مقدمة
ترقى الكنيسة الشرقية في العراق إلى الرسول مار ادّي وتلميذه مار ماري (ت82م) الذي يعدُّ أول رئيس لكنيسة بلاد بين النهرين، وكانت لهذه الكنيسة ست أبرشيات مركزها في ساليق – قطيفون (المدائن)، وقد توافق الفتح الإسلامي مع وجود الجاثليق (أيشوعياب الثاني 646) على رأس كنيسة المشرق، وحصل هذا الجاثليق على صداقة المسلمين وعلى مرسوم يعطى الأمان للمسيحية، انتقل مركز الجاثليق إلى بغداد عام 779 في زمن الجاثليق حنا ينشوع الثاني، ومن بين تلك الأبرشيات واحدة في برات – ميشان أو فرات – ميشان (البصرة) وواحدة أخرى في بيت هوزاي ومركزها بيت لافاط (جنديسابور) وأبرشية بيت كرماي ومركزها كرخ في – دبيث سلوخ (كركوك).
استمرت الكنيسة الشرقية (النسطورية) بعد الفتح الإسلامي ولاسيما في ظل الخلافة العباسية حتى صارت تضم خمسة عشر من رؤوساء الأساقفة إلاّ انها تعرضت للتشتت بعد غزو هولاكو للعراق عام 1258 اعقبتها هجرة جماعات مسيحية إلى المناطق الجبلية في العراق وتركيا وإيران، حتى عودتها في بداية القرن العشرين إلى وطنها الأصلي، العراق.
أما الكنيسة الارثوذكسية، وهم الذين سمّوا في القرون الميلادية الأولى بالمونوفوزيين أو اليعاقبة، فقد انتشر مذهبها في تكريت والحيرة وشمال نينوي، وانتظمت شؤونها في القرن السادس الميلادي حينما انتقل مطرانها في تكريت إلى شمال الموصل عام 628 ومركزه في دير مارمتي.
لعل من أبرز السمات في تاريخ المشرق، أن الكنيسة الشرقية في الهلال الخصيب تشترك مع التراث العربي في مجتمع واحد سواء في نموه أو تقاليده، وكلاهما انطلقا في توسعهما شمالاً وكان الهلال الخصيب مجالهما المشترك، ولذلك نجد تشابهاً واضحاً في جوانب عديدة بين المسيحيين والمسلمين في هذه المنطقة، تكاد لا تفرق بينهم سواء في الشكل أو اللغة، فلغتهم المشتركة هي العربية، فيما عدا المسيحيين في شمال العراق الذين لا يزالون يتحدثون بالسريانية أو إحدى لهجاتها المسماة بالسورت إضافة إلى اللغة العربية حتى الوقت الحاضر.
إن التغيير الدرامي الذي جرى في الإمبراطورية البيزنطية وتحوّلها إلى المسيحية في الشرق بين الأعوام 313-321 لعله يعود في أبرز أسبابه إلى تأثير الشرق وأهله الذين ورثوا الأديان الجليلة والحضارات العظيمة.
على الرغم من أن الكنيسة المشرقية قد توسعت في القرن الخامس وانتشرت بين القبائل العربية كالغساسنة في الجزيرة والمناذرة في جنوب العراق، إلاّ أن سياسة بيزنطية المتقلبة والمضطربة تجاه الكنيسة المشرقية، وسعيها إلى احتوائها، أضف إلى تدخل الأباطرة المباشر في تعيين رجال الدين، قد شجّع على انقسام الكنيسة المشرقية إلى قسمين: يعاقبة في سوريا ولبنان وفلسطين، ونساطرة في العراق وإيران، لذلك نجد أن المسيحيين بتأثير السلطة الساسانية سعوا إلى الاستقلال عن بيزنطية خوفاً من بطش الفرس بهم كما فعلوا بعد أن اهتدت بيزنطية إلى المسيحية حينما شن الحكام الفرس حملة شعواء انتهت بقتل ما يقرب من ستين ألف شهيد في العراق والأهواز معظمهم من رجال الدين والمتعلمين المشرقيين.
كانت المسيحية قد انتشرت في القرن الخامس والسادس في معظم أنحاء سوريا ولبنان وفلسطين ومصر وجنوب إيران واليمن وقطر مما شجع المسيحيين من ذوي الأصول العربية على تقبل الفاتحين المسلمين ومساعدتهم في غالب الأحيان، وكانت سياسة المسلمين تتسم بالحكمة والاعتدال فقد راعهم انتشار المسيحية في الهلال الخصيب، فقابلوهم بالعهود والمواثيق القائمة على الحرية الدينية والعيش المشترك.
في الحقيقة أن اللقاء بين المسيحية والإسلام له جذوره التاريخية والدينية العميقة، بدأت منذ عهد الرسول الكريم الذي كان يلتقي باستمرار مع ابن عم زوجته الفاضلة خديجة الكبرى، ورقة بن نوفل الذي كان على الأرجح مسيحياً حكيماً، كما التجأ بعض المسلمين الأولين إلى ملك الحبشة النصراني الذي حماهم. وقابل النبي الكريم (ص) رؤوساء قبائل نجران من المسيحيين في المدينة، لكن اللقاء التاريخي والتقاء الثقافتين حدث عندما فتح المسلمون الهلال الخصيب.
وكان معظم المسيحيين في سوريا قد ملّوا تدخل السلطة البيزنطية في حياتهم، كما أن الفرس في العراق كانوا قد فتكوا بآخر ملك عربي الذي كان على الأرجح مسيحياً وهو المنذر الأخير ملك مملكة الحيرة أو بالأحرى ملك العرب الذي كان يمتد نفوذه إلى جنوب العراق واليمن وقطرايا، وقد فسر بعض المسيحيين في القرن السابع فتوحات المسلمين وتوسعهم السريع في المشرق تفسيراً معتمداً على التوراة والكتاب المقدس، فذكروا أن العرب قد انحدروا من نسل أولاد إسماعيل الابن الأكبر للنبي إبراهيم الخليل الذي وعده الله بأن يجعل نسله شعباً جليلاً (التكوين 21/18) فقد كتب أحد الرهبان النسطوريين في العراق عام 670 (50 هـ) أن بني إسماعيل يحققون انتصارات سيما وأنهم من أحفاد إبراهيم الذين كانوا يعيشون في الصحراء، وكان قد ذكر مثل هذا الرأي احد المطارنة الأرمن المسمى (سيبوس) عام 661 (41 هـ) أيضاً.
على الرغم من تطور مجالات الثقافة والعلوم السريانية في بداية القرن السابع الميلادي، فإن سيطرة البيزنطيين على المدارس العليا في سوريا وضغوط الفرس وتدخلهم في حياة أهالي العراق وإشعال نار الفتنة بين المناذرة والغساسنة الذين كان من بينهم عدداً كبيراً من المسيحيين، قد أثر على تكوين حضارة سريانية إلى جانب الحضارتين الفارسية والبيزنطية لذلك وجد السريان في المسلمين شركاء أفضل في العيش والبناء الحضاري.
يبلغ عدد المسيحيين في العراق بين 4% - 5% من عدد السكان وفي سوريا يبلغ مجموعهم بين 8-9% من عدد السكان وفي فلسطين 6% وفي مصر أكثر من 8% وفي لبنان حوالي 45% من عدد السكان، وكان يطلق على اليعاقبة في سوريا والنساطرة في العراق بالسريان على الرغم من أنهم ذوي أصول مختلفة آرامية وآشورية ومكدية وعربية. [انظر الملحق رقم (2)].
كانت هيئة اللغة السريانية في المجمع العلمي العراقي ولازالت موضع فخر المثقفين السريان في العراق والعالم العربي، وذلك من خلال المؤتمرات والندوات والدراسات والترجمات التي تصدر عنها، وإن كانت في السنوات الثلاث الماضية تبدو متواضعة، وهذا ما يذكرنا بالعلاّمة المرحوم يوسف حبّي رئيس الدائرة العلمية السريانية للسنوات 1996-2001 الذي خلّف لنا دراسات وبحوث سريانية متميزة، وقبله المرحوم الباحث الجليل كوركيس عواد، ولا بد لنا من أن نعرّف بأعلام السريان في العراق لقرّائنا أمثال البيرابونا (الذي ألف وترجم زهاء ستين كتاباً) ود.بطرس حداد (الذي ألف وترجم زهاء ثلاثين كتاباً) وسهيل قاشا (الذي ألف أكثر من عشرة كتب) والبطريرك عيواص (الذي ألف وترجم عدة كتب) د.يوسف فوزي ود.جاك أسحق ود.يوسف ساكو ود.يوسف توما الذين نشروا دراسات علمية في الثقافة السريانية في مجلة المجمع العلمي ومجلتي بين النهرين والفكر المسيحي وغيرها، هذا بالإضافة إلى جهود فرع الأدب السرياني في اتحاد الأدباء والكتاب السرياني، ولا بد أن نشير إلى كتابين مهمين صدرا حديثاً باللغة الإنجليزية، هما:
1) المسيحية في العالم العربي
Talal, (prince) El Hassan Christianity in the Arab World. Amman, Royal Institule for Inter-Faith studies, 1995.
2) المسيحية في العراق:
Rassam, Suha Christainity in Iraq. London, Grace Wing, 2006
وأخيراً ينبغي ألا ننسى المجلة المتميزة (ميسوبتيميا) التي تصدر في خارج العراق وجهود رئيس تحريرها الأستاذ سليم مطر ومجلات عراقية تعني بالأدب المشرقي المسيحي مثل مجلة بين النهرين ومجلة الفكر المسيحي وغيرهما.
بغداد 2010
الفصل الأول
العصر الفارسي الرافديني في العراق
المبحث الأول : خلفية تاريخية للعصر الفارسي الرافديني في العراق
كان البارثيون (الفرثيون) وهم فرع من الفرس الإيرانيين يعيشون حياة بدوية، ثم استقروا في الألف الأول قبل الميلاد، وفي العام 250 ق.م تمكن أحد رؤساء القبائل من التحرر من سيطرة اليونانيين السلوقيين الذين كانوا يحكمون إيران وغيرها من البلدان، وقام بتأسيس مملكة للسلالة الارشاكية، واستطاع الملك ميترداس الأول (171-138 ق.م) أن يستولي على بقية أجزاء إيران ويطارد الجيش اليوناني حتى شمال سوريا، وبذلك يكون هذا الملك قد احتل العراق القديم، أي بلاد الرافدين وذلك في العامين (141-140 ق.م) وعندما تسلم الحكم الملك أورودس الثاني في الأعوام (57-37 ق.م) قرر نقل العاصمة من سلوقية ذات العمارة الهلنستية- الرافدينية، وأنشأ مدينة له قبالتها، لكن على الجهة الأخرى من دجلة وسماها كتسبيا (Ctespia) التي سميت لدى اليونان والرومان (Ctesephon)، ولدى سكانها من البابليين وغيرهم قطيسفون ثم طيسفون (المدائن)، وفي أيام حكم هذا الملك، هاجم الحاكم الروماني لولاية سوريا ليستوس كراسوس المدن الرافدينية والحاميات الارشاكية، ولكنه تاه في الصحراء السورية، ثم لقيه جيش البارثيين وهزمه عند مدينة الرها شمال غربي سوريا عام 53 ق.م.
كان العراق القديم بعد سقوط آخر إمبراطورية رافديينة وهي الإمبراطورية البابلية، قد واجه احتلالاً فارسياً إخمينياً أعقبه احتلال يوناني، وكانت الأقوام التي تسكن العراق مؤلفة في معظمها من أصول سامية مثل البابليين ذوي الأصول الأمورية والآرامية، وكذلك بقايا الآشوريين ومجموعة من القبائل الآرامية التي سكنت منطقة بيت أراماي وبيت هوزاي (الأهواز) جنوب شرقي البصرة ومدينة حاطرا (الحضر) ومنطقة حدياب، وقد بدا أن اللغة السائدة منذ القرن السابع قبل الميلاد وحتى القرن الثاني الميلادي، هي اللغة الآرامية، يضاف إليها اللغة اليونانية في فترة الحكم اليوناني – السلوقي، واللغة الفارسية في فترة حكم الأقوام الفارسية الإخمينية والبارثية واللغة العربية في الفترة الساسانية([1]).
المبحث الثاني : الآرامية والسريانية
تعتبر اللغة الآرامية إحدى اللغات السامية الرئيسية في الشرق الأدنى القديم، وقد انتشرت في منطقة الهلال الخصيب، ولاسيما سوريا وفلسطين منذ القرن السابع قبل الميلاد، واتخذتها الدولة الآشورية الأخيرة والدولة البابلية والدول الفارسية لغة الدبلوماسية والتعامل مع الدول الأخرى، ولغة التفاهم السياسي والتجاري، وكانت أيضاً لغة يسوع (عيسى) المسيح ورسله الإثنى عشر.
استفاد اليهود في فلسطين من الخط الآرامي الذي تطور لديهم، ومن خلاله تطور خطهم العبري ما بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، كما أن العرب الشماليين أخذوا خطهم من الأنباط، والخط النبطي شكل من أشكال الخط الآرامي، وهو لذلك أصل الخط العبري الشمالي بجميع أطواره وربما أيضاً أصل الخط العربي المعروف بالمسند، كما استفاد بعض العرب من الخط العربي الحيري الذي كان متأثراً بالسريانية، وذلك ما بين القرن الرابع والقرن السادس الميلاديين، كما تطور في عاقولاء (الكوفة) خط عربي في نهاية القرن السابع الميلادي متأثراً بالخط الآرامي أو السرياني، سمي بالخط الكوفي، وهو أجمل الخطوط العربية.
ونشأت في العراق ثلاث ممالك شبه مستقلة تحت الحكم اليوناني والحكم الفرثي وهي ممالك ميشان وحاطرا (الحضر) وحدياب أو إديابين (Adiabene) كما يلفظها المؤرخون اليونان والرومان، وكانت هذه الممالك تكتب باللغة الآرامية حتى منتصف القرن الثالث حينما اجتاحتها جيوش الفرس الساسانيين، ودمرتها وشردت أهلها، وخصوصاً مملكة حاطرا.
أما السريانية، فهي لغة محكية من الآرامية، التزم بها المسيحيون في شمال سوريا أولاً لكي يختلفوا عن الوثنيين الآراميين، ولذلك سموا أنفسهم بالسريان أي أنهم سوريون، وتبنت الكنيسة المسيحية في سوريا وفلسطين ثم العراق منذ القرن الثاني الميلادي اللغة السريانية، وسرعان ما انتشرت بين المسيحيين في منطقة الهلال الخصيب، واصبحت لغة الكنيسة ولغة الفلسفة الدينية، وتطور الأمر في استخدامها إلى جوانب الثقافة والمعرفة العامة كالشعر والحكاية الشعبية والقصص الدينية والعلوم التي نمت من خلال القراءات اليونانية كالطب والصيدلة والعلاجات السريرية التي بدأت في الرها وجنديسابور أو بيث لافاط، وانتقلت إلى بقية المدن الرئيسية في سوريا والعراق منذ القرن الثاني الميلادي، وتطورت الفلسفة والعلوم الدينية وخصوصاً العلوم اللاهوتية([2]).
ازدهرت الآداب والعلوم السريانية في القرن الخامس حتى أصبحت تسود ثقافة معظم سكان فلسطين وسوريا ولبنان والعراق، إلى جانب اللغة العربية التي انتشرت أو نشرتها الأقوام العربية التي هاجرت بشكل واسع إلى سوريا والعراق منذ القرن الثالث أو الرابع الميلاديين من بينهم جماعات من العرب النصارى الذين كانوا في نجران وسبأ وحمير بخاصة، بعد هجوم ملك حمير الذي آمن باليهودية ذو نواس (515 – 525م) على مدينة نجران وتوابعها المعروفة بشعبها المسيحي وكنائسها الكثر، وأكره ذو نواس أهلها النصارى على اعتناق اليهودية، وقيل أنه قد حفر أخاديد (خنادق) لهم وأضرم فيها النار، وخيرّ المسيحيين بين النار والخروج عن دينهم، فأبى هؤلاء إلا أن يموتوا شهداء، وفرّ الآخرون وهاجروا إلى جنوب العراق.. إلى فرات – ميشان وكشكر والحيرة.
وسنسعى في بحثنا الأول إلى الكشف عن تاريخ العراق في هذه الفترة التي سبقت المسيحية من خلال دراستنا للممالك والمدن الرافدينية الرئيسية وهي ممالك ميشان وحاطرا وحدياب وسنجار ومدن مثل كشكر وفرات – ميشان وجند يشابور وغيرها من المدن الرافدينية الأخرى.
المبحث الثالث : مملكة ميشان
مملكة ميشان أو ميسان تضم منطقة واسعة، ابتداءً من المحمرة الحالية وحتى فرات – ميشان (البصرة) وكذلك جنوب العراق المطل على الخليج العربي بضمنها جزيرة فيلكا.
نشأت ميشان من أقوام وقبائل عدة معظمها آرامية التي كانت موجودة في هذه المنطقة منذ بداية العصور البابلية في مملكة القطر النجري. وكان قيام مملكة ميشان ومملكة حاطرا ومملكة حدياب وكذلك مملكة سنجار كرد فعل حضاري في سكان العراق القدماء بعد سقوط آخر دولة رافدينية بابلية – كلدية عام 539 ق.م على يد الفرس وما تبعته من غزوات اغريقية ورومانية وغيرها حيث اعتبرت هذه الممالك امتداداً لقوى وقدرات شعب الرافدين المتحضر الذي كانت بلاده مركزاً من مراكز الثقافة والتجارة والإدارة في الهلال الخصيب.
أما كون معظم سكان ميشان من الآراميين فهذا ما يؤكده الباحث شيلدن نودلمان والعلامة طه باقر حيث يقول بالحرف الواحد: (إن جُلًّ سكان ميشان من الآراميين)[*].
بعد انهيار الحكم الإخميني الفارسي في العام 331 ق.م. على يد الإسكندر الكبير، تبعه الاحتلال اليوناني الذي على استولى الشرق الأدنى ووصل إلى أطراف الهند، وبعد أن قضى الإسكندر الكبير وقتاً في فارس قرب عاصمتها برسيبوليس، وبعد أن أحرق ودمر ما استطاع من معالمها انتقاماً لما فعله الفرس في بلاد اليونان، وبعد ان تزوج من أميرة فارسية وسعى إلى تزويج بقية الأميرات ونساء البلاط من قادته انسجاماً مع سياسته الداعية إلى إيجاد علاقة حسنة مع الشعوب المغلوبة، عاد إلى بابل متخذاً طريقاً جنوبياً حتى وصل إلى أرض (المحمرة) التي تطل على نهر كارون، فقرر إنشاء مدينة هناك دعاها (خاراسين Charassene) ودعا جنوده المتعبين أن يستقروا فيها؛ بينما اسماها قادة الإسكندر (الإسكندرية) لكن هذه التسمية لم يؤبه لها، أما السكان الذين يعيشون قربها والذين في معظمهم كانوا آراميين فقد اسموها (كرخا) بمعنى المستوطن، ولذلك جاء اسم كرخا في مواقع عديدة في العراق من بينها (كرخا بيث سلوخ) أي كركوك، وكرخا ليدان في الأهواز وغيرهما.
وأمر الإسكندر، الذي كان يفكر في خطته للاستيلاء على بلاد العرب، ببناء أسطول جديد يتألف من (1000) سفينة، كما أمر بإنشاء ميناء على الكارون أسماها (بيلا Pella) وكلف أحد قادته من أمراء البحر ويدعى (سيكالس الكلازيو ميناوي)، وطلب منه الذهاب حال وصوله إلى بابل، إلى بلاد فينيقية (لبنان) واعطاه (500) طالين من الذهب لشراء ما يحتاج إليه من خشب ولوازم ومواد، ولاستئجار بحارة لبناء أسطول كبير لا يقل عن (1000) سفينة من مختلف الأنواع، ثم ركب سفينة وسار من نهر كارون حتى التقائه بدجلة، وقرر هناك أن يقام ميناء آخر مناسب لأسطوله المقبل وسماها (أبولوكوس Apollochus) الذي تحول اسمه في ما بعد إلى (الابلة)، ثم نزل إلى فم الخليج واستراح في جزيرة (ايكاروس Ikarus) والتي سميت في العصر الحديثة (فيلكة)، وقرر بناء ميناء هناك وترك بعض جنوده وقادته لهذا الغرض، ثم انتقل إلى نهر الفرات وعاد شمالاً متوجهاً إلى بابل على متن سفينة من السفن التي كانت ترافقه في حملته على إيران وما بعدها.
نمت مدينة خاراكس وفي بداية القرن الثالث قبل الميلاد لكنها سرعان ما خربت المدينة بسبب فيضان الكارون، وتكرر ذلك عدة مرات مما جعل الملك السلوقي (انطيوخس الرابع ابيفانس) يعيد تعميرها وأسماها أنطاكيا أيضاً على اسمه، وعين الملك (أنطيوخس الثالث) وذلك سنة 221 ق.م حاكماً على خاراكس المدعو (بيتكاريس) ثم عين بعده أحد قادته حاكماً على المدينة يدعى (تيخون) وكان غرض الإمبراطور انطيوخس أن تسيطر هذه المدينة على تجارة الهند وبلاد العرب ومصر.
وفي عام 165 ق.م. أعاد الإمبراطور انطيوخس الرابع تعمير مدينة خاراكس، وعيّن أحد شيوخ العراق في منطقة ميشان التي تشمل القبائل الآرامية والعربية والفارسية، وجعله أميراً على مملكة ميشان.
تمتد مملكة ميشان من مدينة خاراكس وحتى جزيرة ايكاروس وعبر نهري دجلة والفرات اللذين كانا يصبان كل منهما على حدة في الخليج العربي حتى ذلك الحين، وجعل هذا الشيخ ويدعى (سباسينس) أميراً على جميع تلك المنطقة التي تشمل أيضاً رقعة فرات – ميشان، وجدير بالذكر أن كلمة ميشان تعني بالآرامية (المدينة المنورة).
اثبت هذا الأمير بأنه أهل لثقة السلوقيين، إذ ظل متعلقاً بهم برغم ما حصل لدولتهم من انتكاسات على أيدي الفرثيين، لكن تعاظم الخطر الفرثي أقنعه أخيراً بالاستقلال في إمارته عن أنطاكيا والسلوقيين بخاصة عندما اندحر الملك السلوقي.
وكانت نقود مملكة ميشان تُضرب في مدينة خاراكس، أي كرخا، وهي تحمل صورة الأمير سباسينس وصورة أحد الملوك السلوقيين، وعند احتلال الفرثيين العراق وجدن صورة الأمير على عملته المعدنية وفي وجهها الأخر صورة ملك فرثي لعله متريداس الثاني (124 – 88 ق.م) مما يدل على تبعيته للفرثيين.
لكن عندما أدرك هذا الأمير ضعف المملكة الفرثية، أعلن استقلاله وسمى نفسه ملكاً (Apologus) على مملكة ميشان، وألف هذا الملك جيشاً لتحرير بلاد بابل من قبضة الفرثيين، ويقول العلامة سامي سعيد الأحمد أن الملك سباسينس نجح لفترة قصيرة في طرد الفرثيين من بلاد بابل، بسبب امتلاكه شعبية في تلك البلاد، وكثرة مؤيديه بدليل الرقيم المدون باللغة الأكدية والذي يعود إلى سنة 127 ق.م، الذي أفاد بأنه قد أصبح ملكاً على بابل، ويعتقد أن هذا الملك من أصل بابلي – كلداني، وإلا كيف حاز على هذه الشعبية بالإضافة إلى أنه كان يقدم الأضاحي في المناسبات الدينية ببابل إلى الإله مردوخ.
كان الملك سباسينس معجباً بالحضاة اليونانية الشرقية (الهلنستية) فقد اتبع التقويم اليوناني الذي يبدأ من سنة 311ق.م، واتبع الملك سياسة دولية مع سكان بلاد بابل وكان لديه مستشار بابلي يدعى (التي – مردوخ- بلاطو) وكان من المقربين إليه.
لم تدم سيطرته على بابل إلا بضع سنوات، ولدينا نقود معدنية تعود إلى سنة 126-127 ق.م باسمه، وتعكس نقوده حبه للهلنستية، وبدأت حملة فرثية جديدة على العراق من قبل الملك الفرثي (متريداس الثاني) انتهت بعد ست سنوات بانكسار جيش الملك سباسينس عام (120 ق.م) ولذلك انسحب إلى مملكته الصغيرة ميشان، ويبدو أنه خضع بعد ذلك للفرثيين، لكن علاقاته التجارية استمرت مع جيرانه اليونانيين وكذلك مه مدن سوريا الصحراوية التي كانت تستورد عن طريق ممكلته الأقمشة والطيب وبضائع مستوردة من الهند وغيرها وتصدرها إلى الجزيرة العربية.
وأشار كتاب (الطواف) حول البحر الاتيري لمؤلف يوناني والمكتوب بين السنوات (50-60م) كما يذكر العلامة الأحمد، أن مدينة أبولوكس (الأبلة) كانت فيها أسواق مهمة يصدر منها اللؤلؤ الذي كان يستخرج من الخليج العربي، ويباع لليمن وغيرها، وكانت تستقبل هذه المدينة الأرجوان، الذي كان يصلها من الموانئ الفينيقية، وكذلك الذهب والرقيق اللذين كانا تجارة مربحة تقدم الفرثيين والرومان معاً، كانت مملكة ميشان تميل إلى الرومان خلال فترة الحروب التي اندلعت بين السنوات (33 – 54 ق.م).
خلف الملك سباسينس ابنه الملك أبوراكوس الذي تعكس نقوده حبه أيضاً للهلنستية من ناحية وولعه بركوب البحر، ومن ناحية أخرى نرى في نقوده صورة البطل هرقل ومقدمة لسفينة، وحيث أن والده قد أسس أسطولاً تجارياً صغيراً يعمل في الخليج العربي، فقد اهتم هو أيضاً بهذا الأسطول، ومن ملوك ميشان الذين جاءوا بعد (أبوراكوس) تيرابوس الأول، الذي سكّ له نقوداً مماثلة لأسلافه([3]).
ومن الملوك الميشانيين (ثيونسيوس الأول) وهو اسم هلنستي وتحمل نقوده التواريخ 18، 19 ق.م وقد خلفه الملك أطامبيلوس (وهو اسم آرامي يدخل في تركيبه اسم الإله بعل) وتعكس النقود المعدنية الميشانية التي سكّها هذا الملك في الفترة بين (7-9 ق.م) الميل نفسه لدى أسلافه إذ ظهرت عليها صورة هرقل وصورته إلى جانب ألقابه، واعتنى هذا الملك الرافديني بالتجارة مع الدول الأجنبية، مما يدل على أهمية منطقة الخليج العربي للتجارة العالمية آنذاك.
وفي هذه الفترة برز الجغرافي الرافديني المعروف (دابوسيوس) من أهالي كرخا الذي كتب باليونانية، إذ وصلنا جزء مما كتبه ليتحدث فيه عن الأرض وأحوالها، كما ظهر مؤرخ رافديني آخر يدعى (ايسودور الكرخي) أو ايسودوروس كما يسميه الرومان الذي ولد في كرخا وألف كتاباً أسماه (المحطات البارثية Parthian Stations) يتحدث فيه عن المراكز التجارية في (الخليج العربي) وربما كان ذلك سنة 26 ق.م.
وحكم بعد ذلك في ميشان ملكاً هما (ادنركلوس) و(ابنركلوس) ويدخل في تركيب اسمي هذين الملكين اسم الإله (نركال) إله الموت والمرض البابلي، وقد حكم الأول بين الأعوام 10 – 13من والثاني بين السنوات 13 – 22م، وفي هذه الفترة قامت علاقة بين ملك مملكة حدياب الآرامية (منطقة أربيل وما جاورها) المدعو (مونوبازوس الأول) وبين مملكة ميشان – وكان مونوبازوس قد أرسل ابنه الأمير (ايزات – عزة- الأول) إلى بلاط الملك ابنركلوس ملك كرخا – ميشان ومعه هدايا، فاستقبله ميشان بكل حفاوة وزوجه من ابنته (سماخو) وأعطاه مقاطعة سكن فيها وكان (ايزات) قد اعتنق الدين اليهودي، فقام أثناء اتصاله بالتجار الوافدين إلى ميشان بإقناعهم باليهودية وطلب منهم أن يتاجروا مع مملكة حدياب.
وكانت في مملكة ميشان جالية تدمرية كبيرة تقوم بأعمال التجارة بين كرخا ومناطق الخليج (العربي) وبين تدمر، وفي زمن الملك الميشاني (ثيونسيوس) أقاموا تمثالاً لإلههم (زبدي بعل) وذلك في منتصف القرن الأول الميلادي، وكانت هذه الجالية تنتخب لها رئيساً، كما كان لها معبد خاص بها، وكانت لها علاقة قوية بدولة الأنباط، وكان المركز الرئيسي لتحميل البضائع إلى بلاد النبط مدينة فرات على نهر دجلة السفلي، والتي تبعد حوالي عشرين كيلومتراً من كرخا، وكان النبطيون يسلكون طريق نهر الفرات حتى بابل ثم يجتازونها إلى صحراء الشام سالكين الطريق الروماني (Roman Strada) الذي كان يخترق الصحراء نحو بلاد النبط.
كان آخر ملوك مملكة ميشان الرافدينية (باندو) الذي قتل على يد الملك الساساني أردشير سنة 224م وعندما هاجم مملكة ميشان واحتلها، وبعد ذلك اطلق الساسانيون اسم (استراباد- اردشير) على كرخا وعلى مدينة فرات ميشان (بهمان- اردشير) ([4])، وفي القرن الثاني الميلادي تقريباً وصلت المسيحية من خلال الأساقفة المرسلين من قبل مركز المسيحية في العراق الذي كان في كنيسة (ساليق- قطيسفون) لذلك ازدهرت المسيحية النسطورية وفي العهد الساساني، كانت تضم منطقة ميشان أربعة أسقفيات هي مدينة أبلة جنوب البصرة ثم فرات – ميشان كراخ – ميشان وأبعد من ذلك (بيث لافاط) أي جنديسابور.
وبعد حملة الاضطهاد التي جرت ضد المسيحيين في العراق وإيران في الأربعينيات من القرن الرابع الميلادي، تم إعدام المئات من رجال الدين وعلى رأسهم جاثليق المشرق أو جاثليق العراق مار شمعون برصباعي، وألحقوا به خلفه الجاثليق شاه دوست الذي ألقي عليه القبض وأرسل إلى منطقة ميشان (بيت هوزايي) حيث قطع رأسه هناك لتخويف المسيحيين أولاً ولإعدامه بعيداً عن العاصمة قطيسفون التي أصابها الهلع والاضطراب بعد أن أُحرق ودمر فيها العديد من الكنائس.
لكن المسيحية عادت إلى نموها وانتشارها في القرن الخامس الميلادي في منطقة ميشان وخصوصاً في مدينة فرات – ميشان حيث تأسست فيها مدرسة لتعليم اللغة السريانية والثقافة العامة، وظهر في هذه الفترة كثير من الأدباء والمؤلفين من رجال الدين، كما ظهرت مهنة الطب لأول مرة بعد قدوم عدد من الأطباء والصيادلة المسيحيين من مدينة بيث لافاط (جنديسابور) ويذكر أن مدينة جنديسابور أقيمت من قبل الأسرى الرومان والسريان الذين سباهم الفرس في مدينة نصيبين وذلك عام 350م التي تأسست فيها أول مدرسة للطب ربما بعد انطاكيا، وكذلك أول بيمارستان (مستشفى) في العراق، إذ قدمت هذه المدينة الكثير من الأطباء والصيادلة إلى مدن العراق مثل قطيسفون والحيرة وكشكر والكوفة وبغداد حيث أنشأت البيمارستانات، وتعلم العراقيون وغيرهم الطب والصيدلية.
وكذلك مدينة فرات – ميشان مركزاً للمسيحية في منطقة (بيث هوزايي) الأهواز وكذلك في منطقة بيث لافاط المجاورة حيث تناوب عليها العديد من الأساقفة، ومن الملاحظ أن أول أسقفية تأسست مبكراً وذلك في عام 206م، كما أفادنا الباحث السرياني أيشوعدناح الذي أشار أيضاُ إلى وجود مدرسة في هذه المدينة لتعليم اللغة والآداب السريانية، أما الأساقفة الذين تناوبوا على كرسى مدينة فرات- ميشان أو ميشان، فمنهم:
1) داود : الذي كان أسقفاً على ميشان عام 206م.
2) بوليداع: وقد استشهد مع مار شمعون برصباعي الجاثليق، في الاضطهاد الأربعيني عام 341م.
3) عبدا : وقد استشهد أيضاً في الاضطهاد الأربعيني بعد بوليداع.
4) زبدا : وقد حضر المجمع الكنسي الذي عُقد في قطيسفون عام 410م والذي كان من بين قراراته بناء مأوى للغرباء والمساكين قرب الكنائس.
5) ميلس : كان معاصراً لزبدا ، وحضر مجمع اسحق.
6) زبدا ايضا : حضر المجمع الكنسي ببلاد الرافدين والذي عُقد في عام 424م في مدينة الحيرة العربية.
وكان هنالك عدد آخر من الأساقفة الذين تولوا العناية بالمسيحية في منطقة (بيث هوزايي) من بينهم (تيمي) الذي صار أسقفاً عام 541م و(يوحنا) عام 544م و(شمعون) عام 585م الذي حضر المجمع الكنسي الذي عقده الجاثليق الكبير ايشوعياب الأول الأرزني الذي انعقد في قطيسفون عام 585م وكذلك (يوسف) الذي حضر مجمع انتخاب الجاثليق (غريغور) عام 605م([5]).
وعندما توسعت البصرة التي تأسست عام 667م (17هـ) بقرب مدينة الفرات على شط العرب، استمرت خدمة الكنيسة والمسيحيين الذين اضطروا لدفع الجزية والسكن في مدينة فرات- ميشان التي أصبحت بلدة صغيرة تابعة لمدينة البصرة.
وفي القرن التاسع وصلنا (كتاب العفّة) للمطران ايشوعدناح (ت 860م) ومعنى اسمه بالسريانية (إشراقة يسوع) وضم معلومات عن تاريخ الإسقفيات والأديرة المسيحية من القرن الثالث حتى نهاية القرن الثامن الميلاديين.
المبحث الرابع : مملكة حاطرا (الحضر)
حاطرا ، وتعني كلة حاطرا بالآرامة التي هي لغة سكان مملكة حاطرا الرحى . وذلك لأنها تبدو بسوريها المدورين وكأنها الرحى، مملكة رافدينية عاشت زهاء أربعة قرون، وكانت أهم المحطات التجارية لمسيرة القوافل شرقاً وغرباً، حدودها الطبيعية هي دجلة من الشرق والفرات من الغرب، بالتحديد غرباً مدينة نمت عشتار (تل عفر) حتى جبال سنجارا (سنكارا Singara) من الشمال الغربي ثم حصنا عبرايا أو مسبيلا (الموصل) حتى نصيبين أو الخابور، وشرقاً حتى دجلة، ومملكة حدياب التي ارتبطت معها في علاقات وثيقة، وهي إحدى الدويلات الرافدينية التي نشأت في الفراغ الذي أحدثه القضاء على آخر إمبراطورية عراقية وهي الإمبراطورية البابلية الكلدانية عام 459 ق.م. على أيدي الأقوام الإيرانية الفارسية التي كانت تطمع في أرض العراق وكنوزها، وقد تمتعت مملكة حاطرا باستقلال ذاتي ضمن السيطرة العامة للإمبراطورية الفرثية التي كانت ترتبط بالمركز الفرثي سواء أكان في سلوقية أو قطيسفون بالدفاع المشترك عن طريق تقديم الرجال أو المال عند الحاجة.
تقع حاطرا على بعد (110كم) جنوبي حصناً عبراياً، ومنطقتها بادية في نهاية منخفض، لا تتوفر فيه المياه الجارية ولا الزروع الوافرة، شأنها شأن تدمر وباطرا أي (البتراء) وغيرهما من مدن المحطات الصحراوية التجارية القديمة التي أقيمت على حافات الصحراء السورية التي تتوفر فيها مياه جوفية.
كانت بلدة حاطرا تعتبر مركزاً من مراكز التجارة الآشورية، نشأت على المنافع التي تتجمع فيها مياه الأمطار المنسابة من على المنحدرات إلى منخفض الثرثار القريب من حاطرا، وظلت القبائل والجماعات الرافدينية من آراميين وعرب قادمين من أرض الجزيرة تتجمع فيها.
إن أول معبد مشيد فيها كان لإله الشمس (شمشا) منذ القرن الرابع قبل الميلاد، ومن المحتمل أنشأه البابليون – الكلدانيون الهاربون من الاجتياح الفارسي، نمت هذه البلدة حتى إذا ما حل منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، بدأت سلالة آرامية قوية تحكم حاطرا وما جاورها، وكان في حاطرا إلى جانب الآراميين والعرب جاليات من اليونان وميديا والفرثيين، شأنها شأن أي مدينة تقع على حافة الصحراء، وتشكل استراحة للمهاجرين والبدو، وقد ذكر المؤرخ الروماني (بليني) في تاريخه الذي وضعه عام 78م، أن من أشهر القبائل التي وردت إلى تلك المنطقة (أورى) و(دامانوس) و(سلماني) و(ماسي) وواضح أنها خليط من أقوام آرامية ونبطية وعربية، وقد بنيت بشكل دائري ذات أسوار بحيث تشبه المدينة الرحى ولذلك سميت حطرا بالآرامية.
تحالفت حاطرا مع مملكة حدياب الآرامية المجاورة، وأرسلت بعض جنودها إلى مناطق في شمال شرقي سوريا التي كانت تابعة لمملكة حدياب.
كانت السلطة في مملكة حاطرا موزعة بين الشيوخ أو السيادة الذين كانوا يعرفون بكلمة (رب) أي السيد، وبين سدنة المعابد الذين كان يُطلق على الواحد منهم (رابا- بيثا) أي صاحب البيت أو المعبد، وهو تقليد آرامي كان موجوداً في مملكة أو مدينة كوزانا الآرامية التي كانت قائمة منذ القرن العاشر قبل الميلاد، واستولى عليها الآشوريون فترة من الزمن، وتقع في شمال شرقي سوريا، وكان رئيس الكهنة يدعى (قشيشا) أي الشيخ أو القسيس([6]).
وقد وجد من خلال تماثيل آلهتهم وملوكهم وملكاتهم شبهاً كبيراً بين المملكتين في طرز ملابسهم وأشكالها.
استمدت الديانة الحاطرية معتقداتها وطقوسها من أربعة مناهج: الديانة الآشورية- البابلية والديانة اليونانية- الرومانية التي نشأت ونمت بين الأقوام الآرامية والعربية في سوريا، إضافة إلى تغلغل الطقوس والآلهة التي استخدمها اليونانيون - السلوقيون وبعدها الديانة الزرادشتية التي نشرها الفرس في العراق، إلا أن الديانة الحاطرية كانت ذات طابع متميز عن الديانات الأربع المذكورة فهي مزيج من معتقدات رافدينية وآرامية وعربية قديمة.
خص الحاطريون الشمس بالأولوية في عبادتهم، وكان البابليون قد اعتبروا (الشمس) المصدر الرئيسي للحياة والنور والنشاط الإنساني، إضافة إلى صفتي العدل والحكمة، وهكذا وجدنا الملك حمورابي أعظم ملوك بابل كان قد استمد عدالته وقوانينه من الإله شمش.
ومن الجدير بالذكر أن أهل (الحضر) كان لديهم آلهة للتثليث تتالف من الآلهة مرن ومريّن وبرمرين، أي من سيدنا وسيدتنا وابن سيدتنا، وهم الإلهة الأب والأم والابن، والتثليث هذا غير الثالوث المسيحي، لأن الثلاثة لم يرقوا إلى درجة الاندماج معاً في إله واحد، ويبدو أن المسيحية لم تصل إليهم بالرغم من انتشار المسيحية في مملكة قريبة منهم وهي مملكة حدياب، إضافة إلى اليهودية، وذلك منذ بداية القرن الثاني الميلادي (102 م تقريباً) والتي استمرت بالنمو حتى بعد الغزو الساساني للعراق.
وقد وجد في حاطرا ما يقارب ثلاثمائة مدونة باللغة الآرامية، ونصاً واحداً يونانياً، ولم يجد الآثاريون أي كتابة بالخط المسند العربي القديم ولا بالخط اليماني الذي وجد في كل من مدن تدمر وبُصرى وبطرا (البتراء)، وربما يعود ذلك إلى أن الثقافة الآرامية كانت أكثر بروزاً بين الآداب المعاصرة لها، وكان للآراميين وورثتهم السريان أدب رفيع وثقافة اكتسبوهما من خلال تجارتهم مع اليونانيين والرومان والفرس، فضلاً عن إجادة بعضهم اللغة اليونانية والبعض الآخر اللغة الفارسية بالرغم من أن لغة البلاط الفارسي كانت لا تزال اللغة الآرامية.
كانت حاطرا قد توسعت وأصبحت دولة ذات شأن في الحقبة التي ساد فيها السلم بين الرومان والفرثيين خلال السنوات 65 – 81م، وقد نقش قائد حاطرا نصرو- مريّا على إحدى المنحوتات، ويعتقد أنه قاد صمود حاطرا التاريخي عندما حاصرها الرومان بقيادة تراجان في العامين 116 – 117م، ومن أشهر ملوك حاطرا سنطروق الذي اضاف معبداً ضخماً في مقدمة الأواوين المنسقة في معبد المدينة الكبير، وخصصه لعبادة اللات، وتشير كتابة مؤرخة في العامين 193 – 194م، أن الملك سنطروق والملك عبد سميّا لقبا نفسيهما بـ(ملك العرب)، إذ ربما سادت حاطرا على الجماعات العربية التي سكنت أنحاء تلك المملكة.
في عام 194م سعى القائد الروماني سفيروس إلى احتلال حاطرا، إلا أنه فشل على الرغم من محاصرتها وضربها بالمنجنيق، وفي حكم شابور الأول الساساني قاد هذا الملك القوي جيشاً كبيراً لحصار حاطرا للقضاء عليها بسبب تحالفها مع الرومان، وبعد مضي سنة من الحصار الشاق، استطاع الاستيلاء عليها بعد النفاذ من سوريها الضخمين، وقيل بخيانة من ابنة أحد ملوكها، وكان ذلك في 27 آذار من عام 241م([7]).
وهكذا انتهت المملكة التي كانت تشع على أطراف الجزيرة ومنطقة حصنا عبرايا، وقد تم نهب كنوزها وتشريد أهلها الذين تفرقوا، فذهبوا إلى تكريتا وحصنا عبرايا وأربيلا.
المبحث الخامس : مملكة حدياب (أديابين – Adiabenne)
ومملكة (سنجار Singara)
في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، نشأت في شمال شرقي العراق وفي إقليم حدياب أو اديابين إمارة أو مملكة آرامية، كانت شبه مستقلة، كما هو الحال في مملكة حاطرا في الشمال الغربي ومملكة ميشان في الجنوب، لكنها كمثيلاتها كانت تابعة للنفوذ الفارسي، وقد وجدت هذه المملكة الصغيرة نفسها بين القوتين المتصارعتين الفرثية والبيزنطية (الرومانية) لذلك اختارت سياسة وسطا بين تلك الدولتين، وكانت آلهتها رافدينية بعيدة عن الزرادشتية والوثنية الرومانية كذلك، وكانت عاصمتها أربيلا.
وقد ازدهرت مملكة حدياب في زمن الملك (مونوبازوس الأول) وقامت صلات وثيقة بين هذه المملكة ومملكة ميشان، أهمها التجارة وتبادل القوافل التي كانت تصل إلى اربيلا لتنقل من جنوب العراق بضائع هندية مثل الأقمشة والتوابل والعطور إضافة إلى اللؤلؤ الذي كان يستخرج من الخليج العربي، وقد أرسل الملك مونوبازوس الأول ابنه الأمير ايزات (الأول) إلى مملكة ميشان مع مجموعة من الهدايا الثمينة، وطلب منه المكوث للتفاهم مع رؤساء القوافل التي كانت محطتها الرئيسية مدينة فرات في مملكة ميشان.
وقد وصلت حدياب إلى أوج ازدهارها وتوسعها في عهد الملك ايزات الثالث (30-36م) حينما كانت مملكته تنعم بالاستقرار مع بعض المخاطر، عندما قبل الملك ايزات لجوء الملك الفرثي ارتيان (ارتبانوس) الثالث (11-38م) إلى أربيلا على أثر ثورة قامت ضده في قطيسفون، وقد عامله الملك ايزات معاملة طيبة كما أمده بعد ذلك بجيش استطاع بمساعدته القضاء على الثورة واستعادة عرشه، وبعد استقرار الأوضاع في قطيسفون واكتمال النصر دعا الملك الفرثي الملك الرافديني إلى العاصمة قطيسفون، ومنحه مقاطعة نصيبين كهدية له مقابل مساعدته، فضلاً عن جزء من جنوب أرمينية تعبيراً عن امتنان ورداً للجميل، فالحقهما الملك ايزات بمملكته.
ضمت مملكة حدياب مجموعات من اليهود الذين كانوا في بابل ثم انتقلوا إلى قطيسفون، ثم مدينة حزا، وكانوا في الغالب يمارسون البيع والشراء، كما برعوا في التجارة بخاصة مع مملكة ميشان التي كانت تصلها البضائع الهندية والخليجية والتدمرية([8])، في هذه الفترة اتجه ماري أحد تلامذة السيد المسيح الاثنين والسبعين، إلى بلاد ما بين النهرين كما جاء في كتاب (المجدل) نحو مدنها، بدءاً من الجنوب، فقد بشرّ بالمسيحية في ميشان (بيث هوزايي) وكشكر ثم حط في مدينة ساليق (سلوقية) عند قرية كوخي، ولم يكتف بذلك بعد تأسيس كنيسة كوخي، بل استمر في دعوته ورحل إلى حدياب([9])، وبعد ذلك عاد إلى كوخي في سلوقية ثم توفي في بلدة دير قُنّي عام 82م أو 84م على الأرجح.
ويرجح أن أول اسقف على أربيلا في مملكة حدياب كان عام 104م، وأول من رقاها إلى مقام المطرانية هو الجاثليق (فافا) وذلك سنة 300م، وكانت مدينة حصنا عبرايا (الموصل) ومدينة بانوهدارا (دهوك) أسقفيتين تابعتين لها([10])، ومنذ القرن الثاني الميلادي ترك المسيحيون الآراميون وكذلك البابليون والآشوريون اسمهم القديم وأسموا أنفسهم سرياناً أو نساطرة، تمييزاً لهم عن الوثينيين الآراميين، وقد استحسنوا هذه التسمية لأن المسيحية وافتهم من سوريا، وان كلمة سوريايا الآرامية معناها مسيحي، ولاتزال حتى اليوم مرادفة لكلمة نصراني لأي جنس أو أمة([11]).
وبعد أن توطد الحكم للإمبراطور الروماني تراجان، غادر روما متوجهاً إلى الشرق الأدنى ووصل انطاكيا عاصمة ولاية سوريا في مستهل عام 114م، ثم أعد حملة عسكرية بجيش كبير كان ينوي من خلاله استعادة فتوحات الملك الإسكندر الكبير، فتوجه إلى مملكة آرمينية وأخضعها برغم وعورة مسالكها وجعلها ولاية رومانية ثانية، وعيّن لها حاكماً من قادته، ثم سار جنوباً إلى نصيبين وماردين وكانتا تابعتين لمملكة حدياب فاستولى عليها بسهولة على الرغم من قتال قوات حاطرا (الحضر) للدفاع عن نصيبين وماردين في صفوف جيش حدياب كحلفاء لها، ثم انتقل الإمبراطور إلى الدويلة – المدينة الرها، فاضطر ملكها أبجر الثالث الذي كان مسيحياً إلى استقباله وتقديم الهدايا له، اتقاء لجيشه الجرار، وبذلك تمكن من المحافظة على عرشه، وبعد استراحة جيش تراجان في الرها، توجه تراجان أخيراً عائداً إلى أنطاكيا.
وبعد أن رتب تراجان صفوف جيشه، وعززه بقوات إضافية من مدينة انطاكيا، توجه في ربيع عام 116م إلى مملكة حدياب، فهرب ملكها وعائلته إلى همدان، وهكذا استولى تراجان على مملكة حدياب وعاصمتها أربيلا، وجعلها أيضاً ولاية تابعة لإدارته في أنطاكيا، ويبدو أنه سلك في حملته الجديدة على مملكة حاطرا يخترق جبل سنجارا (سنجار Singara) حيث وجد بالقرب من بلدة (كرسي) حجر طريق، مدون عليه اسمه باللاتينية (لغة الرومان) مع إشارة إلى حملته، وقبل أن يصل جيشه إليها، اضطر ملكها نصرو الثالث (115- 135م) أن يرحب به كما فعل الملك ابجر، وأن يقدم له من الهدايا ما يرضيه، وخصوصاً بعد استيلائه على حليفته مملكة حدياب، وبذلك اعترفت حاطرا به إمبراطوراً.
سار تراجان بعد ذلك إلى فتح عاصمة الفرثيين في العراق (قطيسفون) ففر ملكها الفرثي ولكاش (Volgash) الثاني (106-147م) تاركاً وراءه عرشه الذهبي وأفراد عائلته، ثم زحف تراجان هو في عنفوان مجده إلى جنوب العراق لإخضاع مملكة ميشان، واستطاع أن يحطم جيش الملك اتمبيلوس الخامس، ووصل إلى رأس الخليج العربي حيث أقيم له تمثال في ذكرى انتصاراته المتلاحقة.
ولم يدم هذا النصر الخاطف طويلاً، ففي السنة نفسها، أعلن العصيان كل من مملكة حاطرا والدولة – المدينة الرها التي كان يحكمها أمراء من أصول آرامية وعربية، وسمع الإمبراطور تراجان باخبار العصيان وهو يزور مدينة بابل العظيمة التي قصدها لزيارة الموضع الذي مات فيه الإسكندر الكبير، فجمع جيشه اللجب في الحال، وسار لقمع الثورات، وقاد الجيش بنفسه للقضاء على تلك العصيانات، وبدأ بمملكة حاطرا فحاصرها، وكان الوقت صيفاً فلم يحتمله جيشه الروماني، فباءت حملته تلك بالفشل، وتخلى عن حصاره وانسحب إلى انطاكيا حيث توفي في العام التالي (117م).
تعرف سنجار أو سنكارا (Singara) في التاريخ بكونها أحد مراكز طريق القوافل بين بلاد الرافدين وشمال سوريا، وكانت سنجار في القرن الأول للميلاد مركزاً لدويلة آرامية عاشت فترة قصيرة، على الأرجح بين السنوات (50-116م) وقد سكّت مملكة سنجار نقوداً باسمها في نهاية القرن الأول للميلاد، وكان لها طريقاً خاصاً بينها وبين مملكة حاطرا مما يدل على عمق صلاتها السياسية التجارية مع تلك الدويلة، لكن سرعان ما ضُمت إلى الإمبراطورية الرومانية ومن ثم إلى المملكة الفارسية.
وبعد حملة تراجان العنيفة، ساد العراق وأقاليمه ومناطقه استقرار نسبي لفترة قاربت مئة عام، حتى مجئ أقوام فارسية أخرى هم الساسانيون الذين قضوا على الممالك الرافدينية الأربعة حدياب وحاطرا وميشان وسنجار، وذلك في الأعوام 221-226م، لكن الرافدينيين ذوي الحضارة والأصالة، ما لبثوا أن أقاموا مملكة جديدة وذلك في نهاية القرن الثالث وهي مملكة الحيرة العربية المسيحية، التي بسطت سيطرتها وتأثيرها على جنوب العراق ومدن مملكة ميشان السابقة كرخا وبرات ميشان وأبلا (الأبلة) وشمال شرقي الجزيرة العربية، وكذلك البحرين وقطرايا (قطر) حتى منتصف القرن السابع الميلادي.
الفصل الثاني
الـــعــراق خـــلال الفترة بين 50- 226م
المبحث الأول : البارثيون أو الفرثيون Parthians
يعرف هذا الشعب باسم البارثين أو الفرثيين، وهم فرع من الإيرانيين الأشكانيين، استقروا في حياتهم البدوية في الألف الأول قبل الميلاد في منطقة (بارثا) قرب خراسان، حيث شكلوا فيها إمارة محاربة تعتمد على شيوخهم من الارستقراطيين في العام (250 ق.م)، تمكن أحد رؤساء القبائل البارثية، ويدعى أرشاك من التحرر من سيطرة الحكم اليوناني – السلوقي([12]) الذي كان يحتل معظم بلدان الشرق الأدنى، وأسس السلالة الملكية الارشاكية أو الارشاقية (Arsacides)، وخلفه في الحكم (تيريدتيس) عام 247 ق.م. وكانت عاصمة ملكه في مدينة دارا، ثم انتقلت إلى مدينة (هيكاتومبيلوس) لعلها سوسا (شوشا)، في فترة فرض فيها انتيوفس الثالث سيطرته مرة أخرى على المنطقة، إلا أن توسع دولة ميترداتس الأول (نحو 171-138 ق.م) أعاد الحيوية للمملكة البارثية وعزّز نطاق سيطرته على مجمل أراضي إيران ومن ثم بلاد ما بين النهرين كلها حتى الرها، وذلك في السنوات (141- 140 ق.م) وأكمل احتلال العراق الملك فيرادس الثاني الذي حكم في الأعوام (123-88 ق.م) وفي أيام الملك فيرادس الثالث (37-57 ق.م) هاجم الحاكم الروماني ليسينوس كراسوس، البارثيين في بلاد الرافدين لكنه تاه في الصحراء بين تدمر وبصطرى (بصرى) وعاد إلى الرها، حيث هزم فيها عام (53 ق.م) وتشجع البارثيون في عهد الملك ميترادتس الثالث فاخترقوا سوريا وظهرت جيوشهم على مشارف أورشليم، وشمالاً على مشارف أنطاكيا، وحاول القائد الروماني أنطونيوس شن هجوم مباغت لردعهم لكن الهجوم فشل وانهزم القائد الروماني في (أفراسيا) جنوب الأناضول وذلك في عام (36 ق.م).
ومن ثم بدأ ضعف الحكم البارثي الذي نتج عن الاضطرابات والخلافات بين العائلات الحاكمة، بالإضافة إلى ضعف الملوك المتعاقبين على الحكم، وقد أثر ذلك إيجاباً على بلاد ما بين النهرين، فازدهرت الممالك الصغيرة الرافدينية التي كانت تحت نفوذ البارثيين وهي مملكة حدياب (اديابين) ومملكة حاطرا (الحضر) ومملكة ميشان، وتوسعت سبل التجارة بين المدن الرافدينية وتدمر وبصطرى ونشطت القوافل التي تنقل البضائع بين جميع أنحاء العراق القديم والعالم الخارجي.
كان العراق مقسماً إلى مناطق أو مرزبانات منظمة إلى حد ما، وطرق للقوافل معروفة، إذ كان قد اعتنى بها اليونانيون السلوقيون، بالإضافة إلى البريد المنظم بين المرزبانات والمدن الكبيرة مثل طيسفون([13]) وسلوقية وبابل وأربيلا وارابخا ونيبوروكيش.
وكانت سلطة الملك هي العليا منبثقة من سلطات الإله اهورا مزدا، وكان يعتبر الملك هو المختار من قبل الآلهة المحلية لشعوب الإمبراطورية، وكان الملك محاطاً بالإشراف من الفرس والميديين مع العناية الخاصة بالأسرة الملكية الارشاكية.
تتلمذ الفرس عموماً على يد الحضارات الرافدينية وثقافاتها وعلومها وصناعات أبنائها في كل الحقول، فعرفوا الصناعات اليدوية وكذلك صناعة المواد المعدنية كالسيوف والسكاكين وصهر البرونز والنحاس، واستطاع البارثيون أن يشكلوا في طراز أبنيتهم شكلاً من العمارة الفارسية وهو مزيج من الفن الفارسي مع الاستفادة من الأبنية والعمارة الاشورية التي كانت تناسبهم لكثرة وجود الحجر والمرمر في بلادهم، واقتبسوا القوس نصف الدائري الاشوري، وأضافوا إليه نقوشاً وزخارف فنية هلنستية.
وكان تأثير المصلح والفيلسوف زرادشت كبير على أفكار الفرس حتى انقضاء إمبراطوريتهم، وكان كتاب (افيستا) (Avesta) الذي دونت فيه معتقدات الاله (اهورا – مزدا) والتعاليم المقدسة، يعتبر منبع ثقافتهم الدينية، وكانت آلهة الشر تتصارع مع آلهة الخير، وهكذا فمنذ البدء كان هناك الخير والشر، وعن هذين المبدأين نشأت الحياة والفناء، وسمي اله الشر (اهريمان).
وقد نظمت العبادة الزرادشتية بموجب قواعد فقد حرمت تقديم الاضحيات والقرابين بعكس القبائل الارامية والعبرية والعربية كما اتخذ الفرس عقيدة في عدم دفن الموتى أو حرقهم، وغسلهم مخافة تدنيس العناصر الثلاث المقدسة: التراب والنار والماء([14]).
وكانت اللغة الآرامية من بين اللغات السامية التي كانت سائدة في دواوين البارثيين ومن بعدهم الساسانيين، ولما كانت الكتابة المسمارية غير عملية فيما عدا الاستعمال الكتابي، فقد استعملت الكتابة الآرامية حتى في الوثائق المكتوبة باللغة الفارسية، وكان هذا أصل الكتابة البهلوية، وكانت عادة استخدام الألفاظ الآرامية موجودة في النصوص البهلوية، وتدريجياً وخاصة في القرن الثاني الميلادي بدأت اللغة السريانية بالانتشار وهي اللغة الآرامية المحكية من قبل العامة، وأصبحت فيما بعد لغة الكنيسة المسيحية التي بدأت تنتشر في العراق وبقية المناطق في الشرق الأدنى وكانت اللغة الأدبية للمسيحيين الذين كانوا من أصول بابلية أو أشورية أو آرامية بالإضافة إلى أولئك المسيحيين الذين كانوا يقيمون في إيران وفي ميشان (الاهواز) على وجه الخصوص ومنها مدينة جنديسابور والتي دعاها السريان (بيت لافاط).
وكانت السريانية قد نمت أولاً في الرها في أواخر القرن الأول الميلادي وتبنتها الكنيسة في سوريا وفلسطين ثم في العراق وإيران بعد ذلك، ومع كل ذلك فقد بقيت اليونانية إلى جانب الآرامية متداولة في الممالك الرافدينية الثلاث وفي المدن التي بناها اليونانيون في سوريا مثل نصيبين والرها ونيكوفورم (الرقة) ودوارا – يوربس (الصالحية) وغيرها، حتى القرن الثاني الميلادي([15]).
ومن الجدير بالذكر أنه في عهد الملك ميترادات الثالث (57-37 ق.م) قامت ثورة شعبية من أهالي طيسفون من البابليين ضد الحكم البارثي الفارسي، واستطاع المقاومون أن يحرروا المدينة ويدافعوا عنها ومن ثم يستقلون بإدارتها لمدة عشر سنوات بين الأعوام (46-37 ق.م) وبالرغم من أنه ليس لدينا وثائق عن سبب ثورة هذه المدينة الكثيفة السكان، إلا أن الطغيان البارثي وسوء معاملة أهالي البلاد كان من أغلب الفرضيات السبب لانتفاضتهم، وذكر أن اليهود كانوا من ضمن المساهمين في هذه الثورة.
وخلال الفترة البارثية من العصر الفارسي – السرياني، تولى تسعة ملوك السيطرة على الإمبراطورية التي كانت بلاد الرافدين من ضمنها وكانوا يحكمونها من العاصمة طيسفون وذلك في الفترة من (50 ميلادية حتى عام 224 ق.م).
كان الملك ولكاش الثالث (148-192م) يترقب الفرصة للقيام بالهجوم على شمال وسوريا، وقد بدأ بذلك عندما اعتقد أن العرش في روما قد أصبح ضعيفاً لأنه بات مشتركاً بين إمبراطورين هما ماركوس اورلوس ولوشيوس فيروس (161-169م) والتقى الفريقان حيث وقعت معركة حاسمة انتصر فيها البارثيون وتمكنوا على أثرها من الاستيلاء على الرها ثم عبور الفرات إلى داخل سوريا.
أوفدت روما لوشيوس فيروس إلى الشرق، ووضعت تحت أمرته أبرع ما لديها من القادة العسكريين، ونزل فيروس في انطاكيا عاصمة الولاية السورية ومنها توجه بجيش كبير نحو العراق، وفي عام (146م) عبر جيشه الفرات من مكان تحت مدينة نيكوفور (الرقة)، التي أصبحت منذ ذلك العام تابعة للرومان.
ثم تقدم بجيشه إلى سلوقية فدخلها دون مقاومة، وذكر أنه أضرم فيها النار بالرغم من أنها كانت بلدة صغيرة لا حول لها ولا قوة يسكن فيها كثير من المسيحيين الأولين، غير أن هذا النصر لم يدم طويلاً، إذ تفشى في جيشه وباءً اضطره للانسحاب إلى داخل سوريا، ومع أن هذه الحرب لم تنته إلى نتيجة حاسمة، لكنها أضعفت البارثيين، إذ سلخت منهم بعض المقاطعات المهمة في شمال سوريا، وصارت المناطق الواقعة إلى الغرب من الخابور تابعة إلى روما.
يعتبر الملك ارتبان (اردوان) الخامس (208-226) من أشهر الملوك البارثيين، وفي عهده حاول الإمبراطور الروماني كاراكلا عام (211م) أن يتقدم نحو طيسفون بحجة رغبته بالزواج من إحدى الأميرات البارثيات، في محاولة لتطويق ارتبان وقتله بواسطة حرس الإمبراطور كراكلا، لكن الملك البارثي نجا من المكيدة، ولاحق الإمبراطور كراكلا بجيشه حتى وصل مدينة (كارا) شمال سوريا فطلب الرومان عقد الصلح، لكن ارتبان فرض عليهم شروطاً تعجيزية من موقف القوة، وعلى أثر ذلك وقعت بينهما معركة في منطقة نصيبين أسفرت عن طلب الرومان الصلح مرة أخرى مقابل تنازلهم عن بعض المناطق في شمال سوريا ودفع مبلغاً كبيراً للبارثيين.
وبعد الاتفاق، حلت هدنة طويلة امتدت أكثر من نصف قرن في جميع أنحاء العراق حتى هجوم اردشير الساساني الكاسح على مملكة البارثيين والقضاء عليها عام (224) ([16]).
المبحث الثاني : المسيحية
إن أول ما نقول هو أن الديانة المسيحية تؤكد أولاً على وجود إله واحد محب للإنسانية، خالق للسماء والأرض، ويمكن أن يعرف الله بصورة مؤكدة بالنور الطبيعي القائم في العقل الإنساني، أن الله روح ويجب على الذين يعبدون الله أن يعبدوه بالروح والحقيقة وأن ينبذوا الأصنام والأساطير والخرافات.
إن المسيحية دين العهد الجديد الذي اعتبر فيه يسوع (عيسى) المسيح منزل من روح الله وتجسد في مريم العذراء، ومن ثم قام بعد دعوته بتضحية نفسه لأجل الإنسانية لكي يمحو خطيئتها الأولى، وقد صعد إلى السماء من حيث أتى، وهو المسيح الذي تنبأت به أسفار العهد القديم (التوراة) مشيرة إلى ضرورة ظهوره.
ظلت المسيحية تعاني لمدة أكثر من قرن من الزمن من اضطهاد اليهود أولاً، ومن ثم من عنت واضطهاد الإمبراطورية الرومانية إلى حد كبير، وإلى قسوة واضطهاد الإمبراطورية الفارسية التي كانت تسيطر على العراق وعلى جزء من شمال سوريا، والمسيحية تؤمن بأربعة أسفار أو أناجيل مقدسة كلها متشابهة تقريباً، كتبتها تلاميذ المسيح بوحي من الله، فسجلوا بأمانة أعمال وأقوال ومعجزات يسوع المسيح وهي أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا يضاف إليها سفر (أعمال الرسل). هذه الأسفار الخمسة تسمى بالعهد الجديد، أي رسالة المسيح إلى الإنسانية التي تمثل اتفاقاً أو عهداً بين الله ويسوع المسيح، كما كان العهد بين الله والنبي موسى في (العهد القديم) ([17]).
بُدئ بتدوين الأناجيل على يد تلاميذ المسيح في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، ولم تقر رسمياً من قبل الكنيسة وتنتشر بين المسيحيين حتى عام (367)، فالعهد الجديد يمثل أصولاً شرقية نابعة من تقاليد يهودية ومسيحية في فلسطين، فالإنجيل الأول سادت فيه أفكار تتعلق بـ (المسيح) و بـ (ملكوت الله) و (ابن الإنسان) التي كانت منتشرة في بداية القرن الأول الميلادي.
وبعد ذلك سادت بين أقوام من غير اليهود أفكار مثل (المخلص) و (ابن الله) و (جسد المسيح)، هذا التطور نجده موجوداً في إنجيل يوحنا (John) الذي يعود تاريخه إلى حوالي (100م) حيث عكس رؤية المسيح باعتباره معلماً ونبياً متميزاً، وكان يوحنا المريد المفضل ليسوع المسيح الذي أوصاه وهو على الصليب بأمه، والذي عاش في مدينة (افسوس) حيث كتب الإنجيل بوحي من الله، ثم كتب رؤيا يوحنا في جزيرة (باتموس) التي أضيفت إلى سفر (أعمال الرسل)، وهكذا فإن كتبة الأناجيل من تلاميذ المسيح، كانوا شاهدين أو مساعدين وثيقي الصلة بالمسيح.
أما موعظة أو خطبة الجبل فتعتبر الفكرة البارزة في إنجيل متى (Mathew) الذي يعود تاريخه إلى حوالي (90م)، أن صلب المسيح، بدا لأتباعه بأن نبياً عظيماً فتك به اليهود ظلماً و عدواناً، بينما بدا لدى اليهود وكأنه من الواجب القضاء على شخص لا يصدقونه، على الرغم من أنه كان يحمل رسالة دينية، وهم يصرخون بأن دمه عليهم وعلى أولادهم، لكن سرعان ما اقتنع تلاميذه بأنه سيبعث حياً، وكانوا ينتظرون وعد المسيح الذي سيمنحهم قوة روحية لحمل رسالته إلى أقاصي الأرض، وهكذا تم وخلال سبعة أسابيع بعد قيامة المسيح، ظهر المسيح لهم في (يوم العنصرة)، حينما بدأت منذ ذلك الحين الدعوة إلى كنيسة المسيح، وأما رواية الدعوة، فهي موجودة في سفر (أعمال الرسل) الذي كتب حوالي (50-55م).
من المحتمل أن أكثر تلاميذ المسيح صلابة، كان القديس بولس (Paul) بل أنه أكثر المؤمنين تحمساً للدعوة، وقد أثبت أنه داعية منظم لا يعرف الكلل ولا الخوف بالرغم من الوسط الروماني المعادي في سوريا، حيث وجد أنه يستطيع بين الآراميين في مدن شمال سوريا أن ينشر الدعوة المسيحية.
واستطاع تطوير كثير من الأفكار المسيحية وأحسن تفسيرها وثبت أسسها قبل أن يستشهد معلمه القديس بطرس في روما، وكانت رسالته الأولى إلى أهالي مدينة (كورنثوسس) قد أوضحت جوانب من الأخلاقيات المسيحية وبعض تقاليد الكنيسة المسيحية وسلوكها أثناء تقديم الخدمة الكنسية للناس كما أكد على أهمية مشاركة كل المسيحيين في عشاء السيد المسيح الأخير الذي أصبح تقليداً متبعاً في الكنيسة والذي يمثل قمة التضحية والحب لله وللمسيح الذي افتدى نفسه من أجل الإنسانية([18]).
ومن كبار تلاميذ المسيح الذي وضع إنجيلاً رابعاً، القديس مرقس (Marcos) هذا الرسول الذي أدخل المسيحية إلى مصر التي انتشرت فيما بعد وأصبح كثير من سكانها المسيحيين (الأقباط) قبيل مجيء الإسلام، وبحسب التقليد القبطي، كان أول بطريرك إلى كرسي الإسكندرية عاصمة مصر الرومانية، وأن مرقس أصله وأسرته من مدينة (سيرانيكا) الرومانية قرب مدينة (برقة) الليبية، وقد انتقل والداه اليهوديان إلى القدس حيث ولد مرقس بُعيد ولادة المسيح، وقد قبل المسيحية على يد أحد أقاربه، وتعرف إلى بطرس، ثم اتصل بالمسيح الذي أصبح يعني به، وبعد صعود السيد المسيح إلى السماء كانت الجامعة المسيحية الأولى في بيته.
وفي هذا البيت هبط الروح القدس على المؤمنين والتلاميذ في يوم العنصرة (موعده بعد أحد الفصح بخمسين يوماً) هناك كلّم التلاميذ بألسنة أو لغات مختلفة وبعدها ذهبوا للدعوة المسيحية في مختلف أنحاء البلاد، والتقليد المسيحي يعتبر هذا الحادث هو بداية لنشوء المجتمع المسيحي الأول من مجموعة من المسيحيين في فلسطين.
كان مرقس فصحياً باللغة اليونانية، وبها كتب إنجيله، وكان يتقن اللاتينية لغة الرومان الرسمية، فضلاً عن معرفته باللغة العبرية، وقد زار روما بصحبة القديس بطرس المسمى صخرة كنيسة المسيح، ويرى بعض المؤرخين أنه كان يقوم بالترجمة لبطرس في روما، وزار قبرص ومن ثم برقة مسقط رأسه وأسرته، ثم حمل إنجيله واتجه نحو الإسكندرية، وقد استشهد مرقس في سنة (68م) في الإسكندرية على يد الرومان.
وإذا ألقينا نظرة عامة على خريطة المشرق العربي في العهد الروماني حوالي سنة (120م)، وجدنا أن المسيحية قد ثبتت أقدامها في بعض المدن الفلسطينية وبعض المدن في شمال سوريا مثل انطاكيا وافسس والرها (اديسا) وصور وصيدا، فضلاً عن ذلك أنها نمت في نهاية القرن الثاني في سلوقية وطيسفون وأربيل وغيرها في بلاد النهرين([19]).
المبحث الثالث : نشوء المسيحية في العراق
يعتبر القديس بطرس حسب الأخبار السريانية الموثوقة، مؤسس المسيحية في الشرق، حينما استطاع هداية جمع من الناس في مدينة انطاكيا وذلك في عام (36م) تقريباً، وأول شخصية بارزة آمنت بالمسيحية آنذاك كان بولس الذي كان من أشد المناوئين للمسيحية، أعقبه أحد علماء اليونان المسمى (اغناطيوس) الذي سرعان ما ألقي القبض عليه ومات شهيداً في روما أيام الإمبراطور تراجان (98-117م) وله رسائل مشهورة تدل على وجود أسقفية مسيحية منذ بداية القرن الثاني الميلادي في انطاكيا([20]).
كان مار ادي من بين تلاميذ السيد المسيح السبعين الذي أرسل إلى بلاد بابل لهدايتها، ورحل معه تلميذه المثابر مار ماري، وكان ذلك في منتصف القرن الأول للميلاد، وقد حل مار ماري في سلوقية المبنية على دجلة التي كانت آنذاك قرية صغيرة مقابل طيسفون لكنه اصطدم بقساوة قلوب أهل ساليق – قطيسفون وكتب بذلك إلى رؤسائه، ومع ذلك طلبوا منه الصبر والمثابرة، وانحدر مار ماري إلى كشكر التي كانت مدينة تسكنها قبائل آرامية وبابلية - قلدية ارتحلت من ميشان وقد وجد مار ماري في مدينة تتحدث بالآرامية التي تنحدر منها السريانية، وسط مناسب لقبول المسيحية ولذلك اعتبرت كشكر أقدم مدينة مسيحية في بلاد الرافدين([21]).
ثم انحدر ما ماري إلى مملكة ميشان وعاد إلى ساليق حيث استطاع أن يهدي بعض من أهاليها ويؤسس أول كنيسة في العراق في قرية كوخي، ثم استقر في بلدة دورقني وبنى هناك ديراً وكنيسة حيث توفي ودفن هناك في عام (82م) وقيل في عام (116م) ([22]).
أما مار ادي فقد رحل إلى منطقة حدياب وصل في مدنها وسعى إلى نشر المسيحية في أربيل وأطرافها ، ثم غادر إلى بلاد فارس لهدايتها ، وقيل أن بواكير نشأة الديانة المسيحية فيها ظهرت في أوائل القرن الثالث للميلاد.
لم تكن قرية كوخي([23]) الواقعة جنوب شرقي سلوقية منفصلة عن المدينة القديمة إلا بوادٍ تتخلله بعض المستنقعات، وكذا الشأن مع المدينة الجديدة التي شيدها اردشير الأول نحو سنة (230م) مقابلها ودعاها (فيه – اردشير) وسميت أيضاً بهرشير أو بهرسير، وقد غيّر نهر دجلة مجراه بين سنة (79-116م)، واتخذ مجرى أخر يفصل بين كوخي وطيسفون، وكان المؤرخ اوسابيوس قد كتب قائلاً: (أن كنائس مقاطعة بين النهرين ومدنها وافقت هي أيضاً على القرار الذي اتخذته سائر الكنائس الغربية في الولاية السورية بشأن الاحتفال بعيد الفصح المجيد يوم الأحد وكان ذلك في عهد البابا فكتور (189-119م) وفي السنة العاشرة لحكم الإمبراطور كودموس (180-193م)، هذا يدل على أن الكنائس في بلاد ما بين النهرين كان لها أهمية ورأي يؤخذ به في نحو نهاية القرن الثاني الميلادي([24])، كما يدلل على توحدها الذي استمر حتى القرن الخامس الميلادي.
إن أول أسقف على أربيلا في مملكة حدياب كان عام (104م) وأول من رقاها إلى مقام المطرانية هو الجاثليق (فافا) وذلك سنة (300م)، وكانت مدينة حصنا عبرايا (الموصل) ومنطقة بانوهدارا (زاخو) أسقفيتان تابعتان لها([25]).
ويظهر أن جماعة في (كرخادبيث سلوخ) قد اهتدت إلى المسيحية في القرن الثاني الميلادي وقد قيل في أعمال شهداء النصارى كما أفادنا (ساخاو) في كتاب تاريخ أربيلا أو حوليات أربيلا (The Chronicie Of Arbella) أنه: (منذ عهد بالاش إلى السنة العشرين من حكم سابور بن اردشير، تسعين سنة في المجموع، كانت كرخا روضة مقدسة لم يكن فيها عود خبيث).
وبالاش هنا لم يكن إلا الملك البارثي ولكاش الثالث الذي حكم بين سنتي (148-191)، ولم يكن للمسيحيين أي دور سياسي أيام البارثيين ولذلك لم يكن لهم أهمية بالنسبة للفرس الذين تركوهم وشأنهم.
وبعد ذلك وضع كتاب (الآباء الغربيين) الذي أرخ في أوائل القرن الثاني، وكذلك بالنسبة إلى الإنجيل الجامع للأناجيل الأربعة المسمى الدياطسرون الذي أعده تتيانس، كان تتيانس قد ولد بالعراق سنة (120) في أحضان أسرة نبيلة تدين بالزرادشتية، وبعد أن أتم دراسته الأولية في موطنه، رحل إلى مدينة الرها حيث درس الثقافة والعلوم السريانية واليونانية، ثم سافر إلى أثنيا وبعدها استقر في روما، حيث التقى بالقديس جستين (St.Justin) الشهيد، وقد تنصر على يده ثم درس فس مدرسته.
وبعد تخرجه قرر أن يجعل من الأناجيل الأربعة إنجيلاً واحداً يضم جميع الوقائع والأعمال والأقوال التي ذكرها السيد المسيح أثناء دعوته، وقد أعده تتيانس بين الأعوام (150-170) باللغة اليونانية التي كانت لغة الثقافة والعلوم في العالم، وسمّاها بالدياطسرون أي بمعنى (إنجيل واحد من مكونات أربعة أناجيل ) ثم ترجم الدياطسرون إلى الآرامية والسريانية والنسخ الباقية حالياً هي النسخة السريانية، وقد انتشر الدياطسرون بين المسيحيين في العراق، وقد أشارت المصادر العربية المسيحية، أن وجود ملخص للدياطسرون باللغة العربية في مدينة الحيرة، وقد انتشر هذا النص الموجز للدياطسرون في مناطق عديدة من الشرق بضمنها مدينتي تكريت وطيسفون ونجران المدينة المسيحية التي ضمت كنيسة كبيرة تدعى (القليس) وقيل أنها بنيت في صنعاء.
لعبت مملكة اورهاي (الرها) دوراً كبيراً في تاريخ نشأة المسيحية في سوريا إذ كانت سلالة ملوكها تعود في أصولها إلى الآراميين أو الأنباط ذوي الأصل الآرامي قد آمنوا بالمسيحية في وقت مبكر من القرن الأول الميلادي، وكانت هذه المملكة تارة تحت حكم اليونانيين وتارة أخرى تحت حكم الفرس حتى سقوطها بعد أربعة قرون.
وتميزت الفترة بين أواخر القرن الثاني والربع الأول من القرن الثالث بانتشار هادئ للمسيحية في بعض جهات إيران الجنوبية وفي معظم مدن بلاد الرافدين الرئيسية وبدون أي اضطهاد، وعندما جاء الساسانيون تم القضاء على الممالك الرافدينية الثلاث، واضطربت البلاد ولكن لم يكن هناك أي اضطهاد منظم حتى الأربعينات من القرن الرابع الميلادي على أيدي الحكام ورجال الدين الساسانيين.
وخلال الفترة الأخيرة من الحكم البارثي ظهر (ابرسيرس) اسقف هيرابوليس في سوريا الذي قام برحلة إلى ما وراء الفرات، وذكر أنه أينما يذهب كان يجد له أخوة من المسيحيين([26]).