رافق تطور التربية عبر العصور والمجتمعات جدلاً كبيراً واختلافات متباينة، حول مفهوم التربية، بل وطبيعتها، ونطاق عملياتها وأهدافها، مثلها مثل مفاهيم الحرية، والسعادة، والفلسفة، بل ربما كان مفهوم التربية أكثر جدلاً من غيره، باعتبار التربية أكثر ارتباطاً بحياة الناس، على اختلاف ظروفهم وأفكارهم، وكونها أداة المجتمع وأسلوب نمط حياته.. ولما اختلفت أفكار الناس والمجتمعات وأساليب حياتها، تبعاً لاختلاف الظروف الطبيعية والاجتماعية، والموارد والإمكانات؛ كان طبيعياً أن تختلف أشكال التربية وأهدافها، وبالتالي اختلاف مفاهيمها وحقائقها، تبعاً لذلك.
وتلك الاختلافات والتباينات ماثلة بين العلماء والمفكرين، وبين العلوم الاجتماعية والإنسانية، وبين الأيديولوجيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وبين المربين أنفسهم. وهذا طبيعي.. إذا كان يعكس تصورات الناس، وظروفهم واهتماماتهم، فإن ذلك قد أثرى التربية، فكراً وتطبيقاً ووسع من فهمنا للتربية، وتحليل مكوناتها، ومفاهيمها الحاكمة في أي بلد، وتفسير العوامل المؤثرة عليها.
ومع التطورات العميقة التي بلغتها المجتمعات المعاصرة؛ فما زالت الاختلافات قائمة حول مفهوم التربية، رغم التقارب بين المجتمعات أو التشابه الكبير بين مجموعات من الدول، وزيادة التأثيرات المتبادلة بين الجماعات الاجتماعية، وبين المجتمعات، مما يحول دون الوصول إلى مفهوم جامع مانع. ولا غرو في ذلك، فظروف المجتمعات ومواردها الطبيعية والبشرية ليست واحدة، كما أن تحدياتها وطموحها، بل وتراثها الحضاري مختلف من بلد لآخر.
ورغم تلك الاختلافات حول مفهوم التربية، ومنطقية ذلك في كثير من الأحيان، إلا أن هناك قدراً من الاتفاق حول أسس المفهوم الشامل، وعمليات التربية، وأساليبها، وما ينبغي أن تسعى إليه، وتحققه من أهداف.
ولكن يمكن اختصار الطريق، والبدء من حيث انتهى إليه الفكر التربوي، والدخول مباشرة إلى معنى التربية بمفهومه الشامل، ولكن بعد المرور بالمعنى اللغوي.
المعنى اللغوي للتربية: بالعودة إلى معاجم اللغة، نجد أن كلمة تربية في اللغة العربية لها ثلاثة أصول لغوية، هي:
الأول: رَبَا، يربُو، ربواً بمعنى زاد ونما، وأَربيته: نميته. قال تعالى:) ويُرْبي الصدقات(.([1])
الثاني : رَبى، يُربي. بمعنى نشأ وترعرع. قال رسول الله e: (لك نعمة تربها) أي تراعيها.
الثالث: ربْ، يَرُّبُ، بمعنى أصلحه وتولى أمره وساسه وقام عليه.([2])
وفي اللغة اللاتينية استخدمت التربية Education للدلالة على تربية النبات أو الحيوانات، للدلالة على الطعام، وتهذيب البشر، دونما تفريق بين هذه الأحوال جميعاً.([3])
وباختصار، فمن هذه الأصول اللغوية اشتقت التربية معناها وفحواها، أما المعنى الاصطلاحي: فهناك تعاريف كثيرة يصعب حصرها، إذ قد يحتاج الأمر إلى مجلدات لحصرها جميعاً، عبر العصور والثقافات، والعلماء، والمدارس والاتجاهات الفكرية، والعلوم الاجتماعية، وتبيان دلالاتها. ولكن كما سبق القول سوف نقتصر على ذكر المفهوم الحضاري الشامل، الذي يلقى قبول واستحسان أطراف كثيرة، ويكاد يجمع عليه التربويون، ويستخدمونه في نظام التعليم.
وبهذا، فإن المفهوم الحضاري الشامل للتربية، يعني أنها العملية الواعية المقصودة وغير المقصودة، لإحداث نمو، وتغير، وتكيف مستمر للفرد، من جميع جوانبه الجسمية والعقلية، والوجدانية، من زوايا مكونات المجتمع، وإطار ثقافته، وأنشطته المختلفة: الاجتماعيـة، والاقتصادية والسياسية والثقافيـة والعلمية، على أساس من خبرات الماضي، وخصائص الحاضر، واحتمالات المستقبل، فتعمل على تشكيل الأجيال الجديدة، في مجتمع إنساني، في زمان ومكان معين، وتنمية كل مكونات شخصياتهم المتفردة، وبمـا يمكنهم من تنميتها إلى أقصى درجة ممكنة من خلال ما يكتسبونه من معارف واتجاهات ومهارات، وبما تجعل كل فرد:مواطناً، يحمل ثقافة مجتمعه، متكيفاً مع نفسه، ومع بيئته ومواقف الحياة المتغيرة، ومنتجاً يساهم في أحـد مجالات العمل والإنتاج، وحاساً لقضايا أمته، والإنسانية جمعاء.([1])
ولعل ما نجمل قوله هنا، هو أن أبعاد هذا المفهوم الشامل للتربية وأسسه، سوف يتضح أكثر من خلال عرض الأصول المختلفة للتربية، لأنه بمساهمة تلك الأصول في صياغة التربية وتشكيلها سوف تتضح زاوية التأثير، وناتجها في التربية.
وما يجب التنويه إليه هو أن مُعلّم الغد، لأشد ما يحتاج إلى أن يُكون فهماً مشتركاً، سواء لديه أو لدى زملائه المعلمين، بل وكل العاملين في نظام التعليم، لما تعنيه التربية وما تقصده، حتى تتكامل كل الجهود وتصب في مجرى واحد هو التلميذ والمجتمع، لأن أخطر ما يهدد التربية، ويقلل من أثر المعلم وناتجه في العملية التعليمية التربوية، هو جهله أو ضَعف معرفته لما تعنيه التربية وتقصده.
التربية بعملياتها المعقدة، وخطورة موقعها في حياة الفرد والمجتمع، ورسالتها الجسمية: الإنسانية والحضارية الشاملة، هي ميدان تطبيقي لأفكار المجتمع وأسلوب تنظيم حياتـه من جهة، وميدان تطبيقي لفروع علمية عديدة من جهة أخرى. والتربية بهذا تجمع أصولها من مصدرين رئيسيين، لكل منهما طبيعته وخصائصه المميزة، حيث ينتمي المصدر الأول (مصدر المجتمع) إلى اللاعلم، أي جملة الأفكار والمسلمات، والعادات والتقاليد التي توصل إليها المجتمع من سياق تاريخه، واقتنع بها دون تمحيص أو تجريب. بينما ينتمي المصدر الثاني إلى العلم، أي استخلصت نتائجه بالطرق العلمية أو مناهج العلم المعروفة.
والتربية على هذا النحو ليست علماً قائماً بذاته له نظريات وأسس مشتقة من صميم التربية أو مناهج علمية خاصة به، وإنما ميدان تطبيقي لنتائج وتطبيقات عشرات العلوم، سواء العلوم الإنسانية المتصلة بالتربية، أو التي تتكامل تطبيقاتها في ميادين العمل.
وليس معنى ما سبق أن التربية تخلو من الاتجاه العلمي، بل على العكس، فهي إذا كانت ميداناً تطبيقياً لنتائج عدد كبير من العلوم… وهذه النتائج تم التوصل إليها بالطرق العلمية؛ فلا بد أن يتم تطبيقها في ميدان التربية، وإلا فقدت هذه النتائج قوة بنائها، وأسس تطبيقها، وانعدمت غايتها.
وعلى ذلك تعتبر التربية علماً، من حيث استيعابها للطرق العلمية، إذ يؤدي مصدر العلوم إلى تناول المصدر المجتمعي بالمنهج العلمي أو على الأقل استيعابه للمنهج العلمي، ويؤدي من جهة أخرى إلى إلتحام وتفاعل بين ما هو لا علمي بما هو علمي إلى عقلنة اللاعلم وإلى تكامل الفكر مع الواقع، والنظرية مع التطبيق. وإذا قـوي الاتجاه العلمي في التربية، زاد الالتزام بالطرق العلمية في النظر إلى التربية وتحليل مكوناتها وعناصرها، أو في البحث عن الحقائق والفروض، أو في ضبط عناصر النظام التربوي وتقويمه، أو في النظر إلى مشكلات التربية وسبل التغلب عليها.
ولا يُفهم مما سبق أن التربية ليس لها نظريات وقوانين وحقائق خاصة بها مثل بقيـة العلوم، بل العكس من ذلك، فالتربية عندما تُنقل إليها نتائج علوم كثيرة بما فيها من نظريات وحقائق، فإنها تعيد تحوير تلك النظريات والحقائق والأساليب بما يلائم طبيعة التربية، وغرضها، وهي في هذه الحالة تكسبها خاصيات جديدة، أو تستنبط صوراً جديدة منها، في ضوء مصدر الأصل المجتمعي التي تستمد منها التربية: الأفكار الفلسفية للمجتمع، وقيمه الدينية واتجاهاته الاجتماعية، وهذه لا تخضع للمنهج العلمي، وبذلك تميزت نظريات التربية، وحقائقها، أو بمعنى آخر أن نظريات التربية لا تشابه النظريات العلمية، وبسبب ذلك اختلفت نظريات التربية لاختلاف الأفكار والقيم من مجتمع لآخر، ومن وقت لآخر، بعكس النظريات العلمية التي تتشابه، أياً كان نوع ا لمجتمع وثقافته وظروفه. وبهذا تكتسب نظريات التربية خاصيات وأبعاد مميزة تعكس طبيعة التربية وأبعادها المجتمعية وثقافته وظروفه في زمان ومكان معين.
وتأسيساً على ما سبق تستمد التربية أصولها المختلفة من مصدرين رئيسين هما:
أولاً: المجتمع، بمضمونه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي. فمن نُظم المجتمع وقيمه واتجاهاته تستمد التربية أسس بنائها، ويشكل نظامها التعليمي، وتستمـد مواجهاتها العلمية وأساليبها المختلفة.
ثانياً: مجموعة العلوم، فمن العلوم الاجتماعية تنتقل العديد من النتائج والتطبيقات إلى التربية بصورة مباشرة، أما نتائج العلوم الطبيعية والبحتة؛ فإنها تنتقل إلى التربية عن طريق علوم أو ميادين علمية وتطبيقية أخرى، بعد أن تأكد تطبيقها، والإفادة العلمية منها.
وتسهم هذه العلوم في بناء محتوى التربية، وفكرها وأهدافها، وتمد التربية بمواد عملياتها وأساليب تنظيمها، منهجاً وتطبيقا، كما تسهم في تطوير التربية وتجديدها.
ومن هذين المصدرين يتشكل النظام التربوي ويتحدد مبناه وفحواه، أهدافه ومحتواه. وتتكون أنشطته وعملياته، وتتعين أساليبه وطرقه ([1]) كما يتضح من الشكل رقم (1).
وتستمر العلاقة الوطيدة بين التربية، وهذان المصدران، تتفاعل معهما وتتبادل معهما عمليات التأثير والتأثر. وأي تطور أو تغيير يحدث في هذين المصدرين يؤدي إلى تغيرات في التربية من زوايا الارتباط تلك.. تنعكس في تجديد فكر، أو تعديل مسار، أو تطوير محتوى، أو تحسين أداء، أو تستحدث أساليباً وطرقاً، أو تحل مشكلات. وبالمثل فإن نتائج التربية أو مخرجاتها تؤثر في هذين المصدرين، من حيث تطوير حياة المجتمع، واختبار نتائج تلك العلوم؛ بما يسهم بتطويرها([2]).
جملة القول، فإن أصول التربية هي مجموعة من النظم التي تسهم في صنع التربية وتشكيلها، ومجموعة العلوم التي تسهم في بناء محتوى التربية وتفسيرها وتجديدها([3]).
وسوف نتقصى إسهامات تلك الأصول المختلفة في صنع التربية وتكوينها، وذلك بتتبع نواحي إسهامات كل أصل في التربية، نوعها، ومقدارها، ومجال تأثيرها، وفعلها في حقل التربية، ومدى استمرار علاقات التفاعل المتبادلة بين تلك الأصول والتربية، وانعكاس ذلك في تغيير التربية وتجديدها المستمر، بصورة تؤدي إلى رفع كفاية التربية في تحقيق أهدافها الملقاة عليها.
والتربية باعتبارها أداة اجتماعية في المقام الأول، أوجدها المجتمع لغايات محددة، فكل نظرية تربوية تقوم أساساً على مفهوم معين عن المجتمع والثقافة. على أساس أن التربية وليدة خبرات أفراد المجتمع، وتعكس ما اختاره هؤلاء الأفراد من معارف وقيم وأنظمة لمساعدة النشىء على ظروف الحياة في المجتمع. ويرجع تعدد النظريات التربوية إلى تعدد المفاهيم الخاصة عن المجتمع والثقافة، وعن اختلاف وجهات النظر بشأن طبيعة الفرد وعلاقته بالمجتمع وانعكاس ذلك على الفكر والتطبيق التربوي.
أولاً: تعريف المجتمع
هناك اختلافات بين علماء الاجتماع والانثربولوجيا، والتاريخ، والتربية، وغيرهم حول تعريف المجتمع، وذلك لاختلاف المفاهيم الثقافية، واختلاف الانتماءات الأيديولوجية السياسية والاقتصادية، واختلاف الأهداف التي يتوخاها من يقوم بتعريف المجتمع. ويعود جانب من هذا الاختلاف إلى تركيز بعض العلماء على جوانب معينة من المجتمع عند صياغة تعريف ما، ثم تعرض المجتمعات إلى تغير الظروف والأوضاع، ومن ثم ظهور عوامل ومستجدات تؤدي إلى تغير النظرة إلى المجتمع وصور تطوره.
وعلى أية حال يُعرّف المجتمع بأنه "مجموعة من الأفراد الذين تربطهم وحـدة المكان والثقافة، وما تتضمنه هذه الوحدة من علاقات متبادَلة ومصالح مشتركة"([1]).
ومن التعاريف العامة للمجتمع، بأنه "مجموعة من الأفراد يعيشون معاً فـوق رقعة من الأرض بتعاون وتضامن، ويرتبطون بذات ثقافي معين، ولديهم الإحساس بالانتماء لبعضهم البعض والـولاء لمجتمعهم، ويُكوَّنون مجموعة من المؤسسات تؤدي الخدمات اللازمة في حاضرهم، تضمن لهم مستقبلاً مشرفاً في شيخوختهم، بما في ذلك تنظيم العلاقات فيما بينهم"([2]).
والثقافة هنا، إذا كانت تعني كل الأفكار والنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقيم وأنماط السلوك والعادات والأدوات والأشياء التي أوجدها الإنسان؛ فإن هذه الثقافة هي التي تميز المجتمع الإنساني، لأن أي قطيع من الحيوانات تكون مجتمعاً، ولكنها لا تكون ثقافة، على أساس أن سلوك الحيوانات ليس محصلة نشاطات الحيوانات السابقة التي تنتمي إلى نفس الفصيلة، رغم أنها تعيش في جماعات كالأفراد الإنسانيين. وتقوم فيما بينها عمليات تفاعل ، ولكنه تفاعل جامد أي فطري أي غير متعلم. أما الإنسان فله القدرة على جمع التجارب السابقة بواسطة اللغة، وسلوكه محصلة تجارب الناس السابقين، أي أن الإنسان له طبيعة اجتماعية، وهذه الطبيعة تتميز بقدرات جسمية وعقلية ووجدانية ، تمكنه من اكتساب اللغة والقدرة على التفكير والتعلم، والقدرة على استخدام الآلات. والحياة الاجتماعية تنشأ تلقائياً من اجتماع الأفراد، لتحقيق غاية من الاجتماع، وهو البقاء وضمان الحصول على مقومات الحياة.
وعلى ذلك ، فالمجتمع الإنساني ليس حشداً من الأفراد، كمثل الأفراد الذين ينتظرون الباص للسفر، أو اجتماع البائعين في سوق تجاري، أو تجمهر الناس في حادث. فهذه ليست بالمجتمع الذي نقصده. أما المجتمع في حقيقته فهو البناء المتفاعل الذي يحدث بين أفراده، كون التفاعل الاجتماعي ظاهرة نفسية لها مضمون مادي، عندما يؤثر الفرد في الآخرين بإشارات وحركات مادية وجسمية، تأخذ صورة رموز ومعاني لأشكال السلوك والأشياء والأدوات التي يتعاملون بها، وبواسطة البيئة التي يتفاعلون معها.
فعندما تسكن مجموعة من الأفراد على رقعة من الأرض، فإنها تقوم بنشاط ما للحصول على حاجاتها الضرورية للبقاء والعيش.. وعلى حسب نوع الأرض يتحدد نشاط هذه الجماعة، ومن نشاط الجماعة وتفاعلهم فيما بينهم تنشأ علاقات ونظم وقوانين وأفكار وقيم.. فإذا حولت مجموعة من الأفراد قطعة أرض إلى موطن، وقاموا باستصلاح الأرض وزرعوها، وحجزوا المياه، وغير ذلك من الأنشطة السكانية التي يقوم بها الأفراد، فإن نشاطهم وسعيهم إلى الإنتاج يدخلهم في علاقات معينة، فتتكون أشكال مختلفة من الروابط. ومن خلال هذه الروابط والعلاقات الاجتماعية، وارتباطهم بالطبيعة، تتحدد علاقات الإنتاج، وهكذا تحدد في النهاية العلاقات الاجتماعية([3]). وبهذا فإن أفراد الجماعات مزجت بين البيئة الجغرافية (الفيزيقية) والبيئة الاجتماعية، ومن هذا المزيج تكون المجتمع. وبمرور الزمن استحال التمييز بين النقطة التي تنتهي عندها البيئة الجغرافية والبيئة الاجتماعية التي صنعها الإنسان، لأن كلتاهما صارت رمزاً للأخرى.
إذن فالمجتمع هو خلاصة ذلك التفاعل الناشئ بين الأفراد والجماعات. أما ما تمخض عن ذلك التفاعل من نظم ومؤسسات، معارف وقيم، أدوات ومخترعات، فهي الثقافة.
وعلى هـذا فالمجتمع يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية، تتداخل فيما بينها، بصورة تميز المجتمع، وهذه العناصر هي:
البيئة الجغرافية أو الفيزيقية: وهي مساحة الأرض التي يشغلها هؤلاء الأفراد، بما تتضمنه تلك البيئة من تضاريس (جبال، وسهول، ووديان، وسواحل، وصحاري) ومناخ (حرارة، ورياح، وأمطار) وما تحويه من ثروات ومواد طبيعية، ومـا لكل ذلك من تأثير على حياة السكان وأنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية المختلفة.
الأفراد أو السكان الذين يعيشون على هذه الأرض: وذلك من حيث حجم هؤلاء السكان وتركيبهم الديمغرافي، وتوزيعهم، وأنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية، وما يتبع ذلك من تقسيم السكان إلى أجناس وأقليات وقوميات، وتقسيمهم إلى ريف وحضر.. إلخ، وما يتصف به السكان من مستويات اجتماعية واقتصادية وثقافية، وتكوين طبقي، وأنواع المهن، وغير ذلك من خصائص هؤلاء السكان.
التنظيم الاجتماعي: ويقصد به التنظيمات والمنظمات الاجتماعية المختلفة: السياسية والاقتصادية، الإدارية والمالية… إلخ، وكذا المؤسسات والهيئات الزراعية، والصناعية والاجتماعية، والمهنية، والرياضية، والثقافية، والمشروعات التي تديرها المجموعات والأفراد.
وتقوم بين هذه العناصر تفاعلات مستمرة ومنسجمة فيما بينها تطبع المجتمع أي مجتمع بخصائص وصفات مميزة تدل عليه، وتجعل أفراده يعتزون بالانتماء إليه والعمل من أجل مصلحته والدفاع عنه.
غير أن المجتمعات الحديثة تتصف بتعقد الأبنية والتركيبات الداخلية، وتعدد الجماعات الاجتماعية، وتنوع النظم والهيئات والمنظمات الاجتماعية. وتعيش هذه المجتمعات أوضاعاً وظروفاً متغيرة، ما حدى بعلماء الاجتماع إلى استخدام مصطلحات أكثر دقة وتعبيراً. ومن ذلك: المجتمع المحلي، المجتمع الكبير، المجتمع الريفي، المجتمع الحضري، مجتمع المدينة العظمى ، أو مجتمع المدن الكبرى(المجتمع المتربوليتاني).
ثانيا: خصائص المجتمع
يتميز كل مجتمع بخصائص وسمات بارزة هي:
أنه كيان عضوي في تطور دائم ومستمر، قائم على مجموعة من التفاعلات والروابط التي تنشأ بين أفراده وجماعاته في إطار البيئة التي يتفاعلون معها، وما ينجم عن ذلك من تنظيمات ونظم اجتماعية تتأثر وظائفها بنوع الحياة الاقتصادية الاجتماعية في المجتمع.
أنه وحدة كلية اجتماعية واقتصادية مترابطة ، أساسها نشاط أفراد المجتمع وتفاعلاتهم. وهذا التفاعل تحكمه وتؤدي إليه حاجة الإنسان للحصول على ما يحفظ حياته ووجوده النفسي، فيدخلون في نشاط مشترك من أجل الإنتاج ، وكل يوجه سلوكه في ضوء التوقعات التي ترتضيها الجماعة، واستيعابه لأنواع النشاطات المختلفة، وما ينجم عن ذلك من تكوين روابط مختلفة لاستمرار الإنتاج ([1]).
أنه يتسم بخاصية تبادل أعضائه للمعاني والأفكار وأنماط السلوك والأدوات والأشياء التي يتعاملون بها، والتي عن طريقها يستجيب الفرد لكل ما حوله ويوجه سلوكه، يضبط دوافعه، ويحسن من استجاباته في المواقف المختلفة، بأن يعي خصائص الأشياء والمعاني… إلخ.
أنه يقوم على جهد كل أفراده ووحداته الاجتماعية الذين يرتبطون بأعمـال مشتركة تحقق لهم الوجود الاجتماعي، والإنتاج المشترك ويجسد الوحدة النفسية والتكامل فيما بينهم، ممـا يجعل الأفراد يشعرون بالانتماء إلى مجتمع يحقق لهم حاجاتهم ووجودهم الاجتماعي.
أنه قائم على تنظيم جهود أفراده في تنظيمات اجتماعية واقتصادية وتحديد الأدوار والمسئوليات، وتأثير كل فرد في الآخرين في ضوء استجابة الآخرين لنشاطه وتفكيره، وما ينجم عن ذلك من نمو علاقات محددة الحقوق والواجبات.
إن تماسكه يقوم على ما بين أفراده من مصالح مشتركة وأنماط توجه سلوك الأفراد والجماعات، وتجعلهم ينتمون إلى مجتمع، والعمل من أجل مصلحة المجتمع ككل، والدفاع عنه.
لعل مما يجدر ذكره أن بعض الأصول التربوية التي تأتي من المجتمع والتي تتناولها علوم اجتماعية عديدة؛ فإنها بذلك تحاول أن تدخل إلى التربية مصاغة بالطرق العلمية كي تحدد نـاحية فعلها وزاوية تشكيلها للتربية. غير أن بعض هذه الأصول لا تخضع للعلم، بل هناك جوانب أخرى من تلك الأصول يصعب تناولها بالطرق العلمية، حتى وإن تم تناولها بمناهج العلم؛ فإنه تناول خفيف، وأحياناً على استحياء، مما يخرجه من نطاق العلم. ومن ذلك هناك جوانب من تلك الأصول تظل تدخل إلى التربية بطرق مباشرة أو غير مباشرة، علنية وخفية، تعكس البناء الاجتماعي وعادات المجتمع وتقاليده ومعتقداته، بل وخصوصيته التاريخية، وهذه تدخل إلى التربية، وتكاد توجه الأصول العلمية الأخرى وأنشطتها التربوية عموماً في كثير من الأحيان.
..وحتى إذا ما تم عقلنة هذه الأصول أو بعضاً منها، ومحاولة إخضاعها للطرق العلمية،فستظل هناك الأبعاد المضمرة والخفية لتلك الأصول، التي قد تلغي تلك المحاولات من خلال الممارسة والتطبيق في ميدان التربية، لأن تلك الأصول لا بد أن تعكس بصورة أو بأخرى الأهداف الخفية لنوازع السلطة ، ومؤثرات قوى المجتمع ومصالحها الاقتصادية والاجتماعية ، وستظل تعكس هذه الأصول أبعاد بناء المجتمع، وتحدد نمط التربيةفيه، شكلاً ومحتوى وأهدافا، وكذا مقياس الحرية في التربية ومستوى تطورها.
وعلى أية حال يمكن أن نستعرض الأصول التي تستمدها التربية من المجتمع كما يلي:
أولاً: أهداف المجتمع
صحيح أن هناك أهدافاً عامة لأي مجتمع تكون مشتقة من ظروفه وموارده وقواه، ومعبرة عن الحاجات الحقيقية لهذا المجتمع وتطلعاته في ما يرغبه لنفسه، وهذه الأهداف تصيغها فلسفة التربية من فلسفة المجتمع، وتدخل إليها عن طريق الأصول الفلسفية، ولكن هناك أهدافاً تدخل مباشرة إلى التربية، إما أن تكون متضمنة في الأهداف المعلنة أو أهداف أخرى تفرض نفسها كموجهات للنظام التعليمي، تأتي من عادات الناس وتقاليدهم وأسلوب حياتهم. وهناك الأهداف الخفية لنظام الحكم وأهداف السلطة السياسية ونوازعها، ومصالح كيانات المجتمع وقواه الفاعلة: السياسية، والاجتماعية والاقتصادية. يبرز ذلك في انتقاء التنفيذ لأهداف بعينها، أو التركيز أكثر على جوانب منها، أو تحميل تلك الأهداف موجهات اجتماعية تعكس اتجاه رغبة السلطة ومصالحها. ولا توجد تربية لا تحابي السلطة وتدعم وجودها، بقصد إيجاد الموالين لها، والمدافعين عنها. وبجانب ذلك ننتقل إلى التربية عن طريق العاملين بها، الذين يأتون من بيئات اجتماعية مختلفة، ومن مستويات اقتصادية وثقافية واجتماعية متباينة، تنتقل مع هؤلاء العديد من المواجهات الاجتماعية والعادات والممارسات الحياتية، بما فيها الجوانب السالبة، بل ويتأثر التطبيق التربوي بخلفياتهم الفكرية واتجاهاتهم، وميولهم ووعيهم الاجتماعي.
وفي هذا وذاك نلحظ أن الأهداف المنفذة في التربية تناقض أحياناً أو كثيراً الأهداف الرسمية المعلنة، بل أننا نجد في بعض الدول تناقضاً صارخاً بين ما هو معلن وما هو منفذ من الأهداف التربوية.
والأهداف التي تدخل مباشرة إلى التربية من المجتمع وبخاصة الأهداف الخفية لها من التأثير والقوة ما يجعلها توجه الأصول الأخرى للتربية، وتعيد صياغة عملياتها في اتجاه نواحي تأثيرات المجتمع وقواه الفاعلة. وهذا ما يؤدي إلى توظيف المعرفة والعلم بصورة مغلوطة كتوظيف التعليم في تحقيق مآرب سياسية أو مصالح فئوية، أو في أغراض هدامة، كاستخدام العلم مثلاً في إنتاج أسلحة الدمار الشامل.
وبطبيعة الحال، يعتمد تحديد الأهداف التربوية على مجموعة من الأسس، التي تعكس حاجة المجتمع وظروفه. وأهم هذه الأسس في المجتمعات الإسلامية العربية هي:
الأساس الروحي: ويعني تنشئة وتربية أفراد المجتمع الإسلامي على الشرائع السماوية وعلى الإيمان بالله رباً وبمحمد e نبياً ورسولاً، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، المتحلين بالعمل الصالح وبالخلق الحسن الذي هو سلوك المسلم قولاً وعملاً بما أنزل الله.
الأساس الفردي: ويهدف إلى تنمية الفرد الصحيح الجسم، القوي الإرادة، وتنمية قواه العقلية والوجدانية، حتى يكون مواطناً، منتجاً ومتكيفاً مع نفسه ومجتمعه، الساعي إلى تطوير نفسه ومجتمعه.
الأساس الاجتماعي: ويعني بتشكيل الفرد اجتماعياً، ا لمتشرب لثقافة مجتمعه، المنسجم مع قيمه واتجاهاته وتقاليده، المكتسب لأنماط سلوكه ومعاييره، المنتمي إلى وطنه بوعي مستنير، يحب وطنه ويسعى للذود عنه، ومتطلع إلى تحسين واقعه.
الأساس الاقتصادي: ويهدف إلى تنشئة المواطن المنتج.. المكتسب لمهنة ومعارف وخبرات تمكنه من الالتحاق بأي من الأنشطة الاقتصادية والمساهمة في إحدى قطاعات الإنتاج، فيكون عالماً أو مهندساً أو طبيباً أو معلماً أو عاملاً… إلخ ويسعى إلى تطوير مجتمعه من خلال تخصصه، مبدعاً في مهنته، مستنبطاً لأفكار وتجارب وأساليب جديدة في مجال علمه أو عمله أو نشاطه الاقتصادي.
الأساس السياسي: ويُعني بتنشئة أفراد يؤمنون بانتمائهم إلى وطن يعتزون به وبولائهم له، متشربين للمبادئ الديمقراطية وقيم المساواة والعدل، ساعين إلى نشر القيم الديمقراطية وممارستها كأسلوب حياة شامل لأبعاد حياة المجتمع ، وليس لاختيار نواب الشعب واختيار الحكام فقط.
الأساس القومي: ويهدف إلى إعداد جيل يؤمن بقوميته العربية، ويعتز بحضارته الإسلامية وإسهاماتها الفكرية والمادية في الحضارة الإنسانية، ومعتزاً بتراثه، فخوراً بعمق أصالته، مؤمناً بانتمائه القومي، وبوحدة المصير المشترك للأمة العربية، وأنـه لا كيان ولا وجود حقيقي لأمة تملك مقومات البقاء إلا بالتوحد ورص الصف وحشد الإمكانات واستنهاض الهمم من أجل غد مشرق، لقومية لها حضورها الدولي.
الأساس الإنساني: ويهدف إلى تنشئة جيل يؤمن بالوجـود المشترك لبني البشر وبالحياة الإنسانية الكريمة لكل الناس، متمسك بمبادئ الحق والخير والعـدل لكل بني الإنسان، غير متعصب، مهتم بمشاكل ا لمجتمع الدولي وما يتهدده من أخطار كالحروب، وأسلحة الدمار الشامل والتلوث، وأزمة الغذاء، والتفرقة وغير ذلك، والإيمان بأن المجتمعات والدول مهما تنوعت واختلفت، فإنها تشكل وحدة متكاملة.
وهذه الأهداف عامة مشتركة لكل وسائط التربية، ثم تترجم هذه الأهداف إلى مستويات عدة داخل النظام التعليمي، وتكون أكثر تحديداً وتفصيلاً كلما اتجهتا نحو المستوى الأدنى من التنفيذ.. وكلما فصلت هذه الأهداف وحددت لتناسب مستويات التنفيذ المختلفة حتى تصل إلى المعلم، تأثر التنفيذ بأفكار المنفذين ورغباتهم وميولهم.
ورغم وجاهة هذه الأسس، لاشتقاق الأهداف التربوية ومنطلقاتها الواقعية، إلا أن هناك اختراقات لتلك الأسس وخروج عنها من آن لآخر، تنبع من رواسب المجتمع وظروفه وقواه الحاكمة، مما قد يقلل من فرص إنضاج الظروف لاكتمال تحقيق تلك الأهداف أو بعدها قليلاً أو كثيراً عما هو مرسوم ومرغوب.
ثانياً: النظم الاجتماعيـة
هي مجموع ما تحويه الأمة من شرائع سماوية ثم وضعية، وما يقتضيها عرفها وتقاليدها من قواعد منظمة لشتى فروع الحياة المختلفة والعلاقات التي تربط بين أفراد المجتمع وجماعاته.
وباعتبار هذه النظم قواعد منظمة لنواحي حياة المجتمع ، فإنها تصبح مصدراً للقواعد المنظمة للتربية ومرجعاً لإعادة تنظيم التربية وتشكيلها باستمرار حيث تظل تلك النظم مدخلاً للتربية، والعكس، تصبح التربية أداة بقاء تلك النظم وتطورها. وتستمر علاقة التفاعل المتبادلة بين التربية وتلك النظم ، حيث تلقى تلك النظم بمطالبها واحتياجاتها على التربية. كي تعيد إنتاجها من جديد في أفضل صورة يرغبها المجتمع.
ولوفاء التربية بتلك المطالب، فإنها تستمد محاور أنشطتها ومواصفات عملها من تلك النظم الاجتماعية، وتفيد التربية من العلوم المختلفة بما يمكّنها من تلبية تلك المطالب. لذلك هناك اختلاف بين النظم الاجتماعية من بلد إلى بلد آخر، بينما العلوم لا تختلف، إذ أنها واحدة في كل البلاد تقريباً. فعلم الاقتصاد مثلا لا يختلف بين أمريكا واليمن أو أي قطر آخر إلا من حيث درجة الالتزام بقواعد العلم ، أما النظم الاقتصاديـة بين الدولتين فتختلف كثيراً رغم أنهما يتبعان النظام الرأسمالي عموماً.
ومن هنا اختلفت أنماط التربية من مجتمع إلى مجتمع آخـر باعتبارها أحد نظم المجتمع، وكل نمط تربوي وليد ظروف وعوامل مجتمعية معينة قلما تجد لها مثيلاً في مجتمع آخر.
وهذه النظم هي:
النظم الدينية: وهي مجموعة الأفكار والقواعد المنظمة للتنظيمات والمنظمات الدينية، وأساليب ممارسة الشعائر الدينية والتبصير بالسلوكات المخالفة للمعتقدات الروحية، وما يتبع ذلك من تكوُّن قيم وضوابط منظمة لعلاقات الأفراد والجماعات وصور التعاملات بين الناس.
النظم الاقتصادية: وهي القواعد والأسس التي تنظم أنشطة المجتمع الاقتصادية، وشئون الإنتاج والاستبدال، والتوزيع، والاستهلاك، وتشمل نظم الزراعة، والصناعة، والتجارة الداخلية، والخارجية، والشركات.
النظم السياسية: وهي القواعد التي يسير عليها أفراد المجتمع في تسيير شئـون الحكم، وقيام العلاقات الدولية، وما يتضمنه هذا من تحديد أسس الحكم، واختيار النظام السياسي، وتقسيم السلطات والاختصاصات، وأسلوب الانتماءات، واختيـار القادة والمشرفين.
النظم القضائية: وتتضمن القواعـد والأسس المنظمة للحقوق والواجبات بين الأفراد والجماعات والفئات، والطبقات، والقيام بالتشريعات المختلفة التي تضمن فض المنازعات بين الناس، وحفظ الأعراض والأموال ، ومصالح الناس، وتنظيم صور تحرير المواثيق والعقود، وتنظيم العلاقات بين الناس، وما يتبع ذلك من توقيع الجزاءات، ووضع ضوابط تنفيذ الالتزامات، وتحمل المسؤولية، وكل ما يؤدي إلى نشر العدل، وتحقيق الاستقرار، والأمن الاجتماعي.
النظم العائلية: وهي مجموعة القواعد التي تخضع لها الأسرة في تكوينها ووظائفها والعلاقات القائمة بين أفرادها، أو بينها وبين الأسر الأخرى، وتشمل أيضاً نظم الزواج، والطلاق، والحضانة، والختان وإقامة الأعراس، و المآتم، وغير ذلك من العادات والتقاليد التي تنظم الحياة الأسرية سواء أكانت لها أصول دينية أو تقاليد متوارثة وعادات.
النظم الخلقية: وهي القواعد التي تنظم معايير الفضيلة، والرذيلة، الخير والشر، وما يجب أن يسلكه الأفراد والجماعات في المواقف الأخلاقية، وما الذي يجب أن يتجنبوه ويتحاشوه، وما القيم الأخلاقية التي يلزم أن يتبعها الأفراد عند تعاملهم في المواقف الاجتماعية، والالتزام بقيم الحق، والعدل والخير، والعمل، والقيام بالواجبات الملقاة عليهم.
النظم اللغوية: وهي مجموعة الأصول والأساليب التي يتبعها ويلتزم بها الأفراد للتفاهم، والتعبير عن الأفكار والمشاعر والخبرات، وتسهيل سبل التفاعل بين الأفراد في المواقف الحياتية المختلفة، وتشمل النظم اللغوية: الرموز، والإرشادات، والإيماءات، والدلالات، واللغة الرمزية.
النظم الجمالية: وتتضمن القواعد الجمالية وأسس التذوق الفني، والاستحسان النفسي. وتشمل هذه النظم قواعد الشعر والأدب والخُطب، وفن العمارة، والرسم، وقواعد النحت والتصوير، وكل ما يستجد؛ مما يضفي جمالاً على حيـاة الناس كتنسيق الزهور مثلا،ً وتنظيم المدن والقرى، واختيار ألوان المباني العامة والخاصة.
النظم (المورفولوجية): وهي المناهج أو الأسس التي تسير عليها التكتلات الاجتماعي، ومصادر بناء القوة والفعل في المجتمع، وتشمل النظم المورفولوجية الطرق والأساليب التي يتجه إليها المجتمع في تجميع أفراده ودفعهم نحو الأعمال العظيمة، ومبلغ تكاتفهم واستجابتهم للتحديات التي تواجه المجتمع، وصـور توزيعهم حجماً ومكانـاً، وكذا التقاليد التي درجت عليها الجماعات أو المجتمع ككل في شئون الهجرة الداخلية والخارجية.
وتأكيداً لما سبق تتبادل هذه النظم مع التربية عمليات التفاعل والتأثيرات المتبادلة، تأثيراً وتأثراً، ضمن نسيج المجتمع وثقافته. وكون التربية أحد نظم المجتمع، فهي تستمد قواعد تنظيمها وأسس بنائها من تلك النظم، وتستمد أهدافها ومحتوى عملياتها من تلك النظم أيضاً. وحتى تصبح التربية أحد أجزاء نسيج المجتمع، فيجب أن تواكب وظائفها ومخرجاتها مطالب تلك النظم من جهة، وتعمل من جهة أخرى عل تجديدها وتغييرها في إطار ثقافة المجتمع، لأن غاية التربية هو إعادة إنتاج المجتمع وثقافته بكل نظمه وتنظيماته في صورة أفضل. والشكل التالي يوضح تلك العلاقة.