eKtab
EN ع
أسس الفكر القومي العربي
Read free sample

أسس الفكر القومي العربي

by د. إبراهيم علوش

Page 1
مقدمة
 
بدأت فكرة هذا الكتاب من ضرورة تجميع نصوص مختارة لكتاب قوميين تعرّف الشباب العربي بالفكرة القومية العربية ومعناها وأسسها. ما هي القومية العربية؟ وما هو الوعي القومي؟ ومن هم بعض أهم الكتاب القوميين الذين أسسوا الفكر القومي العربي أو أثروه؟ وما هي أهم الاتجاهات في الفكر القومي العربي؟ ولماذا نتبنى الفكر القومي العربي اليوم في عصر العولمة والنزعات الإنسانية أو الطائفية؟
 
ما سبق مجرد نموذج من الأسئلة التي راحت تواجه الكتاب والناشطين القوميين العرب بتزايد في وقتٍ بات فيه أكثر من أربعة أخماس العرب في سنٍ لم تسمح لهم أن يروا أو يعرفوا الحركة القومية أو الفكر القومي العربي في ذروتهما.
 
ومع أن الإجابة على تلك الأسئلة متاحة في بطون المجلدات الثقيلة والكتب التي بات معظمها خارج الطبع، وهي متاحة بالطبع لمن يجِدّ في البحث عنها، فإن تعريف الشباب العربي بالقومية والفكر القومي العربي بات يتطلب اليوم باقةً من النصوص المختارة بعناية يمكن جمعها معاً بين دفتي كتابٍ واحدٍ صغير بلغةٍ بسيطة ولكن بطريقة منهجية نقدية تحليلية.
 
وقد كان يتم تداول مثل تلك النصوص على "لائحة القومي العربي" على الإنترنت وبين بعض أعضاء "لائحة القومي العربي"، كما كانت تجري بينهم حولها نقاشات طويلة. وقد كان يتم نشر بعض تلك النصوص تباعاً على الإنترنت تحت عنوان "سلسلة التثقيف القومي". إذن ما نقدمه هنا ليس مجرد كمٍ عشوائي من الكلاسيكيات القومية كيفما اتفق. بل نقدم نصوصاً مختارة لتعريف الشباب العربي بالفكر القومي العربي وأسسه ومفاهيمه، ونعرض كل مادة بشكل منفصل، مقدمين لها بملاحظات نقدية تبين ما فيها من فائدة ومن نقاط ضعف من وجهة نظرنا. وتؤدي هذه العملية التراكمية إلى بناء معرفي منسجم في النهاية لأوليات وألف باء الفكر القومي العربي من خلال منظور التيار القومي الجذري الذي تتبناه "لائحة القومي العربي". فنحن نستخدم لبنات قومية تقليدية أو غير تقليدية، من ساطع الحصري إلى عصمت سيف الدولة إلى عفلق إلى ياسين الحافظ إلى غيرهم، لوضع أسس فكر قومي أكثر ملاءَمة لعصرنا وزماننا. وما ننتهي إليه هو مساق منهجي من عشرة أجزاء منفصلة، متصلة في آنٍ معاً، لتعريف الشباب بمبادئ الفكر القومي العربي. ولا نخفي هنا تحيزنا لنوع محدد من الفكر القومي وجدنا أن كل ما سبقنا من فكر وتجربة يقود إليه. ويتميز هذا الخط، القومي الجذري، كما أوضحنا في نهاية الفصل الأول من كتاب "مشروعنا: نحو حركة جديدة للنهوض القومي"، بأنه:
 
1) قومي، لأن أهدافه قومية، وتتمثل بالوحدة والتحرير والنهضة، وهذه الأهداف قومية الطابع بالتعريف حتى لو قام على تحقيقها أشخاص غير قوميين.
 
2) جذري، بمعنى أنه يمثل قطيعة نهائية مع كل ما هو قائم، ولا يرجو ولا يأمل بإصلاحه من الداخل، بل يسعى لتغييره تغييراً شاملاً لا يبقي له أثراً.
 
3) أنه يتبنى رؤية متنورة وثورية للإسلام، ولا يرى تناقضاً ما بين العروبة والإسلام، وأنه يتبنى فهماً "ثقافياً" للإسلام، يختلف عن مفهوم "الإسلام السياسي".
 
4) أنه يتبنى المنهج العلمي في التحليل، ويحاول فهم قوانين حركة التاريخ والمجتمع والسياسة بشكل علمي، ويضع خططه ومشاريعه على هذا الأساس.
Page 2
سلسلة التثقيف القومي
 
الجزء الأول: عوامل القومية / ساطع الحصري
 
تقديم: يمكن اعتبار الأستاذ ساطع الحصري المعلم الأول للقومية العربية في النصف الأول من القرن العشرين. وهو من عائلة عربية سورية، ولد في صنعاء، في اليمن، عام 1879 أو 1880، وتوفي في بغداد عام 1968. وقد عمل خلال تلك السنوات المديدة في سلك التعليم ووضع المناهج الدراسية في العراق وسوريا ومصر عبد الناصر، وبشر بالقومية العربية ونظّر لها طوال سنيِّه. وقد أخبرني أحد معاصري فترة المد الوحدوي في الخمسينات أن الأستاذ ساطع الحصري سافر مرة إلى مصر، وكان وقتها في السبعينات من عمره، فرفض أن يقدم جواز سفره لضباط مطار القاهرة، مصراً على دخول مصر بدون إبراز جواز سفره، لأنه عربي يتحرك بين أقطار وطن واحد، وبالتالي ليس من المفترض أن يحتاج لجواز سفر، ولو طلبوا منه هوية شخصية لاختلف الأمر، وحدثت مشكلة طبعاً، وصلت إلى الرئيس جمال عبد الناصر، الذي أوعز لضباط المطار بإدخال الأستاذ ساطع الحصري بدون جواز سفر... فكرس الأستاذ ساطع الحصري بذلك سابقة دخول العرب عبر الحدود المصطنعة بدون جواز سفر. رحم الله أيام المد الوحدوي، سوى أنه لم يمت، بل يقضي قيلولة حالياً، ولو بدت طويلة.
 
وتجدون أدناه نص محاضرة الحصري عن العناصر المكونة للقومية التي ألقاها في نادي المعلمين في بغداد عام 1928. اقرأوها لتروا كيف تكون المحاضرات، وكيف كانت يوماً! واقرأوها لتعرفوا كيف تقهقر الفكر السياسي العربي من الناحية الوحدوية منذ عام 1928... وكيف فرضت القومية العربية نفسها بقوة الحجة، وتماسك المنطق، لتنتج فيما بعد تياراً قومياً عارماً.
 
وإذا كانت أوروبا قد بدأت نهضتها بعد عصور الظلام في القرون الوسطى بنفض الغبار عن الأعمال الكلاسيكية للإغريق والرومان، فإن نهضتنا القومية العربية الجديدة لا بد لها أن تبدأ بنفض الغبار عن كلاسيكيات الأعمال القومية العربية في النصف الأول من القرن العشرين. ومن الطبيعي أن يبدأ هذا الجزء الأول من سلسلة التثقيف القومي بساطع الحصري، وستتلوه تباعاً أجزاء أخرى لمعلمي القومية العربية الكبار.
Page 3
ويناقش ساطع الحصري في هذه المادة عوامل تكوين القومية، ليستنتج:
 
1) أن النظرية العرقية في القومية التي تقيم الأمة على أساس الأصل العرقي الواحد أو المشترك نظرية سخيفة ولا أساس لها من الصحة، وهو ما يجب أن ينتبه له جيداً من يتقولون بأن القومية تمثل عصبية عرقية أو عنصرية.
 
2) أن العاملين الأساسيين في تكوين القوميات هما اللغة والتاريخ المشترك، ومن خلال هذين العاملين يجب أن تقيم كل العوامل الأخرى المؤثرة بالقومية، وهي نقطة خلافية لأنها تهمل أولوية عامل الأرض والجغرافيا، وتعطيه أهمية ثانوية، وسنعود إلى ذلك فيما بعد.
 
3) أن علاقة الدين بالقومية علاقة غير خطية، ولا تخضع للتعميمات التبسيطية، سواء كانت تلك التعميمات سلبية أو إيجابية، ويظهِر الحصري هنا أن التأثير المتبادل بين القومية والدين يؤثر ويتأثر باللغة والتاريخ، وينتهي إلى أن الدين لا يلغي حقيقة الوجود القومي.
 
4) أن الدول التي تحكم شعوباً من غير قومياتها تقيم نظرية دولتها عادة على فكرة "الإرادة" و"المشيئة" بالتعايش المشترك بين الشعوب، بغض النظر عن عوامل القومية، وهو ما يناسب تلك الدول المهيمنة تماماً من الناحية السياسية، ولذلك يفند الحصري هذه التنظيرات الإرادوية للقومية، ويشرّحها بمبضعه المنطقي الحاد.
 
وهذه مجرد خلاصة طبعاً لا تغني عن قراءة هذه المادة بإمعان، ومناقشتها بعمق.
Page 4
عوامل القومية -ساطع الحصري
 
( من محاضرة ألقيت في نادي المعلمين في بغداد عام 1928، وصدرت في كتاب: ساطع الحصري [ أبو خلدون ]، أبحاث مختارة في القومية العربية، التي كتبها ونشرها المؤلف في تواريخ مختلفة، 1923-1963 (القاهرة: دار المعارف، 1964)، الجزء الأول، ص: 38 – 56. )
 
إذا ألقينا نظرة عامة على الانقلابات السياسية التي حدثت منذ أوائل القرن التاسع عشر، وتحرينا أهم العوامل التي أدت إلى تلك الانقلابات، نجد أنها تتلخص في عبارة وجيزة هي: مبدأ القوميات.
 
فإن النزعات القومية التي كانت ضئيلة الأثر وقليلة الظهور حتى ذلك التاريخ، أخذت تتقوى بعد ذلك بسرعة هائلة، وأصبحت تفرض نفسها على اتجاهات السياسة، وتسيطر على سير التاريخ. فكثير من الأمم المغلوبة على أمرها أفاقت من سباتها، وأخذت تشعر بكيانها الخاص، وصارت تسعى إلى تدعيم هذا الكيان بالحكم الذاتي أولاً، وبالاستقلال التام ثانياً. على حين أن السلطنات التي كانت قائمة قبلاً، أخذت تتقلص شيئاً فشيئاً، إلى أن اندرس معظمها، تاركاً محله لدولٍ قومية عديدة. وبدأت هذه القوميات تختلف وتتنازع، وظهرت من جراء ذلك مسائل الأقليات وما يتبعها من المشاكل والاختلافات.
 
وإذا استعرضنا سير هذه الانقلابات، وجدنا أن جماعات من الناس اعتبرت نفسها من قومية واحدة، وأخذ أفرادها يشعرون أنهم أبناء أمة واحدة، متميزة من الأمم الأخرى، وصاروا ينزعون إلى الاستقلال عنها.
 
فيجدر بنا أن نتساءل: ما هي العوامل التي تجعل بعض الناس يشعرون أنهم أبناء أمة واحدة، متميزون من أبناء الأمم الأخرى؟ وبتعبير أقصر: ما هي العناصر التي تكون الأمم، والعوامل التي تميز بعضها من بعض؟
 
إن الأجوبة التي أعطيت عن هذه الأسئلة اختلفت كثيراً باختلاف الباحثين. ذلك لأن هذه الأبحاث لم تبقَ في نطاق المسائل العلمية البحت، بل تأثرت كثيراً بنزعات السياسة ومطاليبها.
 
فإن كل جواب على هذه الأسئلة لا بد أن يؤيد أو يفند إحدى النظريات السياسية، ولا بد من أن يأتي موافقاً أو مخالفاً لمطاليب أمة من الأمم أو دولة من الدول.
 
ولذلك تجد أن العلماء والباحثين اختلفوا في هذا الأمر اختلافاً كبيراً، بسبب اختلاف نزعات الأمم التي ينتمون إليها، حتى إنَّنا كثيراً ما نجد بينهم من لم يتورع عن جمع المتناقضات أيضاً، فإنهم يقولون بنظرية في بعض القضايا، وبنظرية مخالفة لها في قضايا أخرى مماثلة لها، وذلك حسب ما تقتضيه منافع الدول التي ينتسبون إليها.
 
فيجدر بنا أن ندرس هذه المسائل بحذر شديد، وأن نناقش الآراء والنظريات التي حامت حولها بانتباه تام.
Page 5
-1 -
 
فلنبحث إذن: ما هي العناصر التي تكون القومية وتؤلف الأمة؟
 
إن أول ما يخطر على البال، ويلفت النظر، في هذا الصدد، هو وحدة الأصل والمنشأ.
 
يظن الناس عادة أن كل أمة من الأمم تتحدر من أصل واحدٍ، ويزعمون أن جميع أفراد الأمة الواحدة يكونون بمثابة الأشقاء المتحدرين من صلب أبٍ واحد. ولذلك نجدهم يكررون في كل مناسبة كثيراً من التعبيرات الدالة على هذا الزعم، كقولهم: "أجدادنا، آباؤنا، إخواننا...".
 
غير أن هذا الظن لا يستند إلى أساسٍ صحيح، لأن جميع الأبحاث العلمية – المستمدة من حقائق التاريخ ومن مكتشفات علم الإنسان ومكتسبات علم الأقوام – لا تترك مجالاً للشك في أنه لا يوجد على وجه البسيطة أمة تتحدر من أصل واحدٍ فعلاً، ولا توجد على الأرض أمة خالصة الدم تماماً.
 
فإن جميع الأمم التي نعرفها الآن قد تكونت من تداخل عشرات الأعراق والأجناس، في مختلف أطوار التاريخ، حتى إن الأجناس التي عاشت في القرون المتقدمة على أدوار التاريخ، كانت أيضاً متخالطة ومتداخلة جداً.
 
ونستطيع أن نقول بكل جزم وتأكيد: إن وحدة الأصل والدم في الأمم إنما هي من الأوهام التي استولت على العقول والأذهان، من غير أن تستند إلى دليلٍ أو برهان.
 
لا الإنكليز، ولا الروس، ولا الألمان، ولا البلغار... كانوا متجانسين من حيث الأصل والنسل. بل إن كل واحدة من هذه الأمم إنما تكونت من تداخل وتمازج عشرات الأقوام. حتى الأمة الفرنسية لا تتحدر من أصل واحد. هذه الأمة التي كانت أسبق الأمم الأوروبية إلى تكوين وحدة سياسية قومية، حتى هذه الأمة نفسها إنما تكونت من اختلاط عدد كبير من الأقوام والأجناس. وقد تبين من الأبحاث العلمية التي لا مجال للشك فيها أن عدد الأقوام التي كونت فرنسيي اليوم يتجاوز الستين. ولهذا فإننا إذا قارنا سكان شمال فرنسا بسكان جنوبها – من حيث الأوصاف البدنية والخصائص الجنسية – وجدنا بينهم بوناً شاسعاً جداً. فإن مشابهة أهالي بعض المقاطعات الشمالية – كالبريتاني والنورماندي مثلاً – الإنكليز والألمان، أكبر بكثير من مشابهتهم أهالي سائر المقاطعات، وبخاصة أهالي المقاطعات الجنوبية.
 
إن كل الأبحاث العلمية المتعلقة بالأزمنة التاريخية وما قبل التاريخية (Préhistorique) تدل دلالة قاطعة على أن تداخل الأقوام والأجناس استمر دون انقطاع في جميع أقسام فرنسا منذ أقدم الأزمنة. فأصبح الآن من الصعوبة بمكان تعيين "المنبع الأصلي" الذي ترجع إليه القومية الفرنسية وتتحدر منه. وقد اختلف علماء التاريخ فيما بينهم اختلافاً كبيراً حينما حاولوا تعيين هذا المنبع الأصلي: ما هو الشعب الذي يستحق أن يُنعت باسم "أجداد الفرنسيين الحاليين"؟ هل هم الغاليون؟ أو هم الرومان؟ أم هم الفرنك؟ إن كل واحد من هذه الحلول الثلاثة صار أساساً لنظرية من نظريات التاريخ: لقد ظل العلماء والمفكرون يتناقشون في ذلك مدة طويلة، إلى أن عرفوا ما في هذا النقاش من العبث: إن جميع هؤلاء الأقوام – وعشرات أمثالها – قد اشتركوا في تكوين الأمة الفرنسية، فإذا ما بحثنا عن أصل الفرنسيين يجب أن نبحث عن العنصر الذي كان أشد تأثيراً في هذا التكوين، من الوجهة المعنوية، لا من الوجهة المادية. ويجب أن نعلم العلم اليقين أن الفرنسيين إذا انتسبوا إلى الأقوام اللاتينية، فإنما ينتسبون إليها من وجهة اللغة والثقافة، لا من جهة الأصل والدم، وذلك لأن من الحقائق الثابتة علمياً أن دم اللاتين والرومان في فرنسا أقل بكثير من دماء الجرمان.
Page 6
وهذا هو الحال في جميع الأمم، فإنها جميعاً مختلطة ومتداخلة من حيث الأصل والدم...
 
إنني أشبه الأمم من هذه الوجهة بالأنهر العظيمة. فمن المعلوم أن كل نهر من الأنهر تجري فيه مياه أتت من منابع ومصادر وروافد مختلفة. والأنهر الكبيرة تكون كثيرة المنابع وعديدة الروافد بوجهٍ عام، وإذا ما بحثنا عن منبع نهر من الأنهر، فإنما نفعل ذلك بالنسبة إلى ما هو الغالب والأساسي، ولا نعني بذلك أن جميع مياه النهر تأتي من منبع واحد فعلاً.
 
هذا نهر دجلة، مثلاً: من منا يستطيع أن يجزم من أين أتت المياه التي تسيل فيه الآن؟ من منا يستطيع أن ينكر أن هذه المياه آتيةٌ من نواحٍ مختلفةٍ جداً؛ كلنا نعلم أن قطرات هذه المياه قد تكون متأتية من العيون التي تنبع من تحت التراب أو من بين الصخور؛ وقد تكون متولدة من ذوبان الثلوج المتراكمة على الجبال؛ وقد تكون آتية من السيول المتكونة من هطول الأمطار؛ وكل ذلك قد يكون من جراء ما حدث في أعالي الزاب، أو على سفوح حمرين، أو في سهول الموصل، أو على جبال زاخو، أو في ديار بكر... ومهما كان الأمر، فإن جميع هذه المياه المختلفة تسير جنباً إلى جنبٍ في مجرى واحد، وتكوّن هذا النهر الذي يجري أمامنا. إننا نسمي هذه المياه باسم مياه دجلة، من غير أن نفكر في منشأها الخاص، أو أن نتساءل عن طول المدة التي مضت منذ التحاقها بهذا المجرى الطويل، وانتسابها إلى هذا النهر العظيم.
 
إن أحوال الأمم ومنابعها تشبه ذلك شبهاً كبيراً. إن الإنكليزي المثقف لا يعرف ما إذا كان بينه وبين شكسبير أو نيوتن أو ميلتون رابطة أصل ونسب، ومع ذلك فإنه يعتبر هؤلاء أجداداً له وأسلافاً، ويفتخر بهم أكثر مما يفتخر بأجداده الحقيقيين.
 
وكذلك الفرنسي المثقف: فإنه لا يتساءل عما إذا كان يجري في عروقه حقيقة شيء من دم شارلمان أو راسين أو فولتير. ومع هذا فهو يعتبر هؤلاء كلهم أجداداً له وأسلافاً، ويعتز بهم أكثر مما يعتز ببني أسرته الأقربين.
 
إن المهم في القرابة والنسب ليس رابطة الدم في حد ذاتها، بل هو الاعتقاد بها والنشوء عليها. وهذا هو الواقع، بالنسبة للأفراد والجماعات على حدٍ سواء: إن الاعتقاد بوحدة الأصل – والشعور بالقرابة – يعمل عملاً هاماً في تكوين الأمم، سواء أكان ذلك موافقاً للحقيقة أو مخالفاً لها، لأن القرابة بين أفراد الأمم تكون قرابة نفسانية معنوية، أكثر مما تكون جسمانية ومادية.
Page 7
-2 -
 
لقد قررنا أن القرابة في الأمم تكون نفسانيةً ومعنويةً أكثر مما تكون جسمانيةً ومادية.
 
ومن البديهي أنه لا يجوز لنا أن نكتفي بتقرير هذه الحقيقة، بل يجب علينا أن نسعى إلى تعليلها أيضاً: يجب علينا أن نبحث في الوقت نفسه عن كيفية تولد هذه القرابة المعنوية، وأن نتحرى الأسباب الموجبة لها، والعوامل المؤدية إليها.
 
إن هذه الأبحاث والتحريات توصلنا إلى الحقيقة التالية:
 
إن أهم العوامل التي تؤدي إلى تكوين القرابة المعنوية التي يشعر بها الأفراد في الأمم المختلفة، هي اللغة والتاريخ، فإن الاعتقاد بوحدة الأصل إنما يكون في الدرجة الأولى من الوحدة في اللغة والاشتراك في التاريخ.
 
فلندرس تأثير كل واحد من هذين العاملين الهامين بشيء من التفصيل:
 
اللغة: هي أهم الروابط المعنوية التي تربط الفرد البشري بغيره من الناس، لأنها أولاً، واسطة التفاهم بين الأفراد، ثم هي فضلاً عن ذلك، آلة التفكير. لأن التفكير – حسب تعبير أحد الحكماء – ما هو إلا تكلم باطني، والتكلم إنما هو نوعٌ من التفكير الجهري. وأخيراً، إن اللغة هي واسطة لنقل الأفكار والمكتسبات من الآباء إلى الأبناء، ومن الأجداد إلى الأحفاد، ومن الأسلاف إلى الأخلاف.
 
هذا، واللغة التي ينشأ عليها الإنسان، تكيف تفكيره بكيفيات خاصة، كما أنها تؤثر في عواطفه أيضاً تأثيراً عميقاً؛ فإن اللغة التي يسمعها المرء منذ صغره، اللغة التي تخاطبه بها أمه منذ أوائل حياته الواعية، لغة التنويمات والأغاني التي تهز مشاعره منذ طفولته، تؤثر بطبيعة الحال تأثيراً عميقاً في تكوينه العاطفي. ولذلك تجد أن وحدة اللغة توجد نوعاً من الوحدة في التفكير وفي الشعور، وتربط الأفراد بسلسلة طويلة ومعقدة من الروابط الفكرية والعاطفية. ونستطيع أن نقول لذلك: إنها تكوِّن أقوى الروابط التي تربط الأفراد بالجماعات.
 
وبما أن اللغات تختلف بين قومٍ وقوم، فمن الطبيعي أن نجد مجموع الأفراد الذين يشتركون في اللغة، يتقاربون أكثر من غيرهم، ويتماثلون ويتعاطفون أكثر من سواهم، ويتميزون عمَّن عداهم، فيؤلفون بذلك أمةً متميزة من الأمم الأخرى.
Page 8
لذلك نستطيع أن نقول: إن الأمم يتميز بعضها من بعض – في الدرجة الأولى – بلغتها، وإن حياة الأمم تقوم، قبل كل شيء، على لغاتها.
 
وإذا أضاعت أمة من الأمم لغتها، وصارت تتكلم بلغةٍ أخرى، تكون قد فقدت الحياة واندمجت في الأمة التي اقتبست عنها لغتها الجديدة.
 
كثيراً ما يرينا التاريخ، أن بعض الأمم تستولي على أمةٍ أخرى، وتخضعها لإرادتها، وتسير شؤونها كما تشاء. إن هذا الاستيلاء يفقد الأمة المغلوبة استقلالها، ولكنه لا يمس كيانها، ما دامت الأمة المذكورة محافظة على لغتها الخاصة بها، وما دامت متميزة من الأمة المستولية عليها بهذه اللغة الخاصة. وقد قال أحد المفكرين: "إن الأمة المحكومة التي تحافظ على لغتها، تشبه السجين الذي يمسك بيده مفتاح سجنه". إنها تستطيع أن تفلت من سجنها هذا، فتسترد حريتها واستقلالها في يومٍ من الأيام، لأنها تبقى حية بحياة لغتها، وتظل محافظةً على كيانها كأمة، برغم أنها تكون قد فقدت شخصيتها كدولة. ولكن الأمة المذكورة إذا فقدت – بمرور الزمان – لغتها الخاصة واقتبست وتبنت لغة الدولة المستولية عليها، تكون قد فقدت الحياة بتاتاً، واندمجت في كيان الأمة التي أعطتها لغتها الجديدة، فلا يبقى ثمة أمل لعودتها إلى الحرية والاستقلال.
 
يتبين من ذلك كله: أن اللغة هي روح الأمة وحياتها، إنها بمثابة محور القومية وعمودها الفقري، وهي من أهم مقوماتها ومشخصاتها.
 
أما التاريخ فهو بمثابة شعور الأمة وذاكرتها. فإن كل أمة من الأمم، إنما تشعر بذاتها وتكون شخصيتها بواسطة تاريخها الخاص.
 
عندما أقول التاريخ، لا أقصد بذلك التاريخ المدون في الكتب – التاريخ المدون بين صحائف المطبوعات والمخطوطات – بل أقصد بذلك التاريخ الحي في النفوس، الشائع في الأذهان، المستولي على التقاليد.
 
إن وحدة هذا التاريخ تولد تقارباً في العواطف والنزعات، إنها تؤدي إلى تماثل في ذكريات المفاخر السالفة وفي ذكريات المصائب الماضية، وإلى تشابه أماني النهوض وآمال المستقبل.
 
ولذلك نستطيع أن نقول: إن الذكريات التاريخية تقرب النفوس، وتكوِّن بينها نوعاً من القرابة المعنوية. وتكون هذه القرابة المعنوية أشد تأثيراً من القرابة المادية بدرجات.
 
والأمة المحكومة التي تنسى تاريخها، تكون قد فقدت شعورها ووعيها. وهذا الشعور والوعي، لا يعودان إليها إلا عندما تتذكر ذلك التاريخ وتعود إليه.
 
ولهذا السبب، نجد أن الأمم المستولية والحاكمة، تعمد قبل كل شيء إلى مكافحة تاريخ الأمة المحكومة، وتبذل ما استطاعت من الجهود لأجل إقصاء ذلك التاريخ عن الأذهان. إنها تسعى – من جهة – إلى تشويه هذا التاريخ لأجل تجريده من قوة الجذب والتأثير، كما تعمل – من جهة أخرى – على إلهاء الأذهان بوقائع تاريخها هي وبهر الأنظار بشعشعة التاريخ المذكور.
 
وأما اليقظات القومية، بعد عهود الحكم الأجنبي، فتبدأ عادة – بعكس ذلك – بتذكر التاريخ القومي وبالاهتمام به اهتماماً خاصاً.
 
يتبين من كل ما تقدم، أن اللغة والتاريخ هما العاملان الأصليان اللذان يؤثران أشد التأثير في تكوين القوميات. والأمة التي تنسى تاريخها تكون قد فقدت شعورها، وأصبحت في حالة من السبات، وإن لم تفقد الحياة. وتستطيع هذه الأمة أن تستعيد وعيها وشعورها بالعودة إلى تاريخها القومي والاهتمام به اهتماماً فعلياً، ولكنها إذا ما فقدت لغتها، تكون عندئذ قد فقدت الحياة ودخلت في عداد الأموات، فلا يبقى سبيل إلى عودتها إلى الحياة، فضلاً عن استعادتها الوعي والشعور.
Page 9
-3 -
 
ولكن العوامل التي تؤثر في تكوين الأمم تميز بعضها من بعض لا تنحصر في اللغة والتاريخ؛ بل إن هناك عوامل أخرى تؤثر في ذلك تأثيراً واضحاً، فتقوي تارة تأثير العاملين الأساسيين المذكورين آنفاً، وتضعف ذلك التأثير طوراً.
 
إن أهم هذه العوامل، هو الدين.
 
لأن الدين يولد نوعاً من "الوحدة" في شعور الأفراد الذين ينتمون إليه، ويثير في نفوسهم بعض العواطف والنزعات الخاصة التي تؤثر في أعمالهم تأثيراً شديداً. فالدين يعتبر من هذه الوجهة من أهم الروابط الاجتماعية التي تربط الأفراد بعضهم ببعض، وتؤثر بذلك في سير السياسة والتاريخ.
 
غير أن تأثير الدين في تسيير السياسة والتاريخ وتكوين القومية والوطنية – على هذا المنوال – لا يجري على وتيرة واحدة في كل الأحيان. بل إن هذا التأثير يختلف باختلاف الأديان من جهة، وباختلاف العصور والأدوار من جهة أخرى.
 
ولذلك نستطيع أن نقول إن علاقة الأديان بالقوميات من المسائل المعضلة التي تحتاج إلى بحث عميق وتحليل دقيق.
 
يجب علينا أن نلاحظ في هذا الصدد – قبل كل شيء – أن الأديان تنقسم من الوجهة الاجتماعية إلى صنفين أساسيين: الأديان القومية، والأديان العالمية.
 
ذلك لأن بعض الأديان تنحصر بقوم أو شعب أو مدينة. ومعتنقو هذه الأديان يعتقدون بإله خاص بهم دون غيرهم، ويزعمون أنه يحميهم دون سواهم. ولذلك فإنهم لا يسعون إلى نشر دينهم ومعتقدهم بين الأنام، بل بعكس ذلك يسدون أبواب هذا الدين في وجوه سائر الأقوام. ولا حاجة إلى القول إن أمثال هذه الديانات الخاصة، تكون بمثابة أديان قومية بكل معنى الكلمة. ومن الطبيعي أن الرابطة التي تتولد منها تنضم إلى تأثير اللغة والتاريخ، وتقوى الروابط التي تربط الأفراد بعضهم ببعض. ولذلك كله نجد أن الحياة الدينية لدى تلك الأقوام، لا تنفصم عن الحياة السياسية أبداً، فتزيد أفراد القوم ترابطاً على ترابطهم وتماسكاً على تماسكهم. فنستطيع أن نقول إن الروابط الدينية تكون في هؤلاء الأقوام من عناصر القومية الأساسية.
 
من المعلوم أن الديانة الموسوية، وكثيراً من الأديان الوثنية القديمة كانت من هذا القبيل.
 
ولكن الأحوال تختلف عن ذلك اختلافاً كبيراً في الأديان العالمية لأن هذه الأديان لا تختص بشعب من الشعوب أو أمة من الأمم، بل بعكس ذلك تفتح أبوابها لجميع الأقوام، وتدعو إلى اعتناقها جميع الأنام، على اختلاف لغاتهم وأجناسهم. إن هذه الأديان إنما تسعى إلى الانتشار بين أكبر عدد ممكن من الأفراد والجماعات، وتميل إلى إيجاد رابطة أعم من روابط اللغة والتاريخ، وتخلق بذلك نوعاً من الجو الأممي الذي يحيط بكثير من الأقطار ويغمر كثيراً من الأقوام.
 
ومن البديهي أن أصحاب هذا الصنف من الديانات كثيراً ما يميلون إلى معارضة القوميات.
 
ومن المعلوم أن الديانة المسيحية والديانة الإسلامية من جملة هذه الأديان العالمية التي مثلت دوراً هاماً في سير التاريخ.
Page 10
قلنا إن هذه الديانات تسعى إلى خلق نوع من الجو الأممي الذي يجمع مختلف الأقوام، ويغمرها غمراً. ولكن، يجب علينا أن نتساءل: هل نجحت الأديان العالمية التي ذكرناها في ما كانت تنزع إليه في هذا الصدد؟ وهل أوجدت بهذه الصورة رابطة أقوى وأعم من الروابط القومية الأخرى؟
 
إنَّ التاريخ يشهد على عكس ذلك تماماً: إن الأديان العالمية لم تنجح في ذلك، إلا داخل نطاق محدود، لمدة قصيرة جداً. إنها لم تستطع أن تمزج الأقوام مزجاً حقيقياً، وأن تزيل الفوارق التي تميز بعض أولئك الأقوام من بعض تماماً، إلا بقدر ما نجحت في نشر لغة من اللغات، وبقدر ما أوجدت من التبدل في حدود القوميات.
 
فالديانة المسيحية مثلاً، حاولت أن تشمل العالم بأجمعه، ومع هذا، فإنها لم تحل دون تفرق المسيحيين أنفسهم إلى أمم ودول عديدة، ودون تخاصم وتحارب هذه الأمم والدول في ما بينها.
 
وكذلك الأمر في الإسلام؛ من المعلوم أن الدعوة الإسلامية أيضاً سعت إلى جمع الأنام تحت راية القرآن الكريم، ولكن التاريخ يشهد على أن المسلمين أنفسهم لم يبقوا متحدين تماماً، إلا لمدة محدودة جداً، وأن انتشار الإسلام لم يحل دون تفرق المسلمين إلى أمم ودول، ودون حدوث منازعات ومخاصمات بين الدول الإسلامية نفسها.
 
ذلك أن المبادئ النظرية شيء، والحقائق الراهنة شيء آخر؛ وما يرد في التعاليم الدينية شيء، وما يتحقق في الحياة الاجتماعية شيء آخر. والأديان العالمية لم تستطع أن توحد القوميات، حتى في الأدوار التي وصلت سلطتها خلالها إلى أقصى الدرجات.
 
ولا غرابة في ذلك أبداً، لأن الأديان نفسها كثيراً ما تتفرق إلى مذاهب متنوعة. والقوميات المختلفة كثيراً ما تجد في الاختلافات المذهبية سبيلاً للحفاظ على كيانها، على الرغم من الجو الأممي الذي تخلقه الأديان العالمية، وذلك عن طريق اعتناق مذهب جديد، وحمل راية مذهب خاص.
 
زد على ذلك أن الدين، ولو كان أمراً باطنياً في حد ذاته، فإنه لا يخلو من المظاهر الخارجية، ولا يستغني عن الوسائط المادية، فيُخضع ذلك لقوانين الحياة الاجتماعية، كما يتضح من التفاصيل التالية:
 
أولاً: إن التعاليم الدينية تستمد قوتها من كتاب خاص، وهذا الكتاب إنما يكون بلغة من اللغات.
 
ثانياً: هذه التعاليم تفرض بعض الطقوس والصلوات، وهذه أيضاً إنما تكون بلغة من اللغات.
 
ثالثاً: إن الأديان تتطلب تشييد بعض المعابد والمباني لإقامة شعائر الدين. وهذه المعابد لا بد أن يتولى شؤونها بعض الرجال، وهؤلاء الرجال إنما يتكلمون بلغة من اللغات، وينتسبون إلى أمة من الأمم.
 
يظهر من ذلك كله أن للدين علاقةً قويةً باللغة، فإن كل دين من الأديان يقوم على لغة، ويعمل بطبيعته على نشر تلك اللغة. إن اللاتينية انتشرت بواسطة الديانة المسيحية أكثر مما انتشرت بواسطة الفتوحات الرومانية، واللغة العربية انتشرت بواسطة الدين الإسلامي، أكثر مما انتشرت بحكم السياسة والإدارة.
 
ومما يظهر علاقة الدين باللغة بوضوح أعظم، أن اللغة عندما تأخذ في التلاشي وتسير نحو الاندراس، تاركةً محلها للغة عامية متفرعة منها، أو للغة أجنبية متغلبة عليها، تجد لنفسها ملجأً أخيراً في المعابد وفي الطقوس الدينية والصلوات. فإن اللغة اللاتينية مثلاً، ما تزال تُردَّد وترتل في الكنائس الكاثوليكية خلال الطقوس الدينية، مع أنها قد خرجت عن نطاق تخاطب الناس، ودخلت في عداد اللغات الميتة منذ عدة قرون، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللغة السريانية.
 
ولذلك نستطيع أن نقول: إن الدين إذا اتحد مع لغة من اللغات قوَّى جذور تلك اللغة وحافظ على كيانها، أكثر من جميع العوامل الاجتماعية الأخرى.
 
ومما يلاحظ في سير الوقائع التاريخية، أن الديانة عندما تتفرع إلى مذاهب عديدة، قد تربط مقدرات بعض هذه المذاهب ببعض اللغات بوجه خاص. وتنتشر اللغة المذكورة مع انتشار المذهب الذي تبناها، وتتوسع سيطرة الأمة التي كانت الصاحبة الأصلية للغة المذكورة بفضل هذا الانتشار. فإن الإمبراطورية الرومانية، مثلاً، عندما انشطرت إلى غربية وشرقية، تمذهب كل شطر منها بمذهب مسيحي خاص، وارتبط بلغة خاصة: إن الإمبراطورية الغربية صارت حامية الكاثوليكية، واتخذت اللاتينية لغة لسياستها ولديانتها، بينما الإمبراطورية الشرقية تبنت المذهب الأرثوذكسي، واتخذت اليونانية لغة لسياستها وديانتها، فتقوّى نفوذ اللاتينية بفضل الكاثوليكية، كما أن نفوذ اليونانية انتشر وتقوّى بفضل الأرثوذكسية.
 
وقد حدث ما يشبه ذلك عند ظهور المذهب البروتستانتي أيضاً: فإن الإصلاح الديني الذي بشر به ودعا إليه لوثر الشهير، لم يكتفِ بإحداث انقلاب مذهبي خطير فحسب، بل أوجد – بجانب هذا الانقلاب المذهبي – انقلاباً سياسياً واجتماعياً خطيراً، لأنَّ الكاثوليكية كانت قد أبقت الإنجيل باللغة اللاتينية وحدها، وجعلت اللاتينية لغة الصلوات كلها. ولكن لوثر حينما ثار على الكاثوليكية – وعلى البابوية التي تمثلها – قائلاً بضرورة ترجمة الإنجيل إلى اللغات المحلية ليتمكن الناس من قراءته وفهمه مباشرة، قد أحدث انقلاباً قومياً في ظل الانقلاب الديني الذي جهر به ودعا إليه، لأنه وضع بذلك حداً لسيطرة اللغة اللاتينية – التي كانت قائمة في أوروبا الغربية على معنوية الإنجيل وسلطته – كما أنه قضى قضاءً مبرماً على نفوذ الأمم اللاتينية، ذلك النفوذ الذي كان يستمد قوته من لغة الصلوات الدينية، وطبيعة التشكيلات البابوية، وفسح بكل ذلك مجالاً واسعاً لجعل المذاهب والكنائس قومية بكل معنى الكلمة.
 
ومما يبرهن على ذلك برهنة قطعية، ما حدث فعلاً بعد الحروب المذهبية التي استمرت عقوداً طويلة من السنين. فإن الأمم التي كانت تتكلم باللغات اللاتينية، حافظت على كثلكتها، وأعرضت عن المذهب البروتستانتي الجديد، في حين أن الأمم الجرمانية والأنكلوساكسونية أقبلت، بعكس ذلك، على المذهب الجديد إقبالاً عظيماً، ولم يشذ عن هذا التيار من الطرفين إلا جماعات قليلة جداً.