرها القرآن الكريم وهى خلق السماوات السبع في طوابق بعضها فوق بعض ليس فيها زيادة في الزوايا أو الأطراف وليس في سقفها من شقوق على الإطلاق مع أن السماء الدنيا لقد زينه بالشمس للإضاءة بالنهار أو النجوم والقمر بالليل، ولذلك نستعرض ماهية المشكلة العلمية في العلوم الطبيعية ومعايير المقاييس العلمية فيها واختلافها مع العلوم الإنسانية ناتجة عن ماذا حتى يتمكن مـن وضـع الفروض العلمية التي تؤدي إلى نتائج علمية حقيقية في صورتها الكاملة إذا عرف أصل المشكلة العلمية التي توافق مجال النظرية العلمية في العلوم الطبيعية القائلة إن النظرية العلمية في العلوم الطبيعية إن لم تكن سابقتها تؤدي إلى نتائج أفضل مما كانت عليه من قبل مع استصحاب النتائج السابقة مع عدم إلغائها كلية وهذا ماذا قال القرآن فيه؛ قال تعالى : ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾. سورة الحجر الآية 21".
وإنطلاقاً مما تقدم فإن سجود الأشياء الطبيعية لله رب العالمين هو سيرها أو ظهورها في مسارها وشكلها الطبيعي أو هيئتها التي خلقت عليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فهذا مفهوم لابد من إدراكه في البحث العلمي في العلوم الطبيعية أن لا خيار لها في ذلك لقوله تعالى : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ{36} وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ{37} وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ{38} وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ{39} لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. "سورة يس الآيات:36، 37، 38، 39، 40". ومفهوم آخر يتعلق بالمعلومات الجديدة المكتشفة في البحوث العلمية الحديثة التي ما في رسالة علمية حديثة إلاّ تهدف إلى تحقيق ذلك نجد ذلك في قوله تعالى : ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. سورة الرعد الآية 38". وفي الختام لابد أن تراعى كل ما ذكر من أمثلة واعتبارات في مجال الإشكال العلمي في العلوم الطبيعية لتحدث الفائدة للبشرية من تلك البحوث.
Page 7
(هـ) : العلوم الإنسانية:
إن العلوم السلوكية أو الاجتماعية الإنسانية اكتسبها الإنسان على مدار تاريخ تراكم لا نهائي من المعارف العامة والخاصة، والتي تشكل إطار الخبرة الإنسانية. ونجد صداها في سلوك الإنسان وعلاقته على مر التاريخ. وهذه المعارف يكتسبها الفرد من خلال ملاحظة الأشياء والموجودات، والتأمل فيما وراء وجود الأشياء وحركتها، أو نتائج التجريب الذي يقوم به الإنسان بنفسه لتأكيد اعتقاده أو الربط بين الأشياء والموجودات.
وهذا التراكم الأولى من الخبرات الإنسانية هو الذي يشكل قواعد الفكر الإنساني في كافة المجالات، وبدونه لا تصل إلى الحقائق والقوانين التي تحكم مسار الإنسانية على قمة هذا الفكر الإنساني. ومن هنا جاءت بين المفاهيم العلمية والمنهجية المختلفة التي تعكس تصور الإنسان لمستويات بناء المعرفة والعلاقات بينها وبين الحقـائق الثابتة.
أما هذا يقود بطبيعة الحال إلى معرفة الأشكال العلمي في العلوم الإنسانية الاجتماعية أو السلوكية من منظور القسم الإلهي بالنفس البشرية ومن أنشأها وأبدعها وألهمها ما تميز به بين الحقيقة وغيرها، وإن الفوز لمن طهرها من كل ما هو غير صحيح أو حقيقي والخيبة والخسران لمن غمسها أو أدخلها في طريق غير معلوم أو حقيقي، حيث قال تعالى : ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. سـورة: الشمـس الآيات 7، 8، 9، 10.
إذاً النفس البشرية جبلت على منهجين ووفقهما تحدد من خلالها مسارها، هما طريق الفجور أي مجافات الحقيقة، أو الفلاح أي إصابة عين الحقيقة وهذا الفرق الشاسع بين البحث العلمي في العلوم الطبيعة والعلوم السلوكية، وعلى ضوء هذه المفارقة نختم مجال الإشكال في البحث العلمي في العلوم الاجتماعية يتساءل طرح القرآن في قوله تعالى : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً{1} إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً{2} إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾. سورة: الإنسان الآيات : 1-3.
إنطلاقاً عما سلف فإن الخيارين التي جبلت عليها النفس البشرية هما سبب الاختلاف في العلوم السلوكية من العلوم الطبيعية، وهذا بدوره لابد من دراسة تلك الفطرة العجيبة والمعقدة من خلال المنهج الذي أوجدها وخلقها وخلق أفعالها لقوله تعالى : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. سورة الصافات الآية 96.
إن العلوم السلوكية أو الاجتماعية الإنسانية اكتسبها الإنسان على مدار تاريخ تراكم لا نهائي من المعارف العامة والخاصة، والتي تشكل إطار الخبرة الإنسانية. ونجد صداها في سلوك الإنسان وعلاقته على مر التاريخ. وهذه المعارف يكتسبها الفرد من خلال ملاحظة الأشياء والموجودات، والتأمل فيما وراء وجود الأشياء وحركتها، أو نتائج التجريب الذي يقوم به الإنسان بنفسه لتأكيد اعتقاده أو الربط بين الأشياء والموجودات.
وهذا التراكم الأولى من الخبرات الإنسانية هو الذي يشكل قواعد الفكر الإنساني في كافة المجالات، وبدونه لا تصل إلى الحقائق والقوانين التي تحكم مسار الإنسانية على قمة هذا الفكر الإنساني. ومن هنا جاءت بين المفاهيم العلمية والمنهجية المختلفة التي تعكس تصور الإنسان لمستويات بناء المعرفة والعلاقات بينها وبين الحقـائق الثابتة.
أما هذا يقود بطبيعة الحال إلى معرفة الأشكال العلمي في العلوم الإنسانية الاجتماعية أو السلوكية من منظور القسم الإلهي بالنفس البشرية ومن أنشأها وأبدعها وألهمها ما تميز به بين الحقيقة وغيرها، وإن الفوز لمن طهرها من كل ما هو غير صحيح أو حقيقي والخيبة والخسران لمن غمسها أو أدخلها في طريق غير معلوم أو حقيقي، حيث قال تعالى : ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. سـورة: الشمـس الآيات 7، 8، 9، 10.
إذاً النفس البشرية جبلت على منهجين ووفقهما تحدد من خلالها مسارها، هما طريق الفجور أي مجافات الحقيقة، أو الفلاح أي إصابة عين الحقيقة وهذا الفرق الشاسع بين البحث العلمي في العلوم الطبيعة والعلوم السلوكية، وعلى ضوء هذه المفارقة نختم مجال الإشكال في البحث العلمي في العلوم الاجتماعية يتساءل طرح القرآن في قوله تعالى : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً{1} إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً{2} إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾. سورة: الإنسان الآيات : 1-3.
إنطلاقاً عما سلف فإن الخيارين التي جبلت عليها النفس البشرية هما سبب الاختلاف في العلوم السلوكية من العلوم الطبيعية، وهذا بدوره لابد من دراسة تلك الفطرة العجيبة والمعقدة من خلال المنهج الذي أوجدها وخلقها وخلق أفعالها لقوله تعالى : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. سورة الصافات الآية 96.
Page 8
ثانياً : الإحساس بالمشكلة:
نجد القرآن دائماً يعطي المثال الواقعي الذي يشير اشارة مباشرة للشعور الإنساني وإحساسه، ولما كانت البحوث العلمية الحديثة قائمة على الإحساس بالمشكلة، ومن ثم القيام ببحثها بالطرق التي تؤدي إلى حل إشكالها في شكل معطيات أو نتائج نجد ذلك في قوله تعالى : ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ{1} وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ{2} أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ{3} بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ{4} بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ{5} يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ{6} فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ{7} وَخَسَفَ الْقَمَرُ{8} وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ{9} يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ{10} كَلَّا لَا وَزَرَ{11} إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ{12} يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ{13} بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ{14} وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ{15} لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ{16} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ{17} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ{18} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ{19} كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ{20} وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾. " سورة: القيامة الآيات: 1-21". قيل نفي النفي إثبات في الآيات السالفة لقسم الله تعالى بلام تحقق وقوع يوم القيامة الذّي أحس المشركون بعدم وقوعه ثم أردف ذلك بلام أخرى زيادة في بيان الحقيقة التي تملأ النفس الإنسانية وتعاتب صاحبها على مصارعة ومجابهة الشعور بالخطأ ومجافاة الحقائق باللوم والمنازعة الشديدة والمغالطة أن ذلك حقيقة وإن الإنكار لا يفيد على الإطلاق فيها؛ ثم يشير في إشارة مشارة لنوع ذلك الصراع في تقدير الإنسان الخاطئ في أن الله لا يجمع عظامه بعد ما أن تكون رميماً؛ ولكن القرآن يفسر له ذلك الإحساس بالدليل القاطع أي بالقدرة على خلق أطراف الأصابع التي منها البنان. ولم يكتف القرآن بشرح الشعور الآدمي الداخلي فقط فيما يتعلق بإعادة الإنسان بعدما صار رماداً من تراب الأرض، بل تناول مجال تفكيره في إنكار علم المستقبل أي إحساسه تجاه المسلمات القادمة مثل يوم القيامة بسؤاله عن متى ذلك اليوم، لم يترك القرآن الإنسان إلى ذلك الشعور ولكنه يلفت نظره إلى حقائق مشاهدة في الطبيعة كخسوف القمر وجمع الشمس والقمر واختفائها عن الوجود يكون ذلك يوم القيامة الذي يتساءل عنه. وهذا التفسير تجيش في النفس الإنسانية معان كثيرة لا يمكن الاطلاع عليها إلا من اللطيف الخبير، كما أنه يحدثه بما يقول في ذلك اليوم، وهو قول الإنسان أين المفر؟! ولم يتركه هكذا من دون إجابة، بل قطع عليه الشك باليقين كلا لا ذنب بعد ذلك اليوم، وأن المستقر لله الواحد القهار ووقتها يخبر الإنسان بما فعله في كل حياته، وعلى الرغم من كشف تلك الحقائق الظاهرة فإن الإنسان له الخيار وله حق الدفاع عن نفسه ولو ألقى الأعذار والمبررات والدوافع لأفعاله تلك، ثم في النهاية يقر القرآن صفة من صفات الإنسانية العجلة حتى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تلقيه القرآن الكريم نفسه فنبهه لعدم الاستعجال في عملية التلقي ومن ثم يشرح بذلك مفهوماً غائباً عنا في الإحساس بالمشكلة العلمية الحديثة إننا نحب النتائج العاجلة الظاهرة ونترك المعلومات الغائبة عنا وعظمة حقيقتها. فمن هذا المنطلق عند الإحساس بالإشكال العلمي في العلوم الاجتماعية لابد من مراعاة الشعور الحالي المشاهد والملاحظ في المشكلة بالإضافة إلى ذلك الشعور الخفي حتى تعالج البحوث من جوانبها مجتمعة لكمال الفائدة من حقائقها الناتجة عنها. أما الإحساس بالمشكلة في العلوم الطبيعية فإن للقرآن دلالات تقود لمعرفة الحقيقة كما تكون من دون نقص أو زيادة لثبات مصدر معلوماته وعلمه بطبيعة الأشياء الطبيعية، حيث قال عز من قائل : ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾. سورة: الرعد الآية: 2.﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. "سورة: الرعد الآيات: 3، 4".
فإن الناظر إلى السماء مرفوعة بدون عمد يحس بعظمة المبدع الخالق لها ثم إلى علماء الفلك وذوي الاختصاص في علوم الضوء والمجرات المساوية إن طبيعة تلك الأشياء والبحث فيها بالأسلوب القرآني قطعاً يؤدي ذلك للإقناع مع اليقين بتلك الحقائق وأن هنالك لقاء مرتقب. ثم التفكر في الأرض الممدودة وما فيها من جبال وأنهار وثمار والأزواج وتعاقب الليل والنهار يقود للتفكير العلمي الصحيح في مجال العلوم الطبيعية، ثم نختم الإحساس بالإشكال العلمي في العلوم الطبيعية بهذه المعاني الغائبة على كثير من المفكرين والعاملين في مجال البحوث العلمية مثلاً نجد العلماء في علم النبات يدرسون الحزم التقنية وعملية الري وما شابه ذلك لزيادة الإنتاج، ولكن المنهج القرآني يوضح ذلك في افتراض علمي وشعور معاش، ومشاهد تكون قطع متجاورة تحمل نفس صفات التربة، وتزرع بنفس نوع البذور، وتسقى بماء واحد ولكن يكون هنالك فرق في الإنتاج والإنبات وهذا بدوره يؤدي إلى تفكير آخر في طريقه المنهجية في العلوم الطبيعية وهى التفكر والإحساس في القدرة الإلهية التي تقسم الأرزاق، وتحدد الإنتاج، وإن نظرت لتلك القوة الخفية حيث لا يكفي الاعتماد على الشعور المشاهد فقط، وإنما أخذ المعنى الغيبي في الحسبان؛ إن الإحساس بالمشكلة في النهج القرآني يأخذ أبعاد المشكلة من كل الأطراف، الظاهر منها والخفي؛ وعلى هذا الأساس يكون لدى الباحث كل الخبرات المتاحة، بل تكون عملية الاستقصاء ثابتة لأنه أخذ المعلومات الحقيقية؛ للاعتبارات الحقيقية، وعندها يكون معدل الصدق في اختبار الإحساس بمشكلة حقيقية لرسوخ المفاهيم عنده، وأخذ كل الاحتمالات اللازمة لفروضه.
Page 9
ثالثاً : تحـديد المشكلة واختيـارها:
إن اختيار المشكلة العلمية في القرآن مبنى على نظام دقيق جداً هو معرفة حقيقة أصل الأشياء المحسوس الملموس؛ لكي يؤدي إلى الغيب المجهول تماماً أو المطلق، وفي هذا الإطار يتطلب البحث العلمي مفهوماً محدد في تحديداً قضاياه البحثية بأسلوب يستخدم كل العوامل التي تساعد في إقرار تلك الحقائق؛ وعلى ضوء ذلك عندما يريد الباحث أن يختار مشكلة بحثه، أن يراعي بعض الخطوات؛ من ذلك على سبيل المثال التركيز على أو يلتزم ببعض الصفات ذات الطابع الذي يظهر الدهشة والحيرة، أو الطبيعية غير المألوفة سواء كان ذلك في السلوك الإنساني أو طبيعة الأشياء الموجودة في الطبيعة من حولنا، كقوله تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً{9} إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً{10} فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً{11} ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً{12} نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى{13} وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً{14} هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً{15} وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً{16} وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ﴾. "سورة: الكهف الآيات: 9-17."﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً{18} وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً{19} إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً{20} وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً{21} سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً{22} وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً{23} إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً{24} وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً{25} قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾. سورة: الكهف الآيات: 18-26.
إن الآيات السالفة تحتوى على مقدمات تدل على الحيرة والغموض كالآتي:
المقدمة الأولى : الإيمان بالله ثم البعث واعتزال القوم الكافرين والذهاب إلى الكهف للاختفاء فيه حتى يهيئ إليهم الله مخرجاً.
المقدمة الثانية : أما المفهوم الثاني يقول قوم أولئك الفتية لا يؤمنون بالله ولا البعث.
النتيجــة: إن سلوك هؤلاء الفتية ونومهم في الكهف والعوامل الطبيعية التي حدثت لهم من ظاهرة الشمس وهيئة رقودهم، ثم قيامهم من النوم وقولهم فيما بينهم بالإضافة إلى بعث مندوبهم إلى السوق ثم ظهورهم للناس وكيفية التعامل معهم وكيفية إحصاء عددهم كل ذلك دافع وإجابة على أسئلة كان يطلقها القرآن واصفاًً ليوم البعث كأن يقول الناس يوم القيامة ما لبثنا إلاّ يوماً واحداً في هذه الدنيا، ثم أقرت هذه الآيات العدد الصحيح الذي قضاه أولئك الفتية في الكهف؛ وأن علم الغيب والمستقبل من أهم العلوم في عملية البحث العلمي في مجال السلوك الإنساني؛ ولكن يشترط تقديم مشيئة الله تعالى في ذلك.
المشكلة : تكمن هنا في الحيرة هذه العوامل التي تخالف مبدأ الحياة العام للناس منذ الولادة إلى الموت ويؤدي ذلك إلى حياة أخرى أن عدد السنين التي يقضيها الإنسان في الحياة الدنيا لا تساوي إلاّ يوماً أو بعض يوم كما حدث فعلاً لأصحاب الكهف الأمر الذي يوجب أن وعد الله حق. وعلى هذا الأساس لابد من مراعاة المسلمات العادية في السلوك البشري ليس هي الحقائق العلمية التي يستحق البحث العلمي وإنما هناك عوامل خفية تقود لها الظواهر المشاهدة قطعاً أفضل وأحسن وأطيب مما هو ملاحظ.
وكذلك هنالك جانب آخر لتحديد المشكلة، ومن ثم اختيارها في العلوم الطبيعية يتناول جانب الحيرة والغموض على سبيل المثال، قال تعالى : ﴿ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً{32} كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً{33} وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً{34} وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً{35} وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً{36} قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً{37} لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً{38} وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً{39} فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً{40} أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً{41} وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً{42} وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً{43} هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً ﴾ " سورة الكهف الآيات: 32،44".
Page 10
نجد أيضاً مقدمات في المثال القرآني في العلوم الطبيعية ذات الأشكال العلمي على النحو التالي:
المقدمة الأولى: المزارعون أصحاب الأموال والخبرات في الدول المتقدمة ينتجون أكثر من رفقائهم في الدول النامية لإمكانياتهم المادية.
المقدمة الثانية: هنالك حالات من المزارعين في بعض الدول النامية على الرغم من إمكانياتهم أحرزوا نجاحاً في الإنتاج ليس للإمكانيات المادية ولكن لإيمانهم بالله واعتمادهم عليه.
النتيجة : هنالك عوامل تجعل من المزارع المؤمن ينتج أكثر على الرغم من إمكانياته المتواضعة.
المشكلة: تظهر في الحيرة عن العوامل التي تجعل أصحاب القدرات العلمية والمادية تكسد مزارعهم، وأصحاب الإيمان مع قلة العدة والإمكانيات يحدث لهم الوفرة في المحاصيل وهذا مبدأ القرآن الكريم في معالجة الإشكال العلمي ولتحديد أشكاله في اختيار المشكلة العلمية متعلق بالإطار التفاعلي الذي يجمع بين معرفة الأسباب الظاهرة ثم يؤدي ذلك إلى الإيمان بالغيب المطلق.
ومن خصائص المشكلة العلمية أيضاً حدوث العواقب غير المرغوب فيها مثلاً يعطي العلم للإنسان من عند الله للاعتراف بنعمة الله عليه وبذلك العلم وإن يرد ذلك الفضل إلى صاحبه جل جلاله ولكن أن يستأثر الإنسان ونسب ذلك لنفسه وأن لا يرى أحداً أعلم منه فهذه عاقبة غير مرغوب فيها وذلك واضح في الحوار الذي دار بين موسى عليه السلام ـ والعبد الصالح لما سئل موسى ـ عليه السلام ـ هل يوجد من هو أعلم منه قال : لا. عاتبه الله جل جلاله أن هنالك َمْن هو أعلم منه ثم دلَّه على ذلك العالم الرباني في قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً{60} فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً{61} فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً{62} قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً{63} قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً{64} فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً{65} قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً{66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً{67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً{68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً{69} قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً{70} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً{71} قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً{72} قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً{73} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً{74} قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً{75} قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً{76} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً{77} قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً{78} أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً{79} وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً{80} فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً{81} وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ﴾ " سورة الكهف الآيات: 60، 82".
المقدمة الأولى: أعطى الله تعالى موسى عليه السلام العلم الشرعي فلما سئل هل من أحد أعلم منه في زمانه قال : لا ).
المقدمة الثانية: أن القصة في الآيات السالفة تخبر عن ذلك كان عتاباً لموسى ـ عليه السلام ـ لقوله (لا).
النتيجـة: أن التقدم في النتائج العلمية يفهم من بعض الناس على أنه امتلك كل المعلومات وليس هنالك أعلم منه.
المقدمة الأولى: المزارعون أصحاب الأموال والخبرات في الدول المتقدمة ينتجون أكثر من رفقائهم في الدول النامية لإمكانياتهم المادية.
المقدمة الثانية: هنالك حالات من المزارعين في بعض الدول النامية على الرغم من إمكانياتهم أحرزوا نجاحاً في الإنتاج ليس للإمكانيات المادية ولكن لإيمانهم بالله واعتمادهم عليه.
النتيجة : هنالك عوامل تجعل من المزارع المؤمن ينتج أكثر على الرغم من إمكانياته المتواضعة.
المشكلة: تظهر في الحيرة عن العوامل التي تجعل أصحاب القدرات العلمية والمادية تكسد مزارعهم، وأصحاب الإيمان مع قلة العدة والإمكانيات يحدث لهم الوفرة في المحاصيل وهذا مبدأ القرآن الكريم في معالجة الإشكال العلمي ولتحديد أشكاله في اختيار المشكلة العلمية متعلق بالإطار التفاعلي الذي يجمع بين معرفة الأسباب الظاهرة ثم يؤدي ذلك إلى الإيمان بالغيب المطلق.
ومن خصائص المشكلة العلمية أيضاً حدوث العواقب غير المرغوب فيها مثلاً يعطي العلم للإنسان من عند الله للاعتراف بنعمة الله عليه وبذلك العلم وإن يرد ذلك الفضل إلى صاحبه جل جلاله ولكن أن يستأثر الإنسان ونسب ذلك لنفسه وأن لا يرى أحداً أعلم منه فهذه عاقبة غير مرغوب فيها وذلك واضح في الحوار الذي دار بين موسى عليه السلام ـ والعبد الصالح لما سئل موسى ـ عليه السلام ـ هل يوجد من هو أعلم منه قال : لا. عاتبه الله جل جلاله أن هنالك َمْن هو أعلم منه ثم دلَّه على ذلك العالم الرباني في قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً{60} فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً{61} فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً{62} قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً{63} قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً{64} فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً{65} قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً{66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً{67} وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً{68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً{69} قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً{70} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً{71} قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً{72} قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً{73} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً{74} قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً{75} قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً{76} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً{77} قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً{78} أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً{79} وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً{80} فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً{81} وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ﴾ " سورة الكهف الآيات: 60، 82".
المقدمة الأولى: أعطى الله تعالى موسى عليه السلام العلم الشرعي فلما سئل هل من أحد أعلم منه في زمانه قال : لا ).
المقدمة الثانية: أن القصة في الآيات السالفة تخبر عن ذلك كان عتاباً لموسى ـ عليه السلام ـ لقوله (لا).
النتيجـة: أن التقدم في النتائج العلمية يفهم من بعض الناس على أنه امتلك كل المعلومات وليس هنالك أعلم منه.