Page 1
تمهيد
كان الشيخ خليل تقي الدين أحد الوجوه الأدبية والثقافية اللبنانية النيِّرة في زمانه، إذ إنّه تبوّأ مكانة لائقة في عالم الأدب والفكر والقصة والأقصوصة والتاريخ والاجتماع والسياسة والنقد.
ينحدر من أسرة عريقة اشتهرت عبر التاريخ بأنها أنجبت عباقرة ذوي مواهب في مختلف الميادين الأدبية والعسكرية والسياسية والقضائية، كما لعبت دوراً مهماً وفاعلاً في المجتمع عبر رجالاتها الذين نبغوا وبرعوا في جميع المجالات وعلى مختلف الصعد، فكان لهم دورهم الفاعل وحضورهم القوي في الحياة السياسية اللبنانية، وفي سياسة «الجبل» في قضاء الشوف بصورة خاصة، وفي محافظة جبل لبنان بصورة عامة.
خليل تقي الدين واحد من الدبلوماسيين والأدباء العريقين في عالم الأدب والكتابة. كان نجماً ساطعاً له حضوره المميز، وشخصيته الفريدة، صال وجال في عالم الأدب، وحسب ما أمكنته الظروف والأحوال لكي ينصرف بكلّيته إلى عالم أحبّه منذ الصغر فاندفع بكل إمكاناته وطاقاته لكي يجد له مكاناً لائقاً بين أدباء عصره.
الشيخ خليل تقي الدين رجل فذّ لم يوفَّ حقه بالكامل كما يجب أن يوفّى الحق للأعلام المبرّزين، بل إنَّ حقه بقي ناقصاً مهملاً، ونكاد نقول إنّه بقي مغموراً، أو منسيَّاً، رغم اختلاطه وتفاعله مع أعلام عصره، بمختلف ميولهم واتجاهاتهم الأدبية.
أديب متمكِّن، وبحاثة متعمّق، له أبعد الأثر في عالم الأدب. كان جميل المحيا، باسم الطلعة، ذا شخصية محبَّبة، إنساناً خلوقاً، رجلاً غير عادي في المواقف والمبادىء والأسس القويمة، والأخلاق الحسنة.
نشأ في بيت عريق، وحلّق عالياً في سماء الفكر والأدب والدبلوماسية، فكان عصامياً، وإدارياً محنكاً، وإنساناً خلوقاً، وكياناً فريداً، وأخلاقاً رفيعة. عرفته معرفة شخصية في أواخر أيامه، إذ كان يسكن في «حي الوتوات» في بيروت مع زوجته في ذلك الحيّ الهادىء، فكنت أزوره بين الحين والحين، وكنت التقيته مرّة على مدخل إحدى الصحف البيروتية المشهورة. فقلت له: ماذا تفعل هنا يا شيخ خليل؟ فقال لي: مات أحد أصدقائي الذين يعزّون عليَّ كثيراً، وهو من الأدباء المرموقين البارزين. كتبت عنه مقالة، بعد وفاته، لأوفيه حقه في الحياة وأؤدي قسطي نحوه من الإشادة والتعريف والسيرة. وسكت قليلاً عن الكلام وأردف:
ـ سأكتب عن الجميع. ولكن أحداً لن يكتب عني أبداً. أنا أحب الجميع، فهل يحبونني كما أحبهم؟ إنَّ الناس الطيبين لهم مكانة عالية عندي. أهتم بالجميع وأساهم مع الجميع. فهل يحتفظون بالود والمحبة والوفاء كا أشعر نحوهم بالاخلاص؟
تركته بعد قوله هذا الكلام وافترق كل واحد منّا في طريق، وأنا أفكر في هذا الرجل الإنسان الذي أحب الجميع دون استثناء، ومنذ تلك اللحظات توطدت علاقتي بالرجل واستمرّت متجذرة إلى حين وفاته. وبعد، من هو خليل تقي الدين، وما هي سيرة حياته؟
هو خليل بن محمود بن سعيد بن محمود تقي الدين. ولد في «بعقلين» قضاء الشوف، بجبل لبنان، في سنة 1906 م/ 1324 هـ. تلقى علومه الابتدائية في بلدته، ثم التحق بمدرسة «اللاييك» في بيروت، ثم بكلية الحقوق في «جامعة القديس يوسف»، فنال منها شهادة المحاماة في سنة 1926. لم يمارس المحاماة بصورة فعلية بل مارس الدبلوماسية والوظيفة والصحافة. عُيِّن في السنة نفسها ـ سنة تخرّجه ـ كاتباً في مجلس الشيوخ يوم كان عندنا مجلس شيوخ في لبنان، ثم عيِّن مديراً عاماً من الدرجة الأولى في مجلس النواب اللبناني، وعيِّن سفيراً للبنان في سنة 1946، وتدرج منذ هذا التاريخ في السلك الدبلوماسي إلى أن وصل إلى أعلى المراتب في مدارج الدبلوماسية، فكان سفيراً لبلاده في بلدان كثيرة نذكر منها: فنلندا وأسوج ونروج والمكسيك وغواتيمالا والسلفادور وهندوراس ونيكاراغوا وكوستاريكا وجمهورية مصر العربية وليبيا والسودان وتركيا وبريطانيا والاتحاد السو؟ياتي (السابق). وبقي يتنقل من مركز إلى مركز إلى حين تقاعده في سنة 1970، لينصرف بعد ذلك إلى الكتابة في بيته في كنف الجبل، وفي بيته في بيروت. فكان يدبّج المقالات لعدد من الصحف والمجلات اللبنانية، كتب في مجلة «الصياد» وصحيفة «النهار» و«الراصد» و«الجريدة» إلى حين تعاقده مع وزارة الإعلام بصفة مستشار ثقافي في سنة 1982، حيث بقي فيها سنتين، إلى أن انقطع عن العمل نهائياً ملازماً بيته.
وكان يحضر في بعض الأحيان ندوات الأدب والثقافة، فانخرط في جمعية «أهل القلم» في بيروت، وكان ملازماً اجتماعاتها وندواتها الأدبية، كما كان يحاضر في بعض الجمعيات الأدبية عن أمور الثقافة والتوحيد والأديان.
كان الشيخ خليل تقي الدين أحد الوجوه الأدبية والثقافية اللبنانية النيِّرة في زمانه، إذ إنّه تبوّأ مكانة لائقة في عالم الأدب والفكر والقصة والأقصوصة والتاريخ والاجتماع والسياسة والنقد.
ينحدر من أسرة عريقة اشتهرت عبر التاريخ بأنها أنجبت عباقرة ذوي مواهب في مختلف الميادين الأدبية والعسكرية والسياسية والقضائية، كما لعبت دوراً مهماً وفاعلاً في المجتمع عبر رجالاتها الذين نبغوا وبرعوا في جميع المجالات وعلى مختلف الصعد، فكان لهم دورهم الفاعل وحضورهم القوي في الحياة السياسية اللبنانية، وفي سياسة «الجبل» في قضاء الشوف بصورة خاصة، وفي محافظة جبل لبنان بصورة عامة.
خليل تقي الدين واحد من الدبلوماسيين والأدباء العريقين في عالم الأدب والكتابة. كان نجماً ساطعاً له حضوره المميز، وشخصيته الفريدة، صال وجال في عالم الأدب، وحسب ما أمكنته الظروف والأحوال لكي ينصرف بكلّيته إلى عالم أحبّه منذ الصغر فاندفع بكل إمكاناته وطاقاته لكي يجد له مكاناً لائقاً بين أدباء عصره.
الشيخ خليل تقي الدين رجل فذّ لم يوفَّ حقه بالكامل كما يجب أن يوفّى الحق للأعلام المبرّزين، بل إنَّ حقه بقي ناقصاً مهملاً، ونكاد نقول إنّه بقي مغموراً، أو منسيَّاً، رغم اختلاطه وتفاعله مع أعلام عصره، بمختلف ميولهم واتجاهاتهم الأدبية.
أديب متمكِّن، وبحاثة متعمّق، له أبعد الأثر في عالم الأدب. كان جميل المحيا، باسم الطلعة، ذا شخصية محبَّبة، إنساناً خلوقاً، رجلاً غير عادي في المواقف والمبادىء والأسس القويمة، والأخلاق الحسنة.
نشأ في بيت عريق، وحلّق عالياً في سماء الفكر والأدب والدبلوماسية، فكان عصامياً، وإدارياً محنكاً، وإنساناً خلوقاً، وكياناً فريداً، وأخلاقاً رفيعة. عرفته معرفة شخصية في أواخر أيامه، إذ كان يسكن في «حي الوتوات» في بيروت مع زوجته في ذلك الحيّ الهادىء، فكنت أزوره بين الحين والحين، وكنت التقيته مرّة على مدخل إحدى الصحف البيروتية المشهورة. فقلت له: ماذا تفعل هنا يا شيخ خليل؟ فقال لي: مات أحد أصدقائي الذين يعزّون عليَّ كثيراً، وهو من الأدباء المرموقين البارزين. كتبت عنه مقالة، بعد وفاته، لأوفيه حقه في الحياة وأؤدي قسطي نحوه من الإشادة والتعريف والسيرة. وسكت قليلاً عن الكلام وأردف:
ـ سأكتب عن الجميع. ولكن أحداً لن يكتب عني أبداً. أنا أحب الجميع، فهل يحبونني كما أحبهم؟ إنَّ الناس الطيبين لهم مكانة عالية عندي. أهتم بالجميع وأساهم مع الجميع. فهل يحتفظون بالود والمحبة والوفاء كا أشعر نحوهم بالاخلاص؟
تركته بعد قوله هذا الكلام وافترق كل واحد منّا في طريق، وأنا أفكر في هذا الرجل الإنسان الذي أحب الجميع دون استثناء، ومنذ تلك اللحظات توطدت علاقتي بالرجل واستمرّت متجذرة إلى حين وفاته. وبعد، من هو خليل تقي الدين، وما هي سيرة حياته؟
هو خليل بن محمود بن سعيد بن محمود تقي الدين. ولد في «بعقلين» قضاء الشوف، بجبل لبنان، في سنة 1906 م/ 1324 هـ. تلقى علومه الابتدائية في بلدته، ثم التحق بمدرسة «اللاييك» في بيروت، ثم بكلية الحقوق في «جامعة القديس يوسف»، فنال منها شهادة المحاماة في سنة 1926. لم يمارس المحاماة بصورة فعلية بل مارس الدبلوماسية والوظيفة والصحافة. عُيِّن في السنة نفسها ـ سنة تخرّجه ـ كاتباً في مجلس الشيوخ يوم كان عندنا مجلس شيوخ في لبنان، ثم عيِّن مديراً عاماً من الدرجة الأولى في مجلس النواب اللبناني، وعيِّن سفيراً للبنان في سنة 1946، وتدرج منذ هذا التاريخ في السلك الدبلوماسي إلى أن وصل إلى أعلى المراتب في مدارج الدبلوماسية، فكان سفيراً لبلاده في بلدان كثيرة نذكر منها: فنلندا وأسوج ونروج والمكسيك وغواتيمالا والسلفادور وهندوراس ونيكاراغوا وكوستاريكا وجمهورية مصر العربية وليبيا والسودان وتركيا وبريطانيا والاتحاد السو؟ياتي (السابق). وبقي يتنقل من مركز إلى مركز إلى حين تقاعده في سنة 1970، لينصرف بعد ذلك إلى الكتابة في بيته في كنف الجبل، وفي بيته في بيروت. فكان يدبّج المقالات لعدد من الصحف والمجلات اللبنانية، كتب في مجلة «الصياد» وصحيفة «النهار» و«الراصد» و«الجريدة» إلى حين تعاقده مع وزارة الإعلام بصفة مستشار ثقافي في سنة 1982، حيث بقي فيها سنتين، إلى أن انقطع عن العمل نهائياً ملازماً بيته.
وكان يحضر في بعض الأحيان ندوات الأدب والثقافة، فانخرط في جمعية «أهل القلم» في بيروت، وكان ملازماً اجتماعاتها وندواتها الأدبية، كما كان يحاضر في بعض الجمعيات الأدبية عن أمور الثقافة والتوحيد والأديان.
Page 2
وفجأة ترك جميع نشاطاته وانصرف لقضاء شيخوخة هادئة مطمئنة بين قلم وكتاب وقرطاس إلى حين وافاه الأجل.
مؤلفات الشيخ خليل تقي الدين:
1 ـ تمارا، دار الصياد، سنة 1955.
2 ـ كارن وحسن، دار المكشوف، 1972.
3 ـ الإعدام، دار نوفل، 1985.
4 ـ عشر قصص، دار نوفل، 1985.
5 ـ العائد، النهار، 1973، ودار نوفل، 1988.
6 ـ خواطر ساذج، دار نوفل، 1986.
وقد طبعت مجموعاته في مجلدين كبيرين في سنة 2007، صدرت عن دار نوفل للطباعة والنشر في بيروت. وهي تحتوي على كل أعماله الأدبية، اعتنت بنشرها ابنته السيدة الدكتورة منى تقي الدين أميوني.
والواقع أن مجمل مؤلفاته تدور حول:
مجموعات قصص، وروايات استمدها من واقع الحياة، فيها الذكريات، والتأملات، والأفكار، والسياسة، والمغامرات، والتجارب في شؤون الكون والحياة، كتبها بدم القلب وبروح واقعية فيها الصراحة والصدق والأمانة والعفوية.
وها نحن نعطي لمحة عن محتويات كل كتاب:
«في عشر قصص» باكورة عمله الأدبي، حكايات من الماضي والحاضر يتصارع فيها الخير والشر، الرذيلة والفضيلة، الطبيعة الطاهرة والمدينة الملوثة، عصارة جهد حثيث، وعمل متواصل، وتنقيب جادّ، غلب عليه الواقع والليونة والصراحة، والجرأة والصدق.
كان قد نشر بعضها في مجلة «المكشوف» وفي غيرها من المجلات. وفي «الإعدام» مجموعة قصص، من واقع الحياة المعاش كتبها بعد مخاض عسير، ولم يكتبها لمجرد أنّها كتابة قصة بل لأنّه كان يحس أن هناك حاجة ماسة ضرورية إلى كتابتها.
وقد عاش حياة هذه القصة في زمن مضى، انتهت بإعدامه على مشنقة، أين؟ وفي أي زمن؟ وفي أي بلاد؟ هو لا يدري. كل ما يعرفه أنه كان مدفوعاً إلى التخفيف عن نفسه فتوسّل الأدب لبلوغ هذه الغاية، فكانت قصة «الإعدام» تعبيراً عن تلك اللحظات والخفقات بكل جوارج الكاتب وإحساساته.
وفي «العائد» يبحث في قالب قصصي مشوّق عن التقمص. ويسرد في هذا الكتاب أحداثاً طريفة في الريف اللبناني وأخرى في بيروت، تدلُّ على سعة أفقه، وتخلق للقارىء متعة قصصية غريبة، وتبعث في النفس لذة فنية خالصة. يعود بأحداثها إلى أيام الحرب الكونية الأولى، يوم جاع لبنان وجاعت معه «بعقلين» وهي تمثل مرحلة مهمة من حياة الكاتب ومعاناته النفسية، وحقبة تاريخية من حياة لبنان.
وفي «خواطر ساذج» مقالات كان يدفع بها إلى مجلة «المكشوف» أسبوعياً، ويشاء الشيخ فؤاد حبيش الذي كان أيضاً صاحب «منشورات المكشوف» أن يدفع بها إلى الطبع بعد الانتهاء من نشرها. و «خواطر ساذج» هي ذكريات وتأملات وأفكار كانت تمرُّ في خاطر بال أديبنا الكبير فيلتقطها بقلمه الواحدة بعد الأخرى.
وفي الكتاب كلمة لخليل رامز سركيس تحت عنوان: «جيل همزة الوصل». وقد عرف سيرته كاتباً وموظفاً وإدارياً وسفيراً، عرفها حق المعرفة، فهو إنسان وكيان وجرأة مواقف وشجاعة اعتراف بالذنب في كل حال، وأسلوب الدماثة واللطف والدبلوماسية.
أعادت طبعه مؤسسة نوفل للطباعة والنشر في بيروت سنة 1986. وقصة «تامارا» طبعت ثلاث طبعات. وكانت نشرت على حلقات في مجلة «الصياد». وهي قصة جاسوسية وحروب، قصة عاشها المؤلف خلال معاطاته الحياة الدبلوماسية، في أثناء عمله سفيراً في موسكو. أمّا «كارن وحسن من هتلر إلى رياض الصلح». فقد صدرت عن دار المكشوف في بيروت الطبعة الأولى، أيلول سنة 1972. وهي رواية مهمة، تعتبر من أهم محطاته الأدبية. هذه الرواية نشرها على حلقات الأستاذ وليد عوض صاحب «الأفكار» لما فيها من صراع بين الجاسوسية والحب خلال الحرب الكونية الأولى. كما أنّها تصوّر أدولف هتلر وبروزه وتسلمه أكبر سلطة في البلاد في سنة 1932، إلى حين إعلان الحرب العالمية الثانية سنة 1939. وهي تتناول بعض الشخصيات منها الحاج محمد أمين الحسيني، مفتي فلسطين، ويونس البحري. وهذه الرواية مستقاة من واقع التاريخ. تصبح «كارن» جاسوسة اسمها «أولغا» ويصبح «حسن» جاسوساً رقمه 26. وتدور أحداث الرواية حول الحرب وسقوط بولونيا ثم حصار ستاليننغراد، وتنتقل إلى بعض العواصم الأوروبية، مروراً بالعاصمتين العربيتين بغداد وبيروت. هذه الرواية كان الشيخ خليل تقي الدين يعتزُّ بها ويفاخر كونها من أروع الروايات الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين، لما فيها من مشوّقات وجهود مضنية لإخراجها بهذه الحلة القشيبة.
مؤلفات الشيخ خليل تقي الدين:
1 ـ تمارا، دار الصياد، سنة 1955.
2 ـ كارن وحسن، دار المكشوف، 1972.
3 ـ الإعدام، دار نوفل، 1985.
4 ـ عشر قصص، دار نوفل، 1985.
5 ـ العائد، النهار، 1973، ودار نوفل، 1988.
6 ـ خواطر ساذج، دار نوفل، 1986.
وقد طبعت مجموعاته في مجلدين كبيرين في سنة 2007، صدرت عن دار نوفل للطباعة والنشر في بيروت. وهي تحتوي على كل أعماله الأدبية، اعتنت بنشرها ابنته السيدة الدكتورة منى تقي الدين أميوني.
والواقع أن مجمل مؤلفاته تدور حول:
مجموعات قصص، وروايات استمدها من واقع الحياة، فيها الذكريات، والتأملات، والأفكار، والسياسة، والمغامرات، والتجارب في شؤون الكون والحياة، كتبها بدم القلب وبروح واقعية فيها الصراحة والصدق والأمانة والعفوية.
وها نحن نعطي لمحة عن محتويات كل كتاب:
«في عشر قصص» باكورة عمله الأدبي، حكايات من الماضي والحاضر يتصارع فيها الخير والشر، الرذيلة والفضيلة، الطبيعة الطاهرة والمدينة الملوثة، عصارة جهد حثيث، وعمل متواصل، وتنقيب جادّ، غلب عليه الواقع والليونة والصراحة، والجرأة والصدق.
كان قد نشر بعضها في مجلة «المكشوف» وفي غيرها من المجلات. وفي «الإعدام» مجموعة قصص، من واقع الحياة المعاش كتبها بعد مخاض عسير، ولم يكتبها لمجرد أنّها كتابة قصة بل لأنّه كان يحس أن هناك حاجة ماسة ضرورية إلى كتابتها.
وقد عاش حياة هذه القصة في زمن مضى، انتهت بإعدامه على مشنقة، أين؟ وفي أي زمن؟ وفي أي بلاد؟ هو لا يدري. كل ما يعرفه أنه كان مدفوعاً إلى التخفيف عن نفسه فتوسّل الأدب لبلوغ هذه الغاية، فكانت قصة «الإعدام» تعبيراً عن تلك اللحظات والخفقات بكل جوارج الكاتب وإحساساته.
وفي «العائد» يبحث في قالب قصصي مشوّق عن التقمص. ويسرد في هذا الكتاب أحداثاً طريفة في الريف اللبناني وأخرى في بيروت، تدلُّ على سعة أفقه، وتخلق للقارىء متعة قصصية غريبة، وتبعث في النفس لذة فنية خالصة. يعود بأحداثها إلى أيام الحرب الكونية الأولى، يوم جاع لبنان وجاعت معه «بعقلين» وهي تمثل مرحلة مهمة من حياة الكاتب ومعاناته النفسية، وحقبة تاريخية من حياة لبنان.
وفي «خواطر ساذج» مقالات كان يدفع بها إلى مجلة «المكشوف» أسبوعياً، ويشاء الشيخ فؤاد حبيش الذي كان أيضاً صاحب «منشورات المكشوف» أن يدفع بها إلى الطبع بعد الانتهاء من نشرها. و «خواطر ساذج» هي ذكريات وتأملات وأفكار كانت تمرُّ في خاطر بال أديبنا الكبير فيلتقطها بقلمه الواحدة بعد الأخرى.
وفي الكتاب كلمة لخليل رامز سركيس تحت عنوان: «جيل همزة الوصل». وقد عرف سيرته كاتباً وموظفاً وإدارياً وسفيراً، عرفها حق المعرفة، فهو إنسان وكيان وجرأة مواقف وشجاعة اعتراف بالذنب في كل حال، وأسلوب الدماثة واللطف والدبلوماسية.
أعادت طبعه مؤسسة نوفل للطباعة والنشر في بيروت سنة 1986. وقصة «تامارا» طبعت ثلاث طبعات. وكانت نشرت على حلقات في مجلة «الصياد». وهي قصة جاسوسية وحروب، قصة عاشها المؤلف خلال معاطاته الحياة الدبلوماسية، في أثناء عمله سفيراً في موسكو. أمّا «كارن وحسن من هتلر إلى رياض الصلح». فقد صدرت عن دار المكشوف في بيروت الطبعة الأولى، أيلول سنة 1972. وهي رواية مهمة، تعتبر من أهم محطاته الأدبية. هذه الرواية نشرها على حلقات الأستاذ وليد عوض صاحب «الأفكار» لما فيها من صراع بين الجاسوسية والحب خلال الحرب الكونية الأولى. كما أنّها تصوّر أدولف هتلر وبروزه وتسلمه أكبر سلطة في البلاد في سنة 1932، إلى حين إعلان الحرب العالمية الثانية سنة 1939. وهي تتناول بعض الشخصيات منها الحاج محمد أمين الحسيني، مفتي فلسطين، ويونس البحري. وهذه الرواية مستقاة من واقع التاريخ. تصبح «كارن» جاسوسة اسمها «أولغا» ويصبح «حسن» جاسوساً رقمه 26. وتدور أحداث الرواية حول الحرب وسقوط بولونيا ثم حصار ستاليننغراد، وتنتقل إلى بعض العواصم الأوروبية، مروراً بالعاصمتين العربيتين بغداد وبيروت. هذه الرواية كان الشيخ خليل تقي الدين يعتزُّ بها ويفاخر كونها من أروع الروايات الحديثة التي ظهرت في القرن العشرين، لما فيها من مشوّقات وجهود مضنية لإخراجها بهذه الحلة القشيبة.
Page 3
وأمّا الأعمال الكاملة للشيخ خليل تقي الدين فقد جاءت تتويجاً لنتاج هذا الأديب المفلِق والدبلوماسي العريق، وقد صدر هذان الجزءان عن دار نوفل للطباعة والنشر، بفضل الأستاذ طوني نوفل صاحب الدار وبفضل ابنته الدكتورة السيدة منى تقي الدين أميوني الأستاذة في الجامعة الأميركية في بيروت.
هذه المجموعة التي ذكرناها تعطينا فكرة عن أن الشيخ خليل تقي الدين كان فارساً عملاقاً من فرسان الكلمة الحلوة المدوية، وهو أحد الأقلام الواعدة المجرّدة عن الأنانية وحب الذات، قلم يدبج في سياق القضايا الإنسانية والاجتماعية والأدبية والفكرية والروحية والدينية، يتحلى بالإقدام والشجاعة والدبلوماسية... أدبه أدب الواقع والحياة. أليس هو القائل: «أريدك أن يكون لك في الحياة خيال أسمى يسدّد خطواتك، وهدف أعلى يوجه حركاتك وسكناتك، وإيمان بأن لك رسالة في هذه الحياة».
أوليس هو القائل أيضاً في معرض كتابه عن المعلم:
«... تحت أنظار المعلم ينشأ الأبطال والشعراء والمصورون والأدباء ويقتحمون الحياة فيحاربون بالسلاح الذي وضعه في أيديهم ذلك البطل المجهول، أمّا هم فأسماء براقة في مختلف آفاق الحياة، وأمّا هو فلا يزال ينشىء أجيالاً جديدة واسمه مغمور».
ونعود إلى الشيخ خليل تقي الدين، هذا الأديب الكبير. كان سبّاقاً إلى كل مكرمة وقضية تهم وطنه لبنان.
رافق معظم رجالات السياسة اللبنانيين وغير اللبنانيين، وقادة الرأي، وأهل الأدب والشعر، ورجال الحكم منذ العام 1943، وكان أحد مؤسسي «عصبة العشرة» مع إلياس أبي شبكة وفؤاد حبيش وميشال أبي شهلا وصلاح لبكي وبشاره الخوري (الأخطل الصغير) وغيرهم من أهل الفكر والأدب.
وكان له شرف المساهمة في حركة التحرر الوطني والقومي في ثورة «بشامون الاستقلالية» ضدَّ الانتداب الفرنسي، فكان يحرّر بيانات الثورة ويقوم بأعمال السكرتارية لحكومة بشامون التي تألفت في ذلك الوقت برئاسة حبيب أبي شهلا، وغيرها من الأعمال الإدارية، إلى جانب قيامه باتصالات مع كبار السياسيين في تلك الحقبة.
يكشف لنا الشيخ خليل تقي الدين بعض هذه الأسرار يقول:
«... يجب على الذين عاشوا أيام تشرين الخالدات أن يكشفوا النقاب عنها. وهذا ما أحاول أن أفعله الآن». كما يقول في مستهل هذه الصفحات: «في 11 تشرين الثاني سنة 1943، اعتقلت السلطات الفرنسية الشيخ بشاره الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية، ورياض الصلح، رئيس الوزارة، والوزراء كميل شمعون وسليم تقلا وعادل عسيران والنائب عبد الحميد كرامي، ولم تعتقل الوزيرين حبيب أبو شهلا والأمير مجيد أرسلان. وحار الناس يومها في تفسير ذلك. وقد تسنى لي في أثناء عملي الدبلوماسي أن ألتقي ثلاثة سياسيين كبار كانوا على صلة وثيقة بأحداث تشرين، وهم الجنرال كاترو الذي أوفده الجنرال ديغول رئيس «فرنسا الحرّة» في ذلك الحين إلى لبنان ليجد حلاً للأزمة التي نشأت بين لبنان وفرنسا من جراء اعتقال الرئيسين وصحبهما، ثم السيد اي؟ شاتينيو الذي كان يتولى أعباء المفوضية الفرنسية العامة في أيام شهر تشرين، ثم الجنرال السير إدوارد سبيرس الذي كان المعتمد البريطاني في لبنان وسوريا، وكانت له اليد الطولى في مساعدتنا على نيل الاستقلال. الجنرال كاترو كان سفيراً لفرنسا في موسكو عندما وصلت إلى عاصمة الاتحاد السو؟ياتي كأول ممثل دبلوماسي للبنان، وكان ذلك في صيف العام 1946. وفي العام 1948 نقل كاترو من موسكو وعاد إلى بلاده، وخلق في سفارة فرنسا اي؟ شاتينيو. وبديهي أنني، وأنا زميل لهما، كنت أغتنم كل فرصة تجمعني بهما لاستعيد معهما أحداث تشرين والقي بعض الضوء على ما خفي منها».
ويضيف تقي الدين قائلاً عن الجنرال سبيرس:
«بدأت معرفتي بالجنرال سبيرس في لبنان في العام 1963 حين كنت سفيراً لبلادي في لندن. كان الجنرال سبيرس يزورني في السفارة من حين إلى حين، فأرحّب به ونستعيد معاً ذكريات العام 1943. في إحدى هذه الزيارات باح لي الجنرال ببعض أسرار معركة الاستقلال، قال:
«إن تشرشل رئيس الجمهورية البريطانية إبان الحرب كان يؤيد لبنان وزعماءه الوطنيين بقوة، وكان يرى أن العمل الذي أقدم عليه هيللو وزبانيته، باعتقال رئيس الجمهورية ورفاقه، كان عملاً جنونياً، فضلاً عن أنه يشكل خرقاً للاتفاقات التي كانت قائمة بين الحلفاء وهم يخوضون غمار حرب مريرة ضد النازيين. أمّا انطوني إيدن، وزير الخارجية ـ والكلام لا يزال لسبيرس ـ فقد كان فرنسي الميول، وكان من رأيه أن يداري الجنرال ديغول وحكومة فرنسا الحرّة. وقال سبيرس: قد أعطاه تشرشل «كارت بلانش» في معالجة المشكلة اللبنانية، لكن إيدن كان يحاول دائماً أن يغسل يدي وينصحني بمهادنة الفرنسيين».
هذه المجموعة التي ذكرناها تعطينا فكرة عن أن الشيخ خليل تقي الدين كان فارساً عملاقاً من فرسان الكلمة الحلوة المدوية، وهو أحد الأقلام الواعدة المجرّدة عن الأنانية وحب الذات، قلم يدبج في سياق القضايا الإنسانية والاجتماعية والأدبية والفكرية والروحية والدينية، يتحلى بالإقدام والشجاعة والدبلوماسية... أدبه أدب الواقع والحياة. أليس هو القائل: «أريدك أن يكون لك في الحياة خيال أسمى يسدّد خطواتك، وهدف أعلى يوجه حركاتك وسكناتك، وإيمان بأن لك رسالة في هذه الحياة».
أوليس هو القائل أيضاً في معرض كتابه عن المعلم:
«... تحت أنظار المعلم ينشأ الأبطال والشعراء والمصورون والأدباء ويقتحمون الحياة فيحاربون بالسلاح الذي وضعه في أيديهم ذلك البطل المجهول، أمّا هم فأسماء براقة في مختلف آفاق الحياة، وأمّا هو فلا يزال ينشىء أجيالاً جديدة واسمه مغمور».
ونعود إلى الشيخ خليل تقي الدين، هذا الأديب الكبير. كان سبّاقاً إلى كل مكرمة وقضية تهم وطنه لبنان.
رافق معظم رجالات السياسة اللبنانيين وغير اللبنانيين، وقادة الرأي، وأهل الأدب والشعر، ورجال الحكم منذ العام 1943، وكان أحد مؤسسي «عصبة العشرة» مع إلياس أبي شبكة وفؤاد حبيش وميشال أبي شهلا وصلاح لبكي وبشاره الخوري (الأخطل الصغير) وغيرهم من أهل الفكر والأدب.
وكان له شرف المساهمة في حركة التحرر الوطني والقومي في ثورة «بشامون الاستقلالية» ضدَّ الانتداب الفرنسي، فكان يحرّر بيانات الثورة ويقوم بأعمال السكرتارية لحكومة بشامون التي تألفت في ذلك الوقت برئاسة حبيب أبي شهلا، وغيرها من الأعمال الإدارية، إلى جانب قيامه باتصالات مع كبار السياسيين في تلك الحقبة.
يكشف لنا الشيخ خليل تقي الدين بعض هذه الأسرار يقول:
«... يجب على الذين عاشوا أيام تشرين الخالدات أن يكشفوا النقاب عنها. وهذا ما أحاول أن أفعله الآن». كما يقول في مستهل هذه الصفحات: «في 11 تشرين الثاني سنة 1943، اعتقلت السلطات الفرنسية الشيخ بشاره الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية، ورياض الصلح، رئيس الوزارة، والوزراء كميل شمعون وسليم تقلا وعادل عسيران والنائب عبد الحميد كرامي، ولم تعتقل الوزيرين حبيب أبو شهلا والأمير مجيد أرسلان. وحار الناس يومها في تفسير ذلك. وقد تسنى لي في أثناء عملي الدبلوماسي أن ألتقي ثلاثة سياسيين كبار كانوا على صلة وثيقة بأحداث تشرين، وهم الجنرال كاترو الذي أوفده الجنرال ديغول رئيس «فرنسا الحرّة» في ذلك الحين إلى لبنان ليجد حلاً للأزمة التي نشأت بين لبنان وفرنسا من جراء اعتقال الرئيسين وصحبهما، ثم السيد اي؟ شاتينيو الذي كان يتولى أعباء المفوضية الفرنسية العامة في أيام شهر تشرين، ثم الجنرال السير إدوارد سبيرس الذي كان المعتمد البريطاني في لبنان وسوريا، وكانت له اليد الطولى في مساعدتنا على نيل الاستقلال. الجنرال كاترو كان سفيراً لفرنسا في موسكو عندما وصلت إلى عاصمة الاتحاد السو؟ياتي كأول ممثل دبلوماسي للبنان، وكان ذلك في صيف العام 1946. وفي العام 1948 نقل كاترو من موسكو وعاد إلى بلاده، وخلق في سفارة فرنسا اي؟ شاتينيو. وبديهي أنني، وأنا زميل لهما، كنت أغتنم كل فرصة تجمعني بهما لاستعيد معهما أحداث تشرين والقي بعض الضوء على ما خفي منها».
ويضيف تقي الدين قائلاً عن الجنرال سبيرس:
«بدأت معرفتي بالجنرال سبيرس في لبنان في العام 1963 حين كنت سفيراً لبلادي في لندن. كان الجنرال سبيرس يزورني في السفارة من حين إلى حين، فأرحّب به ونستعيد معاً ذكريات العام 1943. في إحدى هذه الزيارات باح لي الجنرال ببعض أسرار معركة الاستقلال، قال:
«إن تشرشل رئيس الجمهورية البريطانية إبان الحرب كان يؤيد لبنان وزعماءه الوطنيين بقوة، وكان يرى أن العمل الذي أقدم عليه هيللو وزبانيته، باعتقال رئيس الجمهورية ورفاقه، كان عملاً جنونياً، فضلاً عن أنه يشكل خرقاً للاتفاقات التي كانت قائمة بين الحلفاء وهم يخوضون غمار حرب مريرة ضد النازيين. أمّا انطوني إيدن، وزير الخارجية ـ والكلام لا يزال لسبيرس ـ فقد كان فرنسي الميول، وكان من رأيه أن يداري الجنرال ديغول وحكومة فرنسا الحرّة. وقال سبيرس: قد أعطاه تشرشل «كارت بلانش» في معالجة المشكلة اللبنانية، لكن إيدن كان يحاول دائماً أن يغسل يدي وينصحني بمهادنة الفرنسيين».
Page 4
وختم سبيرس حديثه بقوله:
«ولكن ثق أنه لولا صمود الشعب اللبناني، ووطنية وشجاعة الشيخ بشاره الخوري ورياض الصلح لما استطعت أن أساعدكم أو أفعل شيئاً. إن المقاومة الضارية التي أظهرها لبنان ضد أعمال الانتداب هي التي أوصلتكم إلى الاستقلال». كذلك هناك أسرار على قدر من الأهمية في «مفكرة السفير». يقرأها القارىء، ويقرأ أيضاً أن هناك أسراراً ومداخلات دخلت في محور قضية لبنان، إلى غيرها من الأمور التي دوّنها حضرة السفير تقي الدين في «مفكراته».
وخلاصة الكلام على الشيخ خليل تقي الدين أنّه كان أحد الأدباء الخالدين الذين أغنوا الكلمة فكانت له المكانة المميزة حيث أعلى شأن الأدب العربي، هو ابن هذا الجبل البارّ الذي ترك بلدته «بعقلين» وجاء إلى بيروت يتلقى العلم فيها وينغمس في الكتابة ويكشف الأسرار والخفايا ويصبح سفيراً لامعاً، ويكون كاتباً ضليعاً شغل مناصب رفيعة في الدولة، وكان على اطلاع واسع بأمور ثورة صغيرة. ثار على الجمود والتقهقر والعبودية ونادى بالتحرر من القيود والأغلال، وناضل بفكرة ضدَّ من كان يقف حائلاً دون الأخذ بالحداثة والتطور والتقدم والحرية. قُسم الكتاب الذي بين يدي القارىء الكريم إلى قسمين:
1 ـ القسم الأول، معنى الاستقلال.
2 ـ القسم الثاني، في مفكرة سفير، أسرار عن حرب تشرين.
نرجو أن يلاقي كتابنا هذا الرواج الذي يستحقه وأن نكون قد وفّينا الشيخ حقه.
توفي أديبنا الكبير نهار الجمعة في 10 تموز/ يوليو سنة 1987. وكان مأتمه بسيطاً جداً في ظل أوضاع متردية في لبنان. ودفن نهار السبت في 11 تموز، وصلي على جثمانه الطاهر في تمام الساعة الواحدة ظهراً.
هكذا رقد الشيخ خليل تقي الدين في مقبرة آل تقي الدين الكرام، في بعقلين، ودفن كما تمنى واشتهى أن يدفن الأحرار في ثرى الوطن.
وهذه «الأسرار» تبقى ساطعة على الورق تخلد ذكرى هذا الإنسان المتواضع الذي كان في زمانه أحد أساطين السياسة في هذا البلد الكبير والغني بأبنائه المبدعين المفكرين.
ولنترككم مع أسراره وخفاياه خلف الكواليس لتسبروا أغوارها.
نجيب البعيني
«ولكن ثق أنه لولا صمود الشعب اللبناني، ووطنية وشجاعة الشيخ بشاره الخوري ورياض الصلح لما استطعت أن أساعدكم أو أفعل شيئاً. إن المقاومة الضارية التي أظهرها لبنان ضد أعمال الانتداب هي التي أوصلتكم إلى الاستقلال». كذلك هناك أسرار على قدر من الأهمية في «مفكرة السفير». يقرأها القارىء، ويقرأ أيضاً أن هناك أسراراً ومداخلات دخلت في محور قضية لبنان، إلى غيرها من الأمور التي دوّنها حضرة السفير تقي الدين في «مفكراته».
وخلاصة الكلام على الشيخ خليل تقي الدين أنّه كان أحد الأدباء الخالدين الذين أغنوا الكلمة فكانت له المكانة المميزة حيث أعلى شأن الأدب العربي، هو ابن هذا الجبل البارّ الذي ترك بلدته «بعقلين» وجاء إلى بيروت يتلقى العلم فيها وينغمس في الكتابة ويكشف الأسرار والخفايا ويصبح سفيراً لامعاً، ويكون كاتباً ضليعاً شغل مناصب رفيعة في الدولة، وكان على اطلاع واسع بأمور ثورة صغيرة. ثار على الجمود والتقهقر والعبودية ونادى بالتحرر من القيود والأغلال، وناضل بفكرة ضدَّ من كان يقف حائلاً دون الأخذ بالحداثة والتطور والتقدم والحرية. قُسم الكتاب الذي بين يدي القارىء الكريم إلى قسمين:
1 ـ القسم الأول، معنى الاستقلال.
2 ـ القسم الثاني، في مفكرة سفير، أسرار عن حرب تشرين.
نرجو أن يلاقي كتابنا هذا الرواج الذي يستحقه وأن نكون قد وفّينا الشيخ حقه.
توفي أديبنا الكبير نهار الجمعة في 10 تموز/ يوليو سنة 1987. وكان مأتمه بسيطاً جداً في ظل أوضاع متردية في لبنان. ودفن نهار السبت في 11 تموز، وصلي على جثمانه الطاهر في تمام الساعة الواحدة ظهراً.
هكذا رقد الشيخ خليل تقي الدين في مقبرة آل تقي الدين الكرام، في بعقلين، ودفن كما تمنى واشتهى أن يدفن الأحرار في ثرى الوطن.
وهذه «الأسرار» تبقى ساطعة على الورق تخلد ذكرى هذا الإنسان المتواضع الذي كان في زمانه أحد أساطين السياسة في هذا البلد الكبير والغني بأبنائه المبدعين المفكرين.
ولنترككم مع أسراره وخفاياه خلف الكواليس لتسبروا أغوارها.
نجيب البعيني
Page 5
المقدمة
مذكرات سفير
ما إن أنهى خليل تقي الدين دراسته الثانوية حتى التحق بالوظيفة الرسميّة، كاتباً في مجلس الشيوخ اللبناني، وكان ذلك في العام 1926. وبعد سنة من هذا التاريخ أدمج مجلس الشيوخ بمجلس النواب ورقّي خليل تقي الدين ليصبح بمرتبة السكرتير العام للبرلمان، تحت إشراف سماحة الشيخ محمد الجسر رئيس المجلس حتى 1932.
ورغم ميوله القويّة إلى ممارسة المهنة الحرّة والمحاماة كعمّه أمين تقيّ الدين ألحّ عليه والده بأن يبقى في وظيفته ويتابع دراسة الحقوق في جامعة القديس يوسف اليسوعية. وكان ختام حياة الشيخ خليل في الوظيفة الرسمية، الفترة التي قضاها في السلك الدبلوماسي، على نحو ما جاء في مذكراته كسفير، إذ يقول: ففي عام 1946 «أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً بتعييني وزيراً مفوضاً في موسكو، وكنت أشغل وظيفة المدير العام لمجلس النواب.. ـ فقد ـ .. قذفتني بلادي إلى أقصى المعمورة كما يقذف اللاعب الكرة بقدمه لتقترب من الهدف، أو هكذا خيّل إليّ». أما الدول التي استقبلته كسفير للبنان، فقد ذكرها بحسب التسلسل الزمني، وهي: الاتحاد السو؟ياتي، وفنلندا وأسوج ونروج، والمكسيك (مكسيكو)، وغواتيمالا، والسالفادور، والقاهرة، وليبيا ـ قبل عهد الجماهيرية ـ والسودان وتركيا (انقره) وبريطانيا (لندن).. «حتى بلغ سن التقاعد عام 1970 فعاد إلى لبنان، وقد اشتدّ حنينه إليه، فلا غاب وجهه عن خاطره ولا ذكره عن لسانه..
هكذا أمضى خليل تقي الدين نحواً من خمسة وعشرين عاماً في السلك الدبلوماسي (1)، وقد عدد في مستهل مذكراته كسفير مبعوثي لبنان الأولين الذين سبقوه إلى عالم الدبلوماسية، وهم «يوسف سالم إلى القاهرة، كميل شمعون إلى لندن، أحمد الداعوق إلى الجزائر... وبعدها في باريس، شارل مالك إلى واشنطن، يوسف السودا إلى ريو دي جانيرو... ثم يقول: وها أنذا أنضم إلى هذه القافلة المختارة، فيملأني ذلك زهواً وافتخاراً ورهبة» (2).
كان خليل تقي الدين قبل أن يكون دبلوماسياً وسياسياً، كاتباً وأديباً، وكان أدبه مزيجاً فريداً من القاصّ والصحفيّ، وكان الوصف والسرد العنصرين الفاعلين في أدبه. وإذا أنت رافقته في مذكراته كسفير طالعتك هذه الملامح من كل هاتيك الشخصيّات وداخلك في الآن نفسه، عناق أخّاذ من الواقعيّة والرومنسيّة وكم تدهشك وأنت تجاريه في مسيرته الدبلوماسية، تلك الألوان المتداخلة من هاتيك المذاقات. فخليل تقي الدين مشدود دائماً إلى موهبته الأدبية الخلّاقة ونزوعه إلى النقد والتحليل الفنّي والسيكولوجي، مشوباً بسخريّة في إطار من الرمزية على غرار أسلوب ابن المقفع في كليلة ودمنة كما تلاحظ في وصفه عالم الوظيفة في لبنان إذ يقول: «الوظيفة في لبنان غاب ملتفّ يعيش فيه الأسد والنّمر والحمل والثعلب والأفعى والنّملة والجندب، وتعيش فيه الحرباء، والويل لمن كان فيه حملاً وديعاً، والهناء لمن كان فيه ثعلباً أو حرباء (3)....
أو يقول: «ودنيا الموظفين كدنيا الغاب، الحملان فيها طبق شهي على مائدة الذئاب. وأقسم أني لا أمد يدي يوماً إلى مثل هذا الطبق، ولو اشتهته نفسي. ولكنني مع ذلك لم أكن طعاماً لواحد من ثعالب الغاب أو ذئابه أو أسوده» (4).
والعناصر الأخرى في مذكّرات السفير تقي الدين، نجدها في ثنايا حلقات هذا الجزء من آثاره البالغة إحدى وعشرين حلقة، والتي نشرت في «الصيّاد»، والراصد بين 10 شباط 1967 و14 آذار 1968.
ومن طرائف ما جاء فيها قصة سفره إلى موسكو لافتتاح السفارة اللبنانية هناك، في الحلقات الثلاث الأولى بتاريخ 3 شباط (5) و10 شباط (6) و17 شباط (7) تحت عنوانين هما: «موعد ولقاء» و «قل لموسكو: لبنان يرفض الأحلاف».
ففي نحو من ثلاثين صفحة وصف خليل تقي الدين مراحل رحلته من لبنان إلى موسكو على متن طائرة داكوتا بمحركين. وكان رفيقه في هذه الرحلة، محمود بدوي الشيتي مستشار السفارة المصرية في موسكو، ولم يكن هذا اللقاء على موعد، بل كان محض المصادفة. وقد قدّم المستشار نفسه قائلاً: «أقدّم نفسي إليك اكسللانس أنا محمود بدوي الشيتي مستشار السفارة المصرية في موسكو. وأنا مسافر معك للالتحاق بوظيفتي هناك ويسعدني أن نترافق».. وكان يحمل في يده حقيبة جلديّة منتفخة (8) فرحّبت به ولاطفته وأعربت له عن سروري بلقاء رجل يتكلّم لغتي فضلاً عن كونه دبلوماسيّاً مثلي...
وبأسلوبه الطريف، وصف السفير بدء الرحلة فقال: «ولما أوصد علينا باب الطائرة، وربطنا أحزمتنا شهقت «لعبة الأطفال» وعطست وزفرت زفيراً مزعجاً متقطّعاً ومحرّكاها يدوران دورة أو دورتين ثم يقفان كأنها حصان حرون في شدقه لجام من حديد، إلى أن هوّن اللَّه، بعد فترة طويلة تقطّعت معها أنفاسنا، ودار المحرّكان في ضجيج يصمّ الآذان..
مذكرات سفير
ما إن أنهى خليل تقي الدين دراسته الثانوية حتى التحق بالوظيفة الرسميّة، كاتباً في مجلس الشيوخ اللبناني، وكان ذلك في العام 1926. وبعد سنة من هذا التاريخ أدمج مجلس الشيوخ بمجلس النواب ورقّي خليل تقي الدين ليصبح بمرتبة السكرتير العام للبرلمان، تحت إشراف سماحة الشيخ محمد الجسر رئيس المجلس حتى 1932.
ورغم ميوله القويّة إلى ممارسة المهنة الحرّة والمحاماة كعمّه أمين تقيّ الدين ألحّ عليه والده بأن يبقى في وظيفته ويتابع دراسة الحقوق في جامعة القديس يوسف اليسوعية. وكان ختام حياة الشيخ خليل في الوظيفة الرسمية، الفترة التي قضاها في السلك الدبلوماسي، على نحو ما جاء في مذكراته كسفير، إذ يقول: ففي عام 1946 «أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً بتعييني وزيراً مفوضاً في موسكو، وكنت أشغل وظيفة المدير العام لمجلس النواب.. ـ فقد ـ .. قذفتني بلادي إلى أقصى المعمورة كما يقذف اللاعب الكرة بقدمه لتقترب من الهدف، أو هكذا خيّل إليّ». أما الدول التي استقبلته كسفير للبنان، فقد ذكرها بحسب التسلسل الزمني، وهي: الاتحاد السو؟ياتي، وفنلندا وأسوج ونروج، والمكسيك (مكسيكو)، وغواتيمالا، والسالفادور، والقاهرة، وليبيا ـ قبل عهد الجماهيرية ـ والسودان وتركيا (انقره) وبريطانيا (لندن).. «حتى بلغ سن التقاعد عام 1970 فعاد إلى لبنان، وقد اشتدّ حنينه إليه، فلا غاب وجهه عن خاطره ولا ذكره عن لسانه..
هكذا أمضى خليل تقي الدين نحواً من خمسة وعشرين عاماً في السلك الدبلوماسي (1)، وقد عدد في مستهل مذكراته كسفير مبعوثي لبنان الأولين الذين سبقوه إلى عالم الدبلوماسية، وهم «يوسف سالم إلى القاهرة، كميل شمعون إلى لندن، أحمد الداعوق إلى الجزائر... وبعدها في باريس، شارل مالك إلى واشنطن، يوسف السودا إلى ريو دي جانيرو... ثم يقول: وها أنذا أنضم إلى هذه القافلة المختارة، فيملأني ذلك زهواً وافتخاراً ورهبة» (2).
كان خليل تقي الدين قبل أن يكون دبلوماسياً وسياسياً، كاتباً وأديباً، وكان أدبه مزيجاً فريداً من القاصّ والصحفيّ، وكان الوصف والسرد العنصرين الفاعلين في أدبه. وإذا أنت رافقته في مذكراته كسفير طالعتك هذه الملامح من كل هاتيك الشخصيّات وداخلك في الآن نفسه، عناق أخّاذ من الواقعيّة والرومنسيّة وكم تدهشك وأنت تجاريه في مسيرته الدبلوماسية، تلك الألوان المتداخلة من هاتيك المذاقات. فخليل تقي الدين مشدود دائماً إلى موهبته الأدبية الخلّاقة ونزوعه إلى النقد والتحليل الفنّي والسيكولوجي، مشوباً بسخريّة في إطار من الرمزية على غرار أسلوب ابن المقفع في كليلة ودمنة كما تلاحظ في وصفه عالم الوظيفة في لبنان إذ يقول: «الوظيفة في لبنان غاب ملتفّ يعيش فيه الأسد والنّمر والحمل والثعلب والأفعى والنّملة والجندب، وتعيش فيه الحرباء، والويل لمن كان فيه حملاً وديعاً، والهناء لمن كان فيه ثعلباً أو حرباء (3)....
أو يقول: «ودنيا الموظفين كدنيا الغاب، الحملان فيها طبق شهي على مائدة الذئاب. وأقسم أني لا أمد يدي يوماً إلى مثل هذا الطبق، ولو اشتهته نفسي. ولكنني مع ذلك لم أكن طعاماً لواحد من ثعالب الغاب أو ذئابه أو أسوده» (4).
والعناصر الأخرى في مذكّرات السفير تقي الدين، نجدها في ثنايا حلقات هذا الجزء من آثاره البالغة إحدى وعشرين حلقة، والتي نشرت في «الصيّاد»، والراصد بين 10 شباط 1967 و14 آذار 1968.
ومن طرائف ما جاء فيها قصة سفره إلى موسكو لافتتاح السفارة اللبنانية هناك، في الحلقات الثلاث الأولى بتاريخ 3 شباط (5) و10 شباط (6) و17 شباط (7) تحت عنوانين هما: «موعد ولقاء» و «قل لموسكو: لبنان يرفض الأحلاف».
ففي نحو من ثلاثين صفحة وصف خليل تقي الدين مراحل رحلته من لبنان إلى موسكو على متن طائرة داكوتا بمحركين. وكان رفيقه في هذه الرحلة، محمود بدوي الشيتي مستشار السفارة المصرية في موسكو، ولم يكن هذا اللقاء على موعد، بل كان محض المصادفة. وقد قدّم المستشار نفسه قائلاً: «أقدّم نفسي إليك اكسللانس أنا محمود بدوي الشيتي مستشار السفارة المصرية في موسكو. وأنا مسافر معك للالتحاق بوظيفتي هناك ويسعدني أن نترافق».. وكان يحمل في يده حقيبة جلديّة منتفخة (8) فرحّبت به ولاطفته وأعربت له عن سروري بلقاء رجل يتكلّم لغتي فضلاً عن كونه دبلوماسيّاً مثلي...
وبأسلوبه الطريف، وصف السفير بدء الرحلة فقال: «ولما أوصد علينا باب الطائرة، وربطنا أحزمتنا شهقت «لعبة الأطفال» وعطست وزفرت زفيراً مزعجاً متقطّعاً ومحرّكاها يدوران دورة أو دورتين ثم يقفان كأنها حصان حرون في شدقه لجام من حديد، إلى أن هوّن اللَّه، بعد فترة طويلة تقطّعت معها أنفاسنا، ودار المحرّكان في ضجيج يصمّ الآذان..
Page 6
.. ورأيت جاري المستشار الضخم في معركة مع الحقيبة يحاول جاهداً أن يضعها فوق ركبته فيثور كرشه وتتمرّد الحقيبة ويتململ الرجل الجالس على المقعد أمامه، وأخيراً انحنت عليّ المئة والعشرون كيلو من الشحم واللحم حتى كادت تسحقني.
بمثل هذه العفويّة في الوصف تتكشف لنا موهبة خليل تقي الدين في فن القصّ الذي يحتلّ إحدى ذراه بين أدباء لبنان.
وبالنمط نفسه من الإثارة والتشويق وبالعبارات الملائمة، فسّر لنا معنى «الستار الحديدي»، بوصف المشاق التي واجهته ورفيقه في استكمال الرحلة إلى موسكو، إذ كانا يحتاجان بالإضافة إلى التأشيرة إلى «جواز مرور» يثبت الحصانة الدبلوماسية، «وحتى لا تُفتّش.. ـ حقائبهما ـ». وقد اضطرا من أجل ذلك للإقامة ستة أيّام في طهران للحصول على هذا الجواز، قال السفير: «وفي اليوم السادس رنّ جرس التلفون في غرفتي وقيل لي: تفضّل إلى قنصليّة الاتحاد السو؟ياتي في الساعة الرابعة بعد الظهر.. فتفضّلت ولكن لا إلى القنصلية بل إلى الباب.. وكان في انتظاري رجل لم يكلّمني وناولنا الجوازين ومعهما ورقتان حمراوان عرفت أنّهما «جواز المرور»...
ولا نكتفي من أحداث الرحلة إلى موسكو بهذا القدر للكشف عن مقدرة خليل تقي الدين في السرد والتشويق، على غرار، ما هو معروف في فن القصص والحكايات. وهو أسلوب سيرافقه في سائر حلقات مذكّراته. وفي هذا ما فيه أيضاً من الملاحظة السيكولوجيّة والنقد المبطّن، وهو عنصر هامّ من عناصر أدبه.
إنّ حديث خليل تقي الدين عن صرامة الأسلوب السو؟ياتي، يكاد يكون جزءاً بارزاً وهاماً وذا مغزى في مذكّراته كسفير. ولكي نستكمل وصف ما يسمّى بـ «الستار الحديدي» نلقي الضوء على جانب من قصّة رحلته إلى موسكو، فقد حطّت الطائرة... بعد إقلاعها من طهران وتحليقها فوق جبال القفقاس، ومشاهدة الركاب بحر قزوين «البحر الذي يخرج منه أطيب الكافيار» ـ في مطار باكو، وهي «مدينة كبيرة تجري من تحتها الأنهار، ولكنها أنهار نفط لا ماء، وهي عاصمة صناعة النفط في هذا العالم الفسيح الذي اسمه الإتحاد السو؟ياتي». يذكر خليل تقي الدين أن ركاب الطائرة التي وطئت الأرض السو؟ياتية في باكو للمرّة الأولى في حياته، كان عددهم لا يزيد عن خمسة عشر شخصاً، وهم عندما ترجلوا أحاط بهم أكثر من عشرة موظّفين وأبعثهم للخوف رجال البوليس السرّي M.V.D. وكان عددهم أمامنا ـ كما يقول ـ خمسة يميّزهم عن غيرهم شريط أخضر على قبعاتهم. إنّهم رجال بيريا سلطان البوليس السرّي في طول روسيا وعرضها. ويصف السفير بيريا بالرجل الذي يملك جيشاً وأسطولاً جويّاً وآخر بحرياً ولكي يعطينا الصورة الدقيقة عن «الستار الحديدي»، أشار إلى أنّ زمن انتدابه لتمثيل لبنان في الاتحاد السو؟ياتي كان في عهد ستالين، وأن ساعده الأيمن بيريا، وأن بيريا طاغية، وسفّاح قتل بيده مئات من الناس، وأمر هو وسيده بقتل الملايين.
ويستأنف السفير وصف الطائرة التي أحاط رجال بيريا بركابها القلائل ومعهم موظفو الجمارك وبينهم ثلاث فتيات بزيّ البوليس.
والمشهد الأكثر إثارة عن صرامة الأنظمة الروسية، ماثل في قوله: «أنزلت جميع الحقائب من الطائرة ـ أما حقائبنا فوضعت في مكان منعزل ولم يمسها أحد ـ وبدأت عملية التفتيش»، ويردف خليل تقي الدين قائلاً: «وأقسم أنني لم أرَ خلال تنقلي في العالم طوال عشرين سنة تفتيشاً دقيقاً يشمل كلّ شيء وكلّ إنسان، ما عدانا (9)، مثل ما رأيت في باكو، كان الرجل يؤخذ إلى داخل البناء، ويعرّى، وقبل أن تفتّش حقائبه يفتّش جسمه وملابسه. وكانت الشرطيات النساء يتولّين العملية نفسها مع المسافرات... فإذا خرج أحدهم بدأ تفتيش حقائبه، تفتح الحقيبة ويفرغ على الأرض كل ما فيها، فيحملها الموظف بين يديه ويهزّها ويضعها قرب أذنه ثمّ يفحص داخلها ليرى هل فيها جيوب سريّة.
في الجانب الآخر من وصف رحلة الذهاب إلى موسكو يشير إلى أنّ الطائرة اجتازت ستالينغراد التي برزت في الحرب الثانية كإحدى المعارك العظمى التي حوّلت مجرى التاريخ... وبدا تحتنا سهل مترامي الأطراف يصل إلى موسكو ويتخطّاها إلى سيبيريا، وهو يبلغ آلافاً عديدة من الأميال: لا جبل ولا هضبة ولا مرتفع...
... كان المطار بعيداً عن موسكو، والسيارة تقطع المسافة بينهما بساعة، ويصف خليل تقي الدين ما كان يعتريه وقتذاك من الإرهاق وما يشعر به من الحنين وما يداخله من الوحشة إلى بلده وزوجته وأولاده، وقد غمرته «كآبة سوداء واستيقظ على صوت ـ المرافق الروسي ـ سمير نوف، وهو يقول: هذا هو الكرملين. وهذه فوقه نجوم الاتحاد السو؟ياتي الحمراء».
وأخيراً ـ كما قال ـ .. «وصلنا إلى فندق ناسيونال قرب الساحة الحمراء، وصعد بي سمير نوف إلى الدور الرابع يرافقنا موظّف من الفندق. وقال: «هذه هي غرفك يا سعادة الوزير المفوض. وأرقامها 427 و429 و431.. إن هذه الغرف الآن هي مقرّ المفوّضية اللبنانية لدى جمهوريّات الإتحاد السو؟ياتي وهي محل سكنك إلى أن ندبر لكم داراً تليق»، فشكرته، وانصرف.
بمثل هذه العفويّة في الوصف تتكشف لنا موهبة خليل تقي الدين في فن القصّ الذي يحتلّ إحدى ذراه بين أدباء لبنان.
وبالنمط نفسه من الإثارة والتشويق وبالعبارات الملائمة، فسّر لنا معنى «الستار الحديدي»، بوصف المشاق التي واجهته ورفيقه في استكمال الرحلة إلى موسكو، إذ كانا يحتاجان بالإضافة إلى التأشيرة إلى «جواز مرور» يثبت الحصانة الدبلوماسية، «وحتى لا تُفتّش.. ـ حقائبهما ـ». وقد اضطرا من أجل ذلك للإقامة ستة أيّام في طهران للحصول على هذا الجواز، قال السفير: «وفي اليوم السادس رنّ جرس التلفون في غرفتي وقيل لي: تفضّل إلى قنصليّة الاتحاد السو؟ياتي في الساعة الرابعة بعد الظهر.. فتفضّلت ولكن لا إلى القنصلية بل إلى الباب.. وكان في انتظاري رجل لم يكلّمني وناولنا الجوازين ومعهما ورقتان حمراوان عرفت أنّهما «جواز المرور»...
ولا نكتفي من أحداث الرحلة إلى موسكو بهذا القدر للكشف عن مقدرة خليل تقي الدين في السرد والتشويق، على غرار، ما هو معروف في فن القصص والحكايات. وهو أسلوب سيرافقه في سائر حلقات مذكّراته. وفي هذا ما فيه أيضاً من الملاحظة السيكولوجيّة والنقد المبطّن، وهو عنصر هامّ من عناصر أدبه.
إنّ حديث خليل تقي الدين عن صرامة الأسلوب السو؟ياتي، يكاد يكون جزءاً بارزاً وهاماً وذا مغزى في مذكّراته كسفير. ولكي نستكمل وصف ما يسمّى بـ «الستار الحديدي» نلقي الضوء على جانب من قصّة رحلته إلى موسكو، فقد حطّت الطائرة... بعد إقلاعها من طهران وتحليقها فوق جبال القفقاس، ومشاهدة الركاب بحر قزوين «البحر الذي يخرج منه أطيب الكافيار» ـ في مطار باكو، وهي «مدينة كبيرة تجري من تحتها الأنهار، ولكنها أنهار نفط لا ماء، وهي عاصمة صناعة النفط في هذا العالم الفسيح الذي اسمه الإتحاد السو؟ياتي». يذكر خليل تقي الدين أن ركاب الطائرة التي وطئت الأرض السو؟ياتية في باكو للمرّة الأولى في حياته، كان عددهم لا يزيد عن خمسة عشر شخصاً، وهم عندما ترجلوا أحاط بهم أكثر من عشرة موظّفين وأبعثهم للخوف رجال البوليس السرّي M.V.D. وكان عددهم أمامنا ـ كما يقول ـ خمسة يميّزهم عن غيرهم شريط أخضر على قبعاتهم. إنّهم رجال بيريا سلطان البوليس السرّي في طول روسيا وعرضها. ويصف السفير بيريا بالرجل الذي يملك جيشاً وأسطولاً جويّاً وآخر بحرياً ولكي يعطينا الصورة الدقيقة عن «الستار الحديدي»، أشار إلى أنّ زمن انتدابه لتمثيل لبنان في الاتحاد السو؟ياتي كان في عهد ستالين، وأن ساعده الأيمن بيريا، وأن بيريا طاغية، وسفّاح قتل بيده مئات من الناس، وأمر هو وسيده بقتل الملايين.
ويستأنف السفير وصف الطائرة التي أحاط رجال بيريا بركابها القلائل ومعهم موظفو الجمارك وبينهم ثلاث فتيات بزيّ البوليس.
والمشهد الأكثر إثارة عن صرامة الأنظمة الروسية، ماثل في قوله: «أنزلت جميع الحقائب من الطائرة ـ أما حقائبنا فوضعت في مكان منعزل ولم يمسها أحد ـ وبدأت عملية التفتيش»، ويردف خليل تقي الدين قائلاً: «وأقسم أنني لم أرَ خلال تنقلي في العالم طوال عشرين سنة تفتيشاً دقيقاً يشمل كلّ شيء وكلّ إنسان، ما عدانا (9)، مثل ما رأيت في باكو، كان الرجل يؤخذ إلى داخل البناء، ويعرّى، وقبل أن تفتّش حقائبه يفتّش جسمه وملابسه. وكانت الشرطيات النساء يتولّين العملية نفسها مع المسافرات... فإذا خرج أحدهم بدأ تفتيش حقائبه، تفتح الحقيبة ويفرغ على الأرض كل ما فيها، فيحملها الموظف بين يديه ويهزّها ويضعها قرب أذنه ثمّ يفحص داخلها ليرى هل فيها جيوب سريّة.
في الجانب الآخر من وصف رحلة الذهاب إلى موسكو يشير إلى أنّ الطائرة اجتازت ستالينغراد التي برزت في الحرب الثانية كإحدى المعارك العظمى التي حوّلت مجرى التاريخ... وبدا تحتنا سهل مترامي الأطراف يصل إلى موسكو ويتخطّاها إلى سيبيريا، وهو يبلغ آلافاً عديدة من الأميال: لا جبل ولا هضبة ولا مرتفع...
... كان المطار بعيداً عن موسكو، والسيارة تقطع المسافة بينهما بساعة، ويصف خليل تقي الدين ما كان يعتريه وقتذاك من الإرهاق وما يشعر به من الحنين وما يداخله من الوحشة إلى بلده وزوجته وأولاده، وقد غمرته «كآبة سوداء واستيقظ على صوت ـ المرافق الروسي ـ سمير نوف، وهو يقول: هذا هو الكرملين. وهذه فوقه نجوم الاتحاد السو؟ياتي الحمراء».
وأخيراً ـ كما قال ـ .. «وصلنا إلى فندق ناسيونال قرب الساحة الحمراء، وصعد بي سمير نوف إلى الدور الرابع يرافقنا موظّف من الفندق. وقال: «هذه هي غرفك يا سعادة الوزير المفوض. وأرقامها 427 و429 و431.. إن هذه الغرف الآن هي مقرّ المفوّضية اللبنانية لدى جمهوريّات الإتحاد السو؟ياتي وهي محل سكنك إلى أن ندبر لكم داراً تليق»، فشكرته، وانصرف.
Page 7
وللإلمام إلماماً أدقّ بمذكّرات خليل تقي الدين نضيء على سفرته لدى الرئيس جمال عبد الناصر (10)، ونكتفي بما ذكره هو من الأحداث ثلاثة شوامخ: صفقة الأسلحة الروسية التي اشتراها عبد الناصر من تشيكوسلوفاكيا وروسيا، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر، وقد وقعت هذه الأحداث في سنتي 1955، و1956 وتكاد تحتل سفارة خليل تقي الدين لدى الرئيس عبد الناصر جلّ حلقات مذكراته كسفير، فهي تمتدّ من الحلقة الرابعة بتاريخ 2 تشرين الثاني 1967 إلى الحلقة التاسعة عشرة تاريخ 29 شباط 1968 (11).
من أهم ما تطرق إليه خليل تقي الدين في الحلقات المذكورة، التي تتّصل بسفارته في القاهرة، نلخصه كما يلي:
(1) يدافع خليل تقي الدين تبعاً للتعاليم التي تمثل سياسة لبنان في عهد كل من الرئيس بشاره الخوري والرئيس رياض الصلح ـ عن الموقف الرسمي للجمهورية اللبنانية، وهو أن لبنان يرفض الأحلاف. وكان الاتحاد السو؟ياتي منذ استقلال لبنان حريصاً على أن يبقى لبنان خارج الأحلاف المحورية ومنها حلف بغداد وكان سفير الاتحاد السو؟ياتي آنذاك «سولود» وكان شديد الحرص على هذه السياسة التي كان الكرملين يسعى إليها.
(2) إنّ مبدأ عدم انخراط لبنان في الأحلاف الإقليمية، كان في طليعة سياسة عبد الناصر وقد خدم خليل تقي الدين هذا المبدأ بمنتهى الاندفاع والصراحة.
(3) يتميّز خليل تقيّ الدين في مراحل وظيفته كوزير مفوَّض بتصدّيه للسياسات العوجاء التي لا تخدم مصلحة لبنان، وكان لهذا الغرض دقيقاً في دراسة الشخصيّات التي يواجهها أثناء أدائه مهامّه. وكان نهجه الدبلوماسي يحتّم عليه أن يعمل بكل قوة للحفاظ على العلاقات الودّية بين لبنان والدول العربية والغربيّة.
(4) وقد اكتسب خليل تقيّ الدين بباعث من إخلاصه في عمله، المكانة البارزة كوزير مفوّض طوال نحو عشرين عاماً في بعثاته إلى الخارج.
(5) ومن أهم صفاته كوزير مفوّض الدقّة في أداء الواجب، والرصانة، وتقدير الظروف، ودراسة المواقف، والخطوات الجريئة والسليمة في آن، ولا ننكر أنّه كان يتمتّع بالذكاء السياسي إن لم نقل بالدهاء الديبلوماسي، ومما قاله معبّراً عن إدراكه لمسؤوليات الوظيفة الدبلوماسية وخطورتها ما جاء في الحلقة الرابعة أثناء سفارته لدى الرئيس عبد الناصر، قال: «وكلما كانت الحوادث التي يتصدّى الكاتب لسردها عظيمة، أو كان الرجل الذي ينقل حديثه ذا شأن وخطر، وكان واجب الأمانة في النقل والسرد أكبر، فما قولك لسنتين من عمري من تموز 1955 إلى حزيران 1957 أمضيتها في القاهرة سفيراً للبنان لدى الرئيس عبد الناصر في فترة ملأتها الأقدار وسيرة التاريخ أحداثاً جساماً هزّت دنيا العرب، بل الدنيا كلّها» (12)، ثمّ يعدّد من هذه الأحداث، ما أشرنا إليه سابقاً: «صفقة الأسلحة الروسية، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر..».
(6) وكان خليل تقي الدين يتمتّع بحسّ الدبلوماسي المرهف، ورجل السياسة الذي يعي أبعاد الأمور وتأثير الأحداث ويدرك نتائجها، ويزن بدقّة عظمة الشخصيّة، بعظمة الأدوار التي تقوم بها. إسمعه يقول وهو يرسم جانباً من شخصيّة الرئيس عبد الناصر (13) «ربّ حدث إذا فجّره الإنسان استحال عليه أن يتحكّم به أو بنتائجه بعد انطلاقه من عقاله، كالذرّة إذا حطمت تفجرت طاقة هائلة.. في سلسلة من التفاعل المستمر لها أول وليس لها آخر.. لقد حطّم الرئيس جمال عبد الناصر الذرّة مرتين خلال سنتين، المرة الأولى في شهر أيلول 1955، حين عقد صفقة الأسلحة الروسية، والمرة الثانية في تموز 1956 حين أمّم القناة...
بقدر ما برع خليل تقي الدين في وزن الأحداث وخطورة المواقف التي يواجهها أثناء قيامه بواجباته كوزير مفوّض كالذي لمسناه في إدراكه أبعاد سياسة جمال عبد الناصر إزاء صفقة الأسلحة الروسية، وتأميم قناة السويس،... كذلك كان يقدِّر مسيرة الأحداث في لبنان والسياسيين الذين يديرون دفة الحكم. وهو أمر يعكس علينا لا خليل تقي الدين الأديب والقاص والكاتب بل خليل تقي الدين رجل القانون والحقوق. ولذا رأيناه ينجح في عمله الديبلوماسي لأنه كان يتصرف بواقعية وبنزعة موضوعية تحسب للأمور حسابها، فقد عاصر كباراً في السياسة اللبنانية من أمثال الرؤساء بشاره الخوري وكميل شمعون ورياض الصلح والوزراء المفوضين أمثال السفراء الذين سبقوه إلى أنحاء المعمورة لتمثيل بلادهم.. فما عرفنا أنه كان منشغلاً بخصومات سياسيّة، بل كان حسن الأحدوثة كبيراً في معاركه الديبلوماسية التي تشهد له بالذكاء والحكمة وحصافة الرأي. ونحن نتلمّس هذه الصفات في جوانب مذكّراته كسفير بارع في رسم المواقف والتخطيط لها. كل هذا شاهد على واقعيّة ونضج عناصر الحكمة في سيرته.
رغم هذا الإسهاب في الكلام على مذكرات خليل تقي الدين نقرّ بأن الذي سردناه يكاد يمثّل جزءاً ضئيلاً من كتاب مذكراته الحافلة بالطرافة والتي لا تخلو من المفاجآت وتكشف عن غنى ملحوظ في شخصيّة وزيرنا المفوّض، والأعباء الجسام التي نهض بها والمهام الكثيرة التي أدّاها بكثير من الأناة والحرص وكثير من اليقظة مقرونة بالرّهبة أحياناً لعدم الإخلال بموازين القوى المتصارعة فلا عقوبة ولا استهتار ولا ارتجال لهذا كلّه يبقى القول بأنه لا غنى عن مصاحبة السفير في مذكراته للإحاطة وتلمّس الحقائق من صميم الحدث وروايته. ولا مبالغة في هذه الوقائع، لأن التحليل مهما بلغ من البراعة والدقة، لا يرقى إلى مستوى الحقيقة. فكيف نكتفي من المذكرات الواقعة في نحو مئة صفحة من القطع الكبير، بمثل العرض الذي وضعناه بين يدي القارىء. فضلاً عمّا نعتبره الاستمتاع بأسلوب صاحب المذكرات وما يبث بين سطوره من ملاحظات خفيّة ذات مقاصد بعيدة الغور. ولذا نعتذر للقارىء عن كل قصور في أدائنا من شأنه أن لا يعوّض عن الذهاب إلى عباب المورد، كأن يقرأ ما استوحاه خليل تقي الدين من أدب القصة خلال وجوده في موسكو قصدنا قصة «تمارا» وروايته كارن وحسن، ولا سيما ما أورده من صفحات ذكرياته عن مشاهدة شمس نصف الليل حين حلّقت بهم الطائرة فوق أصقاع القطب الشمالي، ففي وصفه يثبت خليل تقي الدين صفة الفنان الرسام الذي يخط بقلمه رائع اللوحات مما قد يعجز عنه كثير من أصحاب المواهب.
إنّ مذكّرات خليل تقي الدين، ليس فقط من أهم ما رواه الرجالات الكبار من أحداث مهامّهم في تاريخ حياتهم، بل من أنصع الصفحات وأكثرها صراحة وأبعدها عن المغالاة والمبالغة وهي بحق الصورة المثلى لوزير مفوض من الدرجة المثلى.
د. عمر الطبّاع
من أهم ما تطرق إليه خليل تقي الدين في الحلقات المذكورة، التي تتّصل بسفارته في القاهرة، نلخصه كما يلي:
(1) يدافع خليل تقي الدين تبعاً للتعاليم التي تمثل سياسة لبنان في عهد كل من الرئيس بشاره الخوري والرئيس رياض الصلح ـ عن الموقف الرسمي للجمهورية اللبنانية، وهو أن لبنان يرفض الأحلاف. وكان الاتحاد السو؟ياتي منذ استقلال لبنان حريصاً على أن يبقى لبنان خارج الأحلاف المحورية ومنها حلف بغداد وكان سفير الاتحاد السو؟ياتي آنذاك «سولود» وكان شديد الحرص على هذه السياسة التي كان الكرملين يسعى إليها.
(2) إنّ مبدأ عدم انخراط لبنان في الأحلاف الإقليمية، كان في طليعة سياسة عبد الناصر وقد خدم خليل تقي الدين هذا المبدأ بمنتهى الاندفاع والصراحة.
(3) يتميّز خليل تقيّ الدين في مراحل وظيفته كوزير مفوَّض بتصدّيه للسياسات العوجاء التي لا تخدم مصلحة لبنان، وكان لهذا الغرض دقيقاً في دراسة الشخصيّات التي يواجهها أثناء أدائه مهامّه. وكان نهجه الدبلوماسي يحتّم عليه أن يعمل بكل قوة للحفاظ على العلاقات الودّية بين لبنان والدول العربية والغربيّة.
(4) وقد اكتسب خليل تقيّ الدين بباعث من إخلاصه في عمله، المكانة البارزة كوزير مفوّض طوال نحو عشرين عاماً في بعثاته إلى الخارج.
(5) ومن أهم صفاته كوزير مفوّض الدقّة في أداء الواجب، والرصانة، وتقدير الظروف، ودراسة المواقف، والخطوات الجريئة والسليمة في آن، ولا ننكر أنّه كان يتمتّع بالذكاء السياسي إن لم نقل بالدهاء الديبلوماسي، ومما قاله معبّراً عن إدراكه لمسؤوليات الوظيفة الدبلوماسية وخطورتها ما جاء في الحلقة الرابعة أثناء سفارته لدى الرئيس عبد الناصر، قال: «وكلما كانت الحوادث التي يتصدّى الكاتب لسردها عظيمة، أو كان الرجل الذي ينقل حديثه ذا شأن وخطر، وكان واجب الأمانة في النقل والسرد أكبر، فما قولك لسنتين من عمري من تموز 1955 إلى حزيران 1957 أمضيتها في القاهرة سفيراً للبنان لدى الرئيس عبد الناصر في فترة ملأتها الأقدار وسيرة التاريخ أحداثاً جساماً هزّت دنيا العرب، بل الدنيا كلّها» (12)، ثمّ يعدّد من هذه الأحداث، ما أشرنا إليه سابقاً: «صفقة الأسلحة الروسية، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي على مصر..».
(6) وكان خليل تقي الدين يتمتّع بحسّ الدبلوماسي المرهف، ورجل السياسة الذي يعي أبعاد الأمور وتأثير الأحداث ويدرك نتائجها، ويزن بدقّة عظمة الشخصيّة، بعظمة الأدوار التي تقوم بها. إسمعه يقول وهو يرسم جانباً من شخصيّة الرئيس عبد الناصر (13) «ربّ حدث إذا فجّره الإنسان استحال عليه أن يتحكّم به أو بنتائجه بعد انطلاقه من عقاله، كالذرّة إذا حطمت تفجرت طاقة هائلة.. في سلسلة من التفاعل المستمر لها أول وليس لها آخر.. لقد حطّم الرئيس جمال عبد الناصر الذرّة مرتين خلال سنتين، المرة الأولى في شهر أيلول 1955، حين عقد صفقة الأسلحة الروسية، والمرة الثانية في تموز 1956 حين أمّم القناة...
بقدر ما برع خليل تقي الدين في وزن الأحداث وخطورة المواقف التي يواجهها أثناء قيامه بواجباته كوزير مفوّض كالذي لمسناه في إدراكه أبعاد سياسة جمال عبد الناصر إزاء صفقة الأسلحة الروسية، وتأميم قناة السويس،... كذلك كان يقدِّر مسيرة الأحداث في لبنان والسياسيين الذين يديرون دفة الحكم. وهو أمر يعكس علينا لا خليل تقي الدين الأديب والقاص والكاتب بل خليل تقي الدين رجل القانون والحقوق. ولذا رأيناه ينجح في عمله الديبلوماسي لأنه كان يتصرف بواقعية وبنزعة موضوعية تحسب للأمور حسابها، فقد عاصر كباراً في السياسة اللبنانية من أمثال الرؤساء بشاره الخوري وكميل شمعون ورياض الصلح والوزراء المفوضين أمثال السفراء الذين سبقوه إلى أنحاء المعمورة لتمثيل بلادهم.. فما عرفنا أنه كان منشغلاً بخصومات سياسيّة، بل كان حسن الأحدوثة كبيراً في معاركه الديبلوماسية التي تشهد له بالذكاء والحكمة وحصافة الرأي. ونحن نتلمّس هذه الصفات في جوانب مذكّراته كسفير بارع في رسم المواقف والتخطيط لها. كل هذا شاهد على واقعيّة ونضج عناصر الحكمة في سيرته.
رغم هذا الإسهاب في الكلام على مذكرات خليل تقي الدين نقرّ بأن الذي سردناه يكاد يمثّل جزءاً ضئيلاً من كتاب مذكراته الحافلة بالطرافة والتي لا تخلو من المفاجآت وتكشف عن غنى ملحوظ في شخصيّة وزيرنا المفوّض، والأعباء الجسام التي نهض بها والمهام الكثيرة التي أدّاها بكثير من الأناة والحرص وكثير من اليقظة مقرونة بالرّهبة أحياناً لعدم الإخلال بموازين القوى المتصارعة فلا عقوبة ولا استهتار ولا ارتجال لهذا كلّه يبقى القول بأنه لا غنى عن مصاحبة السفير في مذكراته للإحاطة وتلمّس الحقائق من صميم الحدث وروايته. ولا مبالغة في هذه الوقائع، لأن التحليل مهما بلغ من البراعة والدقة، لا يرقى إلى مستوى الحقيقة. فكيف نكتفي من المذكرات الواقعة في نحو مئة صفحة من القطع الكبير، بمثل العرض الذي وضعناه بين يدي القارىء. فضلاً عمّا نعتبره الاستمتاع بأسلوب صاحب المذكرات وما يبث بين سطوره من ملاحظات خفيّة ذات مقاصد بعيدة الغور. ولذا نعتذر للقارىء عن كل قصور في أدائنا من شأنه أن لا يعوّض عن الذهاب إلى عباب المورد، كأن يقرأ ما استوحاه خليل تقي الدين من أدب القصة خلال وجوده في موسكو قصدنا قصة «تمارا» وروايته كارن وحسن، ولا سيما ما أورده من صفحات ذكرياته عن مشاهدة شمس نصف الليل حين حلّقت بهم الطائرة فوق أصقاع القطب الشمالي، ففي وصفه يثبت خليل تقي الدين صفة الفنان الرسام الذي يخط بقلمه رائع اللوحات مما قد يعجز عنه كثير من أصحاب المواهب.
إنّ مذكّرات خليل تقي الدين، ليس فقط من أهم ما رواه الرجالات الكبار من أحداث مهامّهم في تاريخ حياتهم، بل من أنصع الصفحات وأكثرها صراحة وأبعدها عن المغالاة والمبالغة وهي بحق الصورة المثلى لوزير مفوض من الدرجة المثلى.
د. عمر الطبّاع
Page 8
قصة الاستقلال
قلنا أكثر من مرة، وبصوت عالٍ، وبوثائق وأسانيد، وشهادات عيانيّة: لا يمكن أن تمرّ «ذكرى الاستقلال» في لبنان دون أن نذكر اسم أديب البعيني بطل الاستقلال الحقيقي، مع خالص محبتنا وتقديرنا للذين شاركوا في صنع التاريخ. وكانت لهم اليد الطولى في معركة نيل الاستقلال الظافرة.
تمرُّ الذكرى الـ 69 ونحن في مرارة وأسى على الذين كابدوا وناضلوا واستشهدوا، وكانت لهم بصمات خالدة في تاريخ لبنان لا يمكن نسيانها أو تجاهلها والتي كان لها تأثير كبير في مجريات الأمور في لبنان، هذا البلد الصغير الحجم في مساحته والقليل السكان في عدده، ولكنه كبير عظيم بأهله الأشاوس ومواطنيه الشرفاء الذين عاشوا في تلك الفترة العصيبة التي مرّت بها البلاد، وكان لهم شرف المساهمة في أن يكونوا جنوداً مجنَّدين لوطنهم وللأرض التي أنبتتهم فانتشروا في تلك الهضاب من «عيناب» إلى «عين عنوب» إلى «بشامون» إلى «سرحمول»... هذه الهضاب والوديان والتلال كان لها استقبال لرجال الاستقلال وأبطال الاستقلال في بلدة «بشامون». التي كانت المركز الرئيسي لتلك القرى والبلدات التي آمنت بهذا الوطن، حرّاً سيِّداً مستقلاً. وكان لهؤلاء المميزين شرف الذود عن هذا الوطن بجميع فئاته وأحزابه وطوائفه ومذاهبه في كل صقع ومن كلّ حدب وصوب وكلّ شبر من أرضنا الحبيبة العزيزة.
لبنان واستقلاله كان في أزمة خانقة عصيبة. الكلّ انتفض والكلّ كان على أهبة الاستعداد للدفاع عن أرض الوطن... كلّ حسب إمكاناته وطاقاته. بعضهم حمل فأساً أو بندقية أو مسدساً أو سكنياً أو ساطوراً... فالكلُّ يريد أن يدافع عن أرض الوطن وتربته!
لبنان واستقلاله في خطر! فأين الهمم والسواعد؟ أين وسائل الدفاع عن أرض الوطن.
الصحف أشادت بجهود السياسيين المعتدلين وأجهزة التلفاز باركت جهودهم كذلك. ولكن قاعدة العمل الحقيقي، أو الثورة التي انطلقت من بشامون لم يُحكَ عنها... ولا عن الاستعدادات كلها التي قامت هنا وهناك وهنالك... لم يشر إليها بالبنان، فلماذا؟ لقد كتب بعضهم عن أولئك المجاهدين بشكل خجول ولكن لم يشر إليهم بالبنان ولم يفصح عنهم باللسان والجنان.. لماذا؟
لقد كان من بين أفراد الحرس الوطني في بشامون رجل عُرف ببسالته وقوته وقدرته وشجاعته اسمه: أديب البعيني، أحد القادة الذين قاتلوا من أجل لبنان واستقلاله وحريته!
عندما سقط سعيد فخر الدين شهيداً قرب «البركة» وأراد أديب أن يثأر له رمى نفسه في «البركة». وكانت المياه تطفو عليها وفيها... سعيد هو رجل الاستقلال الحقيقي الذي سقط على مرأى بعض أفراد الحرس الوطني، وأمام ناظري أديب البعيني. والذي رأوه قد انتحى جانباً بعد مصرعه بثوانٍ. فسأله الشيخ منير تقي الدين:
ـ لماذا تبكي يا أديب؟
فأجابه أديب والدموع حزينة تترقرق في عينيه:
ـ أيستشهد رفيقي سعيد فخر الدين وأبقى أنا حيَّاً؟!
كان أديب يطلق من رشاشه الرصاص من «البركة» في كل جانب ثأراً لرفيقه سعيد فخر الدين. وقد رمى بجسمه في «البركة» لأن الرصاص لا يخترق المياه وهو محاط من كل جانب. فيستطيع أن يطلق الرصاص بكل حرية في كل ناحية وفي كل اتجاه!
قلنا أكثر من مرة، وبصوت عالٍ، وبوثائق وأسانيد، وشهادات عيانيّة: لا يمكن أن تمرّ «ذكرى الاستقلال» في لبنان دون أن نذكر اسم أديب البعيني بطل الاستقلال الحقيقي، مع خالص محبتنا وتقديرنا للذين شاركوا في صنع التاريخ. وكانت لهم اليد الطولى في معركة نيل الاستقلال الظافرة.
تمرُّ الذكرى الـ 69 ونحن في مرارة وأسى على الذين كابدوا وناضلوا واستشهدوا، وكانت لهم بصمات خالدة في تاريخ لبنان لا يمكن نسيانها أو تجاهلها والتي كان لها تأثير كبير في مجريات الأمور في لبنان، هذا البلد الصغير الحجم في مساحته والقليل السكان في عدده، ولكنه كبير عظيم بأهله الأشاوس ومواطنيه الشرفاء الذين عاشوا في تلك الفترة العصيبة التي مرّت بها البلاد، وكان لهم شرف المساهمة في أن يكونوا جنوداً مجنَّدين لوطنهم وللأرض التي أنبتتهم فانتشروا في تلك الهضاب من «عيناب» إلى «عين عنوب» إلى «بشامون» إلى «سرحمول»... هذه الهضاب والوديان والتلال كان لها استقبال لرجال الاستقلال وأبطال الاستقلال في بلدة «بشامون». التي كانت المركز الرئيسي لتلك القرى والبلدات التي آمنت بهذا الوطن، حرّاً سيِّداً مستقلاً. وكان لهؤلاء المميزين شرف الذود عن هذا الوطن بجميع فئاته وأحزابه وطوائفه ومذاهبه في كل صقع ومن كلّ حدب وصوب وكلّ شبر من أرضنا الحبيبة العزيزة.
لبنان واستقلاله كان في أزمة خانقة عصيبة. الكلّ انتفض والكلّ كان على أهبة الاستعداد للدفاع عن أرض الوطن... كلّ حسب إمكاناته وطاقاته. بعضهم حمل فأساً أو بندقية أو مسدساً أو سكنياً أو ساطوراً... فالكلُّ يريد أن يدافع عن أرض الوطن وتربته!
لبنان واستقلاله في خطر! فأين الهمم والسواعد؟ أين وسائل الدفاع عن أرض الوطن.
الصحف أشادت بجهود السياسيين المعتدلين وأجهزة التلفاز باركت جهودهم كذلك. ولكن قاعدة العمل الحقيقي، أو الثورة التي انطلقت من بشامون لم يُحكَ عنها... ولا عن الاستعدادات كلها التي قامت هنا وهناك وهنالك... لم يشر إليها بالبنان، فلماذا؟ لقد كتب بعضهم عن أولئك المجاهدين بشكل خجول ولكن لم يشر إليهم بالبنان ولم يفصح عنهم باللسان والجنان.. لماذا؟
لقد كان من بين أفراد الحرس الوطني في بشامون رجل عُرف ببسالته وقوته وقدرته وشجاعته اسمه: أديب البعيني، أحد القادة الذين قاتلوا من أجل لبنان واستقلاله وحريته!
عندما سقط سعيد فخر الدين شهيداً قرب «البركة» وأراد أديب أن يثأر له رمى نفسه في «البركة». وكانت المياه تطفو عليها وفيها... سعيد هو رجل الاستقلال الحقيقي الذي سقط على مرأى بعض أفراد الحرس الوطني، وأمام ناظري أديب البعيني. والذي رأوه قد انتحى جانباً بعد مصرعه بثوانٍ. فسأله الشيخ منير تقي الدين:
ـ لماذا تبكي يا أديب؟
فأجابه أديب والدموع حزينة تترقرق في عينيه:
ـ أيستشهد رفيقي سعيد فخر الدين وأبقى أنا حيَّاً؟!
كان أديب يطلق من رشاشه الرصاص من «البركة» في كل جانب ثأراً لرفيقه سعيد فخر الدين. وقد رمى بجسمه في «البركة» لأن الرصاص لا يخترق المياه وهو محاط من كل جانب. فيستطيع أن يطلق الرصاص بكل حرية في كل ناحية وفي كل اتجاه!
Page 9
واستطاع بهذا العمل أن يثأر لرفيقه فقتل عدة رجال سنغاليين من الذين كانوا حول البركة!
هذه حادثة شهيرة عن بطولة أديب وذكائه في اقتحام المعارك... وهناك بطولات له سبقتها... كان في كل واحدة منها البطل الجسور والمناضل الشجاع في الدفاع عن الوطن وترابه.
كيف تجمّع الشباب والمجاهدون والمناضلون من كل حدب وصوب يحملون أرواحهم على أكفهم في بلدة بشامون؟ تلك البلدة التي أرادوها أن تكون مركز الالتقاء ومركز الثورة ومركز الجهاد الوطني ضد الجيوش الفرنسية التي أرادت في ذلك الوقت كسر شوكة المجاهدين والقضاء على روح الدفاع عن الوطن وانتزاع حب السعادة والعنفوان من نفوس الشعب المناضل الذي أراد الحرية والسيادة والتحرر والاستقلال بعيداً عن جشع الفرنسيين وحب سيطرتهم الكاملة على مختلف الأراضي اللبنانية. من هنا، أخذ الفرنسيون يلاحقون السياسيين الذين أرادوا أن يؤلبوا الجماهير ضد سيطرة الفرنسيين على جميع الأراضي اللبنانية.
أراد الفرنسيون ملاحقة هؤلاء الوطنيين من رجال السياسة بدءاً بالشيخ بشاره الخوري وصبري حماده وحبيب أبي شهلا والأمير مجيد أرسلان. وإزاء هذا الوضع المتأزم في البلاد شكَّل هؤلاء وغيرهم حكومة الثورة من السياسيين الذين ذكرتهم بالإضافة إلى مستشارين هما: الكولونيل فوزي طرابلسي وهو عسكري، وخليل تقي الدين وهو سياسي.
وراحت الثورة الشعبية تكبر وتكبر مع مضي الأيام إلى أن امتدّت على مسافة شاسعة واسعة من أرض الوطن.
كانت الجبهة المقاتلة الثائرة تمتدُّ من بلدة عين عنوب إلى بشامون إلى عيناب إلى عيتات إلى سرحمول إلى المرتفعات والمنخفضات والوديان التي تحيط بهذه القرى، إلى حركات العصيان في هذه القرى والبلدات من «قرى الغرب». وكانت تلك القرى تغلي غلياناً بالمتطوعين وأصحاب الهمم الثائرة على البغي والعدوان والاستبداد والظلم، الذين توافدوا للالتحاق بالثورة من جميع المناطق وهم يعدّون بالمئات، آلوا على أنفسهم أن يكونوا صفاً واحداً وقلوباً متراصة ضد نوايا الفرنسيين الخبيثة.
وهنا، نعطي بعض النماذج عن روح الوطنية والإقدام والثأر عند المواطنين: قاد رجل عجوز أولاده الثلاثة وهو من عائلة الحلبي إلى ساحة القتال، وكان مع اثنين منهم سلاح فقال الأب للثالث:
ـ عليك أن تحمل خنجرك الآن حتى إذا وقع أحد أخويك شهيداً، تتسلّم بندقيته وتؤدي واجبك على أكمل وجه... وإذا كان هناك من حاجة ضرورية إليّ سأعود إلى الساحة...».
كانت بيوت بلدة بشامون ثكنات لجنود الثورة. وكانت منازل عين عنوب وسرحمول مستعدة أتمَّ الاستعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل صون الثورة من الأذى. وكان أهالي تلك المنطقة يودّعون عائلاتهم وصغارهم ويذهبون إلى ميدان الجهاد ضدّ الفرنسيين وتصرفاتهم الشاذة والاعتداء على الأهالي في عقر دارهم ضمن بيوتهم.
كنت قلت في بداية حديثي:
لا يمكن أن تمرّ هذه الذكرى بدون ذكر البطل المقدام أديب البعيني. هذا الشاب الذي كان يندفع اندفاعاً بطولياً في سبيل الذود عن حياض الوطن. شهد بطولته الجميع وقدّروه حق قدره. كان أديب البعيني عريفاً في الدرك اللبناني في عكار، في بلدة حلبا، عندما بلغته أخبار اعتقالات السياسيين وغير السياسيين التي قام بها الفرنسيون في بيروت وغير بيروت.
حمل سلاحه (المترليوز)، بعد أن تمكّن من الحصول عليه من مخفر الدرك الذي ينتمي إليه، وبعض الذخيرة وانطلق تاركاً وظيفته. وأقبل مسرعاً ليكون في قلب الثورة المشتعلة. وكان أول من لبّى النداء بروح وثابة دون تردّد أو خوف.
ويُروى أن أديباً قضى تلك الأيام المعدودة ليل نهار ويده مقبوضة على «المترليوز» يحمله على كتفه. وكان «السلاح الثقيل» الوحيد في تلك المعارك بين المجاهدين من أفراد الحرس الوطني الذين بلغوا نحو الثلاثمئة مقاتل بصرف النظر عن أسلحتهم التي كانت تتنوع من رجل إلى رجل.
وكان الشهيد الوحيد الذي سقط في معركة بشامون والذي سمي الشهيد الأول هو سعيد فخر الدين. سقط إلى جانب أديب البعيني وهو يُقاتل قتال الأبطال الشجعان غير هيّاب ولا وجل. ولا نحسب أنَّ من العدل أن تُذكر أحداث الاستقلال دون أن يوفّى هذان الشهيدان حقهما من التنويه والإشادة إحقاقاً للحق واعترافاً بالجميل.
بعد تلك الأحداث عيّن أديب البعيني رئيساً للحرس الجمهوري في قصر الشيخ بشاره الخوري، فاغتاله غدراً من الوراء، سليم الحران أحد أزلام الرئيس وهو يصعد الدرج الجمهوري، فما إن وصل إلى آخر درجة حتى أطلق عليه الرصاص من بندقيته فأرداه قتيلاً.
ويعود سبب ذلك إلى أن الرئيس بشاره الخوري عاد في ليلة رأس السنة إلى القصر متأخراً دون أن يكون الحرس على علم بذلك، وكان أن تباطأ الحرس في استقبال الرئيس، فنهر أديب سليماً فحصل تلاسن بينهما. وصعد أديب الدرج على مهل، فما كان من سليم الحران إلّا أن أطلق عليه ثلاث رصاصات غدراً. وهذه الحادثة حصلت في ليلة رأس السنة في 31/12/1943.
والمؤسف أن نفوذ الرئيس تدخل فوراً في الأمر دون أن يأخذ العدل مجراه، فلم يسجن الجاني غير بضعة أشهر. وبقي فترة بحماية القصر الجمهوري. وعندما مورس الضغط على الشيخ بشاره رحّله من لبنان إلى الخارج بعيداً عن السلطة والقانون والمحاكمة. وبهذا العمل خرق الرئيس بشاره الخوري القوانين المعمول بها، وحال دون شنقه في ذلك الوقت فقضى على روح العدالة وبث مبدأ ارتكاب الجرائم في أنحاء البلاد والغدر بالأبرياء من أفراد الشعب اللبناني.
هذه حادثة شهيرة عن بطولة أديب وذكائه في اقتحام المعارك... وهناك بطولات له سبقتها... كان في كل واحدة منها البطل الجسور والمناضل الشجاع في الدفاع عن الوطن وترابه.
كيف تجمّع الشباب والمجاهدون والمناضلون من كل حدب وصوب يحملون أرواحهم على أكفهم في بلدة بشامون؟ تلك البلدة التي أرادوها أن تكون مركز الالتقاء ومركز الثورة ومركز الجهاد الوطني ضد الجيوش الفرنسية التي أرادت في ذلك الوقت كسر شوكة المجاهدين والقضاء على روح الدفاع عن الوطن وانتزاع حب السعادة والعنفوان من نفوس الشعب المناضل الذي أراد الحرية والسيادة والتحرر والاستقلال بعيداً عن جشع الفرنسيين وحب سيطرتهم الكاملة على مختلف الأراضي اللبنانية. من هنا، أخذ الفرنسيون يلاحقون السياسيين الذين أرادوا أن يؤلبوا الجماهير ضد سيطرة الفرنسيين على جميع الأراضي اللبنانية.
أراد الفرنسيون ملاحقة هؤلاء الوطنيين من رجال السياسة بدءاً بالشيخ بشاره الخوري وصبري حماده وحبيب أبي شهلا والأمير مجيد أرسلان. وإزاء هذا الوضع المتأزم في البلاد شكَّل هؤلاء وغيرهم حكومة الثورة من السياسيين الذين ذكرتهم بالإضافة إلى مستشارين هما: الكولونيل فوزي طرابلسي وهو عسكري، وخليل تقي الدين وهو سياسي.
وراحت الثورة الشعبية تكبر وتكبر مع مضي الأيام إلى أن امتدّت على مسافة شاسعة واسعة من أرض الوطن.
كانت الجبهة المقاتلة الثائرة تمتدُّ من بلدة عين عنوب إلى بشامون إلى عيناب إلى عيتات إلى سرحمول إلى المرتفعات والمنخفضات والوديان التي تحيط بهذه القرى، إلى حركات العصيان في هذه القرى والبلدات من «قرى الغرب». وكانت تلك القرى تغلي غلياناً بالمتطوعين وأصحاب الهمم الثائرة على البغي والعدوان والاستبداد والظلم، الذين توافدوا للالتحاق بالثورة من جميع المناطق وهم يعدّون بالمئات، آلوا على أنفسهم أن يكونوا صفاً واحداً وقلوباً متراصة ضد نوايا الفرنسيين الخبيثة.
وهنا، نعطي بعض النماذج عن روح الوطنية والإقدام والثأر عند المواطنين: قاد رجل عجوز أولاده الثلاثة وهو من عائلة الحلبي إلى ساحة القتال، وكان مع اثنين منهم سلاح فقال الأب للثالث:
ـ عليك أن تحمل خنجرك الآن حتى إذا وقع أحد أخويك شهيداً، تتسلّم بندقيته وتؤدي واجبك على أكمل وجه... وإذا كان هناك من حاجة ضرورية إليّ سأعود إلى الساحة...».
كانت بيوت بلدة بشامون ثكنات لجنود الثورة. وكانت منازل عين عنوب وسرحمول مستعدة أتمَّ الاستعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل صون الثورة من الأذى. وكان أهالي تلك المنطقة يودّعون عائلاتهم وصغارهم ويذهبون إلى ميدان الجهاد ضدّ الفرنسيين وتصرفاتهم الشاذة والاعتداء على الأهالي في عقر دارهم ضمن بيوتهم.
كنت قلت في بداية حديثي:
لا يمكن أن تمرّ هذه الذكرى بدون ذكر البطل المقدام أديب البعيني. هذا الشاب الذي كان يندفع اندفاعاً بطولياً في سبيل الذود عن حياض الوطن. شهد بطولته الجميع وقدّروه حق قدره. كان أديب البعيني عريفاً في الدرك اللبناني في عكار، في بلدة حلبا، عندما بلغته أخبار اعتقالات السياسيين وغير السياسيين التي قام بها الفرنسيون في بيروت وغير بيروت.
حمل سلاحه (المترليوز)، بعد أن تمكّن من الحصول عليه من مخفر الدرك الذي ينتمي إليه، وبعض الذخيرة وانطلق تاركاً وظيفته. وأقبل مسرعاً ليكون في قلب الثورة المشتعلة. وكان أول من لبّى النداء بروح وثابة دون تردّد أو خوف.
ويُروى أن أديباً قضى تلك الأيام المعدودة ليل نهار ويده مقبوضة على «المترليوز» يحمله على كتفه. وكان «السلاح الثقيل» الوحيد في تلك المعارك بين المجاهدين من أفراد الحرس الوطني الذين بلغوا نحو الثلاثمئة مقاتل بصرف النظر عن أسلحتهم التي كانت تتنوع من رجل إلى رجل.
وكان الشهيد الوحيد الذي سقط في معركة بشامون والذي سمي الشهيد الأول هو سعيد فخر الدين. سقط إلى جانب أديب البعيني وهو يُقاتل قتال الأبطال الشجعان غير هيّاب ولا وجل. ولا نحسب أنَّ من العدل أن تُذكر أحداث الاستقلال دون أن يوفّى هذان الشهيدان حقهما من التنويه والإشادة إحقاقاً للحق واعترافاً بالجميل.
بعد تلك الأحداث عيّن أديب البعيني رئيساً للحرس الجمهوري في قصر الشيخ بشاره الخوري، فاغتاله غدراً من الوراء، سليم الحران أحد أزلام الرئيس وهو يصعد الدرج الجمهوري، فما إن وصل إلى آخر درجة حتى أطلق عليه الرصاص من بندقيته فأرداه قتيلاً.
ويعود سبب ذلك إلى أن الرئيس بشاره الخوري عاد في ليلة رأس السنة إلى القصر متأخراً دون أن يكون الحرس على علم بذلك، وكان أن تباطأ الحرس في استقبال الرئيس، فنهر أديب سليماً فحصل تلاسن بينهما. وصعد أديب الدرج على مهل، فما كان من سليم الحران إلّا أن أطلق عليه ثلاث رصاصات غدراً. وهذه الحادثة حصلت في ليلة رأس السنة في 31/12/1943.
والمؤسف أن نفوذ الرئيس تدخل فوراً في الأمر دون أن يأخذ العدل مجراه، فلم يسجن الجاني غير بضعة أشهر. وبقي فترة بحماية القصر الجمهوري. وعندما مورس الضغط على الشيخ بشاره رحّله من لبنان إلى الخارج بعيداً عن السلطة والقانون والمحاكمة. وبهذا العمل خرق الرئيس بشاره الخوري القوانين المعمول بها، وحال دون شنقه في ذلك الوقت فقضى على روح العدالة وبث مبدأ ارتكاب الجرائم في أنحاء البلاد والغدر بالأبرياء من أفراد الشعب اللبناني.
Page 10
ونذكر هنا حادثة أخرى. أوردها الشيخ منير تقي الدين، مدير عام وزارة الدفاع الوطني اللبناني لاحقاً، في كتابه بعنوان: «ولادة استقلال» عن أحداث ثورة بشامون في سنة 1943. يوم اشتداد الضغط على منزل رئيس الجمهورية الشيخ بشاره الخوري. فكانت السلطة الفرنسية تركِّز المدافع الرشاشة على سطوح المنازل المجاورة لبيت رئيس الجمهورية وتصوبها إليه. وكان القصر الجمهوري في «محلة القنطاري» ببيروت. وكانت الطلقات النارية تلعلع في فترات جدّ متقاربة. وفجأة في نحو الساعة الرابعة من بعد الظهر مرّت سيارة عسكرية فرنسية فيها ضابط وثلاثة جنود، فوقفت لحظات قصيرة أمام بيت الرئيس، وصوّب الجنود مسدساتهم إلى حديقة المنزل المكتظة بالزائرين. واطلقوا الرصاص على الجمهور الذي في القصر فسقط ثلاثة شبان على الأرض مضرجين بدمائهم.
فصاح الأمير مجيد أرسلان وزير الدفاع الوطني آنذاك قائلاً:
ـ ألا يوجد رجل في هذا الجمع الغفير يدافع عن كرامتنا؟ فاندفع أديب البعيني من بين تلك الجموع. وخرج شاهراً مسدسه يطلق الرصاص على الفرنسيين فولوا الإدبار.
وعندما عينت حكومة بشامون الكولونيل فوزي طرابلسي قائداً لقوى الأمن الداخلي في 11 تشرين الثاني 1943. نقل أديب البعيني مرسوم التعيين إلى منزله في بيروت. ولم يكتف بذلك، بل كان يتحدى الخطر المحدق به وينقله بالسيارة من بيروت إلى بشامون، وبالعكس، حماية له وتأميناً للحراسة الأمنية عليه، خوفاً من الاغتيال أو الغدر.
فصاح الأمير مجيد أرسلان وزير الدفاع الوطني آنذاك قائلاً:
ـ ألا يوجد رجل في هذا الجمع الغفير يدافع عن كرامتنا؟ فاندفع أديب البعيني من بين تلك الجموع. وخرج شاهراً مسدسه يطلق الرصاص على الفرنسيين فولوا الإدبار.
وعندما عينت حكومة بشامون الكولونيل فوزي طرابلسي قائداً لقوى الأمن الداخلي في 11 تشرين الثاني 1943. نقل أديب البعيني مرسوم التعيين إلى منزله في بيروت. ولم يكتف بذلك، بل كان يتحدى الخطر المحدق به وينقله بالسيارة من بيروت إلى بشامون، وبالعكس، حماية له وتأميناً للحراسة الأمنية عليه، خوفاً من الاغتيال أو الغدر.