Page 1
شكـراً... أديب!
في رحلة حياتي محطات لا تنسى يمتزج في طياتها الأنين.. وتتداخل في جنباتها الآهات.. إنها حياة أشبه بالممات.. فقصتي لا يمكن أن أسردها بكاملها في هذه الأسطر.. ولا يمكن أن أنثرها على هذه الصفحات ولكني سوف أحاول أن أقف عند بعض تلك المحطات، وأبدأ سطورها من طفولتي التي عشتها بين أحضان أسرة تسودها المحبة والألفة وتغمرها الفرحة والسعادة.حباني الله أباً عطوفاً وأماً حنوناً وأخوة متحابين.. لم تكن طفولتي تمتاز بشيء عن أقراني، كانت تعتريها براءة الطفولة ويزينها شيء من شقاوتها في ذلك الحي الشعبي القابع في أطراف مدينة جدة الذي التحف الماضي بكل تفاصيله وبكل تراثه وإرثه الطاغي على النفوس الطيبة مروراً بالمباني الطينية التي تفوح منها رائحة الحب الصادق بين أفراده وانتهاءً بظلمات لياليها الساحرة المشعة بفنار الأمن والاستقرار، والجدير ذكره أن هناك ما يميز هذه الأسرة ويطغى عليها، هو روح التنافس والتفوق الذي غرسه والداي ورعياه في أبنائهم العشرة، ستة ذكور وأربع بنات... كنا دائماً من العشرة الأوائل في صفوفنا الدراسية وما إن وصلت إلى الصف الثالث الثانوي حتى أصبحت شاذاً عن قاعدة التفوق والمنافسة، لقد تكرر إخفاقي في تلك المرحلة ومن ثم أتيت بمصطلح جديد ولفظ غريب داخل أسرتي ذلكم المصطلح هو « الرسوب».... رسبت لثلاث سنوات متتالية في القسم العلمي ومن ثم قررت الخروج من المدرسة وفسح المجال لأخوتي الذين تستوطن أرواحهم الجد والمثابرة وأن احميهم من عدوى الرسوب والعقدة التي حطت رحالها وسكنت نفسي المحطمة وأطبقت عليّ جراء إخفاقي في هذه السنين، ومن هنا بدأت بوادر التحول حيث أصبحت أجد ضغوطاً من أخوتي جميعهم ووالدتي، إذ لا يتحرجون من نعتي بالألفاظ التي تجرحني ومحورها الأساس كوني (عاطلاً) عن الدراسة وعن العمل أيضاً... لكن والدي كان فسحة الأمل بأحرف كلماته المنيرة ولمساته الحانية هو من يجبر كسري ويصبرني ويجعلني أصابر وأستبصر الغد المشرق.. كان أخي فيصل الذي يكبرني يتميز عن شخصي في كل شيء ومحبوباً من الجميع وكنت أنا من يوجه إليه الذم وهو من يشار اليه بالبنان، ولّد ذلك حقداً دفيناً في داخلي تجاه أخي، وأشعل النار التي لا تحرق إلا معنى الأخوة بداخلي وكان من يقذف لهيبها حطباً من يعلم بأنه أخي عدا والدي!! حاولت جاهداً أن أنتقم منه وأضيق الفجوة التي تتسع بالاختلافات بيننا لرد اعتباري في مواقف متعددة ولكن باءت جميع محاولاتي بالفشل ولكنها كانت تزيد من حدة تلك النيران الملتهبة في هشيم فؤادي، قررت الهروب من تلك الأجواء التي أشعر فيها بأنني بلا هوية... وبلا وجود داخل أسرتي.... وجدت ضالتي في صديقي وليد ابن العم جمال الذي كان منزلهم يلاصق منزلنا والأسرتان جارتان منذ زمن... كنت دائم الذهاب إليه وكنا نِدّين، اجتمعنا ثلاثة في السمر أنا وهو وثالثنا لعبة الشطرنج ولايشتت سمرنا إلا بعد أن يخلع الليل رداءه معلناً رحيله ويرتدي الصبح ثيابه مبشراً بقدومه! لعبة الشطرنج التي أحسست بين مربعاتها المتعددة وبين أحجارها المتفاوتة أنني أبحث عن تميزي، عندما كنت أمسك بإحدى قطعها التي تمثل رمزاً للجيوش المتحاربة وأتقدم لإطاحة خصمي بعدها أشعر بنشوة الانتصار من أعماقي وكأني أطحت واحداً من أولئك الذين تعودوا التعدي على شخصي، أظهرت في الأربعة والستين مربعاً تفوقاً ملحوظاً على جميع من نازلني وكان الدافع وراء إصراري على تعلم هذه اللعبة والخوض في أسرارها ومعرفة مهارتها هو أنها لعبة للأذكياء كما يُقال عنها، كنت أريد من هذا أن أعوض النقص الذي أصبحت أشعر به وخاصة أمام ذلك الأخ (الفيصل)، وفي يوم من أيام الأعياد وكما جرت العادة وأنا أتسامر مع وليد جاءنا سامي ذو القامة الفارعة والبشرة السمراء والابتسامة التي لا تفارق مبسمه وهو صديق منذ زمن لوليد.... كان سامي مستغرباً ومندهشاً لجلوسنا في هذه الأيام معللاً ذلك بأن من هم في سننا في أفراح وبهجة والكثير منهم خارج البلد لقضاء هذه الأيام السعيدة وأخذ يحقرنا ويشمت بنا.. ولكنه فاجأنا بعدها بأن لديه الحل بقوله:
- عندي لكم سيجارة تلف بكم العالم كله تروحوه وأنتم هنا مكانكم ولا تتحركوا...
وأخرج من جيبه سيجارة ملفوفة بطريقة مختلفة وأغرانا بتدخينها معللاًَ بأنها «التذكرة» التي نستطيع من خلالها التنقل بين أرجاء العالم الفسيح..... رفضت ذلك وتذرعت بخوفي من أهلي وأخذت أردد:
- لا.... لا... ما أقدر... مقدر أخاف أهلي يكشفوني أو يشموا ريحتي وبعدين أروح في داهية....
لظني بأنها سيجارة تبغ عادية وكنت وقتها لم أدخن التبغ، وأسترسل في حينها بتوضيح الأمور وتبسيطها ومن ذلك بأن ليس لها رائحة ولن ينكشف أمري وأنه «حشيش» للمزاج فقط..... رفضت أما وليد فراح يدخن معه واستمر الاثنان في تحقيري بأنني خائف وجبان والكثير من الصفات المنافية للرجولة.... وكان وقع تلك الكلمات على قلبي يحطمني ويجرح ما بقي من كبريائي التي تعاون اخوتي على القضاء عليها... بعد برهة من الزمن.. أصابتني الدهشة من الحال الذي أبصرت فيه وليد فلم تظهر عليه آثار من تلك السيجارة مما دفعني إلى أن أصرخ بأعلى صوت لحروفي وأمسكتها بقوه زائفة وقلت له:
- هااااااااااااااات.
Page 2
لم أعلم بأن هذه الكلمة سيكون صداها عشرين عاماً من العناء... وفعلاً كانت تذكرة الدخول لا إلى العالم الفسيح الذي أوهمنا به سامي ولكنها كانت تذكرة للدخول إلى عالم الضياع والترحال في مستنقعاته! كنت وقتئذ ابن التسعة عشر عاماً وفي ذلك اليوم المشؤوم رجعت إلى المنزل وفي طريقي كنت بين رحى افكاري وهواجسي، تشدني يمنة وتلقفني يسرة في كيفية الاستقبال الذي سوف أجده بين أسرتي، حيث كنت خائفاً قلقاً بأن يفتضح أمري، ومن هو الذي سوف يهل على جسمي سياطه قبل الجميع ومن سوف يتفوه بالعبارات ويحرك (الاسطوانة) المعتادة التي تحمل الاهانات والشتائم! فوجئت بما جرى.... لم يشعروا بشيء بل بالعكس أسعدتهم خفة دمي التي أظهرتها بصورة واضحة، مما جعلهم يطلقون الضحكات وأدخلت الأسرة في أجواء السرور والمرح مما دفعني إلى أن أدخن «الحشيش» باستمرار وبعد أن أجبرنا ذلك الذي ارتدى ثوب الصديق على دفع المال من أجل الشراء ولم يقف عند هذا الحد بل أرغمنا على التعرف على من يبيعون تلك «السموم» وبدأت رحلة العناء والشقاء إلى أن أصبح المال عقبة في الطريق إلى هذه النشوة القاتلة.. تعمقت في التفكير للوصول إلى منفذ لدخل ثابت.. قررت أن أعمل وبدأت رحلة البحث عن عمل أجد فيه نفسي وأحقق أحلامي وما أصبو إليه وبعد أن أضناني تعب البحث وجدت مرادي ومطلبي في إحدى الدوائر الحكومية وخلال فترة قصيرة من الزمن تدرجت إلى أن توليت منصباً حساساً نوعاً ما في تلك الدائرة ولكن الدخل المالي من راتبها لم يعد يكفي لمتطلبات حياة الضياع.... حياة الإدمان، فكرت في زيادة دخلي ولم أجد سوى اتباع الطرق المشبوهة... أصبحت أتقاضى رشى وهبات وأتحايل على البعض من خلال موقعي الوظيفي وجنيت مبالغ طائلة ومن بعدها أغدقت على من حولي بالمال والهدايا، والجزء الأكبر كان لشراء الحشيش فتغير حال الجميع ممن يعرفني وأصبحوا يتنافسون جاهدين لكسب ودي..... كانت نساء الحي يأتين إلى أمي من اجل إيجاد الحلول والتدخلات «الواسطة» لأزواجهن وأولادهن من خلال وظيفتي مما زاد من قدري في محيط أسرتي وعلا شأني عند من حولي... أشار عليّ والدي بالزواج لأنه أصبح بمقدوري أن أفتح بيتاً وأن أكون رجلاً يعول أسرة، استهوتني هذة الفكرة وأنبت نفسي لماذا لم أفكر فيها من قبل؟ فهي الملاذ الوحيد والمكان الآمن عكس ماهو الحال في منزل أسرتي، ولأستمتع بحريتي مع معشوقتي... ونديمتي سيجارة الحشيش التي يتعاظم ولعي بها يوماً بعد آخر، فكرت في أنه لابد من أن استغل هذا الزواج بشكل صحيح بما يرضي غروري ويرد لي اعتباري، قررت أن أتزوج بنت خالي التي كان جميع أفراد الأسرة يعلمون أنها زوجة المستقبل لأخي فيصل منذ زمن الطفولة كما جرت عليه العادة في محيطي، وأصررت على الزواج بها لأصفع بذلك أخي وأرد له بعضاً من صفعاته القديمة...... ولأبرهن للجميع وأولهم أخي بأنني أفضل منه، أخذت أقنع خالي (أبو العروس) وأغريته بالخدمات والتسهيلات التي كان يحتاج إليها من تلك الدائرة التي كنت أعمل فيها وفعلاً استطعت، وطالت محاولات الإقناع تلك والدتي أيضاً بضرورة تزوجي بنت خالي لأن فيصل سوف يمضي مشواراً طويلاً في التعليم وأنا الآن جاهز للزواج ومتطلباته وبعد عدة محاولات اقتنع الجميع وتزوجت ابنة خالي وفزت بها ولكني لم أدرك بأنني خسرت نفسي قبل أن أخسر أخي.
انتقلت إلى بيت الزوجية، كانت زوجتي تصغرني كثيراً في السن وكنت في بداية زواجنا أحاول أن أخفي عنها تعاطيّ الحشيش ومع مرور الأيام تطورت الأوضاع وأصبحت أدخن الحشيش علانية في المنزل، وفي تلك الأثناء استقلت من عملي لوضعي في مكان أقل أهمية وكان ذلك عقاباً من رؤسائي في العمل نتيجة إهمالي وغيابي المتكرر والأهم هو سلوكي الادماني الواضح ناهيك عن السمعة التي كنت أحظى بها والتي يعلم بها الداني قبل القاصي، لم أستطع توفير تلك النقود التي كنت أحصل عليها بالطرق غير الشرعيّة في مركزي السابق في تلك الدائرة، بقيت لفترة طويلة في المنزل بلا عمل إلى أن حصلت على وظيفة في دائرة أخرى وبراتب لا بأس به، استمررت في العمل وانضممت إلى صحبة من أهل « المزاج والكيف» أو بالأحرى أهل الضياع والشتات!! في ذلك العمل، لم أكن أفكر في التدرج الوظيفي أو في الإبداع المهني أو الابتكار أو حتى تطوير مهاراتي الوظيفية، بل كان همّي الأوحد هو كيفية الوصول إلى كنز يغنيني مثلما كان هو الحال في وظيفتي السابقة والبحث عن الدجاجة التي تبيض ذهباً من اجل شراء الحشيش... بعد جهد مضنٍ وتفكير عميق وجدت ضالتي وأصبحت أجني مبالغ هائلة بالنصب والاحتيال في تلك الوظيفة، وكان ما يميز رفقة الضياع هؤلاء أنهم من هواة السفر إلى الخارج والتنقيب عن المعالم السياحية ولكن بالمفهوم الذي تختزله عقولهم ويوافق تفكيرهم، فهم ليسوا من هواة زيارة المتاحف أو الآثار القديمة أو المعالم الجمالية أو الاستمتاع بالطبيعة الخلابة وجمالها الساحر أو استنشاق نسمات البحر على الشواطئ الذهبية الفاتنة، بل إن مفاهيم السياحة في قاموسهم هي الجهة التي يتوافر فيها المخدر من عدمه والأمور المرتبطة بذلك!!!
أوقعوني في تلك الشباك، وأصبحت دائم السفر معهم وبعد العديد من رحلات الاستكشاف ومغامرات الترحال تلك استقر بنا الحال في بلد عربي وامتلكنا بها مسكناً ومقراً لنا شقة في أرقى الاحياء، وأصبحنا نسافر إلى ذلك البلد في إجازة نهاية الأسبوع، حيث كانت تقلع بنا الطائرة يوم الأربعاء ظهراً وتهبط بنا مساء الجمعة في مطار المدينة التي نسكنها، وكان كل من حولي يتساءل عن تغيبي المستمر وسفري المتكرر وكنت أوهمهم بأنها جزء من مهام العمل تتطلب السفر، وكنت أحرص على إحضار بعض الخطابات المزورة وخصوصاً لزوجتي حتى أبعد عني الشبهات أو علامات الاستفهام أو حتى سوء الظن بالسفر المتكرر.
استمر هذا الحال سنوات عديدة إلى أن جاء يوم ونحن نتسامر في منزل احد الأصدقاء للعب الورق وتعاطي الحشيش الذي أصبح بشكل يومي..... لم يأت الشخص الذي أوكلنا إليه مهمة جلب «الحشيش» بحجة أنه لم يجد المروج (البياع) وكان من بين الموجودين في الجلسة شخص يتعاطى الهيرويين منهمكاً في لف المسحوق في «قصدير» وبعد ان فرغ من عملية الإعداد لهذا السم أخذ يغري به جميع الجالسين بحجة التغيير وإمضاء تلك الليلة وانه سيكون أفضل من الحشيش!! في بداية الأمر رفضت ذلك بإصرار ولكني بعد ساعة من الزمن اندهشت من أصدقائي الذين تعاطوا معه الهيرويين لما اعتراهم من انشراح وسعادة واضحة فقررت أن أجربه فقط وأخذت منه نفساً قوياً أحسست بعدها بصوت خفي يردد في داخلي ويخترق خلجات صدري هاتفاً:
- أهلاً بك في نشوتك الحقيقية...
انتقلت إلى بيت الزوجية، كانت زوجتي تصغرني كثيراً في السن وكنت في بداية زواجنا أحاول أن أخفي عنها تعاطيّ الحشيش ومع مرور الأيام تطورت الأوضاع وأصبحت أدخن الحشيش علانية في المنزل، وفي تلك الأثناء استقلت من عملي لوضعي في مكان أقل أهمية وكان ذلك عقاباً من رؤسائي في العمل نتيجة إهمالي وغيابي المتكرر والأهم هو سلوكي الادماني الواضح ناهيك عن السمعة التي كنت أحظى بها والتي يعلم بها الداني قبل القاصي، لم أستطع توفير تلك النقود التي كنت أحصل عليها بالطرق غير الشرعيّة في مركزي السابق في تلك الدائرة، بقيت لفترة طويلة في المنزل بلا عمل إلى أن حصلت على وظيفة في دائرة أخرى وبراتب لا بأس به، استمررت في العمل وانضممت إلى صحبة من أهل « المزاج والكيف» أو بالأحرى أهل الضياع والشتات!! في ذلك العمل، لم أكن أفكر في التدرج الوظيفي أو في الإبداع المهني أو الابتكار أو حتى تطوير مهاراتي الوظيفية، بل كان همّي الأوحد هو كيفية الوصول إلى كنز يغنيني مثلما كان هو الحال في وظيفتي السابقة والبحث عن الدجاجة التي تبيض ذهباً من اجل شراء الحشيش... بعد جهد مضنٍ وتفكير عميق وجدت ضالتي وأصبحت أجني مبالغ هائلة بالنصب والاحتيال في تلك الوظيفة، وكان ما يميز رفقة الضياع هؤلاء أنهم من هواة السفر إلى الخارج والتنقيب عن المعالم السياحية ولكن بالمفهوم الذي تختزله عقولهم ويوافق تفكيرهم، فهم ليسوا من هواة زيارة المتاحف أو الآثار القديمة أو المعالم الجمالية أو الاستمتاع بالطبيعة الخلابة وجمالها الساحر أو استنشاق نسمات البحر على الشواطئ الذهبية الفاتنة، بل إن مفاهيم السياحة في قاموسهم هي الجهة التي يتوافر فيها المخدر من عدمه والأمور المرتبطة بذلك!!!
أوقعوني في تلك الشباك، وأصبحت دائم السفر معهم وبعد العديد من رحلات الاستكشاف ومغامرات الترحال تلك استقر بنا الحال في بلد عربي وامتلكنا بها مسكناً ومقراً لنا شقة في أرقى الاحياء، وأصبحنا نسافر إلى ذلك البلد في إجازة نهاية الأسبوع، حيث كانت تقلع بنا الطائرة يوم الأربعاء ظهراً وتهبط بنا مساء الجمعة في مطار المدينة التي نسكنها، وكان كل من حولي يتساءل عن تغيبي المستمر وسفري المتكرر وكنت أوهمهم بأنها جزء من مهام العمل تتطلب السفر، وكنت أحرص على إحضار بعض الخطابات المزورة وخصوصاً لزوجتي حتى أبعد عني الشبهات أو علامات الاستفهام أو حتى سوء الظن بالسفر المتكرر.
استمر هذا الحال سنوات عديدة إلى أن جاء يوم ونحن نتسامر في منزل احد الأصدقاء للعب الورق وتعاطي الحشيش الذي أصبح بشكل يومي..... لم يأت الشخص الذي أوكلنا إليه مهمة جلب «الحشيش» بحجة أنه لم يجد المروج (البياع) وكان من بين الموجودين في الجلسة شخص يتعاطى الهيرويين منهمكاً في لف المسحوق في «قصدير» وبعد ان فرغ من عملية الإعداد لهذا السم أخذ يغري به جميع الجالسين بحجة التغيير وإمضاء تلك الليلة وانه سيكون أفضل من الحشيش!! في بداية الأمر رفضت ذلك بإصرار ولكني بعد ساعة من الزمن اندهشت من أصدقائي الذين تعاطوا معه الهيرويين لما اعتراهم من انشراح وسعادة واضحة فقررت أن أجربه فقط وأخذت منه نفساً قوياً أحسست بعدها بصوت خفي يردد في داخلي ويخترق خلجات صدري هاتفاً:
- أهلاً بك في نشوتك الحقيقية...
Page 3
من هنا بدأت الرحلة الحقيقية للعناء... انفتحت أبواب أخرى للشقاء أصبحت مدمن هيرويين... نعم مدمناً تلك المادة اللعينة وأسيراً لنشوتها الزائفه،ومن حينها كبرت وتعددت المشاكل وأصبحت تتوالى الواحدة بعد الأخرى وتتراكم المصائب مصيبة تعلوها مصيبة ومع مرور الايام واحتياجي الشديد إلى المال والحال الرثة التي تعتريني ويراها كل من يقع ناظراه على شخصي من هندام بالٍ.. جسم ناحل.. ذقن مخشوشن غير مرتب.. عرق يتصبب وشرود دائم.. اختلست من عملي الكثير من الأموال التي بعهدتي واقترضت من هنا وهناك بحجج واهية باطلة ومع تطور واستمرار هذا الحال انكشف أمري في عملي وتم إنهاء خدماتي وفصلي وتلكم كانت قاصمة الظهر وازداد السوء كيلاً.
كنت أعيش في معركة دائمة خلفت مستنقعاً من الدم الذي ينزف مني تارة وممن حولي تارة أخرى وكان سيفي في تلك المعركة هو الهيرويين! غدوت نعشاً يعيش بين الأحياء... تحولت وحشاً كاسراً على من حولي... في أحد الأيام كنت بحاجة ماسة إلى المال من أجل شراء المخدر وبعد أن أنهكني التعب من جراء البحث بدون جدوى.. تعبت من البحث... تعبت من الألم.... تعبت من التعب! ولم أجد أمام عيني سوى يد زوجتي التي كانت تتحلى ببعض الذهب وتحتفظ به من مهرها، لم تكن تتزين أو تتباهى به كما تفعل بنات جنسها، فهي لم تعد كأولئك النساء بل أصبحت محاربة ناعمة.. تحارب من أجل أن ينعم أولادها بالحياة.. محاربة لهمومها.. محاربة لقسوة الزمن... محاربة للهيرويين.. وإنما كانت ترتديه خوفاً من أن أسرقه أسوة بممتلكات المنزل التي ذهبت في مهب الريح واختفت وتوارت عن الانظار بعد أن وقع ناظري عليها! في تلك الأثناء انقضضت عليها ورفعت يديها وجئت بحبل غليظ وسمرتها إلى الحائط وربطها لآمن تحركاتها ومحاولة فرارها وهي تستغيث وتدمع الدم والألم معاً وأتيت بآلة حادة وكسرت ما بيدها من ذهب وأخذته ولم اكتفِ بذلك بل أشبعتها ضرباً وشتماً وإهانة لأنها لم تساعدني ولم تقف بجواري وتؤازرني في محنتي... غريب انا!
قررت وبمساعدة جادة ومتفانية من أحد أخوتي أن أتعالج قبل أن تسوء حالتي أكثر....... سافرت إلى إحدى الدول العربية ومكثت هناك أسبوعاً في مصحّ لعلاج الإدمان وأحسست بالشفاء وأن الحياة تدب وتغزو عروقي من جديد، ومن قبل ذلك بدأت تتسرب إلى تفكيري وعقلي الذي أُعطب منذ زمن! وقررت العودة سريعاً إلى بيتي وأسرتي ولكن ما إن وطئت قدماي المطار حتى أحسست بتلك الآلام المعتادة التي تعتريني عند انقطاعي عن تلك المادة أو ما يسمى بالاعراض الانسحابية وظننت أن آلامي ومتاعبي كانت في استقبالي بكل حفاوة على ارض المطار، وأن فرحة العودة إلى انسانيتي تلاشت وذهبت بعيداً عند آخر درجة في سلم النزول من الطائرة... عند خروجي من صالة المطار توجهت مسرعاً إلى «المروج» وأخذت منه جرعة هيرويين بعدها ذهبت إلى منزل أسرتي وعدت إلى سابق عهدي.. انغمست في قاع الوحل مرة أخرى حتى قبض علي بتهمة التعاطي.. عشت حياة السجن أكون فيها علاقات متينة وصداقات وطيدة مع كل من هو في هذا الوحل، لم يكن يؤرقني سوى أوقات الزيارة عندما أرى أبي الطاعن في السن وأمي المريضة وزوجتي الحامل وهم يقفون في «الطابور» ذلك الصف المزدحم بالزوار ويتلقون المضايقات من كل جانب ويكفيهم من الألم تدنيس كرامتهم وانكسار كبريائهم التي انتثرت على امتداد تلك الصفوف، لمجرد دخولهم إلى هذا المكان.. خرجت من السجن مشمولاً بالعفو واستنشقت الهواء خارج أسوار السجن، طرقت باب المروج قبل أن أرى باب منزلنا وتعاطيت جرعة الهيرويين في منزله ثم توجهت إلى المنزل وعندما رأتني زوجتي همست في أذني:
- أنت طالع من السجن والا جاي من عند أصحابك! ؟
لأنها شاهدت الملامح التي تعتريني من جراء التعاطي وقبل ذلك إحساسها الصادق ومعرفتها بشريك الزوجية!
بعد تلك الحقبة من الزمن..... انتقلت أنا وزوجتي وابنائي للعيش في منزل والدي الشعبي المتواضع، كنت وزوجتي وأبنائي ننام في غرفة واحدة لا يزيد طولها على ثلاثة أمتار ويبلغ عرضها حوالى ثلاثة أمتار أيضاً ولك أن تتخيل كيف ننام أنا وزوجتي وعشرة أبناء في مكان واحد بتلك الحجوم السابقة!!! لم يكن أبنائي يهنأون حتى في نومهم حيث اختطفت منهم راحتهم البريئة.. سرقت منهم أحلامهم الصغيرة...... وكأنهم يعيشون في معتقل.. نعم إنه أشبه بالمعتقل.. معتقل الإدمان.. لم يكن يستطيع أحد منهم أن يمد قدميه أثناء نومه إلا بصعوبة بالغة وإن مدّهما اصطدم بأحد أخوته أو بالحائط، وفي فترة الإجازة الصيفية يتناوبون على النوم ليس من أجل السهر كأقرانهم في ليالي الصيف السامرة... بل للحد من الارتطام أثناء النوم، وبعد فترة من الزمن ليست بالقصيرة قرر والدي وأخوتي أن يجدوا مسكناً مناسباً لتلك الأسرة المغلوب على أمرها التي يفترض أن أكون أنا من يدير شؤونها! وفعلاً تحقق المراد مرة أخرى وأصبحت أكثر حرية وانطلاقاً مما كنت عليه في منزل والدي.... كنت أنا الرابح الوحيد في ذلك المسكن، حيث أعلنت الحرمان على أسرتي من جميع مقومات الحياة الأساسية أو لتقل الحياة الإنسانية، أصبحوا وكأنهم يعيشون في العصر الحجري.. لم أترك شيئاً ذا قيمة إلا بعته بأبخس الأثمان، حتى زوجتي إذا أرادت أن تملأ فراغ معدة أبنائها الصغار وتسكت تلك الأفواه الجائعة كانت « تطبخ» على الموقد ذي الفتيل... وهو ما بقي في المنزل (لأني لم أجد من يشتريه باعتباره تراثياً ولا يستخدمه أحد في هذا الزمن). تضع ذلك الموقد أمام باب المنزل لتستطيع رؤية ما بداخله في سواد الليل الحالك وظلمات الجور وعتمات القهر من خلال النور الذي تختلسه من أضواء الحي التي تنير الشارع وخصوصاً عندما تعد وجبة العشاء.
كنت أعيش في معركة دائمة خلفت مستنقعاً من الدم الذي ينزف مني تارة وممن حولي تارة أخرى وكان سيفي في تلك المعركة هو الهيرويين! غدوت نعشاً يعيش بين الأحياء... تحولت وحشاً كاسراً على من حولي... في أحد الأيام كنت بحاجة ماسة إلى المال من أجل شراء المخدر وبعد أن أنهكني التعب من جراء البحث بدون جدوى.. تعبت من البحث... تعبت من الألم.... تعبت من التعب! ولم أجد أمام عيني سوى يد زوجتي التي كانت تتحلى ببعض الذهب وتحتفظ به من مهرها، لم تكن تتزين أو تتباهى به كما تفعل بنات جنسها، فهي لم تعد كأولئك النساء بل أصبحت محاربة ناعمة.. تحارب من أجل أن ينعم أولادها بالحياة.. محاربة لهمومها.. محاربة لقسوة الزمن... محاربة للهيرويين.. وإنما كانت ترتديه خوفاً من أن أسرقه أسوة بممتلكات المنزل التي ذهبت في مهب الريح واختفت وتوارت عن الانظار بعد أن وقع ناظري عليها! في تلك الأثناء انقضضت عليها ورفعت يديها وجئت بحبل غليظ وسمرتها إلى الحائط وربطها لآمن تحركاتها ومحاولة فرارها وهي تستغيث وتدمع الدم والألم معاً وأتيت بآلة حادة وكسرت ما بيدها من ذهب وأخذته ولم اكتفِ بذلك بل أشبعتها ضرباً وشتماً وإهانة لأنها لم تساعدني ولم تقف بجواري وتؤازرني في محنتي... غريب انا!
قررت وبمساعدة جادة ومتفانية من أحد أخوتي أن أتعالج قبل أن تسوء حالتي أكثر....... سافرت إلى إحدى الدول العربية ومكثت هناك أسبوعاً في مصحّ لعلاج الإدمان وأحسست بالشفاء وأن الحياة تدب وتغزو عروقي من جديد، ومن قبل ذلك بدأت تتسرب إلى تفكيري وعقلي الذي أُعطب منذ زمن! وقررت العودة سريعاً إلى بيتي وأسرتي ولكن ما إن وطئت قدماي المطار حتى أحسست بتلك الآلام المعتادة التي تعتريني عند انقطاعي عن تلك المادة أو ما يسمى بالاعراض الانسحابية وظننت أن آلامي ومتاعبي كانت في استقبالي بكل حفاوة على ارض المطار، وأن فرحة العودة إلى انسانيتي تلاشت وذهبت بعيداً عند آخر درجة في سلم النزول من الطائرة... عند خروجي من صالة المطار توجهت مسرعاً إلى «المروج» وأخذت منه جرعة هيرويين بعدها ذهبت إلى منزل أسرتي وعدت إلى سابق عهدي.. انغمست في قاع الوحل مرة أخرى حتى قبض علي بتهمة التعاطي.. عشت حياة السجن أكون فيها علاقات متينة وصداقات وطيدة مع كل من هو في هذا الوحل، لم يكن يؤرقني سوى أوقات الزيارة عندما أرى أبي الطاعن في السن وأمي المريضة وزوجتي الحامل وهم يقفون في «الطابور» ذلك الصف المزدحم بالزوار ويتلقون المضايقات من كل جانب ويكفيهم من الألم تدنيس كرامتهم وانكسار كبريائهم التي انتثرت على امتداد تلك الصفوف، لمجرد دخولهم إلى هذا المكان.. خرجت من السجن مشمولاً بالعفو واستنشقت الهواء خارج أسوار السجن، طرقت باب المروج قبل أن أرى باب منزلنا وتعاطيت جرعة الهيرويين في منزله ثم توجهت إلى المنزل وعندما رأتني زوجتي همست في أذني:
- أنت طالع من السجن والا جاي من عند أصحابك! ؟
لأنها شاهدت الملامح التي تعتريني من جراء التعاطي وقبل ذلك إحساسها الصادق ومعرفتها بشريك الزوجية!
بعد تلك الحقبة من الزمن..... انتقلت أنا وزوجتي وابنائي للعيش في منزل والدي الشعبي المتواضع، كنت وزوجتي وأبنائي ننام في غرفة واحدة لا يزيد طولها على ثلاثة أمتار ويبلغ عرضها حوالى ثلاثة أمتار أيضاً ولك أن تتخيل كيف ننام أنا وزوجتي وعشرة أبناء في مكان واحد بتلك الحجوم السابقة!!! لم يكن أبنائي يهنأون حتى في نومهم حيث اختطفت منهم راحتهم البريئة.. سرقت منهم أحلامهم الصغيرة...... وكأنهم يعيشون في معتقل.. نعم إنه أشبه بالمعتقل.. معتقل الإدمان.. لم يكن يستطيع أحد منهم أن يمد قدميه أثناء نومه إلا بصعوبة بالغة وإن مدّهما اصطدم بأحد أخوته أو بالحائط، وفي فترة الإجازة الصيفية يتناوبون على النوم ليس من أجل السهر كأقرانهم في ليالي الصيف السامرة... بل للحد من الارتطام أثناء النوم، وبعد فترة من الزمن ليست بالقصيرة قرر والدي وأخوتي أن يجدوا مسكناً مناسباً لتلك الأسرة المغلوب على أمرها التي يفترض أن أكون أنا من يدير شؤونها! وفعلاً تحقق المراد مرة أخرى وأصبحت أكثر حرية وانطلاقاً مما كنت عليه في منزل والدي.... كنت أنا الرابح الوحيد في ذلك المسكن، حيث أعلنت الحرمان على أسرتي من جميع مقومات الحياة الأساسية أو لتقل الحياة الإنسانية، أصبحوا وكأنهم يعيشون في العصر الحجري.. لم أترك شيئاً ذا قيمة إلا بعته بأبخس الأثمان، حتى زوجتي إذا أرادت أن تملأ فراغ معدة أبنائها الصغار وتسكت تلك الأفواه الجائعة كانت « تطبخ» على الموقد ذي الفتيل... وهو ما بقي في المنزل (لأني لم أجد من يشتريه باعتباره تراثياً ولا يستخدمه أحد في هذا الزمن). تضع ذلك الموقد أمام باب المنزل لتستطيع رؤية ما بداخله في سواد الليل الحالك وظلمات الجور وعتمات القهر من خلال النور الذي تختلسه من أضواء الحي التي تنير الشارع وخصوصاً عندما تعد وجبة العشاء.
Page 4
ازدادت حالتي سوءاً فوق سوء وتدرجت في اعتلاء قمم الضياع ومن مدمن إلى مروج وناشر لتلك السموم، اجتمع أفراد أسرتي وعُقد مجلس للعائلة وعندما باءت جميع محاولاتهم لعلاجي وإصلاحي بالفشل قرر إخوتي أن يغيروا كل شيء حولي حتى الهواء الذي أستنشقه.... جاؤوني في المنزل وأنا أتسامر مع معشوقتي... وأسبح في نشوتي....... أركبوني معهم في السيارة وأنا في وادٍ غير الذي هم فيه صحوت وإذا بي في مدينة تقع في الوسط الشمالي للبلاد معروفة بأنها من ينابيع العلم الذي لا ينضب ومن أشد المجتمعات حفاظاً على الدين والتقاليد وأودعوني أصدقاء لهم من طلبة العلم في تلك المدينة وكانوا بحق أخوة لم يخرجوا من رحم أمي.. فقد خففوا من ألمي وأزاحو همي الذي سكن وجداني.. بعد ما يقارب اليومين زال وجع الانقطاع عن المخدر (الأعراض الانسحابية) وبعد أن استقرت حالتي وبُثت العافية في جنبات جسمي انخرطت معهم في طلب العلم الشرعي وأخذته عن أفضل علماء الأمة ومن أبرز مشايخها المعروفين في تلك الفترة.. عشت في ذلك النور الذي أضاء ظلمات فؤادي وأصبحت محافظاً على الصلوات في المسجد والسنن الرواتب ومداوماً على قراءة القرآن الكريم الذي كان رفيقي الدائم وأبحرت في الكتب والمجلدات أستزيد من كنوزها النفيسة، كنت من المحسوبين على طلبة العلم، واستمر ذلك الحال ما يقارب الستة أشهر وكان في تلك الفترة أخوتي يأتون لزيارتي ويتفقدون أحوالي ويطمئنون إلى صحتي، وفي أحد الأيام بعد الانتهاء من الدرس اليومي الذي ننهل من إحدى حلقاته العلم جاء أحد الإخوة وأخبرنا بأنه مسافر إلى مدينتي الساحلية ومسقط رأسي لقضاء بعض الأمور الخاصة وأنه على استعداد لتوفير جميع حوائج الإخوة التي يرغبون فيها ويحتاجون إليها من تلك المدينة وقبل أن ينهي عرض خدماته باغته بقولي:
- لا أرغب في حاجة من هناك ولا أتمنى مطلباً سوى أن أكون أنا هناك!!! لكي أجمع روحي بجسدي وسط أحضان أسرتي.
قررت أن أعود معه بعد أن سمح لي مضيفي بذلك وأخذ الموافقة من إخوتى وكان قرار السفر ذلك من أجل إطفاء الشوق الذي اشتعل وسكن داخلي إلى جميع أفراد أسرتي، كانت رحلة السفر طويلة مررنا بمدن كثيرة وقرى تتداخل معها هجر عديدة... أعرف بعضها اسماً وأجهل الكثير منها اسماً وموقعاً، كنت قابعاً في المقعد الأمامي في السيارة ولكن فكري يسبقني يقبل يد والدي ويرسم ولعي في جبين والدتي ويحتضن إخوتي ويلملم جميع اسرتي داخل قلبي، كنت اسرح مع خيالي وخصوصاً مع أبنائي ذلك الحلم الذي أضعته في فترة من حياتي وأتشوق إلى رؤية أصغرهم ذلك الطفل الذي غمره بحب كل من عرفه لروحه الشيقة التي تمتزج بالطيب والمرح وتتوجها براءة الطفولة... آه آه آه كم أنا مشتاق إليك يا أديب.!. مشتاق إليكم جميعاً.
فرح أهلي.. فرحوا بعودة انسانيتي.. فرحوا برجوعي إلى الصواب.. سعدوا بعودة الحلم الضائع.. ولكن للأسف أفاقوا من ذلك الحلم أو الأصح أجبرتهم أن يفيقوا حيث لم يمض سوى عشرة أيام حتى رجعت إلى سابق عهدي وأخذت أنسلخ شيئاً فشيئاً مما اكتسبته في الأشهر الستة التي قضيتها في رحاب طلب العلم والمعرفة مع الرفقة الصالحة حيث أن ذلك لم يكن نابعاً من داخلي ولكنني أجبرت عليه!!!
عدت إلى الترويج ولكني أصبحت شخصاً معروفاً ووجهاً مألوفاً لدى أفراد مكافحة المخدرات، قررت أن اتبع أسلوباً جديداً في الترويج لكي أتفادى الوقوع في أيدي رجال مكافحة المخدرات وبعد التفكير الشيطاني المرير جعلت لي درعاً حصينة.. ورداء يغطيني.. اخترت ابني أديب، لم يكن يعرف عن تلك السموم وكان ابن الست سنوات.. لطخت براءة الأطفال بالسموم.. قتلت الحلم الناشئ في مهده.. اقتحمت ألفة الصغار بوحشية... أديب هو المكان الآمن الذي أضع فيه الهيرويين وأتنقل به بحرية حتى في مناطق التفتيش التي يزدحم فيها أفراد الأمن واستمررت على هذا الحال ما يقارب العامين... اصبح أديب من رواد الأماكن المشبوهة ومن مرتادي بؤر الخراب والفساد وأنا من يجره إلى تلك الأماكن في غياب قلب الأب وموت الإحساس بالأبوة تجاه أبنائه...... في أحد الأيام كنت على موعد مع أحد « المروجين» الذين امتهنوا بيع السموم تجارة لهم لأخذ حصتي من الهيرويين وأبيعه بين الأموات وكان ذلك في ذروة الصيف وأشد ظهائرها قيظاً، حيث أوقدت الشمس لهيبها وغدت الوسيعة وكأنها بساط من الجمر وحرها يذبل الجلود ويفتت الصخور حتى أن ظلها يبحث عما يستظل به، أجلست أديب في المكان المتفق عليه مع التاجر وذهبت أنا أراقب من بعيد، كان أديب يستظل من حرارة الشمس القاسية بيديه الصغيرتين اللتين تبحثان عما يقيهما ذلك اللهيب المحرق، كان يتضور جوعاً لأنه لم يتناول شيئاً من الصباح ويئن شوقاً إلى جرعة ماء ليروي ظمأه وتوهج عطشه، لم أدعه يأخذ « قرشاً» واحداً من المبلغ الذي وضعته في يده لخوفي من خوض غمار نقاش عقيم مع التاجر بسبب نقص المال، حرمت ابني من أن يأكل ليسد جوعه ويتقوى من أجل أن أشتري السموم التي أتجرعها لقتلي، وأثناء طول الانتظار كاد أديب يسقط من حرارة الشمس وأخذت علامات الاجهاد ترتسم على الجسم السقيم، جاء التاجر وأخذ المال من يد أديب ووضع كيس الهيرويين في يده وجاءنى أديب مسرعاً فأمسكت بيده وأصبحت يدانا متشابكتين والهيرويين بينهما في حرز الاب وابنه..... غذذنا الخطى نحو المنزل وفي هذه الأثناء اعترضت طريقنا فرقة من مكافحة المخدرات ونزل اثنان من السيارة... ومن هول وفزع الحدث ورهبته فككت يدي من يد أديب، وجهوا أسلحتهم باتجاهنا وعندها أفقت من سباتي العميق وأحسست حقاً بإبني وأخذت مشاعر الأبوة تتحرك وتستيقظ من جديد... أدركت أن أديب هو ابني، لم يمزق لحظات شرودي تلك إلا صوت جهوري يصرخ بأعلى نبراته:
- «حرام عليك.. اتق الله.. خاف الله.. حرام عليك مو علشانك علشان الولد الصغير هذا»، كان ذلك أحد رجال مكافحة المخدرات.
- لا أرغب في حاجة من هناك ولا أتمنى مطلباً سوى أن أكون أنا هناك!!! لكي أجمع روحي بجسدي وسط أحضان أسرتي.
قررت أن أعود معه بعد أن سمح لي مضيفي بذلك وأخذ الموافقة من إخوتى وكان قرار السفر ذلك من أجل إطفاء الشوق الذي اشتعل وسكن داخلي إلى جميع أفراد أسرتي، كانت رحلة السفر طويلة مررنا بمدن كثيرة وقرى تتداخل معها هجر عديدة... أعرف بعضها اسماً وأجهل الكثير منها اسماً وموقعاً، كنت قابعاً في المقعد الأمامي في السيارة ولكن فكري يسبقني يقبل يد والدي ويرسم ولعي في جبين والدتي ويحتضن إخوتي ويلملم جميع اسرتي داخل قلبي، كنت اسرح مع خيالي وخصوصاً مع أبنائي ذلك الحلم الذي أضعته في فترة من حياتي وأتشوق إلى رؤية أصغرهم ذلك الطفل الذي غمره بحب كل من عرفه لروحه الشيقة التي تمتزج بالطيب والمرح وتتوجها براءة الطفولة... آه آه آه كم أنا مشتاق إليك يا أديب.!. مشتاق إليكم جميعاً.
فرح أهلي.. فرحوا بعودة انسانيتي.. فرحوا برجوعي إلى الصواب.. سعدوا بعودة الحلم الضائع.. ولكن للأسف أفاقوا من ذلك الحلم أو الأصح أجبرتهم أن يفيقوا حيث لم يمض سوى عشرة أيام حتى رجعت إلى سابق عهدي وأخذت أنسلخ شيئاً فشيئاً مما اكتسبته في الأشهر الستة التي قضيتها في رحاب طلب العلم والمعرفة مع الرفقة الصالحة حيث أن ذلك لم يكن نابعاً من داخلي ولكنني أجبرت عليه!!!
عدت إلى الترويج ولكني أصبحت شخصاً معروفاً ووجهاً مألوفاً لدى أفراد مكافحة المخدرات، قررت أن اتبع أسلوباً جديداً في الترويج لكي أتفادى الوقوع في أيدي رجال مكافحة المخدرات وبعد التفكير الشيطاني المرير جعلت لي درعاً حصينة.. ورداء يغطيني.. اخترت ابني أديب، لم يكن يعرف عن تلك السموم وكان ابن الست سنوات.. لطخت براءة الأطفال بالسموم.. قتلت الحلم الناشئ في مهده.. اقتحمت ألفة الصغار بوحشية... أديب هو المكان الآمن الذي أضع فيه الهيرويين وأتنقل به بحرية حتى في مناطق التفتيش التي يزدحم فيها أفراد الأمن واستمررت على هذا الحال ما يقارب العامين... اصبح أديب من رواد الأماكن المشبوهة ومن مرتادي بؤر الخراب والفساد وأنا من يجره إلى تلك الأماكن في غياب قلب الأب وموت الإحساس بالأبوة تجاه أبنائه...... في أحد الأيام كنت على موعد مع أحد « المروجين» الذين امتهنوا بيع السموم تجارة لهم لأخذ حصتي من الهيرويين وأبيعه بين الأموات وكان ذلك في ذروة الصيف وأشد ظهائرها قيظاً، حيث أوقدت الشمس لهيبها وغدت الوسيعة وكأنها بساط من الجمر وحرها يذبل الجلود ويفتت الصخور حتى أن ظلها يبحث عما يستظل به، أجلست أديب في المكان المتفق عليه مع التاجر وذهبت أنا أراقب من بعيد، كان أديب يستظل من حرارة الشمس القاسية بيديه الصغيرتين اللتين تبحثان عما يقيهما ذلك اللهيب المحرق، كان يتضور جوعاً لأنه لم يتناول شيئاً من الصباح ويئن شوقاً إلى جرعة ماء ليروي ظمأه وتوهج عطشه، لم أدعه يأخذ « قرشاً» واحداً من المبلغ الذي وضعته في يده لخوفي من خوض غمار نقاش عقيم مع التاجر بسبب نقص المال، حرمت ابني من أن يأكل ليسد جوعه ويتقوى من أجل أن أشتري السموم التي أتجرعها لقتلي، وأثناء طول الانتظار كاد أديب يسقط من حرارة الشمس وأخذت علامات الاجهاد ترتسم على الجسم السقيم، جاء التاجر وأخذ المال من يد أديب ووضع كيس الهيرويين في يده وجاءنى أديب مسرعاً فأمسكت بيده وأصبحت يدانا متشابكتين والهيرويين بينهما في حرز الاب وابنه..... غذذنا الخطى نحو المنزل وفي هذه الأثناء اعترضت طريقنا فرقة من مكافحة المخدرات ونزل اثنان من السيارة... ومن هول وفزع الحدث ورهبته فككت يدي من يد أديب، وجهوا أسلحتهم باتجاهنا وعندها أفقت من سباتي العميق وأحسست حقاً بإبني وأخذت مشاعر الأبوة تتحرك وتستيقظ من جديد... أدركت أن أديب هو ابني، لم يمزق لحظات شرودي تلك إلا صوت جهوري يصرخ بأعلى نبراته:
- «حرام عليك.. اتق الله.. خاف الله.. حرام عليك مو علشانك علشان الولد الصغير هذا»، كان ذلك أحد رجال مكافحة المخدرات.
Page 5
أخذوا يفتشوننا تفتيشاً دقيقاً أديب وأنا في ذهول عجيب... صاح بي أحد أولئك الأفراد:
- فين وديتها أحنا من الصباح مراقبينكم وشفنا كل شي.. فينها خرجها..
واجتهدوا يبحثون في كل مكان حولنا ولم يجدوها وبعدها تركونا ومضوا، ظننت أن أديب ألقى بها من يده.... (لأنني وضعتها في يده عندما تمت مداهمتنا)..... أو أن أحد أفراد المكافحة الذي قام بتفتيش أديب وجدها وأراد أن يعفو عنا رأفة بأديب وإحساسه بالألم لما رآه من تعذيب للطفولة وإقحامها في هذا الفعل الخالي من أدنى مشاعر الإنسانية... في طريقي إلى المنزل لم أتفوه بكلمة واحدة لأديب ولم يدر في خلدي سوى كلمات ذلك الرجل من أفراد المكافحة التي يقع صداها في قلبي وتجلجل داخل صدري قبل أن تدوي في أذني:
- حرام عليك.. حرام عليك.. اتق الله.. خاف الله.. حرام عليك مو علشانك علشان الولد الصغير هذا.. حرام عليك.. حرام عليك.
وصلنا إلى المنزل وأنا في غاية الانكسار وقمة الهم، تعجبت زوجتي من دخولي الساكن الذي لم تعتده وعندما سألت أديب أجابها بعبارات تعتريها طفولة معذبة:
- مسكونا اليوم الحكومة وفتشونا.
وما هي إلا لحظات وأنا في حالتي تلك إذا بأديب من خلفي وأنا جالس ويطبطب على كتفي ويقول:
- خذ يا بويه.. من يأخذها مني؟.. أنا كنت ماسك عليها بيدي بقوة وما أحد شافها؟.. أنا ولدك.. خذ روق يا بويه.. خذ الدواء حقك... ولا تزعل أنا ما خليتهم يأخذوها.. علشان لا تزعل ما أخذوها شوفها معي..... لا تزعل.
ومد بيده الكيس المملوء بالهيرويين الذي أخذنه من عند ذلك التاجر « المروج».
ازداد ألمي اتساعاً وحزني حرقةً وأسفاً على فلذة كبدي على التربية التي غرستها في ذلك الطفل.. وأخذت أتساءل:
- أهذا كلام وفعل يصدر من طفل لوالده؟ أهذا ما سأزرعه في أطفالي! فيا ترى ماذا سأحصد غداً؟
وبدون سابق إنذار اتخذت القرار وعقدت العزيمة الصادقة........ قلت لزوجتي بصوت تخنقه العبرة الدامعة:
- أنا رايح أتعالج.. خلاص تعبت.. أنا رايح المستشفى.. ولكن ما عندي فلوس المواصلات.
نهضت زوجتي واقفة أمامي ودموعها تسابق ضحكاتها من وقع سمع الخبر... وقالت وهي تمسح دموعها:
- بس.. حق المواصلات.. ابشر ذحين اجيبه.
ذهبت مسرعة إلى جارتها وطرقت عليها الباب طرقات قوية سمعتها وأنا في حجرتي وقالت لها:
- أبشرك ابو عيالي رايح يتعالج.. وراح يبطل من البلاوي إلى يشربها... بس أبغي حق مشواره للمستشفى... خلاص ابشرك زوجي بيروح المستشفى.
زاد ذلك الموقف من جراحي وانغرس باقي الرمح في قلبي. ألهذا الحد لا تملك تلك الريالات وتذهب لاستجدائها من جارتها؟
ذهبت إلى مستشفى الأمل المتخصص في علاج الإدمان.. تحديت نفسي.. واجهت ألمي.. مسحت دموعي.. ظللت في المستشفى ما يقارب السنتين، أحسست بالألم... شعرت بالأوجاع في أيام عشتها في حياتي الخالية.. وأيامي الخاوية حيث كنت أعيش في هذه الدنيا كجسد خاو بلا روح...
وبعد خروجي من الأمل... أبصرت الأمل... عشت الأمل... ذقت طعم الحياة الكريمة... أدركت قيمة الإنسانية... أيقنت معنى أن تكون زوجاً... استشعرت كلمة أب...
والآن سخّرت نفسي في مساعدة كل من وقع في شرك تلك السموم وانغمس في وحلها وأفتح لهم قلبي قبل يدي حيث أصبحت أعمل مرشداً للتعافي في مستشفى الأمل....... أصبحت فخوراً بكل من حولي... وكل من حولي فخورون بي.
- فين وديتها أحنا من الصباح مراقبينكم وشفنا كل شي.. فينها خرجها..
واجتهدوا يبحثون في كل مكان حولنا ولم يجدوها وبعدها تركونا ومضوا، ظننت أن أديب ألقى بها من يده.... (لأنني وضعتها في يده عندما تمت مداهمتنا)..... أو أن أحد أفراد المكافحة الذي قام بتفتيش أديب وجدها وأراد أن يعفو عنا رأفة بأديب وإحساسه بالألم لما رآه من تعذيب للطفولة وإقحامها في هذا الفعل الخالي من أدنى مشاعر الإنسانية... في طريقي إلى المنزل لم أتفوه بكلمة واحدة لأديب ولم يدر في خلدي سوى كلمات ذلك الرجل من أفراد المكافحة التي يقع صداها في قلبي وتجلجل داخل صدري قبل أن تدوي في أذني:
- حرام عليك.. حرام عليك.. اتق الله.. خاف الله.. حرام عليك مو علشانك علشان الولد الصغير هذا.. حرام عليك.. حرام عليك.
وصلنا إلى المنزل وأنا في غاية الانكسار وقمة الهم، تعجبت زوجتي من دخولي الساكن الذي لم تعتده وعندما سألت أديب أجابها بعبارات تعتريها طفولة معذبة:
- مسكونا اليوم الحكومة وفتشونا.
وما هي إلا لحظات وأنا في حالتي تلك إذا بأديب من خلفي وأنا جالس ويطبطب على كتفي ويقول:
- خذ يا بويه.. من يأخذها مني؟.. أنا كنت ماسك عليها بيدي بقوة وما أحد شافها؟.. أنا ولدك.. خذ روق يا بويه.. خذ الدواء حقك... ولا تزعل أنا ما خليتهم يأخذوها.. علشان لا تزعل ما أخذوها شوفها معي..... لا تزعل.
ومد بيده الكيس المملوء بالهيرويين الذي أخذنه من عند ذلك التاجر « المروج».
ازداد ألمي اتساعاً وحزني حرقةً وأسفاً على فلذة كبدي على التربية التي غرستها في ذلك الطفل.. وأخذت أتساءل:
- أهذا كلام وفعل يصدر من طفل لوالده؟ أهذا ما سأزرعه في أطفالي! فيا ترى ماذا سأحصد غداً؟
وبدون سابق إنذار اتخذت القرار وعقدت العزيمة الصادقة........ قلت لزوجتي بصوت تخنقه العبرة الدامعة:
- أنا رايح أتعالج.. خلاص تعبت.. أنا رايح المستشفى.. ولكن ما عندي فلوس المواصلات.
نهضت زوجتي واقفة أمامي ودموعها تسابق ضحكاتها من وقع سمع الخبر... وقالت وهي تمسح دموعها:
- بس.. حق المواصلات.. ابشر ذحين اجيبه.
ذهبت مسرعة إلى جارتها وطرقت عليها الباب طرقات قوية سمعتها وأنا في حجرتي وقالت لها:
- أبشرك ابو عيالي رايح يتعالج.. وراح يبطل من البلاوي إلى يشربها... بس أبغي حق مشواره للمستشفى... خلاص ابشرك زوجي بيروح المستشفى.
زاد ذلك الموقف من جراحي وانغرس باقي الرمح في قلبي. ألهذا الحد لا تملك تلك الريالات وتذهب لاستجدائها من جارتها؟
ذهبت إلى مستشفى الأمل المتخصص في علاج الإدمان.. تحديت نفسي.. واجهت ألمي.. مسحت دموعي.. ظللت في المستشفى ما يقارب السنتين، أحسست بالألم... شعرت بالأوجاع في أيام عشتها في حياتي الخالية.. وأيامي الخاوية حيث كنت أعيش في هذه الدنيا كجسد خاو بلا روح...
وبعد خروجي من الأمل... أبصرت الأمل... عشت الأمل... ذقت طعم الحياة الكريمة... أدركت قيمة الإنسانية... أيقنت معنى أن تكون زوجاً... استشعرت كلمة أب...
والآن سخّرت نفسي في مساعدة كل من وقع في شرك تلك السموم وانغمس في وحلها وأفتح لهم قلبي قبل يدي حيث أصبحت أعمل مرشداً للتعافي في مستشفى الأمل....... أصبحت فخوراً بكل من حولي... وكل من حولي فخورون بي.
Page 6
وقفة...!!!
أدمن المسحوق الأبيض؛ كان نديمه الذي يجالسه ويأنس لوحدته، ولكن وحدته تلك أصبحت تنغص وينتابها الكدر من زوجته التي لا تتوانى ولا تكل في كل الأوقات من أطراف النهار وأناء الليل وهي تتوسل إليه وتدعوه أن يدع هذا السم القاتل وأن ينجو بنفسه، ولكن محاولتها فشلت في إخراجه منه في حين نجح في إدخالها عالمه بطرائق خبيثه وجعلها مدمنة هيرويين وأصبحا في عالم مشترك... ذات ليلة وكانا في غمرة نشوتهما وفي أوج تعاطيهما إذ بطفلهما الذي لم يتجاوز السبعة أشهر تنتابه نوبة من البكاء وموجات من الصراخ التي كانت بمثابة الكابوس الذي يهدد تلك النشوة والطريق الذي سيخرجهما منها، ولكنهما توصلا إلى حل يدخل الجميع في عالم واحد وتعاونا على إعداد إبرة مخدرة وبكل وحشية وبعد أن نزعا رداء العطف من قلبيهما غرسا تلك الابرة في جسم الطفولة البريئة من اجل إسكاتها لكي لا تضيع فرصة الفوز بسراب النشوة التي يطمحان إليها.....
Page 7
لاعب المقابر!
سبعة وعشرون عاماً عمر الألم.. سبعة وعشرون عاماً زمن العذاب... سبعة وعشرون عاماً حياة الضياع... سبعة وعشرون عاماً نزف للجراح... سبعة وعشرون عاماً مقدار موت الإنسانية... سبعة وعشرون عاماً حبيس الإدمان... نعم.. إنها سبعة وعشرون عاماً قضيتها في تعاطي المخدرات والمسكرات عشتها متنقلاً في دهاليزها المشعة بالظلام التي كانت مرتعاً خصباً لحياة قذرة... كنت الفتى المدلل في محيط أسرتي حيث أنني آخر العنقود لثلاثة من الأولاد واثنتين من البنات وكان الفرق العمري بيني وبين أخي الذي يكبرني مباشرة ما يقارب التسع سنوات... من هذا الباب سوف أدخل إلى معاناتي وأسرد قصتي، إن الفرق العمري الكبير بيني وبين أخوتي كان له دور في تشكيل مسار حياتي، عند بلوغي سن التاسعة كان والدي على قيد الحياة ولكن التربية والسلطة الفعلية كان زمامهما في يد أخي الاكبر احمد الذي كان عمره وقتئذ ما يقارب العشرين عاماً، وبحكم كبر سن والدي لم يكن يقدم لي التوجيه والنصح والإرشاد او حتى العقاب وكل ما كان يقدمه الحماية من إخوتي إذا أراد أحد منهم التعدي علي لفظاً أو فعلاً حتى لو كنت قد ارتكبت خطأً يتفق الجميع فيه على استحقاقي العقاب.تجاوز والدي السبعين من عمره ووالدتي تصغره بسنوات يسيرة، هي الأخرى نهجت نهج ابي كانت تقوم بالمهمة نفسها في غياب والدي وهي الحماية ولكنها قد تتنصل من مهمتها وتتحول إلى الشتم والعقاب البدني أحياناً حيث أنها كانت تضرب وبقسوة بالغة وتوبخني اذا ارتكبت ما يستحق العقاب ولكنها كانت لا تفرق في المقدار الذي أستحقه من عقاب جراء ما فعلت حيث كانت تضربني ضرباً مبرّحاً ولا تهدأ إلا عندما تسيل قطرات دمائي حينها تشعر أنها بالغت في ضربي وبعدها تتوقف وتجتهد في المحاولات الجادة لوقف هذا النزف بالكثير من الدلال وتقديم الهدايا والعطايا من أجل إرضائي... عشت طفولة ممزوجة بدلال مفرط ونقيضه في الوقت نفسه بالعقاب الجائر! ولكن يغلب الدلال المفرط من قبل جميع أفراد أسرتي إلا من أخي احمد الذي عهد اليه والدي في دور الأب وتدبر شأني وذلك تبعاً للظروف التي سقتها آنفاً.. ظهرت بوادر العدوانية منذ نعومة أظفاري على شخصيتي، وايضاً أحببت السيطرة والتملك، ونمّت أسرتي ذلك بطرائق غير مباشرة.. كنت أتعدى بالضرب المبرّح على رفقاء صفي وأبناء الحي الذي نقطنه وأستغل من هم أضعف مني قوة وأصغر سناً وأقل حيلة لكي أظهر بطولتي على أجسادهم مما كون لي قاعدة عدوانية بين المحيطين وبمناصرة خفية من أسرتي، فعندما كان احد من أولياء أمور الأطفال الذين أقوم بالاعتداء عليهم يشكوني تكون حجتهم التي يصرخ بها في وجه الشاكي « بأنهم أطفال ولا يؤخذ على تصرفاتهم» مما منحني التصريح المبطن والضوء الأخضر الذي لا يطفأ بأن أفعل ما يجول في داخلي وبأن أشهر هذا التصريح وأنطلق من مفهومه مع من يوبخني أو ينتقدني، ولد ذلك داخلي الأعذار المسبقة لكل ما أقوم به تجاه الآخرين.. عندما بلغت الثالثة عشرة من عمري استهوتني هواية غريبة ذات طابع وحشي كنت استمتع عندما أمارسها وأحرص على مواظبتها.. تعطيني النشوة التي أبحث عنها في أعماقي، إنها هواية القتل...... نعم القتل... فقد كنت أبحث عن القططة وأقوم بقتلها وبعد ذلك أربطها بحبل غليظ وأجرها بدراجتي وأجول بها في ممرات الحارة وطرقاتها وهذه رسالة واضحة وصريحة لكل أقراني بأن هذا مصير كل من تسول له نفسه التفكير في التعدي عليّ أو النيل منّي، لا أقوم بقتل القططة وتصفيتها فحسب، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى التمثيل والتنكيل بها ولا أتوقف عن ممارسة تلك الهواية إلا بعد أن أقضي على القط العاشر يومياً والعاشر هنا ليس مجازاً بل إني أقوم بعدها إلى أن أصل إلى نهاية مغامرتي عندما أنكل بالقط العاشر.. تطورت تلك النزعات فأصبحت المطوة (سكين صغيرحاد) رفيقة دربي ولم يتجاوز حينها عمري الرابعة عشرة فقد كنت أشهرها في وجه كل ما لا يروقني شكله أو كلامه أو حتى لمجرد أنه لا يروقني!!! ويتعدى الإشهار إلى الاستخدام أحياناً كثيرة وأمررها على أجساد الضحايا الذين أنتقيهم لأسطر بطولاتي على جلودهم البريئة... وفي تلك المرحلة من عمري انفتح باب الضياع ومهد طريق الشتات بسفر أخي أحمد إلى الدراسة في الخارج لإكمال دراساته العليا وبهذا حُلت القيود التي كانت تحد نوعاً ما من رغبتي الجامحة في الانطلاق نحو الدمار... كانت تتردد على مسامعي قواعد كثيرة من أهل الضياع وأصحاب الإجرام وبعض الأمثال التي تستخدم في هذه (الأوساط) المنحلة ولكن المقولة التي استوقفتني كثيراً وأعجبت بفلسفتها العميقة مقولة معناها (إن تعاطي الكحول لايصح إلا للأقوياء فقط) وبهذه العبارات المزيفة والمضللة أحببت خوض غمار هذه التجربة وفعلاً سنحت لي فرصة أن أتعاطى الكحول وأحسست أنني وجدت ضالتي فإنها تعزز من مكانتي في هذا الوحل وكان ذلك وهماً حقيقياً لم يتضح لي إلا فيما بعد!!! قطعت شوطاً طويلاً في التعاطي، ومن ثم تطورت مرحلة التعاطي فأصبحت أقوم «بالتصنيع» لأزيد من دخلي المادي ولكني في حقيقة الأمر وفي أعماق نفسي كنت أرغب في أن أزيد وأعزز من مكانتي وأرتقي في هذا الوسط البائس ومع هذا التحول فإنه لابد من تغيير جميع المقومات والمهارات التي كانت في المرحلة السابقة التي كنت أعتبرها مرحلة بدائية، استبدلت الأداة التي كنت استخدمها في الاعتداء على الآخرين من السكين إلى حمل السلاح (المسدس) فقد كان رفيقي الوحيد دائماً حتى وأنا في سكرتي!!! وتطورت حتى هواياتي فقد تخليت عن قتل القططة واتجهت إلى التفنن في هذه الهواية وبدأت تنميتها حيث أصبحت أتعامل مع حيوانات أكبر فكنت أقوم بربط الحمير التي كانت منتشرة في الأحياء في تلك الحقبة الماضية من الزمن... لا أقتلها، بل كي أتلذذ باختراع الأساليب التعذيبية التي أمارسها ومن تلك الأساليب الوحشية كنت أقوم بإدخال عصا طويلة وغليظه في أذنيها وخطمها، وتعدى ذلك إلى الأماكن الحساسة لدى تلك الحيوانات التي كان من بينها الكلاب أيضاً... ولابد مع كل هذه المقومات التي أسعى جاهداً لصقلها وتنميتها في شخصي أن أعيش حياة الرجال.. حياة الأقوياء « كما يعتقد مدمنو المخدرات» وهذه الحياة لا يعزز من قيمتها إلا السجون خلف القضبان وفعلاً اكتملت رجولتي وقوتي ودخلت السجن وأنا في السابعة عشرة من عمري بتهمة تصنيع المسكرات وترويجها وأصابتني خيبة أمل عندما أودعت في البداية مكاناً غير الذي كنت أصبو إليه، لم أودع السجن العام بل أودعت دار الملاحظة الاجتماعية لصغر سني، تكيفت مع هذا الوضع وسيطرت على من هم في تلك الدار وأصبحت الزعيم وبعد بلوغي السن القانونية تم تحويلي إلى السجن.. ذهلت فلقد رأيت أناساً لهم هيبة حقيقة ولهم سجل حافل بالإنجازات الإجرامية وأحسست بأنني سوف أفقد هيبتي وغطرستي التي كنت أتصنعها وأبحث عنها بين رفاقي والتي صنعتها قبل أن يزج بي وسط هذه العلامات الفارقة في الإجرام.. ولكنني أخذت بالتقرب شيئاً فشيئاً من تلك الزعامات «الفارغة والزائفة» داخل السجن إلى أن أصبح لي مكانة مرموقة حتى داخل السجن واستغللت وجودي في هذا المكان لمد جسور التواصل وعقد الصداقات التي سوف تزيد من شخصيتي عند الخروج إلى سجني الآخر... سجن الإدمان!
Page 8
توفي والداي وأنا في العشرين من عمري تقريباً.. علمت أنهما توفيا كلّ في حينه... ولكنني لم أشعر وأحس بفقدهم وفراقهم إلا بعد تسعة عشر عاماً من وفاتهما.. حضرت مراسم العزاء... كان حضور جسد بلا روح فلقد كنت في غيابي الإنساني وضياعي العقلي.. كنت أتلقى التعازي بوفاتهما وأنا في نشوة إدماني.. أحسست وقتئذ بأن من معي يتلقى العزاء والمواساة في وفاة والديّ أما أنا فكنت أتلقى العزاء في نفسي لما كان ظاهرًا علي من آثار الإدمان! زادت مشاكلي مع إخوتي وأقاربي ومع من حولي... والأهم زادت مشاكلي حتى مع نفسي وكانت تختلف في مضمونها حتى أنها تصل إلى حد التهديد بالقتل لهم وعلى مرأى من جميع أفراد الأسرة سواء أكانوا رجالاً أم نساءً وحتى أطفالاً ومن تلك المواقف الدامية وعلى سبيل المثال لا الحصر... في أحد الأيام كنت في حالة «سكر» حتى الثمالة، ذهبت إلى أخي سالم لطلب بعض المال ولكنه رفض أن يعطيني وفي أثناء المشادة بيننا اقتحمت حرمة بيت أخي ودخلت غرفة جلوسهم واختطفت أصغر أبنائه من حجر أمه اختلعته من الأمان وأودعته كهف الخوف، وضعته بين يدي وكان عمره سنتين تقريباً وأخرجت سكيني الحادة من جيبي وشددت الطفل بكل قسوة إلى صدري ووضعت تلك السكين على رقبة الطفل وهددت أخي إذا لم يعطني المال سوف أجعل السكينه تأخذ دورتها وأفصل تلك الرقبة عن بقية الجسد وسوف أذبحه كما تذبح الشاة.. أصاب الذهول أخي لأنه يرى انهيار الإنسانية بل إنه يشهد موتها.... أغمي على زوجته من كثرة الصراخ والتوسل، وبكاء إخوته كان يدوي في جميع الاتجاهات، لم آبه لذلك بل مررت تلك السكينة بطريقة خفيفة حتى جرحت رقبة الطفل وسال الدم من رقبته ومع سقوط قطرات الدم سقط أخي أيضاً مغشياً عليه بعدها صرخت بأعلى نبرات صوتي وكأنه زئير أسد انقضّ على فريسته أجبرت ابن أخي الأكبر بأن يتحرك إلى جيب أبيه ويخرج محفظة النقود ويعطيني ما بداخلها واختطفت النقود وذهبت مسرعاً بعد أن رميت بجسد ابن أخي وتركته مضرجَاً بدمائه بين دموعه... لم أبال بكل المشاهد المحزنة والمآسي التي سببتها في بيت أخي ولم تتحرك مشاعري بل أحسست أنني بلا مشاعر لم أهتم بما آل إليه مصير هذه العائلة بل تركتهم جميعاً يواجهون طعناتي وظفرت بغنيمتي التي سلبتها من قوتهم وحقوقهم.
قطع أخي أحمد دراساته العليا وأمات طموحه وتوقف عن الاستمرار في حلمه.. والحقيقة أنا من فعل كل ذلك به، لأن تلك المشاكل تجاوزت كل الحدود فقرر إخوتي أن يضعوا حداً وحلاً لهذه الخروقات والتعديات وكان مخرجهم وحلهم اللذان أجمعوا عليهما وقتئذ أن أستقل بنفسي وأسكن بمفردي في أحد المنازل التي ورثها والدي، وبهذا فقد وجدوا طريقاً للخلاص من مشاكلي ووجدت الطريق الممهدة في مسيرة ضياعي.. ومن بعدها أصبح مسكني أشبه بمصنع يخرج كل ماهو قذر ورذيل للمجتمع.. تحول المسكن إلى مرتع للضالين ومتنفس للمفسدين.. حيث كان مشروعاً لصناعة الخمور.. ومستودعاً لكل أنواع المخدرات.. ومركزاً لبيع السموم... ووكراً يبث كل الشرور.
زادت وحشيتي.. انعدمت انسانيتي كنت كثير المشاجرة مع محيطي لكي أعزز من هيبتي ومكانتي كنت أضرب من يقع في يدي بكل فظاظة وبلا رحمة أوشفقة وفي نهاية كل جولة من الضرب لابد من أن أضع على ضحيتي وصمة مميزة أو علامة فارقة أو عاهة مستديمة لكي يعاير بها وتكون رسالة تحذير قوية لمن يريد أن يفكر.. مجرد التفكير فقط أن يتعدى على شخصي.. ومن تلك العلامات الكسر في أحد الأطراف ولابد أن يكون الكسر مضاعفاً وأيضاً التشريط بالسكين في مناطق واضحة على الوجه ويكون غائراً في الجلد، وإذا لم يكن هناك علامات فارقة في الضحية كنت أكتفي بأن يكون الأسلوب في الضرب هو ما يميز فريستي ويتم تركي للضحية التي أقوم بضربها بعد ظهور علامات تشعرني بالانتصار ومنها أن يتغير جميع ما يرتديه إلى اللون الأحمر ويكون هو اللون السائد على مظهره أو يدخل في حالة إغماء ويفقد الوعي من شدة الضرب.
هذه حياتي.. شرب مسكرات.. تعاطي مخدرات.. ضرب أبرياء.. اغتصاب حرمات.. معذرةً.. فإن لم أتطرق إلى الاغتصاب وهذا حفاظاً على مشاعر من يقرأ هذه الأسطر لما كان فيها من انعدام للإنسانية وخدش صريح وواضح للحياء ولكنني أشير فقط... أنه في جلساتنا في الليالي الحمراء كان يوجد معنا الكثير من النساء المنحرفات اللواتي دنسن طهارتهن.. وأضعن أنوثتهن.. ونزعن شرفهن جراء دخولهن هذا العالم.. عالم الانحلال.. كنا نمارس الجنس معهن.. كلٌّ له أهداف من تلك الممارسة! ولكنني كنت أعشق ممارسة الجنس مع من تكون عفيفة وغافلة عنه وكنت أتصيدهن تحت تهديد السلاح والضرب، ذات يوم كنت أجول مع أحد الأصدقاء في منتصف الليل وإذا بسيارة أجرة تسير أمامنا وفي المقعد الخلفي تقبع سيدة بكامل حجابها الشرعي، أشرت إلى صديقي بأن هذا هو صيد اليوم وأن الفريسة حاضرة لصيدها وأحكمت الخطة التي سوف ننال منها مرادنا وكانت تتمثل في كمين محكم لهذة السيارة ولمعرفتي بجميع الطرق والممرات في ذلك الحي وبطريقة معينة ودون أن يشعر سائق الأجرة جعلته يسلك طريقاً كان مغلقاً في نهايته ولابد لمن يرتاده أن يرجع أدراجه من حيث أتى.. استمررنا في السير خلفه إلى أن سلك هذا الطريق وكان ممراً ضيقاً جداً وجميع البيوت الملاصقة لهذا الممر من البيوت الشعبية القديمة وعند نهايته توقف سائق الأجرة لكي يرجع إلى الخلف من أجل الخروج من هذا الممر إذ دخل فيه خطأً كما يعتقد!!! لكننا وبسرعة أوقفنا سيارتنا خلفه وبذلك منعناه من الرجوع وبحركة سريعة اتجهت نحوها وأسرع صديقي إلى السائق ليتولى أمره وأشهرت مسدسي وغرزته في رقبة تلك السيدة مع وضع يدي الأخرى بقوة شديدة على فمها لأمنعها من الصراخ.. وفعلاً جرى ما كنا نصبو إليه واقتدت الأسيرة التي أصبحت أشبه بالغنيمة بعد الفوز في الحروب الطاحنة إلى مسكني أو فلتقل إلى مستنقع الرذيلة وعندما دخلنا غرفة الجلوس كان هناك أحد أصدقائي وكانت السيدة ملففة بسوادها وهي منذ البداية لم تتوقف عن البكاء والتوسل، كان بكاؤها يذرف دموع العفة وصرخاتها تطلق حروف الحشمة كانت شديدة الحرص على أن لايظهر جزء من جلدها الطاهر ولكن بكاءها وتوسلها لايجدان الصدى الحقيقي إلا عند من يحملون بين ثناياهم قلب إنسان.. أما أنا فكان الوحش الكاسر سيد أعماقي.. فوجئ صديقنا الذي كان في انتظارنا من هول ما رأى، أخبرني عندما انزوى معي في إحدى الغرف وقال لي:
- أنت ايش سويت.. مالقيت الا هذي البنت... هذي بنت جيرانا.. أنا فتشت شنطتها وشفت إثبات هويتها هذي أخت سامي صديقنا.. عيب عليك.
... اندهشت من ذلك وقلت له:
- معقول هذي!! أخت سامي صديقنا!! من جد طلعت ما افهم.. من جد عيب عليه... عيب عليه.. عيب... عيب...
قطع أخي أحمد دراساته العليا وأمات طموحه وتوقف عن الاستمرار في حلمه.. والحقيقة أنا من فعل كل ذلك به، لأن تلك المشاكل تجاوزت كل الحدود فقرر إخوتي أن يضعوا حداً وحلاً لهذه الخروقات والتعديات وكان مخرجهم وحلهم اللذان أجمعوا عليهما وقتئذ أن أستقل بنفسي وأسكن بمفردي في أحد المنازل التي ورثها والدي، وبهذا فقد وجدوا طريقاً للخلاص من مشاكلي ووجدت الطريق الممهدة في مسيرة ضياعي.. ومن بعدها أصبح مسكني أشبه بمصنع يخرج كل ماهو قذر ورذيل للمجتمع.. تحول المسكن إلى مرتع للضالين ومتنفس للمفسدين.. حيث كان مشروعاً لصناعة الخمور.. ومستودعاً لكل أنواع المخدرات.. ومركزاً لبيع السموم... ووكراً يبث كل الشرور.
زادت وحشيتي.. انعدمت انسانيتي كنت كثير المشاجرة مع محيطي لكي أعزز من هيبتي ومكانتي كنت أضرب من يقع في يدي بكل فظاظة وبلا رحمة أوشفقة وفي نهاية كل جولة من الضرب لابد من أن أضع على ضحيتي وصمة مميزة أو علامة فارقة أو عاهة مستديمة لكي يعاير بها وتكون رسالة تحذير قوية لمن يريد أن يفكر.. مجرد التفكير فقط أن يتعدى على شخصي.. ومن تلك العلامات الكسر في أحد الأطراف ولابد أن يكون الكسر مضاعفاً وأيضاً التشريط بالسكين في مناطق واضحة على الوجه ويكون غائراً في الجلد، وإذا لم يكن هناك علامات فارقة في الضحية كنت أكتفي بأن يكون الأسلوب في الضرب هو ما يميز فريستي ويتم تركي للضحية التي أقوم بضربها بعد ظهور علامات تشعرني بالانتصار ومنها أن يتغير جميع ما يرتديه إلى اللون الأحمر ويكون هو اللون السائد على مظهره أو يدخل في حالة إغماء ويفقد الوعي من شدة الضرب.
هذه حياتي.. شرب مسكرات.. تعاطي مخدرات.. ضرب أبرياء.. اغتصاب حرمات.. معذرةً.. فإن لم أتطرق إلى الاغتصاب وهذا حفاظاً على مشاعر من يقرأ هذه الأسطر لما كان فيها من انعدام للإنسانية وخدش صريح وواضح للحياء ولكنني أشير فقط... أنه في جلساتنا في الليالي الحمراء كان يوجد معنا الكثير من النساء المنحرفات اللواتي دنسن طهارتهن.. وأضعن أنوثتهن.. ونزعن شرفهن جراء دخولهن هذا العالم.. عالم الانحلال.. كنا نمارس الجنس معهن.. كلٌّ له أهداف من تلك الممارسة! ولكنني كنت أعشق ممارسة الجنس مع من تكون عفيفة وغافلة عنه وكنت أتصيدهن تحت تهديد السلاح والضرب، ذات يوم كنت أجول مع أحد الأصدقاء في منتصف الليل وإذا بسيارة أجرة تسير أمامنا وفي المقعد الخلفي تقبع سيدة بكامل حجابها الشرعي، أشرت إلى صديقي بأن هذا هو صيد اليوم وأن الفريسة حاضرة لصيدها وأحكمت الخطة التي سوف ننال منها مرادنا وكانت تتمثل في كمين محكم لهذة السيارة ولمعرفتي بجميع الطرق والممرات في ذلك الحي وبطريقة معينة ودون أن يشعر سائق الأجرة جعلته يسلك طريقاً كان مغلقاً في نهايته ولابد لمن يرتاده أن يرجع أدراجه من حيث أتى.. استمررنا في السير خلفه إلى أن سلك هذا الطريق وكان ممراً ضيقاً جداً وجميع البيوت الملاصقة لهذا الممر من البيوت الشعبية القديمة وعند نهايته توقف سائق الأجرة لكي يرجع إلى الخلف من أجل الخروج من هذا الممر إذ دخل فيه خطأً كما يعتقد!!! لكننا وبسرعة أوقفنا سيارتنا خلفه وبذلك منعناه من الرجوع وبحركة سريعة اتجهت نحوها وأسرع صديقي إلى السائق ليتولى أمره وأشهرت مسدسي وغرزته في رقبة تلك السيدة مع وضع يدي الأخرى بقوة شديدة على فمها لأمنعها من الصراخ.. وفعلاً جرى ما كنا نصبو إليه واقتدت الأسيرة التي أصبحت أشبه بالغنيمة بعد الفوز في الحروب الطاحنة إلى مسكني أو فلتقل إلى مستنقع الرذيلة وعندما دخلنا غرفة الجلوس كان هناك أحد أصدقائي وكانت السيدة ملففة بسوادها وهي منذ البداية لم تتوقف عن البكاء والتوسل، كان بكاؤها يذرف دموع العفة وصرخاتها تطلق حروف الحشمة كانت شديدة الحرص على أن لايظهر جزء من جلدها الطاهر ولكن بكاءها وتوسلها لايجدان الصدى الحقيقي إلا عند من يحملون بين ثناياهم قلب إنسان.. أما أنا فكان الوحش الكاسر سيد أعماقي.. فوجئ صديقنا الذي كان في انتظارنا من هول ما رأى، أخبرني عندما انزوى معي في إحدى الغرف وقال لي:
- أنت ايش سويت.. مالقيت الا هذي البنت... هذي بنت جيرانا.. أنا فتشت شنطتها وشفت إثبات هويتها هذي أخت سامي صديقنا.. عيب عليك.
... اندهشت من ذلك وقلت له:
- معقول هذي!! أخت سامي صديقنا!! من جد طلعت ما افهم.. من جد عيب عليه... عيب عليه.. عيب... عيب...
Page 9
ذكرت ذلك لأبين المقياس الأوحد في حياتي الذي يغلب على تصرفاتي هو العيب، ولكن ليس الذي يتعارف عليه جميع أفراد المجتمع والسائد بينهم وإنما العيب الذي هو عرف بين أوساط المدمنين، لم يكن للحلال والحرام مقاييس أو اعتبارات في تصرفاتي.. بعد أن انتهينا من الحديث، صديقي وأنا، توجهت إلى غرفة الجلوس وأمرت الفتاة بارتداء حجابها الذي خدشنا حياءه، وأجبرت صديقي بأن يوصلها إلى منزلها لنصلح العيب الذي اقترفته في حق صديقنا وسميرنا!!!.
هناك الكثير من الوقائع وأحداث الاغتصاب والإكراه ولم يكن ينجو منها إلا من ينالها منحة عيب.. عيب نحن من نحدد معالمه في ظل مفاهيم الضياع!
كان لدي طقوس غريبة كنت أهوى تعاطي المسكرات خصوصاً في المقابر المهجورة البعيدة عن الأحياء وألح على أصدقائي في التردد إليها.. كنت أقوم بنبش القبور القديمة وأبعثرها.. أرفع الجثث منها وكانت المتعة الحقيقية تكمن في أن أبحث عن جماجم الموتى وألعب بها كرة قدم مع أصدقائي ونحن في أشد حالات سكرتنا!!! كان هناك قاسم مشترك بيني وبين من ألعب بجماجمهم وقد قضوا نحبهم ونزلت بهم صرعة الموت... هو الفراق... هم فارقوا الحياة وأنا فارقت انسانيتي.
دخلت السجن مرات ومرات بجرائم متعددة... ووحشية واحده... كنت أحس بنوع من الغربة خارج السجن!! كانت تنتابني لحظات الحنين إلى السجن وقد دخلت مستشفيات الأمل أكثر من عشر مرات وكانت أهدافي خفية وراء هذا الدخول لم يكن في أجندتي العلاج من هذه السموم... لم يكن التعافي من المخدرات في حسباني، لم يسطر مصطلحا التعافي والعلاج في قاموسي.
وفي ليلة كلها غيوم تطغى عليها الهموم... ليلة ظلماً في نورها ولكنني أحسست بأنها ذات أنوار مشعة لأنها كانت التحول في مسار حياتي، وجدت نفسي في الشارع.. وحتى الشارع لو لديه مقدرة لطردني منه..... أصبت بجلطة قوية في قدمي اليمنى نتيجة جرعة زائدة من مادة الهيرويين المخدر... كنت برفقة من أدخلتهم حياتي عبر بوابة الصداقة التي تشرع لمن يشاركني في نشوتي في هذا العالم، أغمي عليّ وشكوا بأنه حل أصدق المواعيد وفارقت الحياة ولخوفهم من الملاحقة القانونية قذفوا بي إلى قارعة الطريق، أخذت أصيح من الألم وأصرخ في من كنت أظنهم أصدقائي..
- أنا الزعيم.. أنا الزعيم..
لم تحرك صعقاتي فيهم ساكناً، ولم يجب عن آهات صرخاتي تلك إلا صدى حروفي التي أطلقتها.. أيقنت أن هؤلاء هم أصحاب أنفسهم فقط.. هم أصدقاء مزاجهم الواهم.. هم رفقاء إدمانهم.. وأنني في وسط أشبه بالغابة الملأى بالوحوش المفترسة ينهش بعضها بعضاً ولكن الفرق في الغابة أن مصدر هذة الوحشية لأجل أن تأكل لتعيش أما هؤلاء فإن وحشيتهم من أجل الحصول على المخدر ليموتوا!!!... أخذت أفكر إلى أين أذهب؟ والى أيّ مكان أقصد؟ وأنا أصارع حيرتي من جهة وألمي من جهة أخرى.. لم أرَ أمامي إلا مستشفى الأمل.. أخذت أسير تارة وأزحف تارة إلى أن وصلت قرب مدخل المستشفى ولم أستطع أن أكمل زحفي فدخلت في حالة إغماء.. صحوت بعد تسعة أيام «عرفت ذلك لاحقاً» صحوت وأنا على سرير ابيض انتابتني مشاعر غريبة.. اعترتني أحاسيس عجيبة وأنا على سريري في مستشفى الأمل.. أحسست أنني على سرير التعافي.. وأنني في بداية حياة جديدة من هذا المكان.. مستشفى الأمل الذي أضاء شمعة حياتي التي أطفأتها المخدرات والذي له بعد الله سبحانه وتعالى الفضل في عودتي إلى طريق الحق والصواب وإظهار إنسانيتي التي أخفى معالمها الإدمان.. جاءتني رسائل وجدانية وهتافات داخلية وأصوات عالية أكملت برنامج علاجي الذي استمر أكثر من سنة.. لماذا مكثت كل هذه المدة في المستشفى؟ تساءلت مراراً، لكنني أيقنت بأنها إرادة الخالق لكي أرجع إلى الطريق الصحيح والسلوك القويم... لم أعرف في حياتي فيما سبق عن رمضان إلا أنه يقلب يوميات الناس رأساً على عقب.. ينامون صباحاً ويسهرون مساءً وتختلف أوقات وجباتهم إضافة إلى امتياز تلك الوجبات ببعض المأكولات والمشروبات، هذا ما كنت أعرفه عن ذلك الشهر الفضيل.. صمت رمضان أول مرة في حياتي وكان عمري وقتئذ تسعاً وثلاثين سنة.. كان الأذان يدوي كل يوم في أذني خلال سني حياتي السابقة والآن أسمع الأذان بقلبي واستشعره بوجداني.. لم أصلّ في حياتي السابقة برغم تعاقب الفصول علي ثماني وثلاثين سنة خلت فريضة واحدة حافظت على صلاتي منذ تلك السنة من صيامي وأحرص على السنن أيضاً.. تغير سلوكي.. استقام خلقي.. بكيت على فراق ولديّ.. ندمت أشد الندم على ما فرطت في حياتي.. تبت توبة نصوحاً.. اتجهت إلى إكمال تعليمي النظامي.. أخذت أعكف على تلاوة القرآن الكريم وحفظه.. أبحرت في تعلم وتشرب شتى العلوم الشرعية.. سلكت طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.. تزوجت زوجة صالحة ومربية أجيال.. أصبحت زوجاً عطوفاً.. وأباً حنوناً.. والأهم أنني أصبحت إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان جميلة.. وخصال حميدة.. وصفات نبيلة.. نعم إنساناً بحق.
هناك الكثير من الوقائع وأحداث الاغتصاب والإكراه ولم يكن ينجو منها إلا من ينالها منحة عيب.. عيب نحن من نحدد معالمه في ظل مفاهيم الضياع!
كان لدي طقوس غريبة كنت أهوى تعاطي المسكرات خصوصاً في المقابر المهجورة البعيدة عن الأحياء وألح على أصدقائي في التردد إليها.. كنت أقوم بنبش القبور القديمة وأبعثرها.. أرفع الجثث منها وكانت المتعة الحقيقية تكمن في أن أبحث عن جماجم الموتى وألعب بها كرة قدم مع أصدقائي ونحن في أشد حالات سكرتنا!!! كان هناك قاسم مشترك بيني وبين من ألعب بجماجمهم وقد قضوا نحبهم ونزلت بهم صرعة الموت... هو الفراق... هم فارقوا الحياة وأنا فارقت انسانيتي.
دخلت السجن مرات ومرات بجرائم متعددة... ووحشية واحده... كنت أحس بنوع من الغربة خارج السجن!! كانت تنتابني لحظات الحنين إلى السجن وقد دخلت مستشفيات الأمل أكثر من عشر مرات وكانت أهدافي خفية وراء هذا الدخول لم يكن في أجندتي العلاج من هذه السموم... لم يكن التعافي من المخدرات في حسباني، لم يسطر مصطلحا التعافي والعلاج في قاموسي.
وفي ليلة كلها غيوم تطغى عليها الهموم... ليلة ظلماً في نورها ولكنني أحسست بأنها ذات أنوار مشعة لأنها كانت التحول في مسار حياتي، وجدت نفسي في الشارع.. وحتى الشارع لو لديه مقدرة لطردني منه..... أصبت بجلطة قوية في قدمي اليمنى نتيجة جرعة زائدة من مادة الهيرويين المخدر... كنت برفقة من أدخلتهم حياتي عبر بوابة الصداقة التي تشرع لمن يشاركني في نشوتي في هذا العالم، أغمي عليّ وشكوا بأنه حل أصدق المواعيد وفارقت الحياة ولخوفهم من الملاحقة القانونية قذفوا بي إلى قارعة الطريق، أخذت أصيح من الألم وأصرخ في من كنت أظنهم أصدقائي..
- أنا الزعيم.. أنا الزعيم..
لم تحرك صعقاتي فيهم ساكناً، ولم يجب عن آهات صرخاتي تلك إلا صدى حروفي التي أطلقتها.. أيقنت أن هؤلاء هم أصحاب أنفسهم فقط.. هم أصدقاء مزاجهم الواهم.. هم رفقاء إدمانهم.. وأنني في وسط أشبه بالغابة الملأى بالوحوش المفترسة ينهش بعضها بعضاً ولكن الفرق في الغابة أن مصدر هذة الوحشية لأجل أن تأكل لتعيش أما هؤلاء فإن وحشيتهم من أجل الحصول على المخدر ليموتوا!!!... أخذت أفكر إلى أين أذهب؟ والى أيّ مكان أقصد؟ وأنا أصارع حيرتي من جهة وألمي من جهة أخرى.. لم أرَ أمامي إلا مستشفى الأمل.. أخذت أسير تارة وأزحف تارة إلى أن وصلت قرب مدخل المستشفى ولم أستطع أن أكمل زحفي فدخلت في حالة إغماء.. صحوت بعد تسعة أيام «عرفت ذلك لاحقاً» صحوت وأنا على سرير ابيض انتابتني مشاعر غريبة.. اعترتني أحاسيس عجيبة وأنا على سريري في مستشفى الأمل.. أحسست أنني على سرير التعافي.. وأنني في بداية حياة جديدة من هذا المكان.. مستشفى الأمل الذي أضاء شمعة حياتي التي أطفأتها المخدرات والذي له بعد الله سبحانه وتعالى الفضل في عودتي إلى طريق الحق والصواب وإظهار إنسانيتي التي أخفى معالمها الإدمان.. جاءتني رسائل وجدانية وهتافات داخلية وأصوات عالية أكملت برنامج علاجي الذي استمر أكثر من سنة.. لماذا مكثت كل هذه المدة في المستشفى؟ تساءلت مراراً، لكنني أيقنت بأنها إرادة الخالق لكي أرجع إلى الطريق الصحيح والسلوك القويم... لم أعرف في حياتي فيما سبق عن رمضان إلا أنه يقلب يوميات الناس رأساً على عقب.. ينامون صباحاً ويسهرون مساءً وتختلف أوقات وجباتهم إضافة إلى امتياز تلك الوجبات ببعض المأكولات والمشروبات، هذا ما كنت أعرفه عن ذلك الشهر الفضيل.. صمت رمضان أول مرة في حياتي وكان عمري وقتئذ تسعاً وثلاثين سنة.. كان الأذان يدوي كل يوم في أذني خلال سني حياتي السابقة والآن أسمع الأذان بقلبي واستشعره بوجداني.. لم أصلّ في حياتي السابقة برغم تعاقب الفصول علي ثماني وثلاثين سنة خلت فريضة واحدة حافظت على صلاتي منذ تلك السنة من صيامي وأحرص على السنن أيضاً.. تغير سلوكي.. استقام خلقي.. بكيت على فراق ولديّ.. ندمت أشد الندم على ما فرطت في حياتي.. تبت توبة نصوحاً.. اتجهت إلى إكمال تعليمي النظامي.. أخذت أعكف على تلاوة القرآن الكريم وحفظه.. أبحرت في تعلم وتشرب شتى العلوم الشرعية.. سلكت طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.. تزوجت زوجة صالحة ومربية أجيال.. أصبحت زوجاً عطوفاً.. وأباً حنوناً.. والأهم أنني أصبحت إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان جميلة.. وخصال حميدة.. وصفات نبيلة.. نعم إنساناً بحق.