Page 1
مقدمة
ينكر كثيرون وجود عروبة قديمة، وقد وضع هذا الكتاب للرد على هؤلاء، ولتعريف شباب الأمة ببعض روافد وأسس العروبة منذ أقدم العصور التي جاء الإسلام ليصقلها ويكملها ويصنع لها دولة.
ولعل الأخطر بين ناكري العروبة القديمة هم المستشرقون وأتباعهم ممن يعتبرون الوجود العربي خارج الجزيرة العربية احتلالاً جاء مع الفتح الإسلامي، مما يجعل العروبة الحديثة مجرد احتلال لا بد من الإطاحة به، أو هوية مفروضة لا بد من التنصل منها بالحد الأدنى. وهذا الرأي المناهض للعروبة القديمة، وبالتالي المعاصرة، الذي يتم الترويج له على نطاق واسع ليس مجرد وجهة نظر أو نظرية أخرى في التاريخ، بل هو أساس تدمير الهوية الثقافية العربية هنا والآن، أي أنه جزء من حرب، لأن تدمير القاسم المشترك العروبي بين أبناء الأمة العربية هو شرط تدمير الهوية العربية الواحدة مما يمهد لتفكيك أمتنا أشتاتاً.
لكن المستشرقين الغربيين ليسوا وحدهم من ينكر العروبة القديمة. فهنالك أيضاً:
1) الشعوبيون القدامى والجدد الذين أنكروا العرب وفضلهم على العالم في سعيهم للسيطرة على السلطة والأرض والثروة باسم الدين،
2) بعض الإسلاميين ممن يظن أن الاعتراف بوجود عروبة قديمة يقلل من الرسالة الإسلامية، مع أن العكس هو الصحيح، لأن القرآن نزل بلغة العرب، والرسالة حملها العرب،
3) بعض المفكرين القوميين الناصريين ممن يعتبر أن الأمة العربية تشكلت مع بداية الدعوة الإسلامية فحسب، وهو الأمر الذي نتطرق إليه أيضاً في كتاب "أسس الفكر القومي: مختارات لرؤية نقدية"،
4) دعاة الحركة الصهيونية الذين لا يستطيعون الزعم بأن المنطقة الممتدة بين الفرات والنيل هي "أرض الميعاد" إذا اعترفوا بهويتها التاريخية العربية، ولا يستطيعون بالتالي تبرير احتلالهم لفلسطين وأطماعهم بجوارها إذا اعترفوا بعروبة الأرض منذ التاريخ القديم،
5) دعاة الانفصال والتفكيك في الوطن العربي، ممن يزعمون أن الأقباط والفينيقيين والأمازيغ والسريان والآراميين وغيرهم من الأقوام القديمة التي سكنت بلادنا هي أقوام ذات تاريخ وهوية منفصلة عن العروبة ليبرروا دعواتهم الانفصالية،
6) بعض الماركسيين العرب الذين يعتبرون أن الأمة العربية هي أمة لم تتشكل بعد، أي أنهم لا يعترفون بعروبة حديثة، ناهيك عن العروبة القديمة،
7) بعض المثقفين والكتاب المتغربين في الوطن العربي ممن يردّدون المزاعم الاستشراقية الغربية بسبب استلابهم الثقافي والفكري.
Page 2
كل هؤلاء ينكرون وجود العروبة القديمة، ويسهمون بدرجات مختلفة بالتالي، عن حسن أو سوء نية، بالهجوم على القومية العربية، أو على القاسم المشترك الذي يوحد أرضنا وشعبنا العربيين.
ومع أنَّ الدراسات العلمية والتاريخية التي تثبت وحدة العروبة منذ أقدم الأزمان متوفرة بغزارة في بطون المجلدات الثقيلة، فإنَّ مثل تلك المجلدات يقتصر الاهتمام بها وبما جاء فيها على حفنة من كبار المثقفين القوميين ما برح عددهم يتناقص يوماً بعد يوم. لهذا جمعنا في هذا الكتاب الصغير الميسر صفحات من دراسات بعض الكتاب والمؤرخين، وهي صفحات تم اختيارها بعناية وبتسلسل منهجي، وكان قد تم تداولها كجزء من "سلسلة التثقيف القومي" في "لائحة القومي العربي" على الإنترنت. ونتمنى أن ينجح هذا الكتاب التثقيفي الصغير في قدح اهتمام عدد أكبر من الشباب العربي بالمجلدات التي استقينا منها هذه الصفحات، وبالحد الأدنى، نتمنى أن ينجح بإيصال الرسالة حول العروبة القديمة لأكبر عدد ممكن.
ورسالتنا واضحة: أن نقدم لمحة عن العروبة القديمة التي نُعتبر نحن عرب اليوم استمراراً لها، وأن نظهِر أن الوطن العربي من عربستان إلى سبتة ومليلة كان عربياً منذ أقدم العصور، وأن العرب ليسوا كماً بشرياً فائضاً عن الحاجة كما يصورهم المستشرقون والشعوبيون، بل أنهم أساس الحضارة البشرية، وأن دماء أجدادنا لا تزال تجري في عروقنا، وأننا قادرون على النهوض اليوم كما نهضنا عندما لم ينهض غيرنا.
هدفنا واضحٌ إذن: إثبات الوحدة التاريخية والجغرافية والثقافية واللغوية لبلادنا منذ آلاف السنين، وهو ما مهد للإسلام أصلاً، ولحركة القومية العربية الحديثة.
باختصار، نقض العروبة القديمة يشكل أساساً لنقض كل العروبة، وبالتالي لنقض العروبة الحديثة. والأهمية المعاصرة لإثبات العروبة القديمة تتعلق بالمعركة الوجودية للدفاع عن الهوية العربية، وبالتالي فإن الصفحات التالية تشكل مقولة سياسية راهنة، أو سمه علم تاريخ مسيّس إن شئت، مع الالتزام الكامل بما تحمله كلمة علم من معنى من ناحية سوق الدلائل والحوادث التاريخية وتحليلها منهجياً وموضوعياً.
الهوية العربية
هذا الاستفحال الظاهر أو المستتر لنزاعات الهويات الفرعية والمفتعلة والمفبركة، من صعدة للعراق للأردن لدارفور إلى الصحراء الغربية الخ...، لم يأتِ صدفةً أو بلا سياق. فالحملة ضد الهوية القومية والحضارية لأمتنا، أي على العروبة والإسلام، قديمة قدم الاستشراق نفسه، لكنها تبلورت كإستراتيجية سياسية ذات معالم ملموسة بالأخص في حقبة المعاهدات في التسعينات، ثم بشكل مكشوف بعيد احتلال العراق. وكان اسم تلك الإستراتيجية: "الشرق أوسطية".
Page 3
ويبدأ نفي الهوية العربية في العقل الاستشراقي والمتغرب بمحاولة إظهار الوجود العربي خارج الجزيرة العربية كاحتلال أو كوجود طارئ منقطع الجذور، وبتقديم الفتح الإسلامي في حدود الوطن العربي الحالية كغزوٍ غاشمٍ لأقوام من الجزيرة العربية على أقوام أصيلة لا يرتبطون معها برابط.
وهو خلطٌ وتهويمٌ يتراوح ما بين الجهل الفاضح، والتوجيه المشبوه سياسياً والمخترق ثقافياً، لأنه يتجاهل عمق الرابط اللغوي والحضاري، وحتى العشائري، ما بين الجزيرة العربية وبقية أجزاء الوطن العربي. فمناذرة العراق، وغساسنة بلاد الشام، جاؤوا من شبه الجزيرة العربية كما هو معروف، وكذلك أظهر د. عثمان السعدي أن الأمازيع جاؤوا من اليمن قبل عدة ألفيات، ووضع قاموساً يظهر ترابط اللهجة الأمازيغية، بالعربية وبالفينيقية-الكنعانية القديمة، وهي من جدات اللغة العربية المسماة زوراً "السامية"، و"السامية" طبعاً هي اللفظة التي استحدثها المستشرقون من أجل إلغاء ذكر أي شيء عربي من تاريخ حضارة الإنسان كما يوضح د. أحمد الداوود في دراساته وغيره. وهناك أيضاً دراسات د. عكاشة الدالي عن عروبة مصر القديمة، ناهيك عن مجلدات محمد عزة دروزة التي وثق فيها عروبة العراق وبلاد الشام ووادي النيل المتصلة منذ أقدم العصور.
وعلى كل حال، المراجع التي تؤكد العروبة المتصلة لبلادنا منذ أقدم العصور متوفرة لمن يبحث عنها، ونقول المتصلة، لأن العروبة لا يخل بها احتلالٌ عابر، ولو طال به الأمد. وفي مادة بعنوان "الفتح الإسلامي لم يكن غزواً" في مجلة البيان الكويتية، عدد شهري 7 و8 لسنة 1998، يظهر د. فؤاد المرعي أن اندفاع سكان العراق وبلاد الشام ومصر للانضواء تحت راية الإسلام، بعد ألف عام من الاحتلالين الرومي والفارسي، يعود أساساً لعدم قدرة الاحتلالين على اجتثاث العروبة التاريخية للمنطقة.
وتظهر نفس المادة للدكتور المرعي أن المسلمين دخلوا بلاد الشام والعراق ومصر محررِين لا مستعمِرين، وأن المسلمين الأوائل كانوا يعرفون أن مسيحيي الشرق، أبناء عمومتهم بالنسب، كانوا مضطهَدين من الروم، وبالتالي أنهم سيؤيدونهم على أساس قومي عربي، ولو لم يدخلوا في الإسلام، فذلك حساب إستراتيجي واثق، لا عمل مغامر، يقوم على شعور غريزي بوحدة الأرض والثقافة والإنسان العربي في وعائه الجغرافي الطبيعي الذي لا يميز بين جزيرةٍ عربية، وهلالٍ خصيب، ووادي نيلٍ، ومغربٍ عربي، وهي العروبة التي هيأت لانتشار الإسلام نفسه كحركة وحدة وتحرير ونهضة للأمة العربية. وثمة سبب، بالمقابل، لعدم تخلي فارس عن لسانها بعد الإسلام!
وقد بات من الضروري أن نذكر اليوم بهذا في مواجهة غزاةٍ جدد يحاولون إظهار العروبة والإسلام في بلادنا كاحتلال طارئ، وفي مواجهة هويات التفكيك الدموي المدعومة غربياً.
Page 4
وتأتي التتمة الصهيونية المباشرة للرواية المؤسسة لـ"الشرق أوسطية" من خلال نفي عروبة القدس قبل الإسلام، وهو ما يؤسس لزعم هوية يهودية مزيفة لها قبل الرومان. وهو أمرٌ من أخطر ما يكون في ظل مشاريع تهويد القدس الحالية.
وباني القدس هو "ملكي صادق" ملك قبيلة اليبوسيين الكنعانية. فمن لا يصر على دور اليبوسيين العرب في تأسيس القدس وعلى عروبة الكنعانيين الناجزة عروبةً لا ريب فيها، وبالتالي عروبة أرض كنعان، فإنه يقدمها مع الأقصى لقمةً سائغة لليهود بذريعة ملكيتهم التاريخية لها. فإذا مر العبرانيون يوماً بأرض كنعان كما يزعمون، فإنهم يكونون قد مروا بها كأي احتلال، وقبلهم ومعهم وبعدهم بقي الكنعانيون ليحافظوا على عروبة الأرض، وتلكم هي الهوية العربية المتصلة التي لا يبدلها أي احتلال.
ملاحظة أخيرة: عندما نتحدث عن هوية عربية متصلة للمنطقة، فإن ذلك لا يعني أن كل عناصر تلك الهوية لم تتبدل أو تتطور عبر المراحل التاريخية المختلفة. فالعروبة كائن حي لا صنم من الحجر، وقد نتجت العروبة عن تفاعل جماعة مشتركة من الناس على بقعة جغرافية مشتركة على مدى آلاف السنين، فمن البديهي إذن أن تمر بمراحل وأطوار، ومن البديهي أن ترتقي حقيقة الوجود القومي التي تشكلت قبل الإسلام إلى مستوى أعلى أكثر تماسكاً ووضوحاً بعد الإسلام، ومن البديهي أن تكون عروبتنا المعاصرة مضطرة لاستيعاب كل التحديات والمخاطر والظروف التي يأتي بها عصر العولمة. فالعروبة القديمة لا تساوي العروبة التي تبلورت في ظل الإسلام، وتلك لا تساوي العروبة المعاصرة، كما أن الحفيد لا يساوي الأب الذي لا يساوي الجد بدوره. لكن مشكلتنا هنا هي مع من ينكر علاقة الأبوة المتسلسلة بينهم.
Page 5
سلسلة التثقيف القومي
الجزء الأول: المفهوم التاريخي لتسمية العرب وموطنهم/ د. أحمد داوود
- الخليج العربي كان "جنة العرب" قبل أن تغمره مياه البحر مع ذوبان كتل العصر الجليدي الأخير قبل آلاف السنين.
- الوجود العربي في جنوب العراق وضفتي الخليج العربي والبحرين مستمر دون انقطاع منذ 14 ألف عام قبل الميلاد.
- شبه الجزيرة العربية كانت خضراء قبل تصحرها، وفيها أنتج الإنسان العربي أسس الحضارة البشرية.
تقـديــم
لطالما شكّك بعض السطحيين والمغرضين بفكرة الهجرات الكبرى من شبه الجزيرة العربية على مدى آلاف السنين باتجاه بلاد الشام والعراق ومصر ووادي النيل والمغرب بذريعة أن المناطق المقفرة الجرداء لا تحتمل مواردها نشوء فوائض سكانية ضخمة إلى درجة تجتاح معها المناطق الخصبة الخضراء وتسيطر عليها، ويزعم هؤلاء أن منطق الأشياء يتطلب أن يتكاثر السكان أكثر في المناطق الخصبة، لا الصحراوية، وبالتالي، يرفض هؤلاء المشككون فكرة الهجرات الكبرى من شبه الجزيرة العربية إلى بقية الوطن العربي، وينتج عن ذلك الموقف طبعاً اعتبار الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي احتلالاً، واعتبار كل الوجود العربي خارج الجزيرة العربية احتلالاً أيضاً، وهو المنطق الذي سنبين تهافته في الأجزاء التالية من سلسلة التثقيف القومي، كما نبين أن الأمازيغ والأقباط والسريان وغيرهم من الأقوام المتواجدة خارج شبه الجزيرة العربية هي أقوام عربية قديمة توجد بينها وبين العرب المحدثين روابط لغوية وعرقية وتاريخية وثقافية عميقة وعريقة.
أما في هذا الجزء من سلسلة التثقيف القومي، فإن د. أحمد داوود من سوريا يكشف فيما يكشفه لغز الهجرات الكبرى من شبه الجزيرة العربية باتجاه مشرق الوطن العربي ومغربه وباتجاه وادي النيل... فشبه الجزيرة كانت قبل ألفيات عدة شديدة الخصوبة تجري فيها الأنهار وتتساقط عليها الأمطار على مدار السنة، وتمتد فيها المراعي والغابات، وكان ذلك في الوقت الذي امتد فيه الجليد القطبي حتى وسط فرنسا وما يعادلها في خطوط العرض، وبالتالي تشكلت في شبه الجزيرة العربية الكتلة البشرية العربية الرئيسية وأنشأت أسس الحضارة البشرية هناك، ومن الخليج العربي قبل أن تغمره مياه البحر ذهب السومريون باتجاه العراق مثلاً، ومع ذوبان الجليد وانتهاء العصر الجليدي الأخير، وبدء تصحر الجزيرة العربية الذي لم يكتمل حتى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد تقريباً، بدأت الموجات العربية تجد نفسها مضطرة للبحث عن أراضٍ أكثر اخضراراً، كانت قبلها مكتظة بالغابات التي نجد القلة القليلة الباقية منها في جبال المغرب العربي وجبال بلاد الشام... فعلم المناخ والتقلبات المناخية باتجاه التصحر التدريجي هو ما يفسر الهجرات العربية الكبرى من شبه الجزيرة العربية باتجاه بقية الوطن العربي على مدى آلاف السنين.
النقطة المهمة الأخرى في مادة د. أحمد داوود أدناه تتعلق بالجهود الحثيثة المبذولة من قبل جهات عدة، غربية خاصةً، لطمس الهوية العربية الموحَدة لبلادنا من خلال تفتيتها إلى عشرات الهويات الفرعية (كالآشورية والبابلية والسريانية والفينيقية والقبطية والبربرية الخ...) التي يجمعها قاسم مشترك واحد بالأساس هو العروبة. وترتبط محاولة طمس الهوية الحضارية العريقة للمنطقة أيضاً بمحاولة إلغاء المساهمة العربية الجوهرية في تأسيس الحضارة البشرية من أجل نسبتها قسراً للإغريق والرومان، وبمحاولة فرض مركزية الحضارة الغربية في التاريخ البشري والفكر الإنساني، في الوقت الذي بنى فيه الإغريق والرومان على الإنجازات العربية أصلاً، وكان العرب القدماء هم الذين نقلوا حضارتهم غرباً باتجاه اليونان وشرقاً باتجاه الهند...
وثمة نقاط كثيرة أخرى في مادة د. داوود أدناه تتحدث عن نفسها بنفسها، لكن يكفي أن نقول أنها بمجموعها تترك كل من يقرأها حتى النهاية فخوراً بأصله وبعروبته في وجه محاولات مسخ هذه العروبة وتقزيمها.
Page 6
(مقتطفات من الفصل الأول من كتاب "العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود" للدكتور أحمد داوود، الصادر في دمشق، سوريا، كانون الثاني 1991)
فقرات
من مقدمة الكتاب (بتصرف):
لقد صار من الواضح والثابت اليوم أنه لم يلق تاريخ أمة من الأمم أو شعب من الشعوب من ضروب المسخ والتشويه والتزوير مثل ما لقيه تاريخ الشعب العربي. وأكثر من هذا نقول: إن تاريخنا العربي، الذي هو دونما أية مبالغة، تاريخ التمدن البشري على هذا الكوكب، يكاد يكون الوحيد الذي تضافرت عليه جهود الدول الكبرى بكل مؤسساتها وإمكاناتها من أجل مسخه وتقزيمه. وإن مثل ذلك التزوير الهائل لم يكن ليتم بالصورة التي هو عليها اليوم لولا أن واقعاً كارثياً تعيشه مؤسساتنا الثقافية والتعليمية في الوطن العربي منذ بداية عصر الاستعمار وحتى اليوم.
لقد عمدت الدول الاستعمارية إلى إحداث مؤسسات استشراقية... بترت العربي عن ماضيه الحضاري المجيد، الأساس الحقيقي الراسخ الذي قامت عليه حضارات كل الأمم الأخرى فيما بعد، وحولته إلى وجود هامشي بدائي، متخلف، متطفل منذ القدم على حضارات الآخرين.
وصار على العربي اليوم، لكي يعرف لغته وتاريخه، أن يذهب إلى معاهد وجامعات تلك الدول التي عممت ورسخت ذلك التزوير، فيجري تلقينه تلك الصورة الشوهاء المقزمة لتاريخ شعبه، ثم يتحول في وطنه إلى مجرد وسيط يحصر دوره في نقل تلك الصورة وترسيخها في أذهان الأجيال العربية المتعاقبة.
إن بلداً عربياً واحداً لم يأخذ على عاتقه، حتى هذا اليوم، إنشاء معاهد مركزية قومية حقيقية لتدريس اللغة العربية القديمة بكافة لهجاتها وكتاباتها وبتسميتها الصحيحة، فيتولى خريجوها قراءة هذا التراث الزاخر الهائل الذي تزخر به الأرض العربية. لقد بقيت هذه المهمة حتى اليوم منوطة بالأجانب وحدهم، بمن فيهم اليهود الصهاينة. إن دور مديريات الآثار لا يتعدى، في معظمه، تسلم بعض ما يجود به الدارسون الأجانب، لتوزعها، دونما أي بحث أو مناقشة أو دراية، على معاهد التعليم ومؤسسات الإعلام والثقافة والسياحة، وكثيراً ما يستبق القائمون على الآثار نتائج الاستكشاف، ليقرروا نتائج وأحكاماً ومقولات هي في صميمها صهيونية أو مغرضة، كما حدث في عملية إطلاق تسمية "الحثية" على الآثار المكتشفة في شمال سوريا دون أي مستند تاريخي أو آثاري، وكما أطلقت تسمية "سيميرا" التوراتية على تل الكزل جنوب طرطوس قبل استكشافه وجرى تعميم ذلك على الكتب الجامعية بتدبير محكم، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى...
Page 7
إن المكتشفات الآثارية ما تنفك تؤكد يوماً بعد يوم أن تاريخ الوطن العربي هو تاريخ التمدن البشري على هذا الكوكب. فقد أثبتت، بما لا يبقي مجالاً للشك، أن إنساننا كان أول من عرف الزراعة وفن البستنة، وأول من بنى المدن، وشيد الحصون والقلاع، وأول من عرف المعدن واستخدمه وأتقن فن التعدين وصناعة الأدوات، وأول من صنع الفخار والدولاب، وأول من عرف وأسس علوم الطب والفلك والحساب والهندسة والجبر والمساحة، ووضع المقاييس والمكاييل والموازين، وأول من اكتشف، ومن عهد بابل، أن الأرض كروية، وأنها هي التي تدور حول الشمس، فدرس بناءً على ذلك ظاهرة الخسوف والكسوف، ووضع المواقيت والتقاويم لأول مرة، ووضع النظام الستيني منذ عهد بابل الذي ما زال مستخدماً حتى اليوم، فقسم بموجبه النهار إلى 12 ساعة، والساعة إلى 60 دقيقة، والدقيقة إلى 60 ثانية. وأول من صنع السفن وأبحر في البحار والمحيطات، وأوجد خطوط التجارة الدولية في البر والبحر، ودار حول رأس الرجاء الصالح وبلغ الشواطئ الأمريكية منذ الألف الثاني والأول قبل الميلاد (أي قبل كريستوف كولومبوس بما ينوف عن ألفين وخمسمائة عام). وأول من أبدع عقيدة الخصب الزراعية بكل تقاليدها وتعاليمها وآدابها وفنونها، وأول من أبدع عقيدة التوحيد، وأول من عرف الكتابة واخترع الأبجدية، وصنف الكتب والمكتبات، وبنى المدارس، ووضع القواميس منذ الألف الثالث قبل الميلاد (كما أثبتت مكتشفات ماري)، وأول من صنع النول والمكوك وعرف الحياكة والنسيج، وأول من بنى دولة مركزية كبرى بالمفهوم الحقوقي والإداري والسياسي والاقتصادي والعسكري، فوضع الأنظمة، وشرع القوانين، وضرب النقود، وبنى الجيوش، وأول من وضع تشريعات الزواج وبناء الأسرة، وأول من شرب الخمور، وصنع العطور، وأحدث مجالس الشراب، والشورى والندوة، وأول من وضع مجلسين استشاريين للشيوخ والشباب، وأول من تزين بالحلي والكحل ولبس الجوارب، وعرف الشطرنج والنرد والداما...
نعود لنقول: بالرغم من هذا كله، فقد تحول تاريخنا العربي القديم اليوم، على أيدي المزورين في الخارج و"النقلة" في الداخل، إلى تاريخ مجموعات من القبائل البدوية الرعوية، نتيجة للروح التعصبية التزويرية التي سادت كتابة التاريخ على يد الغرب الاستعماري، فانقلبت كل الحقائق رأساً على عقب، وصارت أثينا وروما، اللتان كانتا جزءاً من إنجازنا الحضاري، كما صار يتأكد اليوم، مرضعتين للحضارة على الأرض.
وفوق هذا كله، فقد مُزقت وحدة الشعب العربي اللغوية والحضارية، فجرى عن عمد وتصميم تغييب الهوية العربية عن كل مكتشف آثاري، وصار كل تل يكشف مشروعاً لشعب جديد، ولتسمية جديدة، وحضارة جديدة، ولغة جديدة، يلصق بها أحياناً تسمية المكان، وأحياناً كثيرة تُفرض عليها تسميات قسرية من مدونات التوراة، ليبقى الطابع البدوي العشائري الضيق الذي عكسته التوراة هو الطابع الوحيد لهذا الشعب، من جهة، ولخلق الذرائع التاريخية المصطنعة والكاذبة للأطماع الاستعمارية والصهيونية في المنطقة، من جهة أخرى، ومنه افتراض وجود هندو أوروبي مزعوم في تاريخنا الحضاري، حتى تصير التسميات مقرونة بأسماء شعوب وأقوام عدة، فنتعرف على ما يدعى بـ"العهد الحثي"، و"الآثار اليونانية" أو "الهلنستية"، و"الآثار الرومانية"، و"الآثار البيزنطية"، والآثار الإسلامية... الخ في سوريا مثلاً. المهم هو ألا يكون في متاحفنا أو في كل ما يقال عن آثارنا أي ذكر لشعبنا صاحب ومبدع تلك الحضارة وحده على أرضه، قبل أن ينقلها بنفسه إلى أراضي الآخرين.
Page 8
المفهوم التاريخي لتسمية العرب وموطنهم:
مقتطفات بتصرف من الفصل الأول:
يعتمد تحديد الهوية التاريخية القومية والحضارية لهذا التجمع البشري أو ذاك، لهذه الظاهرة التاريخية أو تلك، على ثلاثة أسس رئيسية هي: السكان، اللغة، والأرض أو الجغرافيا، مع قناعتنا الأكيدة بأن هذه الأشياء الثلاثة لا توجد الواحدة منها في معزل عن الأخرى، بل بشكلها المترابط عضوياً، المتفاعل جدلياً.
وقبل أن نتحدث عن المفهوم التاريخي لكلمة العرب نرى أن لا بد، أولاً، من أن نرسم لوحة مبسطة للجغرافيا، في مرحلة تاريخية سابقة، التي على مسرحها عاش وتطور وأبدع هذا الشعب الذي نعرفه اليوم بـ"العربي".
السكان والجغرافيا:
من المحتم علينا حينما نتحدث عن تاريخ هذا الشعب أو ذاك في مرحلة تاريخية قديمة أو موغلة في القدم، كما هو شأننا مع الشعب العربي، أن نحيط بجغرافيا المنطقة، بما فيها علم المناخ، التي كانت مسرحاً لنشاط هذا الشعب في تلك الحقبة التاريخية المعينة من الزمن، وبغير هذا يصير التاريخ ضرباً من الفرضيات أو التخمينات العاجزة عن تفسير كثير من الظواهر السكانية أو الحضارية، وهذا ما هو سائد اليوم في كل الكتب أو معظمها التي تؤرخ لشعبنا العربي انطلاقاً من الواقع المتصحر لشبه جزيرة العرب اليوم.
أما نقطة البداية التي نختارها للحديث عن جغرافيا المنطقة فهي حوالي الألف الرابع عشر قبل الميلاد.
يجمع علماء التاريخ والجغرافيا والمناخ في العالم اليوم على أن نهاية أخر عصر جليدي مرت به الكرة الأرضية كانت في حوالي الألف الرابع عشر قبل الميلاد التي معها كانت بداية عصرنا الدفيء الحالي والذي قد يستمر عشرات الآلاف من السنين (هشام الصفدي، "تاريخ الشرق القديم"، جامعة دمشق، 1983-1984، الجزء 1، ص 78-79).
في تلك الحقبة تحديداً كانت كتل الجليد بسماكة مئات الأمتار تغطي مساحات شاسعة من الشمال وحتى الخط الذي يمر في وسط فرنسا، وكان الحزام الحي "أي المفعم بالحياة وبشروط تطور الإنسان والحضارة"، هو الممتد من جزيرة العرب وعبر ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية وصولاً إلى الشواطئ الأمريكية الوسطى والجنوبية. لقد كانت "طبقات الجليد السميكة تغطي أمريكا الشمالية وغرب أوروبا مثل الجزر البريطانية والأراضي المنخفضة وفنلندا والدانمارك ومنطقة الألب، وكانت روسيا مركز الإشعاع الجليدي في شرق أوروبا حيث وصلت المجلدات إلى أوكرانيا والدانوب وشمال ووسط الأورال على جبال تايمير ومناطق أخرى من سيبيريا، وزحفت مجلدات عملاقة من جبال جوكوتكا وجماكاتكا وآسيا الوسطى وظهرت المجلدات في جبال أستراليا والشيلي ونيوزلند" (أ. كوندراتوف، "الطوفان العظيم بين الواقع والأساطير"، دار وهران، ترجمة د. عدنان عاكف حمودي، الطبعة الأولى، دمشق 1987، ص 62).
Page 9
أما شبه جزيرة العرب فقد كانت أخصب بقعة على سطح الكوكب وأكثرها ملاءمةً لوجود الإنسان والحيوان والنبات ولنشوء الحضارة. ففي الشرق منها كانت جنة العرب الأولى قبل أن تغمرها مياه البحر وتشكل ما يعرف اليوم بالخليج العربي، تجري من تحتها أنهار دجلة والفرات وبيشه لتصب جميعاً في بحر العرب بعد أن غذت تلك المنطقة عبر عشرات آلاف السنين بطبقات لحقية وفرت لها درجة من الخصوبة لم تعرفها أية بقعة أخرى. وكان يغطي منطقة صحراء الربع الخالي بحر من المياه العذبة ما تزال بقاياه قائمة حتى يومنا هذا في أربع بحيرات متصلة جوفياً عمق إحداها 400 قدم (أحمد سوسة، "ري سامراء"، الجزء 2، ص 539).
وكان وادي بيشه الذي يتحد مع وادي الرمَة وتثليث ورنيا والثرات والدواسر يخترقها من الغرب إلى الشرق جنوب البصرة ثم يتابع سيره في منطقة الجنة (الخليج العربي لاحقاً – إ. ع) ليصب أخيراً في بحر العرب.
يقول تشايلد: "في الوقت الذي كان فيه شمال أوروبا مغطى بطبقات الثلوج إلى مسافات بعيدة، وكانت جبال الألب والبيرنيه مغطاة بكتل الجليد، كان ضغط القطب الشمالي الشديد يسوق أعاصير الأمطار التي تهب على أوروبا الوسطى، ويجعلها تجتازها وتعبر إلى حوض البحر المتوسط، وتستمر في سيرها دون أن تستنزفها الجبال السورية فتصل إلى العراق وجزيرة العرب... فكانت الصحارى التي يلفحها العطش الآن تتمتع بأمطار منتظمة، ولم تكن الأمطار الذاهبة بعيداً إلى جهة الشرق أكثر مما هي عليه الآن فحسب، بل إنّها كانت موزعة على جميع فصول السنة بدلاً من أن تكون مقصورة على فصل الشتاء، وكان يعيش في شمال أفريقيا، وربما في جزيرة العرب أيضاً، حيوانات من نوع ما يوجد الآن في زيمبابوي وروديسيا" (تشايلد، "الشرق القديم"، طبعة 1964، ص 15-16).
وتؤكد نتائج أبحاث سفينة الأبحاث الألمانية "ميتيور" في قاع الخليج أنه "نتيجة لانخفاض مستوى مياه البحر خلال العصر الجليدي الأخير إلى حوالي 110 أمتار عما هي عليه اليوم، كان الخليج العربي أرضاً يابسة تتكون من منخفض يبلغ طوله حوالي 1100 كيلومتر، ووسطي عرضه 180 كيلومتراً، ولا يتجاوز عمق غوره 30-100 متر، وتشق قاع الخليج قناة حفرتها مياه النهرين تبدأ قرب الفاو لتصب في خليج عُمان. ومن الجدير بالملاحظة أن تضاريس قاع منطقة الخليج تشبه إلى حد كبير طبيعة الأرض التي يجتازها نهر الفرات في سوريا إلى درجة دفعت الباحثين للاعتقاد بأن حوض الخليج يكاد يكون استمراراً للأرض السورية، فلا يفصل المنخفضين إلا السهول الرسوبية المنبطحة المعالم، واعتباراً من أواخر العصر الجليدي الرابع "الأخير"، أي منذ حوالي 14000 قبل الميلاد تأخذ مياه البحر بالارتفاع بفعل مناخ دافئ يسود الكرة الأرضية خلال عصر الهولوسين "الدفيء". وباستثناء انقطاعين عارضين حدث الأول حوالي 10000 سنة ق. م والثاني حوالي 8000 سنة ق. م بفعل التذبذبات المناخية، تابع ماء البحر ارتفاعه واستمر يغمر منطقة الخليج، حتى استقر مستواه تقريباً اعتباراً من حوالي 4000 ق. م على وضعه الراهن في القرن العشرين. وبذلك انفصلت المرتفعات التي ستعرف فيما بعد باسم البحرين وفيلكا وبوبيان وغيرها من الجزر عن الأرض العربية التي تحولت بدورها إلى شبه جزيرة وبلغ ارتفاع منسوب المياه إلى 120 متراً" (هشام الصفدي، المرجع السابق، ص 76 و81).
(لاحظ أن هذا يثبت الوجود العربي في محيط الخليج العربي، خاصة في البحرين والجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، ناهيك عن الأحواز، منذ ما لا يقل عن 14 ألف سنة قبل الميلاد حتى اليوم دونما انقطاع – إ. ع).
تلكم هي لوحة جزيرة العرب الجغرافية والمناخية التي كانت مهداً للحضارة على هذا الكوكب، والتي كانت تمتد حدودها من ضفة الخليج الشرقية شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً، ومن البحر الأسود شمالاً "البحر الأعلى" إلى بحر العرب جنوباً "البحر الأدنى" (لاحظ أن هذا التوصيف يضم كل هضبة الأناضول في تركيا الحالية – إ. ع).
ومنذ أن تأسست أول دولة مركزية في المنطقة، وهي دولة سرجون الأكادي في الألف الثالث قبل الميلاد، وحتى نهاية عهد الملكة زنوبيا، حافظت الدولة على هذه الحدود دونما أي تفريط أو تجزئة خلال ما يقرب من ثلاثة آلاف عام.
Page 10
السكان واللغة:
بعد هذا الرسم التوضيحي الموجز للخارطة الجغرافية والمناخية التي بها نشأ وعاش وتحرك وتطور وأبدع أول حضارة في العالم الشعب الذي نعرِّفه اليوم بالشعب العربي يصير من اليسير علينا أن نحل كل الإشكالات المفروضة، وأن نفسر بسهولة كل تلك التحركات السكانية العربية سواء على هذا المسرح أو في خارجه. ولم تعد – بعد هذا – مسألة خروج العرب السومريين من منطقة الجنة في أرض الخليج إلى الجنوب العراقي لغزاً يسهم المستشرقون في جعله محيراً رغم كل الدلائل والمكتشفات. إذ إنَّ منطقة ما قبل الخليج كانت جزءاً من ثقافة كبيرة معاصرة – كما أكدت النتائج التي قدمتها بحوث سفينة الميتيور – انتشرت مراكزها في الجنوب الرافدي وجواره قبل أن تجبر مياه البحر الصاعدة أهلها على الرحيل تدريجياً إلى مواطن جديدة.
لقد صار ثابتاً اليوم أن هذه الظاهرة هي التي أجبرت سكان الجنة العربية القديمة في أرض الخليج إلى أن ينتشروا إلى الجوار الشرقي، فنقلوا إلى شواطئ الهند الغربية ما دعي بحضارة ما قبل الهندية والتي تعود إلى الألفين السادس والخامس قبل الميلاد. وقد دعيت اللغة المكتشفة هناك بـ "الدرويدية"، وهي عربية شقيقة للعربية السائدة حينذاك في شرق شبه جزيرة العرب.
يقول كوندراتوف: "ويجد اللغويون معالم التشابه بين لغة الدرويديين ولغة العبيديين الذين عاشوا في وادي دجلة والفرات قبل السومريين وكثيراً ما كانوا يتحدثون عن الوطن الجد الغريق وعن "مملكتهم التي ابتلعتها مياه البحر" (أ. كوندراتوف، المرجع السابق، ص 62).
كما أنَّ الظاهرة نفسها هي التي أجبرت العرب الآخرين الذين حلوا في أرض سومر من جنوب العراق ودعوا بالسومريين ناقلين معهم تراثهم وقصصهم وذكرياتهم عن "الوطن الغريق" و"بحر الوطن" و"الجنة المفقودة تحت الماء" وجنة "دلمون" البحرية.
يقول البرفسور "جاك لابيري" أكبر علماء المناخ في أوروبا اليوم بهذا الصدد ما يلي: "إن حضارات القدامى بزغت وتلاشت بفعل حركة ارتفاع أو انخفاض منسوب البحر والمياه فوق مستوى الأرض. لنأخذ مثلاً السومريين، لقد ظهروا فجأة منذ حوالي ستة آلاف سنة عند نهري دجلة والفرات. كانوا يملكون أسلحة متطورة بالنسبة إلى ذلك الزمان، ويعيشون حضارة ناشطة، فمن أين جاؤوا؟ إن علم المناخ والأرصاد يدل على أنه حين كان سطح المحيط منخفضاً، أي أقل ارتفاعاً عما هو بمئة متر. فالسومريون كانوا موجودين في مكانٍ ما، من المؤكد أنهم كانوا قرب نهر يؤمن لهم الشرب واستمرارية الحياة. آنذاك، كان البحر يغطي مدخل الخليج العربي الحالي، وكان نهر دجلة والفرات نهراً واحداً يسير وسط منطقة الخليج "الحالي" ليصب في المحيط الهندي. إذن كان بحر الخليج أرضاً يابسة يجتازها النهر المذكور. كان سهلاً واسعاً وخصباً، وفي هذا السهل ومنذ آلاف السنين حيث كان مستوى البحر منخفضاً 100 متر حدثت حتماً عملية انتقال الإنسان من حالة العصر الحجري القديم إلى حالة العصر الحجري الأخير "المزارعين الثابتين". لقد تم ذلك منذ 8 أو 9 آلاف سنة، وقد ظل سطح البحر يرتفع منذ سبعة آلاف سنة دافعاً بالسومريين الأوائل إلى منطقة الشمال الغربي. فبلغ البحر، ومنذ خمسة آلاف سنة، المستوى الحالي الذي نعرفه. فاستقر السومريون في مدينة أور وضواحيها، والمعروف أن المدن الكبرى القديمة في بلاد الكلدان توجد على بعد 140 كيلومتراً تقريباً من هذه الأراضي. وهذا المستوى كان الأقصى الذي بلغته مياه البحر منذ 5500 سنة، وحين انحسرت مياه البحر في ما بعد بقي السومريون حيث كانوا" (لقاء مع د. جاك لابيري، مجلة "الصفر"، عدد أغسطس/ آب 1987، تصدر عن شركة إنترسبايس للنشر بالتعاون مع المركز العربي للدراسات الدولية، ص 41).
وهذا أيضاً ما أكده عالم الآثار الأمريكي جوريس زارينس الذي ظل يعمل في الآثار في المنطقة الشرقية من الأراضي السعودية زهاء عشرة أعوام... فتوصل من خلال المكتشفات إلى النتائج نفسها. وقد أجرت معه إحدى المجلات الأمريكية لقاءً مطولاً في عددها الصادر في أيار 1987 تحت عنوان "هل تم العثور أخيراً على موقع جنة عدن" أكد فيه أن الموطن الأصلي للعبيديين هو الطرف الشرقي لشبه جزيرة العرب وأنهم أسلاف السومريين الذين خرجوا من أرض الخليج حيث "جنة عدن" العربية، وكانوا هم، لا السومريون، بناة المدن والحضارة في جنوب العراق" (ريبورتاج حول نتائج أعمال عالم الآثار الأمريكي "جوريس زارينس" في العربية السعودية ضمن بحث: "هل تحدد أخيراً موقع جنة عدن؟"، مجلة Smithsonian الأمريكية عدد مايو / أيار 1987، ص 127 – 134).