eKtab
EN ع
أسس علم النفس الاجتماعي
Read free sample

أسس علم النفس الاجتماعي

by د. أحمد محمد الزعبي

Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إن علم النفس الاجتماعي علم قديم، فقد بدأت نشأته في أحضان الفلسفة اليونانية، ثم مزج بين الفلسفة والعلم، بعد ذلك صحح مساره لتتضح اتجاهاته العلمية في القرن العشرين وتحول إلى علم تجريبي.

وفي القرن العشرين نجد أن هناك ثورة علمية كبيرة في ميادين العلوم المختلفة وميدان علم النفس بشكل خاص. وعلم النفس الاجتماعي هو أحد فروع علم النفس الذي حظي بمزيد من البحوث والدراسات العلمية، حتى أنه يمكن القول بأنه ما كان البارحة جديداً أصبح اليوم قديماً، وذلك نتيجة للسيل المتدفق من هذه البحوث والدراسات والكتب المنشورة في هذا الميدان. ولهذا فإن القارئ يعد متخلفاً عن مواكبة الثورة العلمية، وسيجد معلوماته قديمة إذا لم يتتبع مثل هذه الدراسات والبحوث والكتب.

وعلم النفس الاجتماعي يهدف في الأساس إلى فهم طبيعة العلاقات القائمة بين الفرد والمجتمع مؤثراً ومتأثراً به، ويحاول فهم الطريقة التي من خلالها يتمكن الإنسان من التوافق مع القواعد والمعايير والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه. هذا وقد ساعدت الدراسات التجريبية الكثيرة في ميدان علم النفس الاجتماعي الفرد والمجتمع على تفهم طبيعة العلاقة القائمة بينهما، وذلك لما فيه خير للفرد والمجتمع في آن واحد.

ولقد تناول المؤلف في هذا الكتاب أهم الموضوعات التي يهتم بها علم النفس الاجتماعي بصورة خاصة بأسلوب بسيط رغم علميته، ودقيق رغم سهولته، وواضح رغم تعقد موضوعاته، وشيق رغم موضوعيته. ولذلك ليتمكن الطالب والباحث والقارئ المهتم بقضايا علم النفس الاجتماعي من فهم هذا العلم ومجالاته المختلفة.

ولهذا فإن القارئ لهذا الكتاب سيجد بين دفتيه تسعة فصول، تناول في الفصل الأول علم النفس الاجتماعي ومصادره الرئيسية والفرعية، وأهميته للإنسان في حياته الخاصة وللمجتمع بصورة عامة.

كما تناول في الفصل الثاني نشأة علم النفس الاجتماعي وتطوره بدءاً من النشأة الفلسفية وحتى وضوح اتجاهاته العلمية في القرن العشرين. ثم تناول في الفصل الثالث مناهج البحث في علم النفس الاجتماعي، وركز بشكل خاص على المنهج التجريبي، والمنهج الوصفي، ومنهج البحث التاريخي، أما في الفصل الرابع فقد تناول الأسس البيولوجية والثقافية للسلوك مؤكداً على الوراثة والبيئة وأثر كل منهما في السلوك. كما تناول في الفصل الخامس التنشئة الاجتماعية من حيث مفهومها وعملياتها ووسائلها المختلفة. وركز في الفصل السادس على الجماعة ودينامياتها. كما تناول في الفصل السابع المعايير والقواعد والقيم والأدوار الاجتماعية. وركز بشكل أساسي في الفصل الثامن على الاتجاهات الاجتماعية من حيث تكوينها ووظائفها وأنواعها وكيفية اكتسابها وقياسها. أما في الفصل التاسع فكان عن سيكولوجية القيادة من حيث مفهومها ونظرياتها، والسلوك القيادي، والعوامل التي تسهم في علميتي القيادة والتبعية، وأنواع القيادة.

نوجز من خلال موضوعات هذا الكتاب المتعددة أن نكون قد وفقنا في إعطاء صورة جلية عن علم النفس الاجتماعي، ليكون عوناً للقارئ، وزاداً قيماً للمكتبة العربية التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من الكتب والمراجع العلمية في مجال علم النفس عامة وعلم النفس الاجتماعي بشكل خاص. ولا يسعنا ونحن نقدم هذا الجهد العلمي المتواضع، إلا أن نتقدم بالشكر والتقدير إلى كل من قدم لنا العون والمساعدة في إنجاز هذا الكتاب، وأخص بالذكر الأستاذ الدكتور عبد علي الجسماني، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة صنعاء – كلية الآداب على تكرمه بالمراجعة العلمية لصفحات هذا الكتاب، وإبداء الملاحظات القيمة التي ساهمت بشكل مباشر في إغناء هذا الكتاب.

والله ولي التوفيق

المؤلف

الدكتور أحمد محمد الزعبي
Page 2
الفصل الأول

علم النفس الاجتماعي

Social Psychology

- تمهيد

- تعاريف علم النفس الاجتماعي

أ‌- المصادر الرئيسية

ب‌- المصادر الفرعية

- أهمية علم النفس الاجتماعي

1- أهمية علم النفس الاجتماعي للإنسان في حياته الخاصة

2- أهمية علم النفس الاجتماعي في مجال التربية والتعليم

3- أهمية علم النفس الاجتماعي في مجال الخدمة الاجتماعية

4- أهمية علم النفس الاجتماعي في مجال القوات المسلحة

5- أهمية علم النفس الاجتماعي في مجال الإعلام والعلاقات العامة

6- أهمية علم النفس الاجتماعي في الصناعة

7- أهمية علم النفس الاجتماعي للمجتمع بصورة عامة
Page 3
تمهيد

يبدأ الإنسان حياته في هذا العالم وليداً لا يدفعه ويوجه سلوكه إلا الحاجات البيولوجية. فالوليد يخرج إلى الحياة مزوداً بمجموعة من الأفعال الطبيعية المنعكسة التي تساعد على البقاء في الحياة.

والفعل المنعكس الطبيعي هو استجابة غير متعلمة لمثير معين من المثيرات، هذه الاستجابة يتحكم فيها الجهاز العصبي والمستقبل للكائن الحي. مثال: العطس عندما يدخل الغبار إلى الأنف، وإفراز اللعاب عند ملاقاة التجويف الفمي مادة ما، كما أن الغذاء حينما ينتقل إلى المعدة، وكذلك الأمعاء تصدر عنهما تقلصات معينة.

ولكن الوليد بعد ذلك يمضي في النمو وتطرأ عليه تغيرات جوهرية، فهو ينمو جسدياً فيزداد طوله ووزنه... وينمو حركياً ويزداد تطوره الحركي فتراه يحبو وينمو عقلياً ويبدأ العقل في الإدراك بما يحبط به، وتنمو قدرته على استخدام ما أوتي من إمكانيات عقلية. وينمو الطفل انفعالياً واجتماعياً ويكتسب أساليب سلوكية معينة يعبر بها عن كل هذه الانفعالات.

وينمو الطفل نجده يبدأ في كشف نوازع سلوكه أو إرجاء إشباع بعض حاجاته بعد أن كان لا يعرف إلا الإشباع المباشر لها.

وبسبب ما حدث له من نضج جسمي وعقلي.. فقد أصبح لديه القدرة على إنشاء العلاقات الانفعالية مع غيره، وعلى الدخول في علاقات اجتماعية فعّالة ومثمرة ومشبعة مع الآخرين.

وتراه بصفة عامة قد ساير الجماعة وامتثل لها بعد أن كانت الجماعة تسايره، وقد يكون التفاعل الذي يحدث بين الطفل ومن يحيطون به من العوامل الهامة التي تؤثر في نمو الطفل العقلي والانفعال والاجتماعي.

وهذا التفاعل سواء أكنا نتحدث عن الأسرة أو الجيران أو المدرسة أو المجتمع أو العمل بصفة عامة، من العوامل الهامة لاكتسابنا صفات تميز كل منا عن الآخر، وهذه الاختلافات قد تزداد وضوحاً وحدة لو أننا عقدنا المقارنات بين الحضارات والثقافات المختلفة، إذ لكل ثقافة قيم واتجاهات ومعايير وعادات شائعة خاصة بها.
Page 4
تعاريف علم النفس الاجتماعي

Definitions Of Social Psychology

اهتم علماء النفس بدراسة التفاعل الذي يتم بين الفرد والآخرين، كما اهتموا بالعوامل المؤثرة في هذا التفاعل، ودرسوا العمليات النفسية المختلفة التي تحصل أثناء التفاعل، وما ينتج عنها من اكتساب الفرد للأساليب السلوكية والقيم والمعايير التي ترضى عنها الجماعات في نطاق الحياة الاجتماعية للمجتمع.

فعلم النفس الاجتماعي يدرس الأفراد في المواقف الاجتماعية والثقافية التي يتعرضون لها، وما ينتج عن ذلك من تأثير على تفكيرهم ومشاعره، وسلوكهم وتفاعلاتهم. ولهذا يقوم علم النفس الاجتماعي بالملاحظات ويجري التجارب واضعاً في اعتباره كلاً من الإطار الاجتماعي والفرد، ليفهم بصورة أفضل كيف يتفاعلان في المواقف الطبيعية. ومن هذا المنظور لم يجد المؤلف تعريفاً واحداً موحداً لعلم النفس الاجتماعي، بل تعددت التعريفات وتنوعت بتنوع وجهات النظر بين العلماء.

فقد عرف كرتش وكروتشفيلد Kretch & Grutchfield (1962) علم النفس الاجتماعي (بأنه ذلك العلم الذي يتناول بالدراسة سلوك الإنسان في الجماعة) أي يتناول كافة مظاهر سلوك الفرد ضمن الجماعة وفي المجتمع.

أما شريف وشريف Sherif And Sherif (1956) فيعرفانه بأنه (الدراسة العلمية لخبرة الفرد وسلوكه في علاقتهما بالمواقف الاجتماعية) والمواقف الاجتماعية هي تلك التي تتكون من الناس وعناصر الثقافة الاجتماعية والتقنية.

في حين أن هولاندر Hollander يعرّف علم النفس الاجتماعي (بأنه الدراسة العلمية لسلوك الإنسان في المجتمع).

ويرى سلامة عبد الغفار (1980، ص 16) أن علم النفس الاجتماعي (هو فرع من فروع علم النفس يهتم بالدراسة العلمية المنظمة للتفاعل الذي يحدث بين الفرد والآخرين أو ما يمثله الآخرون وما ينتج عن مثل هذا التفاعل).

ويعرّف بارون وبايرن Baron And Byrne 1981)) علم النفس الاجتماعي تعريفاً أقرب إلى الناحية العلمية فيذكران (بأنه العلم الذي يدرس الطريقة التي يتأثر أو يتحدد سلوك وشعور تفكير الفرد بسلوك أو خصائص الآخرين). أما العطية (1992، ص، 20) فتعرّف علم النفس الاجتماعي (بأنه العلم الذي يدرس السلوك الفردي كما يتشكل من خلال المواقف الاجتماعية والحضارية).

في حين أن عمر (1992، ص 28) يعرّف علم النفس الاجتماعي بأنه (العلم الذي يختص بدراسة سلوك الفرد في نطاق أي جماعة إليها على أسس التجريبية).

من هذه التعاريف نجد أن هناك تأكيداً واضحاً على سلوك الفرد متضمناً خبراته وتفكيره والمواقف الاجتماعية التي مر بها. وكذلك على المجال الاجتماعي الذي يتم فيه هذا السلوك، أي الموقف الاجتماعي وما يحتويه من أفراد وجماعات يؤثر الفرد فيها ويتأثر بها. ولهذا فإن دراسة سلوك الفرد ودراسة التفاعل بين الفرد والجماعة وما ينتج عنه من سلوك وقيم واتجاهات ومعايير وعادات هو ميدان علم النفس الاجتماعي.

يتضح من التعريفات الآنفة أنها وإن تفاوتت في الألفاظ، فإنها في واقع الحال لا تختلف من حيث السياق على أن سلوك الفرد بما ينطوي عليه من مقومات فطرية، لابد من أن يتأثر بما يكتسبه بالتعليم من معطيات ومؤثرات اجتماعية. ولهذا يعرف مؤلف هذا الكتاب علم النفس الاجتماعي بأنه ذلك الفرع من علم النفس الذي يهتم بالدراسة العلمية المنظمة لسلوك الفرد في الجماعة، وما يحدث بينهما من تفاعل في المواقف الاجتماعية والثقافية المختلفة.
Page 5
المصادر الرئيسية والفرعية لعلم النفس الاجتماعي

أ- المصادر الرئيسية:

وهي علم النفس، وعلم الاجتماع، والإنثروبيولوجيا (علم البشر): وهو العلم الذي يهتم بدراسة أصول الحياة الاجتماعية البدائية، ومظاهر الثقافة في تطورها من تلك العصور إلى المجتمعات الحديثة.

فعلم النفس يهتم بدراسة السلوك عامة بهدف التوصل إلى القوانين العامة التي تحكم هذا السلوك. فالسلوك الذي يصدر عن الأفراد ليس إلا ثمرة للتفاعل الحاصل بين الفرد وبيئته الداخلية والخارجية (الاجتماعية)، سواء أكان هذا السلوك معبراً عن نشاط جسمي أم عقلي أم انفعالي أم اجتماعي.

وأهم موضوعات علم النفس دراسة التعلم، والإدراك، والتذكر والتفكير، والدوافع.. الخ. فعلم النفس يدرس أثر الدوافع النفسية على السلوك الاجتماعي للأفراد، كما يدرس الاتجاهات والتعصب على أساس أنها دوافع اجتماعية مكتسبة، بالإضافة إلى أنه يدرس التعلم والإدراك من حيث كيفية تأثير المنبهات والمواقف الاجتماعية عليها.

بالإضافة إلى ذلك فإن دراسات علم النفس الفسيولوجي تهتم في مدى تأثير الغدد على الشخصية والسلوك، والتعرف على تأثير الجهاز العصبي على السلوك الإرادي الذي يشرف عليه لحاء المخ والمراكز العصبية العليا. ومن أهم الظواهر هنا ظاهرة الكف (أي كف السلوك) وتداخل ذلك وارتباطه باستخدام العقاقير والمنبهات والمخدات وما يكون له من تأثير على انطواء و انبساط الشخصية.

وهذا يرى "آيزنك" أن الكف في اللحاء إذا زاد عن حد معين – وقد يزيد نتيجة لخلل فسيولوجي في الجهاز العصبي أو نتيجة لعوامل اجتماعية بسبب كثرة التفكير أو الضغوط الاجتماعية، أو لكثرة تعاطي المخدرات مما من شأنه أن يقلل من عملية الإثارة وهذا يؤدي إلى ظهور انطوائية في حين أن انخفاض الكف نتيجة لخلل فسيولوجي أو تناول المنبهات يؤدي إلى زيادة إثارة الجهاز العصبي وحاسيته ويخلق شخصية انبساطية ومن المعروف أن التفكير والضغوط الاجتماعية، والإقبال على تناول المخدرات هي موضوعات يتناولها علم النفس الاجتماعي في الوقت الحاضر بمزيد من الاهتمام حيث تتداخل آثارها بين علم النفس الفسيولوجي وعلم النفس الاجتماعي.

كما أن اهتمام علم النفس التطوري ينصب على دراسة مظاهر النمو الإنساني دراسة علمية في مراحله المختلفة منذ بدء التكوين وحتى الوفاة. كما يهتم أيضاً بمعرفة أثر وأهمية العمر الزمني والخبرات السابقة في تشكيل السلوك، والتعرف على الخصائص العامة لأنماط السلوك الشائعة في كل مرحلة عمرية.

ولهذا فإن السلوك النفسي – الاجتماعي لا ينجم عن الوراثة فحسب بل إن مواقف التنشئة الاجتماعية تتداخل معها في إيجاد هذا السلوك.

ولهذا نجد أن موضوعات علم النفس الاجتماعي وعلم النفس التطوري تتداخل بعضها مع بعض وتظهر مدى العلاقة الوثيقة بين العلمين.

كما لعب علماء الاجتماع مثلاً دوراً فعالاً بصفة خاصة في تطوير أساليبنا، فعملية التعارف تعتمد مثلاً على أبنية اجتماعية تساعد على حدوثها وتسهلها. فمن الصعب أن يتمكن رجل من مرتبة اجتماعية دنيا التعرف على رجل رفيع المكانة. ولكي ندرس الموقف الاجتماعي بالتفصيل لا بد من معرفة النظريات وأساليب القياس التي يقدمها لنا علماء الاجتماع، وأن نكون قادرين على استخدامها. لذا فكثيراً ما يشار إلى علم النفس الاجتماعي بأنه "علم الاجتماع المصغر" (لامبرت،1989). بالإضافة إلى ذلك فإن لعلم الاجتماع دوراً في توجيه بعض أبحاث علم النفس الاجتماعي وذلك لدراسة سيكولوجية الجماعة الصغيرة، وديناميات الجماعة والمجتمع، والرأي العام والإشاعات.... إلخ لذا فإن الفرد في تفاعله الاجتماعي هو جوهر البحث في علم النفس الاجتماعي.

كما نعد الأنثروبيولوجيا أحد فروع الدراسات الاجتماعية، فقد ساهمت إلى حد كبير في تفهم السلوك النفسي الاجتماعي، وفي مراجعة بعض الحقائق والنظريات في هذا المجال.

من جهة أخرى فإن الأنثربولوجيا تستفيد من علم النفس الاجتماعي، حيث أن من شروط إجراء الدراسات الانثربولوجية أن يعيش الباحث في إطار المجتمع الذي يدرسه في مرحلة معينة من دراسته، ومن أجل أن يعيش داخل هذا المجتمع لا بد له من فهم أنماط سلوكه الاجتماعي المختلفة وعاداته، وأن يتعلم هذه العادات. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بفهم علم النفس الاجتماعي (الشيخ، 1992).

ب- المصادر الفرعية:

من أهم المصادر الفرعية لعلم النفس الاجتماعي علم الاقتصاد، وعلم السياسة.

فعلم الاقتصاد يهتم بوسائل العرض والطلب للسلع والبضائع الاستهلاكية وبتسويق هذه السلع بدءاً من الوقت الذي يتم فيه إنتاج السلعة، وانتهاءً بوصول هذه السلعة إلى المستهلك. ويتضمن التسويق كل أساليب النشاط التي تتوسط هاتين النقطتين مثل حركة انتقال السلع، وتخزينها، وتزويد الزبائن بالمعلومات عن هذه السلع... الخ.

أما علم النفس الاجتماعي فيدرس سيكولوجية المستهلك، وسيكولوجية الإعلان، وسيكولوجية البائع. فهو يعالج هذه النواحي بصفتها أنماطاً من السلوك صادرة عن أنماط من البشر.

أما علم السياسة فقد أصبح موضع اهتمام علم النفس الاجتماعي في السنوات الأخيرة، حيث ركز علماء النفس الاجتماعي على نواحي التقارب والتباعد والتفاعل التي تسود بين الأمم والشعوب، فقد وجدوا أن الدول كالجماعات يحدث فيها صراعات وتوترات، وسلام ووئام. والموضوع الرئيسي الذي أعاره علماء النفس الاجتماعي اهتماماً كبيراً هو الاتجاهات نحو الشعوب، وذلك لمعرفة التأييد والرفض لهذه الشعوب. كما اهتموا أيضاً بدراسة الطابع القومي، أي الخصائص التي تميز شعباً عن شعب آخر، من حيث العادات والتقاليد في الحرب والسلم. كما أن السياسيين يعتمدون في علاقاتهم الدولية على استخدام كافة الأساليب السيكولوجية للوصول إلى أهدافهم.

بالإضافة إلى ذلك فقد اهتم علم النفس الاجتماعي بدراسة خصائص الشخصية لقادة الشعوب الذين يصنعون القرار الذي يترتب عليه السلام أو الحرب بين الشعوب، فقد بينت البحوث أن هناك علاقة قوية بين الحالة النفسية للقادة وبين اتخاذ القرار في السياسة الخارجية. ففي المواقف التي يكون فيها الضغط شديداً، يحدث ضيق واضطراب في عملية الإدراك، ويفقد الفرد القدرة على الرؤية الموضوعية لأبعاد المواقف الأساسية. كما أن التشاور مع الجماعة لها علاقة كبيرة باتخاذ القرارات السياسية الهامة. ويرى وليم دافيدسون William Davidson في مجلة السياسة الخارجية الأمريكية في يناير 1982، أنه في عصر الذرة لا بد من التحكم في تصرفات الزعماء الذين يملكون قرار استعمال السلاح النووي، وأن علم النفس سيكون فعالاً في تقليص الخلافات التي تدعمها أجهزة الإعلام. (أبو النيل، 1985).

ولهذا يهتم علم النفس الاجتماعي بكل مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية للإنسان، وبالتفاعل الذي يحدث بين الإنسان وغيره من الأفراد الآخرين باعتباره عضواً في الجماعة التي ينتمي إليها أو يواجهها.
Page 6
أهمية علم النفس الاجتماعي

لعلم النفس الاجتماعي أهمية علمية كبيرة في الكثير من مجالات الحياة، فحيثما يوجد أفراد وجماعات تكون الحاجة ماسة لعلم النفس الاجتماعي. كما أن دارس علم النفس الاجتماعي يطبق ما تعلمه في ميادين الحياة الاجتماعية المختلفة سواء أكان ذلك في الأسرة فيما يخص التنشئة الاجتماعية، أو في المدرسة، وفي العلاقات العامة والخدمة الاجتماعية، وفي مجال العمل والصناعة، والإعلان والإعلام والدعاية، والتوجيه والإرشاد النفسي، وفي القوات المسلحة.. الخ. فعلم النفس الاجتماعي أصبح مهماً جداً في عصر كثر فيه النزاع والشقاق، وتقدمت فيه وسائل التخريب والدمار، كما أصبح التغير الاجتماعي سريعاً في كافة مجالات الحياة. ولهذا تتجلى أهمية علم النفس الاجتماعي في المجالات الآتية:

1- أهمية علم النفس الاجتماعي للإنسان في حياته الخاصة:

من خلال التعريفات السابقة لعلم النفس الاجتماعي نجد أنه محاولة علمية منظمة لدراسة سلوك الفرد متأثراً ومؤثراً بسلوك الآخرين.

لذا فإن علم النفس الاجتماعي يهتم بدراسة التفاعل، والعمليات النفسية المختلفة التي يمر بها الفرد والتي تنمو عن طريقها شخصية الفرد الاجتماعية، ثم أنه يهتم بالعلاقات التي تنشأ بين هذه الشخصية والشخصيات الأخرى، ويهتم بدراسة ديناميكية هذه العلاقات والتفاعل الذي يحدث بين الأفراد في مواقف الحياة المتعددة.

ولشعور الفرد بالأمن والسعادة أهمية كبرى في علاقاته الاجتماعية. فليس من شك أنه إذا قوبل الفرد بعنف ومعاملة سيئة وعدم تقدير من الآخرين فإن سلوك هذا الفرد قد يتحول إلى سلوك عدائي أو الانسحاب أو الشك أو غير ذلك من الأساليب السلوكية، وقد لا ينتج هذا الفرد الإنتاج الذي يناسب قدراته وقد لا يسلك السلوك الذي يرضاه المجتمع، وقد يحيى حياة نفسية سيئة، والاحتمال أنه سيصاب بأعراض نفسية مرضية.

أما إذا عومل الفرد معاملة حسنة واستجاب الآخرين نحو استجابات الود والحب والعطف فإنه يستجيب للآخرين استجابة الود والصداقة والحب، ويسلك السلوك الذي ترضاه الجماعة.

كذلك لا بد لدارس علم النفس الاجتماعي أن يدرك على أنه ينبغي أن نحكم على التفاعل الاجتماعي من وجهة نظر الشخص ذاته. ومن خلال إطاره المرجعي.

2- أهمية علم النفس الاجتماعي في مجال التربية والتعليم:

تهدف التربية الحديثة إلى إعداد الفرد للحياة. فالتربية لا يقتصر اهتمامها حالياً على الجانب العقلي- المعرفي فقط بل يمتد ليشمل كافة الجوانب الأخرى في الشخصية. والتربية من شأنها تسهيل عملية نمو الفرد في هذه الجوانب المختلفة، لتنمو شخصيته بشكل متكامل. فالتلاميذ في المدرسة يتعلمون في جماعات ضمن فصول دراسية يشرف عليهم ويقوم بتدريسهم مدرس، وتنشأ بين المدرس والتلاميذ علاقات اجتماعية وتفاعل اجتماعي كبير، مما يتوجب على هؤلاء المدرسين أن يكونوا على معرفة ودراية كاملة بما يجب عليهم عمله مع هؤلاء التلاميذ وأن يكونوا ملمين بمبادئ القيادة الديمقراطية والعلاقات الإنسانية.

وعلم النفس الاجتماعي هو الذي يزود المدرس بالمعلومات اللازمة عن النمو الاجتماعي للطفل، ولطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين التلاميذ بعضهم مع بعض، وبينهم وبين المدرس، وكذلك العوامل المؤثرة فيها. كما يزودهم علم النفس الاجتماعي بمعلومات مهمة عن الاتجاهات وكيفية تكوينها وتعديلها أو تغييرها، وبمعلومات عن المعايير والقيم والأدوار الاجتماعية ليساعدهم في إكسابها للتلاميذ أو تعديلها عندهم. كما أن علم النفس الاجتماعي يزود المدرس بمعلومات مهمة عن التنشئة الاجتماعية للطفل، والعوامل المؤثرة فيها ونتائجها الإيجابية والسلبية التي تنعكس على شخصيته مستقبلاً.

3- أهمية علم النفس الاجتماعي في مجال الخدمة الاجتماعية:

تعتبر الخدمة الاجتماعية طريقة علمية لخدمة الإنسان، ونظاماً اجتماعياً يقوم بحل مشكلاته، وتنمية قدراته، ومعاونة النظم الاجتماعية الموجودة في المجتمع للقيام بدورها، وإيجاد نظم اجتماعية جديدة يحتاج إليها المجتمع لتحقيق رفاهية أفراده. ومن أهم أهداف الخدمة الاجتماعية تحقيق حياة أفضل عن طريق معاونتها للنظم الاجتماعية الأخرى، ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل على الخدمة الاجتماعية أيضاً أن توجد من النظم الاجتماعية الجديدة ما يضمن للمجتمع التقدم والنهوض والنمو (مختار، 1982).

والأخصائي الاجتماعي يستعين بعلم النفس الاجتماعي في فهمه ودراسته وتوجيهه للتماسك الجماعي والقيادة والاتجاهات والتعصب، كما يمتد نشاطه ليشمل ميادين ومجالات عديدة في الحياة الاجتماعية (الجماعة، النمو الاجتماعي، الأمراض الاجتماعية... الخ). بالإضافة إلى ذلك يستعين الأخصائي الاجتماعي بهذا العلم لفهم دينامية العلاقة مع التلاميذ والمدرسين، ودراسة الحالات الخاصة ليتمكن من القيام بعمله بالشكل المطلوب. ويرى كرتش وكرتشفيلد وبالاشي أنه لفهم الدور الفعلي للأخصائي النفسي الاجتماعي لا بد من توضيح وبلورة المشكلات الاجتماعية التي يهتم بها.

فالمشكلات الاجتماعية مثل الجريمة والطلاق، والجنوح لا يمكن فهمها دون الرجوع إلى النواحي الأخرى في المجتمع. فالمشكلات الاجتماعية والاضطرابات السلوكية مرتبطة بالعمليات الاجتماعية السوية والسلوك الاجتماعي السوي. ولهذا يتمثل الدور الأساسي للأخصائي النفسي الاجتماعي في تقديم الحلول للمشكلات النفسية الاجتماعية في مجالات الحياة المختلفة (أبو النيل، 1985).

4- أهمية علم النفس الاجتماعي للقوات المسلحة:

يحتاج ضباط القوات المسلحة حاجة ماسة إلى علم النفس الاجتماعي وذلك من أجل فهم ودراسة وتوجيه سلوك الجنود وتدريبهم، ورفع مستوى الروح المعنوية، والإفادة من الشعور بالولاء والتبعية في بناء شخصية المقاتل.

بالإضافة إلى ذلك فإن علم النفس الاجتماعي يفيد في اختيار القادة العسكريين على أسس سليمة، ويزود القيادة بمعلومات عن كيفية التأثير في العدو من خلال أساليب الدعاية والإعلان والحرب النفسية.

5- أهمية علم النفس الاجتماعي في مجال الإعلام والعلاقات العامة:

يلعب الإعلام والعلاقات العامة والدعاية ودراسة الرأي العام دوراً كبيراً في التأثير على سلوك الفرد والجماعة، ويمكن أن تكون – إذا أحسن استخدامها – عاملاً هاماً من عوامل التقدم الإنساني. ولهذا يمكن لهذه الوسائل الاستفادة من علم النفس الاجتماعي من أجل تدعيم وعي المواطنين بمسؤولياتهم الاجتماعية وربط الإنسان الفرد بالمجتمع، وتكوين اتجاهات سليمة، وتعديل ما يحتاج إلى تعديل من اتجاهات مستخدمين أفضل الطرق العلمية.

6- أهمية على النفس الاجتماعي في مجال الصناعة:

يرى براون Brown 1963)) أن المصنع لا يقوم في الفضاء إنما ينهض في مجتمع له مقوماته وظروفه، ولذلك يجب أن يتحقق بينهما شيء من التعاون، وأن تعمل على توفير الديمقراطية الصناعية للعاملين في الصناعة على اختلاف فئاتهم.

ولا يتحقق ذلك إلا إذا جنبنا العاملين كل القيود والاستفزازات التي يكون من شأنها أن تنقص من احترام العامل لذاته. كما أن تحقق ذلك من شأنه أن يزيد العاملين إحساناً بمسؤولياتهم وتماسكهم، ورغبتهم في العمل.

وهناك دراسة أجريت في مصانع هوثرون Hawthorne لشركة ويسترن الكهربائية في الولايات المتحدة الأمريكية في الأعوام (1924-1932)، وكان هدف الدراسة الكشف عن العلاقة بين شدة الإضاءة والإنتاج في مجموعتين تجريبية وضابطة.

تعرضت المجموعة الضابط لظروف الإضاءة العادية، أما المجموعة التجريبية فكانت شدة الإضاءة غير ثابتة، ودهش القائمون بالبحث حيث أن الإنتاج يزداد بالرغم من خفض شدة الإضاءة، وقد زاد في الدهشة أيضاً أن إنتاج المجموعة المقارنة قد زاد أيضاً. وترتب على ذلك مزيداً من الدراسات الذي أدى في النهاية إلى معرفة أن زيادة الإنتاج لم يكن نتيجة تغير في حدوث شدة الإضاءة وإنما كان نتيجة شعور العمال بأنهم موضع اهتمام من قبل إدارة المصنع وموضع رعاية.
Page 7
وتكشف هذه النتيجة أهمية العلاقات الإنسانية، وأهمية العلاقات بين العمال والمشرفين عليهم في الإنتاج. وبينت دراسات أخرى أن الإنتاج يتأثر بعدة عوامل أهمها:

1- الأجر 2- العلاقات بين العامل والمشرف.

ويعلمنا علم النفس الاجتماعي أن ننظر للموقف في المصنع نظرتنا إلى أي موقف اجتماعي آخر تلعب فيه العلاقات بين الأفراد المشتركين فيه دوراً هاماً.

وقد وصلت كثير من الدراسات إلى أنه كلما شعر الفرد بأنه ينتمي إلى مجموعة المصنع، وأنه واحد منهم، وأنه كلما أتيحت له فرصة التخطيط للعمل وتنفيذه، وكلما زاد الاحتكاك بين العمال والمشرفين ازدادت العلاقات الاجتماعية رسوخاً مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج. ويهتم علم النفس الاجتماعي بتنمية الاتجاهات الإيجابية نحو العمل ونحو المجموعة التي يعمل فيها العامل. وهكذا يسعى علم النفس الاجتماعي لتأمين الأمن والحب والانتماء وتقدير الذات للعمال كمواطنين لكل منهم قيمة في حد ذاته.

7- أهمية علم النفس الاجتماعي للمجتمع بصورة عامة:

تطورت أهمية علم النفس الاجتماعي منذ نشأته الأولى، فبدأت متشائمة بالإنذار من المشكلات الحتمية للمستقبل، وتطورت متفائلة إلى بناء ذلك المستقبل ومعالجة المشكلات الاقتصادية والسياسية، ومشكلات النقد وحرية الأسواق، وتجنب العدوان والحرب لتحقيق الطمأنينة والسلام. وبذلك يهدف علم النفس الاجتماعي في آفاقه العليا العالمية لإقامة مجتمع جديد فاضل، تتكافأ فيه الفرص لجميع الناس في حدود قدراتهم المختلفة وتتجلى الأهمية العالمية فيما يلي:

أ- الإنذار من مشكلات المستقبل:

كان أهم أهداف علم النفس الاجتماعي في إرهاصاته الأولى قبل النشأة العلمية التجريبية التي تطور إليها في القرن العشرين الإنذار من أزمات الغد. وكان الرأي السائد عند بعض المفكرين ومنهم هربرت سبنر H.Spencer 1820-1903)) أنه من العبث بل من الخطورة بمكان أن يحاول الناس توجيه التغير الاجتماعي والتعجيل به.

وكان المفكرون وقتئذ يرون أن عملية التطور الاجتماعي عملية طويلة المدى تخضع لعوامل طبيعية وليس للإنسان دخل فيها.

وبذلك تصبح الفائدة العملية لعلم النفس الاجتماعي أن ينذر الناس بما سيحدث شانها شأن العلوم التي تنذر بقدوم بركان.

وللإنذار بالمشكلات أهمية لا تقل عن عملية توجيه النشاط الاجتماعي التي تبناها علم النفس الاجتماعي حديثاً. والإنذار يعتمد على التنبؤ العلمي بأحداث العد، ومن هذا التنبؤ نشأ علم جديد اسمه علم المستقبل (Futuralogy).

ب- بناء المستقبل:

يؤكد كومت Comte 1798-1858)) الفيلسوف الفرنسي قدرة الإنسان على أن يغير أسلوب حياته وأن يوجه نشاطه ليعالج مشكلاته ويحقق أهدافه. وما زالت أهمية علم النفس الاجتماعي في بناء المستقبل عملية مستمرة من القرن الماضي إلى القرن العشرين.

ج- معالجة المشكلات الاقتصادية والسياسية:

إن شقاء الإنسانية يعود في أساسه إلى اختلاف النظم الاقتصادية والسياسية السائدة في العالم، فهناك عدم عدالة في توزيع الثروات، والعمل والجهد.

كما أن اختلاف النظم الاقتصادية والسياسية يعود إلى الجهل بطبائع الإنسان الاجتماعية. ومن الممكن أن يكون في مقدور علم النفس الاجتماعي من خلال أبحاثه المختلفة أن ينقذ العالم من المخاطر المتوقعة، وأن ينشئ الدعائم الأساسية لحياة اجتماعية أفضل. فالأزمات الاقتصادية والسياسية تنشأ من ضعف الثقة بين فرد وآخر، وبين جماعة وأخرى وأمة أخرى.. والثقة حالة نفسية يمكن لعلم النفس الاجتماعي أن يدرسها وأن يلم بعوامل قوتها وضعفها ونواحي توجيهها وإصلاحها. وبذلك تتضح أهمية علم النفس الاجتماعي في معالجة المشكلات الاقتصادية والسياسية.

د. معالجة مشكلة النقد وحرية الأسواق:

يرى بعض الباحثين( Brown، 1936)، أن أسباب شقاء المجتمع الراهن هو عدم ملاءمة النظام النقدي للتطورات الحديثة في الإنتاج والتوزيع، الأمر الذي أدى إلى ظهور مناطق مختلفة يهيمن عليها تعصب اقتصادي ضيق كمنطقة الدولار والجنيه الإسترليني. وتغالت الدول إلى إقامة الحدود المالية التي تفصلها عن جيرانها، وإقامة الحواجز الجمركية، وحالت بين التجارة وبين حرية أسواقها.

وتتضح أهمية علم النفس الاجتماعي في دراسته للسلوك الاقتصادي للأفراد والجماعات على أنه نوع من التفاعل الذي تحكمه ديناميات نفسية اجتماعية، تخضع بدورها للبحث العلمي، والتوجيه الهادف.

هـ- معالجة مشكلات العدوان والحرب:

إن من أهداف علم النفس الاجتماعي دراسة مظاهر التنشئة الاجتماعية، وما يلابسها من أسباب ومسببات وجنوح عدواني تؤدي إلى الحرب والهلاك، أما الاستواء على الطريق فهو يبشر بسلام وأمن وأمان.

كما أن مستقبل الحضارة الإنسانية في عصر كثر فيه التنازع وتقدمت فيه وسائل التخريب والدمار حتى أمست تهدد بفناء النوع الإنساني رهن بفهم تلك الظواهر فهماً علمياً دقيقاً، ورهن بتوجيهها توجيهاً متناسقاً لا اضطراب فيه ولا اختلال.

وهنا تبدو أهمية علم النفس الاجتماعي في بحث ودراسة السلوك العدواني الفردي والجماعي، والكشف عن العوامل التي تؤدي إلى ظهوره أو اختفائه تمهيداً للتحكم في نزواته، خاصة وأن السلام إنما يبدأ في عقول البشر قبل أن ينتشر بين الشعوب والدول المختلفة ويزدهر في ربوع الحياة.
Page 8
الفصل الثاني

نشأة علم النفس الاجتماعي وتطوره

Arising Of Social Psychology & Its Development

- أهمية دراسة النشأة والتطور

- النشأة الفلسفية لعلم النفس الاجتماعي.

- علم النفس الاجتماعي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

- علم النفس الاجتماعي في القرن العشرين.

لقد بدأت نشأة علم النفس الاجتماعي في أحضان الفلسفة اليونانية القديمة، ثم مزج بين الفلسفة والعلم، ثم صحح علم النفس الاجتماعي مساره حتى اتضحت اتجاهاته العلمية في القرن العشرين وتحول إلى علم تجريبي.

أهمية دراسة النشأة والتطور

إن الذين لا يعرفون نشأة العلم ومراحل تطوره يكررون أخطاء الماضي، والذين يعرفون تاريخ العلم يتعلمون من خبرات الماضي.

والماضي ليس كله أخطاء، فلقد ترك الأولون في الدراسات النفسية والاجتماعية، ثروة ضخمة من الملاحظات الأساسية والفروض الدقيقة والآراء الذكية والتي مازالت صحيحة حتى يومنا هذا.

وقد عجز هؤلاء الرواد عن بناء أدوات علمية دقيقة للبحث النفسي الاجتماعي لقصور مفاهيمهم التجريبية ووسائل تحليلهم الإحصائية – الرياضية.

وقد فشلوا أيضاً في صياغة النظريات المناسبة لتفسير الظواهر التي لاحظوها لتخلف أدوات البحث العلمي المتاحة لهم وقتئذ، ولميلهم السريع إلى التعميم الذي لا يستند إلى النظرة الفاحصة الشاملة التي يرقى بها إلى مستوى النظرية.
Page 9
النشأة الفلسفية لعلم النفس الاجتماعي

يعتبر علم النفس الاجتماعي كغيره من العلوم الإنسانية الأخرى وليد الفلسفة اليونانية القديمة، وقد كان جوهر الطبيعة البشرية هو المحور الرئيسي للنشأة الفلسفية لعلم النفس الاجتماعي. ويمكن إرجاع الفضل في نشأة هذا العلم إلى أفلاطون وأرسطو. فقد حاول أفلاطون (429-347 Platon ق.م) تفسير السلوك الإنساني على أساس أنه النتاج العام لمؤثرات المجتمع المختلفة، سواء أكانت مؤثرات تربوية أم اجتماعية أم مهنية وما شابه ذلك، حيث يمكن لهذه المؤسسات أن تغير الطبيعة البشرية وتوجهها كما تشاء.

وحاول منع حدوث الأزمات الاجتماعية والحروب كما تمثل ذلك في كتاباته في كتابي الجمهورية والقوانين؛ حيث عرض في كتابه الأول (الجمهورية) المبادئ والنظم التي تقوم عليها المدينة الفاضلة. فقد قسم المجتمع إلى ثلاثة طبقات هي الطبقة العاملة (العامة)، وتقابل النفس الشهوانية، وطبقة الجند وتقابل النفس الغاضبة، وطبقة الحكام وتقابل النفس العاقلة.

ويرى أفلاطون بأنه من الممكن التعرف على قابليات الأفراد عن طريق التربية الخاصة وإجراء الاختبارات في المراحل العمرية المختلفة لتصنيفهم بشكل يساعد ذوي القدرات المتميزة في الارتقاء إلى المراكز العليا، أما الأقل قدرة فيوضعون في المراكز الأدنى، وهذا التصنيف يتيح لهم الدخول في مؤسسات تربوية خاصة بكل طبقة من طبقات المجتمع.

أما أرسطو384-322 Aristotel) ق.م) فقد اهتم بدراسة الحقيقة الاجتماعية وحاول أن يكون أكثر واقعية من أفلاطون، وحاول الاهتمام بإصلاح المحكومين قبل الحكام، وفسر سلوك الإنسان على أساس الوراثة البيولوجية حيث يمكن فهم طبيعته من خلال دراسة استعداداته الوراثية التي يتم توارثها من الأجداد ويصعب تغييرها مما يجعل السلوك الإنساني مطبوعاً بها. وهذه الاستعدادات الوراثية هي التي تكّون السلوك الجمعي. كما يؤكد على أهمية الدولة والمجتمع من جهة، وأهمية الجماعة مثل العائلة من جهة أخرى. وقد حاول أرسطو في كتابه (الخطابة) معرفة كيف يؤثر الخطيب على مستمعيه وذلك من خلال معرفته لميول المستمعين. كما يرى أيضاً أن كل فرد منا يفضل الأشياء التي تتفق مع ميوله واستعداداته.

كما حاول أرسطو أيضاً في كتابه (الأخلاق) أن يبين بأن انسجام الأفراد وتعاونهم يتوقف على مدى اتفاقهم في وجهات النظر السلوكية، وقسم المجتمع إلى مجموعتين: المتمدنين والبربر، وكان يعتقد بتأثير المناخ في نفسية الجماعة والمجتمع.

بالإضافة إلى ذلك ذكر أرسطو في كتابه الأخلاق الشروط التى يجب توافرها لقيام الصداقة – مثل تقارب المكانة الاجتماعية، وأن الشخص كلما ارتقى في المركز الاجتماعي قلت نسبة ما يفقده من صداقات.. الخ.

كما أثر المفكرون العرب في نشأة علم النفس الاجتماعي حيث نجد أن المعلم الثاني أبو نصر الفارابي (873-951م) في كتابه (آراء أهل المدينة الفاضلة) يتحدث عن خصائص الزعامة الفاضلة، وعن تماسك الجماعة وأسبابها. ثم يحصي سمات الزعيم ويرى أن ما يعود إلى الجانب الوراثي (النظري) 12 سمة، أما ما هو مكتسب فهي سمات: سلامة الجسم، وحسن الفهم والقدرة على الحفظ، والفطنة وحسن العبادة، والتعبير وحب التعليم والقصد في طلب الملذات، وحب الصدق والمصارحة وحب الكرامة والعدل وكره الظلم.

كما أكد الفارابي على الجانب النفسي – الاجتماعي في اختيار الحاكم، حيث يرى أن الحاكم يجب أن ينشأ نشأة سليمة في ظل رعاية اجتماعية خاصة توفر له تكويناً نفسياً سليماً. أما عوامل تماسك الجماعة فيرى أنها الاشتراك في اللغة واللسان، والاشتراك في المنزل، والاشتراك في طعام يؤكل وشراب يشرب، والإحساس بخطر مشترك، والآلفة، وهول التلاقي.

ويعتبر ابن خلدون (1332-1406) المؤسس الأول لعلم الاجتماع، وصاحب فضل كبير على الدراسات النفسية - الاجتماعية، فقد أوضح أن الحياة الاجتماعية ظاهرة طبيعية، أما ظروف الحياة الاجتماعية فهي تتحدد في ضوء العوامل والمؤثرات الجغرافية والمناخية، وبين أثر العوامل النفسية والاقتصادية في حياة المجتمعات البشرية. ويؤكد أيضاً أن الإنسان هو الكائن الاجتماعي الوحيد الذي يحتاج إلى السلطة، لأن انعدامها يؤدي إلى سيطرة الغرائز الطبيعية. والسلطة ترتكز على القوة والشجاعة والتلاحم الاجتماعي (العصبية القبلية). وقد شبه ابن خلدون المجتمع البشري بالإنسان حيث يمر بأطوار ثلاثة هي طور النشأة والتكوين وتغلب فيه البداوة وخشونتها (يكون هنا السلطان تابعاً)، وطور النضج والاكتمال حيث يتبلور مركز الحاكم والسلطان، ثم طور الهرم والشيخوخة ويكون المجتمع ضعيفاً في تماسكه الداخلي وفي وقوفه ضد الأخطار.

ويخصص ابن خلدون فصلاً في مقدمته عن التنشئة الاجتماعية موضوعه تعلم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه. حيث يرى أنه من الضروري أن يكون تعلم القرآن يوصل الصبي إلى مستوى من التفكير الذهني الذي يمكنه من التفكير لفهم معاني القرآن الكريم. كما يرى ابن خلدون أن القسوة في معاملة الأطفال الصغار يؤدي بهم إلى اللجوء إلى المكر والخبث والخديعة.

أما ابن سينا فقد اهتم بشكل واضح بالكثير من الموضوعات التي تدخل في نطاق علم النفس الاجتماعي، مثل الأساس الاجتماعي للمرض النفسي، والتنشئة الاجتماعية.

فابن سينا يرى أن الاضطراب النفسي له علاقة بتفاعل الفرد مع الجماعة. فقد جاء في كتاب ابن سينا (الأصل والعودة) عام 98م أن أحد جواري الملك كانت منحنية للأسفل لرفع أدوات المائدة، وكان ضيوف الملك جالسين حوله، فأصيبت بمرض الروماتيزم المفاجئ في المفاصل لدرجة أنها أصبحت غير قادرة على أن تأخذ الوضع الطبيعي لجسمها، وحار أطباء الملك بأمرها فعادوا إلى ابن سينا ليعالجها نفسياً. ركز ابن سينا في علاجه للجارية على انفعال الخجل وأثره في المرض، فقد بدأ برفع ملابسها بادئاً بالبرقع ثم الخمار وهكذا... وذلك ليشكل عند المريضة انفعالاً مضاداً (الإشراط المضاد) مما أوقف المرض عند الجارية فشفيت وعادت إلى حالتها الطبيعية.
Page 10
أما فيما يخص التنشئة الاجتماعية يقول ابن سينا (على والد الصبي أن يبعده عن مقابح الأفعال، ومعايب العادات بالترهيب والترغيب والتوبيخ فإن احتاج إلى الضرب فليكن). وهذا ما يؤكد دور الأسرة في عملية التنشئة الاجتماعية وخاصة الأب. وفي عصر النهضة يصف توماس هويز (1588-1679) الحياة البشرية في حالتها الطبيعية، وتمثلت آراؤه في علم النفس الاجتماعي في كل من دوافع الاجتماع وسلطة القائد. فهو يصف حياة الفرد خارج الجماعة بأنها انعزالية وأنانية ويلخص دوافع السلوك البشري في البحث عن المتعة والابتعاد عن الألم، وأن الكل في حرب ضد الكل، وأن الحاجة واستشعار القوة يجبران الفرد على أخذ ما يمكن أخذه من خيرات الأرض، فإذا لم يفلح بالقوة لجأ إلى المكر والخداع.

ويرى هويز أن المجتمع هو الذي يسيطر على هذه الدوافع ويوجهها للحفاظ على السلم والحياة الاجتماعية السليمة. والمجتمع حسب رأيه ليس طبيعياً، وإنما هو ضروري، ينشأ نتيجة للتعاقد الاجتماعي.

وقد ميز هويز بين ثلاثة أنواع من الحكومات، هي الحكومة الديمقراطية والحكومة الارستقراطية (الأوليجاركية) أو حكم الأقلية ثم الحكومة الفردية حيث يحكم الفرد المتميز في عقله وحكمته، وهذه الحكومة الأخيرة هي المفضلة لديه.

ويرى هوبز بأن الحاكم لابد أن يتمتع بسلطة مطلقة لا يحدها أحد ما دام الحاكم هو الدولة. فالحاكم حسب رأيه هو "الإله الأرضي" الذي يكفل للمجتمع عوامل الطمأنينة والعيش المستقر والسلام.

أما جان جاك روسو (1712-1778) فيرى في كتابه العقد الاجتماعي (1762) أن الإنسان خيّر بطبيعته طابعه العام نكران الذات، وأن الحضارة هي التي أفسدته، والإنسان خارج الجماعة ليس لديه من الأهواء والميول إلا بقدر محدود، وأن الطبيعة الطبية عند الإنسان تتطلب أيضاً ظروفاً اجتماعية خاصة لكي تنمو وتتطور.

واتخذ البحث في السلوك الاجتماعي للفرد وجهة بيئية، وذلك حين أعلن "منتسكيو" Mantesquieu مذهبه الذي يرجع السلوك الاجتماعي للفرد لأثر المناخ، وكان يعتقد أن المناخ الحار له أثر في انتشار الرق، والبارد لا يساعد على الرق. وحاول استناداً لهذا أن يفسر أنماط النظم السياسية، والطبقات الاجتماعية، والتقاليد والخلق. ولكن هذه الآراء تنطوي على قدر كبير من المغالطة، وتتعارض مع مظاهر الحياة الاجتماعية.

ويرجع الفضل في تطور علم النفس الاجتماعي إلى تشارلس دارون (Darwin (1809-1882 الذي أعلن في كتابه أصل الأنواع عام 1859م نظريته في النشوء والتطور، والتي دفعت بالكثيرين أمثال (جالتون) إلى دراسة العوامل الوراثية والاختلافات العقلية والنفسية بين الأفراد. وكذلك (مورجان) الذي يرى أن الحياة الاقتصادية تخضع هي الأخرى لقانون التطور، فقد تطورت من مرحلة الصيد إلى الرعي ثم إلى الزراعة. كما رأى هربرت سبنر (1897) أن السلوك الاجتماعي يتبع في تطوره خطوات خاصة تخضع لقوانين أساسية في تطورها، وأن دراسة السلوك الاجتماعي للفرد يجب أن تبدأ بدراسة النشأة الأولى لهذا السلوك.