eKtab
EN ع
إستلوجيا
Read free sample

إستلوجيا

by صلاح صلاح

Page 1

الفصل الأول

فجأةً، تَطرق الباب، الملائكةُ ترتعش، أُلاحِظُها. تسير جدَّتي مثل ربَّانٍ على وشْك الغرق، أصابعها دم، يا إلهي! دمٌ أسود وشمع ذائب، تصل الباب وتنظر إلى الوراء، تحديدًا إلى وجهي.

أصابعي والملائكة التي تقف خلفي، كلُّها تذوب مثل شمعةٍ كبيرة، أينَ نحن؟ صراخٌ كبير، في السّماء؟ على الأرض؟ في الجحيم؟ في الغابات البعيدة والأنواء السوداء؟ لا أدري...لا أدري.

تُفتح الباب، ويهجم الصّوت والرجالُ مثل عاصفة محطّمة.

- هل ابن القحبة موجود؟

- من أنتم؟

- هل هو موجود؟

***

تنطلق سيّارة الفرقة الحزبيّة اللاندكروزـ بجنون، أنا في حلاقيم الوطن، أنا بين حيوانين وأُنوف. آلاف المطبّات، عشرات الاستدارات، إنّها لا تسير، السيارة، بل تطير في شوارع بغداد، مثل رخّ بلا أجنحة، بلا ريش، بلا عيون. كل العيون تغرق في التساؤل، في الحيونة. معدتي تنقلب، البنكرياس يتمزّق، المرارة تنفثُ السائل الأسود دون السيطرة عليها.

أقول: أريد أن أزوّع أرجوك، نحن فوق الأكوان، فوق المجرّات الحيوانيّة، فوق الغابات والوحوش وأسمع من المجرّات صوتَ العُواء والتوسُّلات. أسأل: إلى أين؟ إلى أين؟ يستديرالسائق صارخًا: خونة، قشامر، سن...... خواتكم، ويضحك بهستيريا واللّعاب يسيل من فمه. إلى الجحيم ياخرى يبكي ثم يضحك وأنتبه إلى أنّ ضحك السائق يشبه مغارة لصوص وأنّي أنا الوحيد الذي سيصعد إلى النّفق.

Page 2

ضبابٌ، سماءٌ من رصاص ذائبٍ، وذئابٍ تكريتيّةٍ تتفرّج على سقوطك المُدوّي. لا حياة، بل صمت كونيّ. فقط الرئيس بأقاليمه المتعدّدة يُفرد أجنحته على الفضاء. أنت تسير مثل خرافة، مثل قنديل بحرٍ، مثل فزّاعة في الحقول الجرداء، والمهيب الركن بتمثُّلاته النرجسيّة يُمزّق الأحشاء بمناجله الكبيرة.

***

منذ البدء، كان ينبغي أن أروي قصة الأشياء السخيفة التي حدثت في حياتي أو حياتها الملعونة. كان يجب أن أنتحر أن أفعل شيئًا ما، لكنّ الأشياء غير المُمكنة هي الوحيدة التي نستطيع أن نطلق عليها: ازدراء. لذلك فإنّي أزدري حياتي وأزدري هذا الوجع، الوجع الكبير يوم فُلقت إلى فلقتينِ، في واحدة كنتُ أنا وفي الثانية عقابي الشّديد وغير الممهور بالرحمة، ذلك لأني ضعت في لحظةٍ زمنيّةٍ نحو الغطس الكليانيّ للروح وهي تموج في بحر اسمه العراق. قد أكون مُغاليًا في بعض الأحيان، وقد أكون بائسًا إلى درجة الشفقة وإلى الحدّ الذي أُثير فيه مشاعر النحلة والنملة.

لم أعرف منذُ متى أصبت بالشيزوفرينيا أو العوز النفسيّ، ربّما في طفولتي وربّما في ريعان الشباب، كما يقولون. وفي كل الأحوال فأنّي أضحك من كلمة ريعان، أيّ ريعان؟! وهذا الكابوس يغلف الوطن، الوطن الممتدُّ شرقًا وغربًا ويمتطي صهوة المجد. لكنّ هذا المجد ليس عنوانًا للنجاح ولا للهيبة التي يتبجح بها الرئيس، إنّما الإذلال الذي عانيناه طوال حياتنا. لا أعرف على وجه التحديد كيف حُملت بهذا الألم؟ الألم الشنيع عندما تغزوني تلك النوبة الحقيرة. في الواقع، ما كانت نوبة بالقدرالذي كانت فيه استمرار الحياة بشكل آخر.. أنا أهلوس غالبًا، أنتقم، أوشوش في أذن الريح، أفتن على العاصفة وأثيرُ شفقة الرياح. وهنا ينبغي القول: إنّ اللعنة التي نامت على ظهري جعلتني أكفر بكلّ شيء، أكفرُ بالأرض والتربة والأشجاروالوطن أيضًا. لكنّ يجب وفي كلّ الأحوال أن أجد تبريرًا لما فعلت، وأيّ تبرير يمكن أن يُقدّم للخروج من المحكمة كشاهد وليس مجرمًا؟ جريمتي ليست كما جرائم الآخرين. إنّها مُبرّرة لي شخصيّا وهذا مُهم. ربّما سأُتَّهم بأني حقير، كلب، قوّاد، سرسريّ، خائن. أي شيء يمكن أن يطرأ إلى ذهنك، لكنّي في الحقيقة لست هذا الشرير الذي طعن ولا المجرم الذي قبَّل خدّ يسوع القُبلة الأخيرة. لا لست واحدًا من هؤلاء قطعًا. وذلك لأنّ تبريري الوحيد الذي لم يفهمه الجميع أنّي فعلت كلّ هذا تحت غريزة غريبة، غريزة مجهولة وضائعة بين آلاف الحشرات في هذا العالم.

إنّ ما يراه بعضهم سخافة، تجده أنت أروع الأشياء. هكذا هو العالم وهكذا هي نظرتي التي تعتمد على الإحساس الفرديّ بألم الروح وليس كما يتصوّره بعضهم. وفي النهاية، فإنّ هذه البقعة، الشيء الذي يُسَّمى- الوطن- وأنت خرجت من حيامنه، سيبقى هو الأجمل وستبقى- برغم الوجع- مسكونًا بهاجسه الغريب، مهما مورست بحقّك سلطة الإبعاد واللؤم؛ لأنّه، ببساطة، يضمُّ أكثر الأشياء إثارة في حياتي، زهرة الراسقي، أمّي التي قَطفت ربّما عن خيبة أملٍ أو عن يأسٍ وغالبًا عن حرص روح وريحان وجنّة نعيم حياتُها وهذه هي المشكلة.

من جهتي أعتبر أنّ الحياة لا تستحق أن تعاش في غالب الأحوال ونادرًا ما كنت أبكي وعندما أعيش حالة الانشطار الذهنيّ، أفرغ جُلّ الألم في مهبل الوطن وهذا الإله الذي اسمه السيد الرئيس، والسيد الرئيس عندما كان نائبًا, يستمرّ في ممارسة عزف البيانو على مؤخّرتِي.

***

Page 3

بغداد في شتاء (1979 – 1980) مثل مراحيضَ كبيرةٍ خاليةٍ من الدَّسم لكن بوجوه مُتعدّدة، مثل آلهة الهنود ومثل الميثالوجيا الإغريقيّة لكن لا شاروبيم في السماء ولا ساروفيم مجرد هو، هو وعواء في مقتبل الأيام ومنتهاها.

الخنازير تفتك بالكروم، تقتحم عينك وحدقتك وأنت غريب على باب السلطان حيث لا وجوه ولا حياة ولا موت. إذا لم ينجـّني الله من فوق سبع سماوات أسبل على هذه المدينة بُصاقي.

أين أنت الآن يا أمّي؟ ألهث وأنزلق على مراجيح الوطن كما الهباء الإلكترونيّ الذي تطلقه أشعّة الشمس المتوارية خلف وجوه العَوز النفسيّ. حشرجة قويّة، تفحّم الحنجرة، اختناقات وعيون مليئة بذروق- فضلات- العصافير. أشرب ظلِيم النفس وأنتهب روحي التي تكره هذه المدينة السافلة. أسير كتافهٍ ومخذولٍ؛ لأنّ الزّمن ينتهبُني. أسكرُ الآن من (بُطل عرق)

منحتني إيّاه الآلهة العظيمة لصحراء العرب. أتبرّز على كلّ الشواهد في حياتي الموتى، السكارى، الوجوه الحديديّة، أصحاب العاهات المؤقّتة، العميان، البرصان، العوران، العاهرات، اللقالق تخفق وترتفع، الزرازير تفرّ هاربة في مجموعات مليونيّة، الفخاتي تنام في الكاظم والأعظميّة، رقبة الجسر، حلويات نعوش، نوارس، عصافير تلتقط روث البغال في خان دلة. خيّاطون في شارع ضيق يُعربدون وأصوات ماكيناتهم تصمُّ الآذان. نادي نواب ضباط الجيش العراقيّ الجنائزيّ عند نهاية جسرالأحرار. مراوح معلّقة تتحرّك بجنون في البارات، كلاب تزمجر في المقابر. غربان تلتهم الخمس بجنون، فروخ. سيّارات موسكوفيتج وفولغا تتعطّل بسبب الحرّ والبرد. بطّاريات سيّارات متروكة. شعرة مرميّة على حافّة مرحاض. باعة لبن أربيل وقيمر وذباب يطوف على الوجوه. شلغم، لبلبيّ، عصير رمّان، سراويل مفتوحة، محلبيّ، لافتات على الجدران تقول: البول للحمير. يا ناظري، صلِّ على النّبي، محروسة سبع الدجيل، لا سيف إلا ذو الفقار، أدركني يا عليّ. فيضان بشري أسود ورمادي يدور حول مراقد مقدّس. ماء أسود في العيون، كَهَنة يُقدّمون القربان الأحمر، شرجيّ يتدفّق إلى الزواريب والدرابين ونساء بعباءات كالحة تتطاير في الهواء واستجداء بعاهات الأطفال مع مخاط يلوّث الأنوف.. أتسكع في شارع الرشيد منحدرًا إلى الميدان. المدينة مبهمة تمامًا، النهر يشهق شهقاتِه الكبيرةَ ويتحسّر على الأرواح التي تذوب في الفراغ وعناق خلف سكك القطارات وفيما وراء سدرة المنتهى. أريد أن أشمّ رائحة بغداد قبل أن تلوّثها حضارة رعاع العوجة. أين أجدُك أيّتها الرائحة؟ في الروح، في الطرقات، في الدرابين، على الوجوه الملتوية للبشر بفعل الشرجيّ. مُتّخم بحبّك يا أمّي أرشق بعيون زهرة الراسقي وهي تضيع إلى الأبد تحت أقدام الرعاع المحشورين معنا في علبة تنك اسمها العراق.

بردٌ شنيعٌ، وبغداد تتحرك في داخلي مثل أفعى. التجمُّدات والصليل والعيون الجاحظة تراقبك في مداخل ومخارج المدن. رشاشات، مسدسات، بدلات عسكرية، رتب مجهولة، رفاق حزبيين، شاحنات تُزمجر والسعي إلى الموت يصطدم برغبة الجَيَشَان المُرّ للمشاعر المخرومة. أهجس أن صوتًا عارمًا يرتفع إلى السماء متوحِّدًا يقول: مَنِ الذي وشيَ بكِ يا أمّي؟ مَن الذي ثقب مراكب الآلهة وهي تُبحر في انفلات دجلة والفرات ومواسم الحزن البابليّ؟ أنا والجراثيم والبكتريا وصديقي ميري مشوّهان في زمن الرِّدة. ما الذي تفعلونه يا أبناء القردة والخنازير وأمّي زهرة الراسقي وحيدة هناك؟

حنجرتهم قبرٌ مفتوح، بألسنتهم قد مكروا، سُم الصّلال تحت شفاههم وفمهم مملوء لعنة ومرارة جسدك يا خضرالياس يذوب في حامض التنتريوك والتيزاب وكل السوائل المذيبة في هذا العالم الخرائي. ناظم كزار في العلية يشرب القنداغ مع لوسيفر وقنينة العرق ملاذي الوحيد. أين أنت يا برزان ووطبان وسبعاوي وعدنان خيرالله وأرشد ياسين وحسين كامل وعلي حسن المجيد، أين أنتِ أيّتها الأفاعي المُزنّرة بالأسلحة القاتلة وأنا مثل بيضة عليها جلس العالم وسأموت من ضراطكم وحيوانيتكم. أقف مترنّحا أمام ساعة القشلة، متحسّرا. أبوس أقدامكم أيها الإنكليز- الليبراليون- أبوس طيزكم وطيز كل عاهراتكم وأحصنتكم. الإنكليز أرادونا أن نكون ليبراليين لكننا شعوب غارقة في البداوة والحيْونة. ميري وأنا ,الأحصنة الوحيدة في هذا العالم التي تبول نائمة، أمّا أنا شخصيّا فأبول على المسنايات والزوارق البغداديّة والوجوه اللاهفة والبُصاق والأمراض والنوستالجيا والتاريخ الخرائي للعراق وكل آيات وسور الدهشة التي تُميتُني..

ضباب بلا نهاية، وسماء رماديّة ثقيلة لا تنقشع تفاهتها وأنا أرتعش. برد يغزو عظامي فأغدو مثل بعير يبول في الصحراء. هكذا أفكّر، في طرقهم اغتصاب وسحق، بدو، وحوش، ثقافتكم ثقافة السحق والتنكيل والولدان ونكاح الحمير. ضباب وموت بطرق مختلفة ثم تلفني التّائهات والغاديات والعاهرات. أين أنت يا الله؟ في المُدن الما ورائيّة؟ أم لم تزل أقدامك على أرض أهل العوجة والشيوعيّين؟ ميري، أين أنت الآن يا صديقي في هذه الكبرياء المغالية للسماوات وهي تمنحني موتها بلذّة الارتعاش؟

تكريت نكحتنا يا أرميا وخضرالياس. نكحتنا من الخلف والضباب فظيع وغير مرئي وبلا نهاية، لماذا عيونك مُرمَدة يا بغداد؟ لمَ تتراكضون مثل الثعالب والضباع؟ تُنبشون الأسواق المركزيّة بحثًا في مزبلة الوطن وقُبلات ضاعت قبل الأوان في خراء المدينة الشفيف. أبصق عليكم أيُّها الرعاع، أبصق على مدنكم ومنائركم المحلزنة المليئة بالصراصير والمخبرين السريين ورجال الجيش الشعبيّ والمخابرات والأمن العام والخاصّ.

سيارات ومدن مصفحة بالتيزاب والحميرالنافقة وجيف في كل مكان، ملفات سريّة لكل شيء، مخبرون من كل الألوان والأصناف، مخبرون مجانيّون يخدمون فقط للهاجس البعثيّ- التكريتيّ-لأن لا صوت ممكن أن ينطلق في العماء؛ لذا أطير فوق بغداد مثل عصفور مهلوس.

***

Page 4

شتاء (1979 - 1980) في بغداد بارد جدًّا، نزيفيّ، زمهريريّ، ديماغوجيّ، دكتاتوريّ، لم نشهد بردًا قاسيًا ومعربدًا مثل هذا... يا سرجون الآكدي وأمّ معبد. أتبوّل عليكم أيّها الملاعينُ وعلى مدنكم وحميركم ومطالكم وأحزابكم وثقافتكم، أبول واقفًا عليك أنت أيضًا يا تيتو وماوتسي تونغ وفلاديمير ايلتش لينين وميكي ماوس، وربما أضفت ميشيل عفلق. ميشو أين أنت؟ و…. أبول عليكم كلكم أيّها الرفاق، ضمنا الشيوعي ف خ وهذا النغل عزيز.. وأسير في الشوارع تصدمني الأجساد. حشود غريبة، حشود دوديّة، تعبث بكل شيء وتدهس كل شيء وهي تتراكض مثل الخنازير وتدخل الأسواق المركزيّة وتحمل الأغراض والألبسة وتتصارع وتتلاحق وتتقمّص وتستفرغ في المستنقعات المتفجّرة لنهر الخرا العظيم.

أريد أن أموت يا ميري، أرجوك، افتح لي است النقد لأنتحر فيه، علِّقني في سنارة الحداثويّة والإشكالويّة، أريد أن أموت بطريقة ليبراليّة وسط هذا الركام من العفن النفسيّ والتأجّج وأشجار الياس والخروع وتاريخ الجنون. ركض وركض وعواء وبيرة متاحة في الشوارع وعاهرات من الفلبين وكل المعمورة وأغبياء وهتافات للقيادة السياسيّة وهستريا جماعيّة.

أسير في الشارع مثل مخبول، مخبول أبدي وأشاهد ملايين الرجال والنساء يتدافعون من أجل طبقة بيض، حيث حوَّل القائد الرمز حياتنا إلى طوابير من التشيؤ، من البحث عن البصل والثوم والطماطم، كل يوم أزمة جديدة طوابير أمام باعة البيض، طوابير شيطانيّة تتدافع للحصول على الدجاج، حياة خربة وأنت تتدافع مع الآلاف من أجل الحصول على كيلو بطاطا، زبدة، قشطة. نقود في كل مكان، نقود كثيرة في الهواء والعاصفة والريح وأفواه الرفاق لكنّنا ننام في الشوارع، ننام أمام وكالة الإفريقيّة من أجل الحصول على طباخ أو مبرّدة هواء. الوطن عواء وأنا أسير بين الحشود الفزعة مصطدمًا بالأكتاف والوجوه وروائح الأفواه والحرّ والبرد والصقيع والملابس الثقيلة والعارية والمؤخّرات الدنيئة وأذوب من الحرارة في ساحة النصر. أسير مترنّحًا، هائمًا، بخطوات مبعثرة لكي يتمّ ما قيل في أشعيا النبي (الشعب الجالس في الظلمة) يسافر إلى وارشو ويستمتع هناك بالفيكي فيكي.

ضياع في روحي وجسدي وعقلي يا أمّي..عواء والفيترجية(1) يتدافعون بالآلاف أمام مكاتب الجوازات للسفر إلى بولندا والنوم في أحضان العاهرات، سفر وشيزوفرينيا وعرق في الشوارع وبارات تعجُّ بالزبائن في كلّ الأوقات وزرازير مشويّة. لكنّنا نقف بآلاف الطوابير أمام بائع البيض والدجاج. تنمية انفجاريّة، تنمية متوازية، تنمية اشتراكيّة، تنمية رأسماليّة (تنمية جقلمبيّة). كل أنواع التنميّات في العالم. لكنّنا نخاف أن ننام لأنّ (أبو طبر)(2) يسرق أحلامنا). أبو طبر يا أمّي، وعصابة الكفّ الأسود بعد ذلك، لأنّ الله تركني على قارعة الطريق، في هذا الوطن، بفوضويّة الأشياء، بالانتهاب المغموس باللعاب السائل من الأفواه! بالنساء الممهورات بالعباءات

والغائط في الطرقات، بالنذورالتي لا تُستجاب، بالمسدسات والبنادق الكبيرة، بعدم وجود مراحيض كافية للشعب في الشوارع، فيما مصانع الأسلحة والجوامع تنبثق من الأرض مثل الشوك. أيّها الأباعر، لسنا بحاجة إلى مصانع أسلحة، نحن بحاجة إلى مراحيض وتحديدًا إلى مراحيض نظيفة في الشوارع وصابون لغسل اليد بعد التغوط بدلًا من أن نمسح بالحائط الأسمنتيّ. إنّ الدماغ يلوكني مثل نعال متذكرًا أنّي غالبًا ما وجدت في مراحيض المدرسة شعارات البعث (أمّة عربيّة واحدة ذات رسالة خالدة)، ) الطالب الجيّد هو البعثيّ الجيّد) (من لا يعمل لا يأكل(، (لا خير في أمّة تأكل أكثر ممّا تنتج).

مراحيض المدرسة تفيض بالبراز، بالميثان المتفجر متناثرًا. براز في كل مكان ولا أحد ينظف ولا أحد ينزح السبتتنكات، لأنّه لا توجد أيدي عاملة، لكن هناك المزيد لتعليق الشعارات، شعاراتٍ لكلّ شيء، شعاراتٍ للأكل والشُّرب والتقيؤ ولعيان النفس والجيفة ومضاجعة النساء والتجسُّس على الأهل والأخوة والأقرباء والجيران ونتف شعر الإبط والعانة وكتابة التقارير والوشايات وشعارات في كل مكان. أصغر تكريتيّ في العالم له سلطة أكبرمن أكبر وزير. لكنّ مشكلة البول والغائط في الطرقات لم تُحَلّ ولا توفير البيض ولا قيمر المصلحة أو الحليب المطعَّم بالموز الذي كنا الدولة العربيّة الأولى التي تنتجه، لكن عندما جاء العوجيّون صار هباءً, مصيبة، كارثة، جرثوم من العربدة المزنرة بالطلاسم السحريّة ومسدسات براوننغ للرفاق ورشاشات للجيش الشعب. كل الشعب بعثيّون وإن لم ينتموا. أكاد أختنق، أموت، أتقزّز مثل قنفذ على سرير معروك. أينما تلتفت، تجدْهم، كعورات مقطوعة ومتدلّيّة، كحمير في صباحات أسواق الخضرة المتفجّرة والخيسة وعلس الحشيش في الشواكة وحمّال يرتجف وهو يأكل لفّة الباذنجان. تشاهد مسدساتهم وبنادقهم ومسدساتهم تحت السترات بارزة في الشتاء وفي الصيف تحت بدلات السفاري ومتورّمة كخصيّة حمار. تشاهدهم في سيارات النقل والباصات والتاونسات والفورتات وكراج العلاوي وفولفات خشب وطليان وبعرور وباجة وبريمزات برقبة طويلة كما اللقالق تحت القدور وتلمحهم في كراج النهضة أيضًا ودرابين فضوة عرب، مثل ديدان تزحف الى السبتتنكات، رجال أمن يرفعون أذرعهم إلى الأعلى لترى المسدسات والأعضاء التناسليّة وعلب سجائر روثمان ودي موريه وبغداد تصدير، يسقطون بطاقاتهم على الأرض عمدًا ويلتقطونها من أجل أن يشاهدها الجميع. انتبه يا بعيوه، سيُطلقون عليك الرصاص. سيُطلقون عليك رصاص دمٍ دمٍ صدَّره لنا جمال عبد الناصر والأمريكان. يطلقونه في عينك وفمك مملو ءا بشعاراتهم وأهدافهم: وحدة... حريّة... اشتراكيّة. لمّا سلكنا الدرب، كنّا نعلم أنّ المشانق للعقيدة سُلّم. مافيا خرائيّة يا زهرة الراسقي؛ لأنّي أضعت السنبلة والكرمة في هذا الوطن؛ ولأنّي تائهٌ أبديّ في شيزوفرينيا جماعيّة؛ ولأنّي أنكرتك أمام الناس وضابط الأمن ورجل المخابرات وهم يجرجروني من ياقتي. كم شعرت بتفاهة أني عراقيّ!، تفاهة السهاد والصلاة والتضرع، قنابل غائطيّة في وجوه الجميع، و.... بُمْ!!! وينفجر كلّ شيء ونغرق في سُهاد الخراء ونرقص رقصة الفيكي فيكي والجوبي وشاينه كوكو. أنا أُولد بالخطيئة الأصليّة يا أمّي. أُولد بعراقيّتي. ليس لنا فاد بعد، ولأنّنا بلا فاد، فإن روح المعزي لن تجيء يا أبناء العاهرات حتّى بعد اليوم الخمسين.

كنت مختبئاً عند صديقي ماجد عندما دخلت علينا جارته أمُّ عليوي. ارتعشت وقتها خوفًا وبعد أن خرجت أبلغت الشرطة قائلة: هناك شاب مشبوه في البيت وبلهفة، أيضًا، بلهفة الدسيسة، بحب طغيانيّ، نهلستي، قفزوا على السطح داهموا عيوننا، رشاشات في أفواهنا، مسدسات في مؤخراتنا، ومن كل الأنواع شرقيّ وغربيّ، شيوعيّ ورأسماليّ، سيارات لاندكروز خارج البيت، صراخ أطفال يتبوّلون في الشوارع، مخاط شاعر شعبيّ يزمجرعبر راديو جيب بقصيدة شوباش أخذني الحُلم، ملابس عسكريّة مزوّقة بالشارات وجوه ترابية، جيران يضحكون. جرجرني رجال الأمن وقتها مثل معزة، سحلوني مثل جرذٍ ميت مثل يربوع. أُهان بملايين الكلمات القاسية، بملايين ابن القحبة، القحبة التي تراكضت في هذا الوطن الزائف والملعون تحمل منشورات الحزب الشيوعيّ لتوزِّعها.

***

Page 5

أبكي الآن يا أمّي وأمجّ من قنينة العرق مترنّحًا متذكرًا رعبك، متذكرًا بهاء قامتك النسرينيّة وأنت تسيرين في مستشفى الطوارئ ممرّضة، بعقصة شعر أحمر. الساعة تقترب من العاشرة صباحًا. يرنّ الهاتف بإلحاح في غرفة الممرضات يا إلهي! أكثر من مرة وفي كل مرة يبقى وقتاً طويلًا كريهًا يرنّ، تتقدّم إحدى الممرضات وترفع السماعة، تطلبك، تأتين بهدوء، بهدوء سماوي ومجدلي، أكثر رقة من شاروبيم، تنظر الممرضة إلى وجهك، لا تريد أن تغادر. آلو.. آلو.. آلو. تحاولين أن تفهمي لكن على الطرف الآخر ارتباك، تشوش، بطء، مرارة، قسوة، ارتجاف غشاء عضلة القلب. تحنين رأسك قليلا وتحاولين الاستماع بشكل أكثر تركيزًا.. ماذا؟ آلو...آلو. تضغطين بأصابعك على الأذن الأخرى تقولين بتشوش وتستديرين إلى جهة الحائط: ماذا؟ هناك لعثمة لا أستطيع أن أسمع، تنظرين إلى الممرضة الواقفة قربك وتلمحين لها أن تطفئ المذياع منذ متّى؟ تعودين للتركيز على المكالمة. يقول الصوت الآخر بتقطع: الآن خرجوا من بيتك، فتّشوه، رجال بملابس مدنيّة، رجال أمن بسيارات فولكسفاجن وفيات G L وينقطع الصوت وصمت قاتل. صفارة العدم تنطلق من السماعة، رعشة خفيفة تسري في كلّ جسمك، تحدّقين في العدم، زغب ذراعك يقشعرّ، تصابين بتنمّل عمودك الفقري وسكاكين طويلة تعبث في أجساد مكوّمة على الأرصفة. تتمنّين أن تسمعي تفاصيل أكثر. لكن، لا صوت في السماعة. فقط الحيرة المتأجّجة وصفارة مموهة بالهلاك. في تلك اللحظة حدث شيء غير متوقّع، شيء لا تفهمينه، ولأنك لا تفهمينه فأنك تضطربين مثل دودة متوحّشة تسير على جثة، ترتمين على الكرسي ووخزات على طول ربلة ساقك، وتلتصق الساق بالساق، حذاؤك المطاطي الأبيض يجمع عرقك ويطلقه نحو العالم. متاهة من الأفكار، ضوء نافر لكنه مصفَرّ يقتحم ستارة النافذة وتشعرين فجأة بعصف سريع مثل قنبلة تفجّر المكان. شيء من العبث مع ضوء يضنيك اضطرابًا، لعثمة. تتساقط أمامك فجأة أضواء بعيدة وتتخيّلين أن العالم بدأ بالانهيار، تحاولين النهوض، تفكرين بملايين الأشياء، زوجك، الأطفال، الكتب، قسائم الكسب الحزبيّ، إشارات التعارف. الممرضة الواقفة تنظر إلى وجهك ببرود تحاول أن تعرف سر الاصفرار المفاجئ. طرق غريبة تنغلق أمامك وأنت تنظرين إلى نهاية أكوان غاية في البعد. هل يمكن أن ينتهي كل شيء؟ كما حدث في 8 شباط عام 1963 عندما اقتحم البعثيّون البيوت. وكما فعلنا نحن - الشيوعيين - في عام 1959؟ تتذكرين؟ هل الذاكرة مخربة إلى هذا الحد وغير قادرة على نسيان أعوام الهزيمة المُرَّة وتضحيات هائلة وموت في الشوارع. نقطة سوداء تكبر وتصل إلى النقطة الحرجة والنقطة الحرجة، هي مخيلة مرضوضة بفعل القتل والسحل وبقر البطون.

تنهضين الآن، الأصابع مرتبكة وبصاق خفيف يتطاير متناثرًا من بين الشفتينِ. تنزعين روب التمريض والقلنسوة البيضاء بالخطّ الأسود، تسيرين بثبات باتجاه ممرات بيضاء. إنه العدم. ولا رؤية غير بياض الأسرّة والممرات المشحونة بضوء بارد يتسلّل من بوابات تفتح وتغلق بسرعات متفاوتة.

في 8 شباط 1963 كنتِ تمارسين عملك في المستشفى عندما دخل الشيوعيّون وهم يحملون إصابات دامية، وبمجرد أن بدأ الصباح ينثر دمه امتلأت ممرات المستشفى بالمصابين. كنت تتنقلين بين الأرجل والأيدي المدماة. عيون الموتى المتجمّدة وعيون الجرحى المكويّة. ليل طويل منح الآخرين فرص الهرب لكن الزعيم عبد الكريم قاسم(3) كان يقاوم. تحاولين مع رفيقاتك الاستماع إلى الشائعات. عبد الكريم لم يزل يقاوم، عبد الكريم معه ثلةٌ من الجنود والعرفاء - أبناء الشعب – حطّموا آلاف الجماجم البعثيّة، الفاشيست أعداء الجمهوريّة. يعيش الزعيم، تعيش الجمهوريّة، تعيش ثورة 14 تموز والخونة إلى الجحيم. ثم يرين صمت مخيف على المذياع والعيون تحدق وتمتدّ آلاف الأصابع والجراح وأصوات الرصاص تتناهى من أمكنة بعيدة. انتهى كل شيء. سقط الزعيم وهبت ريح انتقام بعثيّة مخيفة.

***

تسيرين الآن في ممرّ المستشفى تدوسين أحلام الوطن الاشتراكيّ الذي تتيه فكرته وتأمُّلاته في جوف الليل الذي يوشك أن يضرب بأجنحته، تدوسين حقول ملايين الجماجم وآلاف الألسن التي ترغي في برك الدم والرماح والفوضى، تسيرين بعجالة لكنك تشعرين أن العالم الخفي المكنون داخلك قد انهار. الصور الدمويّة تخرج فجأة من الذاكرة. يخرجها جنٌّ غريب بوجوه هلامية باعثة على الغثيان، يخيل إليك أنك تسيرين في مستنقعات من الفولاذ والحديد المتآكل لكنك تستمرين في السير السريع، الجري، الركض، الصفنة على ضفاف الأنهار الملغومة بالموت الجارح، العيون التي تنظر لك مبهورة، تركضين في الممرات، بين أَسِرَّة الحديد، بين الأورام والأوراق والإبر والبدلات البيضاء وعلب التعقيم البخارية. بين المرضى، بين الشمس والضوء الذي يتسلّل عبر النوافذ، بين الطاعون والسل والرمد وقناني الدم الملوّث واللفافات والأدوية وطاولات الأكل وعربات الطعام والمرضى والمشلولين والفقراء والأغنياء والنساء المتشحات بالسواد. يتنامى إليك أنك تسيرين نحو العدم والانبهار والأصوات والكواكب والمجَرّات والآلهة والضياع والخوف. لكن هذا العدم له صوت الاختلاط مع ضجيج صرخات النساء والبكاء على الموتى. كنت تبحثين بعجالة، راكضة، مهرولة، عن اللحظات الأشد قسوة ومكرًا ووجهك تتجمّد فيه العروق والشفاه ترتجف مطلقة أنينًا. تصعدين سيارة الموسكوفيتج - السوفيتيّة - بارتباك وتديرين المحرك، قلبك يخفق، يملأ المكان باضطراباته. العالم ينهار بصورة غريبة ويتحوّل إلى ركام. تتفحصين الشارع بنظرات المجهول وبابتعادك عن المستشفى يداهمك ماهو أكثر إثارة للشفقة من خوف حيوان على وشْك الموت.

أثناء قيادتك للسيارة يوخزك الإحساس المُعَثلب لك وإحساس العمل الحزبيّ، أو ما يمكن تسميته بالتناثر البارد لكرات البلياردو وصوت الارتطام الجامد، لكن هل يمكنك الفرار الآن فيما إحساس الانهدام يرمي عليك ثقله؟ لم يكن هناك من اتجاه. يمكن الهروب إلى الشمس أو إلى الذهن. يمكن أيضا الهروب إلى سطح بارد على قمر مظلم، أو عتمة شفيفة في زنزانة، وهذا الخيار قاتل عندما يرتبط متماسكًا بشدة مع الأيدلوجية ليولّد عنفًا مرعبًا ولذةً للمحقق مع الضحية وفي إطلاق الألم والاستمتاع به. هل تسعفك الذاكرة الآن للإفلات من التربُّص الشديد القسوة الذي نقله لك الشخص المجهول عبر الهاتف؟ هو يعرفك ويعرف مكان عملك، أو هو ربما كمين أعدته الشرطة السريّة. الكارثة، وأنت تفكرين، ربما تكبر في الشوارع. سمعت عن حوادث كثيرة، وكانت قد بدأت قبل أسابيع حملة لاصطياد الشيوعيّين من الشوارع وأماكن العمل. لكن صوت الهاتف يبعث فيك قشعريرة تمتدّ من أعلى رقبتك نزولًا إلى كعب القدم، ومرورًا بالعمود الفقريّ والأمعاء التي بدأت تتقلّص. في روحك وقلبك وفؤادك والمخيلة المتراكضة كأحصنة متعبة في سباق الخيل تحاولين التعرف على هُويّة الذي هاتفك لكنه يبتعد بصوته وكلماته القصيرة مع نخرة الأنف التي تشعرين بها مع صوت الخشخشة المتسارعة لاضطراب خط الهاتف. وأنت تناورين بين السيارات في الشارع، ثم تتوقفين على الجسر المعلّق تلازمك نوبة غثيان وإحساس بعدم القدرة على استفراغ المعدة.

أين يمكن للواحد أن يهرب من هذا الحصار؟ وتتأمّلين فيما أطفال مع عائلات تعبر الجسر وتسمعين الضحكات وصخب النوارس وارتطام الهواء بأعمدة الجسر الشاهقة والموحية بالخوف والرهبة. لكن التفكير بأماكن الاختباء تتطلب بحثًا استقصائيًّا على الأقل ريثما تنجرف العاصفة أو يتم التوصل إلى تفاهم بين موسكو وبغداد. الهواء البارد يبعث فيك نوعًا من الانتعاش. تنظرين إلى شريط كامل من الصراع مع حزب البعث، تحدّقين وقتها في ستائر الغرفة وضوء الشمس يغرقك في ألق مبهر، وحتّى سماعة الهاتف في تلك اللحظات الغير معروفة، كانت تبدو لك أشبه ببوق القيامة، لماذا القيامة الآن؟ في البحث والتفتيش عن ركائب متروكة وأمتعة بائسة لم يُبقِ منها العقل إلا النثار. وعندما تنظرين إلى ضوء الشمس في ذلك اليوم يبدو لك أنه ينسحب بعيدًا في لحظة واحدة وتكون الغرفة والأرضيات والجدران كلها بلون داكن قتها كنت تفكرين بأشياء تقتنص اللحظة المسكونة برعب يخرج كجنون البحر من مناطق الذهن المتعددة. ربما النسيان قد تسلط عليها في وقت ما، لكن وأنت مبهورة تنظرين إلى هذا الانتشاء الغريب والسريع لوجع الأيام والأزمنة السابقة من الصراع بين الحزب وحزب البعث، يلفك فكر أنْ كان هذا مجرد صراع؟ صراع طويل بين الحزب الشيوعيّ والبعث ويشبه مسلسل كارتون بباي. لمَ اتخذ حزب البعث هذا الموقف وكأنه يريد تصفية الحزب الشيوعيّ؟ ألسنا في جبهة واحدة؟ ويتسلّل إلى ذهنك كلام صدام حسين في ندوة خاصّة عن تصوراته للعمل الحزبيّ والجبهة الوطنيّة التي كان للحزب الشيوعيّ العراقيّ فيها نصيب الأسد وكتابه الصغير الذي أصدره تحت عنوان (خندق واحد أم خندقان). ما الذي يجري هناك؟ تحت الرمل، خلف الكواليس، فيما وراء الأكمة؟ أيكون هو مجرد صراع على سلطة؟ أم تغيرات في المعادلات الدولية؟ ما الذي سيكون عليه موقف الرفاق في موسكو؟ وأنت تنظرين إلى اللعبة المذهلة والمؤلمة وصفحات من تاريخ أسود يُكتب بمداد لاذع.

Page 6

كنت تناورين الذهن والانحطاط والعودة إلى ما كانت عليه الأيام في عام ١٩٥٩. لكن الذاكرة دائما مولعة بالاختباء خلف أحداث الوجع. تفكرين بذهول، لمَ الذاكرة قاسية إلى حدّ أنها أشبه بسيف حادّ أو شفرة تقترب من الرقبة. في تلك اللحظات السريعة التي تختلط فيها عشرات الأحداث من الواقع والذاكرة والريح والجو والسيارات في الشوارع وأعمدة الجسر المعلق، تحاولين الهروب من أسئلة الواقع ويطرأ إلى ذهنك تخيلات كثيرة بأن البعثيين صقوراً جامحة، منقضة، مثل سراديب مظلمة تبتلع الآخر إلى نهاية العالم ثم ترميه إلى صمت النسيان أو الموت في أحسن الأحوال.

تقودين السيارة في ذلك اليوم بلا اتّجاه معين متذكرة السّحل، العقاب المدمِّر الذي ابتكره أهل العراق عندما سحلوا العائلة المالكة وسحلوا نوري السعيد، كنت وقتها شابة قادمة في قطار التاسعة صباحا من الناصريّة إلى بغداد. في إجازة من عملك كممرضة هناك. عندما هبطت أولى سلالم القطار لفحتك رائحة دم، دم يشبه عصافير هاربة في هزيع ليل، في حياة ميكانيزماتها ضائعة في الصحراء وبداوتها. عندما هبطت أولى السلالم، لم تتنفسي عطر بغداد الذي تفوح فيه روائح من الرازقي والروز والقرنفل، القرنفل الذي له في روحك ذكرى أليمة، يوم أهدتك صديقتك الأثيرة سليمة حزقيل واحدة منها، أين أنت الآن يا سليمة، هل احتضنتك أرض الربّ؟ على الأقل خرجت من عباءة البداوة الكبيرة.. تسيرين يا أمي في المحطة العالمية في علاوي الحلة تسمعين نوعًا من الحشرجة في السماء صوت يشبه صوت عزف ناي بعيد وكئيب، وفي السماء نوع غير مريح من صرخات مجهولة المصدر. قسوة، يا الله! كيف يتحوّل كل شيء إلى نوتة موسيقيّة طويلة؟ كيف تتحول الآذان والأفواه إلى هذه الكتلة من الغائط؟!

كنت تسيرين على رصيف المحطّة وحرارة خفيفة من صباح تموزي طويل تلفحك. ثم وجوم كبير يلفّ الأرصفة، كأن المكان يشبه مسلخًا مهجورًا. مرحاضًا تفوح منه روائح البول الدمويّ والصديديّ. قرنفلة سليمة حزقيل لم تكن موجودة وعوضًا عنها كان هناك ارتكاض وتقيّؤ. لون سماء بغداد وقتها كان يشبه ترابًا أصفر مسكوبًا في العيون ورائحته تلعق المكان. وعندما وصلت بوابة المحطّة قال لك أحد الحرّاس مبهورًا: هناك ثورة، ثورة يا خاتون، اذهبي إلى البتاوين، انتبهي لنفسك، الجميع هناك، نوري السعيد، خاتون يقولون إن ضابطًا بقر بطنه ويضحك مثل ضبع وأسنانه متآكلة بسبب التُتن. تتوجهين بلهفة من المحطة إلى الباب الشرقي، من علاوي الحلة، من النفايات والذين يتبولون واقفين وسائلهم الأصفر يسيح على السيقان الملتوية. تتعرّقين في الطريق من القلق وتنتابك حالات من المغص القاتل لأن السماء كانت مقشوطة وصوت لعواء طويل قادم من لا مكان يطوِّق العين الذابلة والمليئة بالنعاس.

في السيارة الصغيرة التي تنقلك إلى الباب الشرقي تستمعين إلى الأحاديث المشوًّهة والمبتورة وحشود الأفواه اللاذعة وميكانيزميات التقلُّص. كنت تلاحظين نوعا باهتا من التشفّي، نوعاً مبهماً من صبغة تَلفُّ أنيابا لكلاب ليلية ترتكض على حافات الغيوم.

بغداد كلها كانت هناك وعندما تصلين ملتهبة من الإثارة المسموعة، من أفواه غير مغسولة. تجدين الحشود تصرخ وارتكاض هيولي. آلاف الوجوه الأميبية تسحل أجسادًا، بقايا أناس الزمن الغابر، تشاهدين عواءً وحشيًّا، ذئابًا، قرودًا، نسانيس، بشراً من العصور الكونيّة الأولى وأطفالًا قادمين من أزمنة غابرة من عمق صحارى خلف السُّدة، من سبع بكار، من سباق الخيل، الأزرمليّ، كرخ، دوريّين، البتاوين، عكد الجام، الصرايف. الصراخ الذي سمعته وقتها كان يشبه اضطرابًا من كثافة أحصنة بملايين القوائم تصهل عندما تجد نفسها أمام نار، نار في وقت يهتزّ فيه الزمن. آلاف الأفواه البشريّة تضحك وأضداد إنسانيّة تتحرّك وتسحل نوري السعيد الذي أُمسِك به في البتاوين. شحم يخرج من الجثة يشبه شحم الأسماك البحريّة المندلقة من مراحيض الشعب الثائر المتضاحك. الصراخ ينطلق من كل مكان وحسوني أبو التكة يشوي وزبائن يأكلون والحبل الذي يجرّ به رئيس الوزراء السابق ملوّث بالدهن والأسفلت واللعاب والعصيّ. تحضر دبابة الانقلابيّين وسط الهياج وتحاول حمل بقايا الجثث المرميّة على الأسفلت إلا أن الشعب يتسلق المكائن الحديديّة ويفكّ الحبال وتُسحب الجثث مرّة أخرى ويتراكضون بها في الشوارع مرّة أخرى والجموع الهستيرية تصرخ وتعربد وتتراكض.

كنت تشاهدين نوعًا من غمامة سوداء تحيط بالجميع. يا للسماء البلهاء بميلودراما القتل والسحَّل!! ثم وضعوا رأس نوري السعيد تحت إطار (باص) لتنفجر الجمجمة ومعها جماجم أخرى وتتناثر الأمخاخ العجينيّة، ثم يهجم الشعب ويمتصّ الدم والصديد والصرخات والشيزوفرينيا والتمطّي والابتذال والسوقيّة والعري. نساء يتراكضن بعباءتهن ورجال من صمت الصحراء وغابات القيح الأسود والظلام والهستريا يأتون. آلاف الأجساد المتعرقة في ضجيج شمسيّ لاهب، تتدافع لترى الشحم الخزين الممرود في الجثث المتهرئة والممدد على الشارع والأرصفة وفيما الهستريا الجماعيّة تجتاح المكان، تبحثين في الذاكرة عن سليمة حزقيل، سليمة وهي تملأ لك ورقة الانتماء للحزب الشيوعيّ العراقيّ. كلمات سليمة ما زالت ترنّ في أذنك مثل غيمة ماطرة من سمت بعيد وناء. وفيما ذكرى تلك المرأة تخترق ذهنك، تنظرين إلى الدماء بتيه الافتقاد في داخلك كما الشعب. حقد دفين يشمل العائلة المالكة والإقطاع وفساد السياسيّين، لكن ليس هكذا الانتقام، ليس هكذا تكون الثورة وقتل العائلة المالكة والسياسيّين وسحلهم في الشوارع والتمثيل بجثثهم بحيوانيّة. لكن الجماهير تزحف أمامك. عشرات، آلاف، ربوات، كغيمة مليئة بالمسامير وتتّجه إلى القصر الملكي وبيوت الوزراء. ويُنهب ويسلب ويُحرق كل شيء. وتنتقلين مع الجموع إلى جسر بغداديّ آخر حيث تم تعليق جثة عبد الإله - الوصيّ - على العرش وقَصَّاب محترف يمزّق اللحم بسكاكينه ويرميه إلى الجماهير الغاضبة والمهللة والصارخة، المزيد، نريد الكثير. ويضحك القصّاب وينثر اللحم على الجموع في مهرجان عارم من الضياع الذهني. وتتسائلين وقتها هل هذا، تحديدًا، ما يسمّى نزق الثوار؟

***

Page 7

عندما اتصلت بي هاتفيًّا كنت ما زلت أعاني من تأثير سكرة الأمس مع صديقي ميري، صوتك كان مرتعشًا، لجوجًا ومتأرجحًا. قلت إن هناك ما هو عاجل. كلماتك مثل صفيح يقرقع تحت المطر. لم أفهمك بمثل هذا الاقتضاب. كنت أعرف أنك لاتتصلين بي إلا لأمر خاصّ - ربما سيىء - وأنّ عَلاقتنا كأمّ وابن كانت في الحضيض، لأنّي ابنك من زوجك السابق، الميت. استلفت ربع دينار من جدّتي وودّعت ميري. ثم ارتديت أسمالي، خرجت إلى الشارع أو العدم أو أي سخافة أخرى. وجدت على بعد مسافة من البيت الرفيق خلف الذي أخذ يطاردني مثل قوّاد ويطالبني بتوقيع استمارة الانتماء إلى حزب البعث. عَهَرة. برد شباط كبير، يجلعني أشبه بماكنة تدور بسرعة خياليّة وأصوات ارتطامات وزيوت تسيح. شعرت بشهوة غريبة للتبوّل على كل شيء، على الوجوه، الحثالة، الذاتيات السائرة ببله الأعوام والقدرة على امتصاص الغائط والشعارات والهُتاف للقيادة. الأصابع تهتزّ بفعل التدخين والجلغ، أصابعي كسَعْف، أشعر بها، كطائر الزّق، كقطّة في حالة ولادة حيث ينفلق الفرج إلى النهاية ليخرج الجسم الجديد.

لم أجد في الجوار ولا في أيّ مكان آخر مرحاضًا. تبوَّلت خلف نخلة عراقيّة، نخلة شامخة بروح البعث والبرق والرعد. كنت أضحك وأنا أبول بروح ملتوية وكأنّما أسافر على الأجنحة السماويّة للملائكة. سيارات الشرطة تزحف على الشوارع مثل ديدان على كل حياتك. جاء مدير المدرسة المسائيّة التي درست فيها يوماً ما، وبعد أن اقتحم الصَّف بنزق البعثيّ وأغلق الباب، طلب من كل شخص غير بعثيّ التوقيع على استمارة الانتماء لحزب البعث، واستمارة أخرى بأن لا تنتمي إلى حزب غير حزب البعث، وإذا ثبت العكس، تعدم. أسهل شيء في هذا الوطن هو الإعدام.

بُصاق، تفال، العالم كله يبصق عليك. يجدر أن تتخيل، تتزحلق في هذا الوطن من دون إرادة منك. بعث في كل مكان، بعث في المراحيض، في الهواء في العاصفة، في علاوي الحلة، في الدرابين، في الأزقّة، في مستشفيات الأمراض العقليّة، في البارات، في مستشفى المجانين، في بيوت القحاب، في الدوائر الرسميّة وغير الرسميّة، في العيادات والعيادات الخاصة بالأمراض التناسليّة الجلديّة والزهري وأمراض السيلانات. الوطن كبير، إلى الدرجة التي يخنقك فيها. يعاملك كأنّك كلب أجرب تهزُّ ذنبك وتعوي وتهرب إلى المزابل والمستشفيات والأمراض الذهنيّة أو تتزوّج جنيّة وتخلص من كل شيء.

دخلت مرحاض المدرسة وقتها، بعد خروج المدير من الصّف ودخّنت أربعة أعقاب سجائر وعود عنب. وعندما خرجت وجدت أمامي لافتة كبيرة كُتِب عليها: (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة). (الطالب الجيد هو البعثي الجيد).

أبصق عليكم في روحي الخفيّة لكنّي أخافكم. أرتعب منكم. أحد الأولاد رفض التوقيع على استمارة الإعدام في الصف. تم إخراجه وبعد أيام اختفى. قالوا إن أهله - شيوعيون أمّه تكسب الرجال للحزب عن طريق القُبل والدُّبر. شعرت بتقزز، هم لا يريدون استمارة الانتماء للحزب بالقدر الذي يريدون فيه توقيعك على استمارة الإعدام. في طريقي إلى موقف الباص اختفى الرفيق خَلَف لكنّي التقيت بسعد الخبل صرخت به - بارود سكين وملح - لاحقني مسافة طويلة، سعد ابنٌ بعثيٌّ قديم تم سحل والده أمامه من قبل الشيوعيّين عام ١٩٥٩ وهم يهتفون بارود سكين وملح، منذ ذلك اليوم أصبح هذا الشخص يرتعد ويتشنّج لسماع هذه العبارة، غالبا ما كنّا نمرّ من أمام بيت سعد ونصرخ - بارود - فيخرج المسكين كشيطان يتأجّج ليطاردنا.

وصلت موقف الباص لاهثًا ومرتعشًا، شعرت أنّي أختنق بسبب كثرة التدخين والجلغ، ولا يمكنني الركض لعشرة أمتار.

في موقف الباص وفيما كنت أبحث عن سيجارة توقَّفت أمامي سيارة الشرطة وترجل منها الشرطيّ الحقير - أبو بعث - وقف أمامي مثل أي إنسان شرس وطلب منّي - بلكنة تكريتيّة - أن أراجع مركز شرطة اليرموك لتجديد معلوماتي الأمنيّة في بطاقة المعلومات المركزيّة. جاء الباص وتعلّقت به مثل شيوعيّ يلتصق بك ليكسبك إلى حزبه.

في الباص كنت أشعر أني أضيع في غمامة من الوهم، عالم من البعثيين يزأر في كل مكان. كان بالإمكان رؤية روح البعث تلف اللصوص والقوادين والرعاع والنصب التذكارية. مشهد للخراب المتأصل وأنت تنتظر ساعات كاملة وفي النهاية يجيئ الباص مليئًا ومحشورًا بالبشْر. كنت تستطيع في زوبعة البرد الشباطي الذي يلف كل شيء أن تجد روحك هاربة ومستلبة وأنت أشبه بكلب أجرب يطارد الفراشات.

في الباص الذي تعلقت به بعد مأساة الانتظار، كنت أفكر في سبب اتصالك بي. لمَ لم تتصلي بزوجك؟ أنا لست إلا نكرة في ذهنك و… روحك.

أشعر بارتجاف في شفتيّ ونوع من الاكتئاب يحلَّق في ذهني. من نافذة الباص أشاهد ضوء النهار وهو يدفع بعيوننا إلى مسافات عائمة بلا حدود. أصل الباب الشرقيّ ومن هناك أستقلّ الباص إلى مدينة الثورة. وعندما أصل هذه المدينة النائمة على القاذورات والأوساخ والجيف المتنّقلة والمخلوقة من ميثالوجيا الكره والوساخة واللعبان نفس، أقف عاريًا ومملوءًا بالتفاهة أمام البيت.. تُفتح البوابة الحديديّة بصراخ القلاع المتروكة وتستقبلني ربّة البيت بملابسها السوداء وعباءتها الحائلة اللون ومؤخّرتها الناشفة ولا أستطيع التفكير بأنها مشروع جديد للجلغ، أسير خطوات و.. أجدك متكوِّرة في الغرفة الوحيدة في البيت وصور علي بن أبي طالب وجيفارا ولينين والحسين معلّقة بخيوط جنبًا إلى جنب. وعلى أفرشة مليئة بالعثة أجلس قربك مثل آلهة تركها الأبناء والرهبان، تخبريني عن كل ما حدث بوَجَل وارتباك وتيهان. أقول إنك مضطربة، مضطربة جدًّا. ربما هي كذبة، أقول وأمسك يدك وأنت ترتعشين. كنت وقتها عبارة عن حنجرة مرتبكة وقلقة، حنجرة بلا صوت مسموع وبلا فوارز ونقاط. تقولين: ليست هي كذبة، الوضع سيئ جدا ويتطور بسرعة، قبل أيام اقتحموا مقر الجريدة(4) انهار كثير من الرفاق في التحقيقات، زوجي يشعر أنه مراقب بشكل حثيث. سيعتقلوه الآن أو غدا. أحاول أن أهدئ من روعك، تنحنين على يدي وتبكين. فتشوا البيت تقولين: الأمن يبحث عنّي الآن. البيت مليء بأوراق الحزب؟ أنا تائهة لا أستطيع التصرّف، ربما انهارت منظمتنا ولا أعرف مصير الأطفال، من سيعود بهم من المدرسة؟ أنظر في وجهك وأقول: ألم أقل لك سابقًا اتركي هذا الحزب؟ وتعترضين بقوة. تناوليني عناوين لأماكن تواجد زوجك المحتملة. أبحث عنه في كل مكان، جده بسرعة، قل له إن البيت مراقب. لا تدعه يقترب منه أرجوك. أنظر بتيهان إلى النافذة الصغيرة في الغرفة والمظللة بخرقة بائسة، ربّة البيت تقف مكتوفة الأيدي عند

الباب لكنّي ألمح قلقها.. الحزب يُطارَد هل تعرف هذا؟ تقولين بتشنُّج: أحاول أن أقول لك إنّكم تقامرون، بينكم خونة. قلت لك لا تتبعي زوجك طلِّقيه. تنظرين في عينيّ مباشرة. لا تتحدث عمّا قلته لي سابقا، أنقذ الأطفال الآن، دبِّر لهم مكانًا ثم ابحث عن زوجي، آه نسيت خذ السيارة إلى عليّ شقيق زوجي، من الخطر أن تبقى هنا. أسأل: أنا أم السيارة؟ تجيب: السيارة طبعًا.

***

Page 8

أخرج من البيت الذي تختبئين فيه وأضيع في طرقات العالم. أفكر فيك مثل نبيّ وأحسّ بغُصّة قوية تصعد إلى الزردوم، كم مرة قلت لك؟ اتركي الحزب الشيوعي واتركي زوجك، عليهم اللعنة. أتذكّر كل أحاديثي معك، أفكر بالنقاشات التي جرت بيننا، العصبيّة، الاندساس عميقًا في الأرض وكأنّما أحاول الهرب من القسوة، من الألم الذي يحلَّق كما النسور في حياتي. قلت لك أيضا، إنهم سرّاق وأبناء كلب، كل الذين يأتون، يجيئون برغبة الاستعلاء المرير، ما كانوا يحبّون الشعب. ألا تتذكرين كلام سليمة حزقيل عنهم؟ . كانوا عبارة عن ممسوسين وطلاب سلطة. أتذكّر الآن كيف كنت، ولم أزل، بالنسبة لك , شيئًا على الهامش، لقية غير فريدة تركتها للنسيان. لم أشعر يومًا أنّي ابنك. كنت مشغولة كل الوقت بالتباسات زوجك، بالتباسات أطفالك والحزب. كل وقتك لهم. كنت أشعر بهامشيتي المريرة في حياتك ويتصاعد إلى ذهني أنّي من الماضي. الغيرة دمّرتني. الالتباس بمعرفة الضياع والغرق فيه كان سمةً أزليّة في روحي، حتى إنّي كنت أشعر بكينونتي مخلوقة من العدم ولست إلا إلهاً جديداً في هذا العالم. لكن رغبة الانتقام كانت تتجذّر فيَّ عميقا، تنغرز كما السّكين في ظهري وحلقي وأشعر برغبة قويذة لابتزاز الجسد وشنقه.

فكّرت مرات كثيرة تحت طائلة الهجر بأن أترك العالم. الشعور بالانتهاك الذي يحيطني يمكنني من التفكير في مخارج لأيام الزمن، الزمن الوحيد الذي يجعلني أفكر في الضياع والهروب نحو الانتقام، كهاجس، كوجع، كانتحار، كاستيحاش.

في عبور الأزمنة وأنت تختبئين الآن أتذكّر صباحاتي الميتة من دونك، يا الله! صباحاتي التي كنت أستيقظ فيها وأنا أشعر بالاختناق. شعور مرير بأن تحسّ صدرك يكاد ينفجر وما من وسيلة لتفريغ شَحنات العاطفة التي تلبسك. تتمتعين أنت بأطفالك وزوجك الجديد وحزبك، فيما أنا أجرُّ موكب العزاء على روحي. في كل مساء، في كل هجير، في كل أرض بها سوسنة الجبال، في كل عاقول الصحارى، في كل ليلة عندما يمسدني الله بأصابعه الزبرجديّة وأشمّ رائحة المرّ واللبان. كنت أبكي أمامه، أبكي توحّدي الغريب وأنا في هجرات العالم الذي تركني وحدي، كنت أنتظر يوم الخميس في كل مراحل حياتي. يوم الخميس الذي تأتين فيه أو لا تأتين لرؤيتي وأنا عند جدّتي. فأغرق أمامك أو في أحلامي في سهوب رائعة من حبك. كنت أقبّل حذاءك وأصابعك وعقصة الشعر الأحمر وعطر الكلامور المختبئ خلف شحمة أذنك، كنت أشعر أنك كرهتني مثل عيسو يا أمي. مثلما كره الله النكرات في هذا العالم، مثل سفينة آيلة إلى الخراب، مثل مدينة عاهرة استحقت غضب ربّ الجنود.

كنت أستيقظ كل صباح وأروي لنفسي أحلامي. تتكرّر في مناماتي قصص الوحوش تتكرّر في أحلامي هجراتك العظيمة وأنت مثل طائر أنكر أطفاله. لا أعرف على وجه التحديد لِمَ تعاودني بشدّة هذه الرزايا الآن. هذه التذكارات وكأنّ بي أمام حدث كبير يتكوّن، إنّه الهروب، هروبك. أعيش في هذه اللحظة، وفيما أفكر فيك، بان العالم الذي كونته من ضياعاتك، من النزر القليل منك، يكاد يفرّ مني. لا يمكنني نكران التشفّي بما آل إليه مصير حزبك. لكن في الوقت ذاته أشعر أن العالم البسيط الذي يتكوّن من رؤيتك لبعض الوقت، يهرب منّي الآن. إنّه يتسرّب من بين أصابعي كرملٍ، أوراق أشجار ذابلة تنتهكها العاصفة.. أقف الآن مثل عضاءة وسط هذا العالم. الريح قويّة، مهدّدة، وأنا مشنوق بحبل نكرانك لي، كنت أتذكر، بنوع مدّنس بالشيزوفرينيا، أنّي عالة على هذا العالم، أتذكّر يوم غادرتِ منزلنا وتركتني وعندما سألت جدتي عنك قالت: ذهبت تتزوج، يا للخبال! أمي!، مذاك أعلن الله عليّ الحرب. أعلنت أن أنصاف النهار تساوي أرباع الليل وأنّ الموت أكثر من الحقيقة ولم أفهم وقتها ما الذي يعنيه زواجك. إلا أنّي أدركت بعد ذلك أنك ستنامين مع رجل غيري. تركتني أنتهب فراشي مع شراشف مبللة بكل دموع العالم. تركتني أغرق سريري كل يوم بسقف عدم كفاية حبّك أو شهوة طفولتي، أو أنتظر موعد زيارتك في وسخ انتظاراتي الأبديّة وأنا في كوخي الهمجيّ بانتظار عطاءاتك. وعندما تزوّجتِ وصنعت أطفالًا، هجرتني يا أمّي. صارت زياراتك متقطّعة، متباعدة.

كم كان مؤلمًا، سحيقًا ونائيا، متتاليًا ومتباعدًا، أن أنتظرك أيّتها الضائعة في دروب وطرقات بلا نهاية برغم ابتعادك وكره زوجك لي وهروبك إلى عالمه، كنت أقول لك أرجوك يا أمّي اتركي هذا الحزب، اتركي كل عوالم زوجك الذي غزل حولك ملايين الخيوط. كنت لا تقدرين، بدافع الزوجيّة، إلا أن تدافعي عنه. كنت تقولين إنّك تريدني أن أترك الحزب الشيوعيّ ليس لأنّه حزب بائس مثلما تقول ولكن لأنّك تكره زوجي الشيوعيّ، تكره أطفالي. هل هذا ممكن؟ أقول: لا لا أكره الأطفال ولا زوجك وتعرفين أنّي أكذب وكنت أكذب فعلًا، كنت أريد أن أقتل زوجك، أن أُميته. حلمت مرارًا بأنّي أمسك سكينًا وأطعنه. أعشق أن أقتله وأن أرى الدماء على وجهي وأصابعي ثم ألحس السكين، أشرب الدم وأعوي مثل ذئب جريح. لكن لا يا أمي ليس بسبب هذا فقط. إنما الإشاعات، الإشاعات دمرتني وهي تقول إن الشيوعيّات يمنحن جسدهنّ للكسب الحزبيّ. كنت أتألم جدّا وبصمت أموت كل لحظة وأجلس في فراشي تائهًا. كنت أشعر بالعار، بالدونيّة، باليأس بسبب زوجك الذي جعلك شيوعيّة مرة أخرى بعد أن تركت الحزب سابقًا. كنت أشاهدك في الحفلات التي يقيمها زوجك في البيت. حفلات سكر وعربدة وأصدقاء شيوعيّين ورقص وابتذال، والشيوعيّات في أحضان من يريدون كسبهم للحزب. وكنت أرتعش عندما تمرّ في ذهني صور معربدة عنك. لا، لا أستطيع تخيل هذا الأمر.

كنت أقول لك لِمَ هذه الحفلات؟ اتركيها وكنت تقولين: لا أقدر، لا أقدر بسبب زوجي، إنه يحب هذه الحفلات ويستعملها كوسيلة للكسب الحزبيّ. لقد شعرت من زمن سحيق باليأس منك، وكنت أشعر أن زوجك الخنزير لا يحميك، لا تهمّينه في شيء. كنت أشعر صادقًا أنّه تزوّجك لأنّ لديك وظيفةً جيّدةً وسيّارة ومنزل، وهو إنسان مملوص خارج من زرف الحائط. كنت أحسّ أنّه سيدفعك إلى الهاوية. كنت أقول لك اتركيه وكنت ترفضين، وترفضينني أنا بذاتي. وفي يوم همجيّ مثل وجهه صرخت به: أكرهك، أكرهك، اخرج من البيت الآن، اخرج. وأردت بنوبة الهستريا وانحطاطي وهجوم نوبة الجنون قتله. كان ينظر لي ولك بعين شيطانيّة، صامتًا، قاتمًا، مدنّسًا. ولم أعرف أنه سينتقم منك بعدئذٍ. سينتقم بأن يجعلك تنقلين سند ملكية البيت لاسمه تحت ضغط التهديد أنّه سيتركك إن لم تفعلي هذا، كان يُذلّك. قال لك إن لم تنقلي ملكيّة البيت لاسمه سيتركك، يطلقك.

وكان صعبًا عليك. صعبًا أن يطلق رجل امرأة في العراق. في ثقافتنا العربيّة تصبحين محاطة بذكورة الرجال الهمجيّة وأَلسُن النساء وعهرهنّ ونميمتهُنّ. ستصبحين ضحيةً محطّمة. ولذلك قبلت وغيرتِ ملكيّة البيت لاسمه. وكان شيطانًا خبيثًا وكنت أنت صامتة، هلعة للصّدمة، صدمة ثورتي عليه وتوهّجي وانفعالي وهستيريتي وتهجّمي عليه وتهديدي له بسكين المطبخ، كنت صغيرًا، أجل، كنت صغيرًا جدًّا لكنّي مملوء حبًّا لك، مملوء بالرجولة، مملوء من الروح القدس، وأهجس بإلهام أنّه سيبعث بك هو وحزبه وعهره إلى الجحيم، إلى الجحيم يا أمي، بعد أن جربتِ وامتحنتِ همجيّة حزبهم الشيوعيّ ودكتاتوريّة البروليتاريا إثر المجازر التي ارتكبوها بحقّ الشعب في الموصل وكركوك والنّجف وبغداد والكاظميّة والبصرة عام 1959، عندما سُحل الأبرياء، عندما قُتل الأطفال، عندما هُتكت أعراض النساء، عندما مُثل بالجثث، عندما بُقرت بطون الحوامل، عندما شنقوا الرجال على أعمدة الكهرباء وهم يصرخون (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة) ويستدعون قصَّابين للتمثيل بالجثث ونثر اللّحم على جماهيرهم. وجماهيرهم تصرخ وتريد المزيد والمزيد والمزيد. ربّاه!! وهناك سليمة حزقيل صديقتك التي روت لك قصّتها - أقبل أن تكفر بالعراق وتهاجر إلى إسرائيل وبعد أن عُضت يدها وبعد أن طاردها الرفاق القادة من أجل مضاجعتها. وبعد مؤامراتهم عليها وإخبار الشرطة السريّة بأماكن تواجدها ودورها في تنظيم المظاهرات ضدّ الحكم الملكيّ. سرّب الرفاق للشرطة السريّة بأنّها على علاقة مع المخابرات السوفياتيّة ليُحكم عليها بالإعدام شنقًا مثل أيّ خائنٍ.

عندما أتذكّر تلك الحكايا والمؤامرات، أرتعش، أتوهّج، أشعر بخساستهم وبأنك تمشين في دربهم المليء بالقذارة والحيوانيّة والمثليّة الجنسيّة وهتك أعراض الرفيقات بالقوة والتهديد. كانوا مافيا بكلّ معنى الكلمة بل أسوأ من المافيا عندها قوانين وأصول تعامل. أمّا هم فلا، إذ يبعثون برفاقهم ومؤيّديهم وأصدقائهم إلى الموت من أجل شهواتهم وشذوذهم.

***

Page 9

من الصومعة التي أنام فيها كل أيامي الحبلى بالبرد ومدفأة - علاء الدين - القديمة في غرفة مصنوعة من التنك، من رائحة النفط الأبيض و(صخام) الطباخ النفطيّ في حياتي، من صباحات مزوقة بثآليل برد ليلة ماطرة وجَدّة بائسة تجمع المطر بأوان من الفافون، بالجرذان التي تهبّ مع أعاصير الشتاء الهمجيّ وأنا فوق حشيّة قديمة مفعّمة برائحة بولي عندما تهاجمني الكوابيس، لأنّي بلا أم تضعني تحت إبطها، أشتهيك وأفكّر أنّني أعيش هنا بين القاذورات وزوجك يستنزف كلّ راتبك ويسافر كلّ صيف إلى بلغاريا ورومانيا وعندما تطلب جدّتي منك، أمامي، مبلغًا من المال لشراء حقيبة مدرسيّة لي أو فتيلة للمدفأة تنهريننا وتقولين أين تذهبون بالمال الذي تعطيكم إيّاه الحكومة كراتب تقاعد لوالدي؟ وكان التقاعد - المعاش - هزيلًا جدًّا وبائسًا، وعندما أسمعك تنهرين جَدّتي أبكي في وحدة مخيفة في ظلمة هذا الكون متذكّرًا ملابس وأحذية زوجك الإيطاليّة وحفلاته العارمة وصناديق البيرة والعرق وصناديق شراب السنزانو التي يشتريها من راتبك وأنت صاغرة كنت طفلًا لم يبلغ الثامنة تهزّه عصافير هاربة من المكان، كنت اقرأ على ضوء فانوس في غرفة التنك وفي الصباح حينما أذهب إلى المدرسة تكون ملابسي كلها مملوءة برائحة الكيروسين.

تعتريني الدهشة وأنا إزاء الباب المفتوح على العالم حيث أقف متواريًا ومرميًّا بالنبال. أول ما أفعله بعد الخروج من البيت الذي تختبئين فيه أمي، التخلّص من سيارتها الموسكوفيج المركونة قرب الدّار. أركبها وأنا أشعر بزوايا وجع متقلّص يعتصر وجهي وفمي، أقود السيارة بصعوبة وأتوجّه إلى بيت عليّ شقيق زوج أمي. أصل حي العامل حيث يسكن وأجده جالسًا عند عتبة الباب وخلف كرسيّه بُطل عرق موضوع في كيس ورقي أسمر أطلب منه الاحتفاظ بالسيارة لبعض الوقت وأتّجه من هناك إلى مدرسة أطفال أمّي حيث أجدهم يبكون خارج سور المدرسة بعد أن انتهى الدوام ولا أحد ينتظرهم. كنت أشعر أنّي أرنب في حقل كبير جدًّا وبانتظار العاصفة. أتوقّف أمامهم وأنا أشعر بضياع فيزيقيّ، ضياع ملون بالخراب واللا معنى والدهشة والحيرة. أقودهم مثل حيوان هَرِم وأذهب بهم إلى بيت جدهم حيث يقف هذا إزائي مثل معتوه ويسحب الأطفال من يدي ويدينني بنظرة الاحتقار والبَلَه. أبصق عليه في سريّ وأقول اللعنة عليك أيّها العاهر ولا أحصل منه على شكر. أتركه وأذهب إلى الجحيم، في جوّ بغداد الذي يضيعني في متاهاته وألغازه. وجوه الخوف تتوالى عليَّ مثلما توالي الشياطين على ….. مع الخوف والابتذال. بعد ساعات طويلة مشفوعة بإنهاك دينوسيّ أعود إلى البيت، أندسّ في الفراش مثل خبل وأغرق في كوابيس متواصلة.

في صباح اليوم التالي أنهض منهكا وحالة اختناق تأسرني وعيني مملوءة بمخاط الشيطان، من دون أن أتناول فطوري المكوّن من الخبز والشاي أحاول الهرب إلى عالم متكامل من الصراخ والارتكاض واللعنات. جو مذاقه خرائي وكل شيء في ذهني يعوى. عند سكة القطار التي تقسّم حيّ اليرموك، ألتقي وجهًا لوجه أمام الجامع، بشيء أبلهَ طويلٍ له شفتان متهدّلتان والتفال يسيل من فمه دائما مع حدبة ظهري ولحية منثورة إلى كل الاتجاهات أضف إلى هذا أنّه متزوج بثلاث نساء وكلهن يمارسن العادة السريّة ووجوههن مملوءة بالندب المتقيّحة، قبل أن ألتفت يمسكني هذا الشيء من زندي بقوة شيطانيّة ويقول لي: لم لا تحضر صلاة الجمعة؟ وأقول له: أعتذر مولاي. لكنّه لا يمنحني مساحة للتفكير ويقول: صلِّ قبل أن يُصلّى عليك. أتخلّص منه وأركض إلى موقف الباص، اللا معنى يطاردني. أشاهد في المحطّة معلم التربية الرياضيّة - البعثيّ - بسيقانه اللقلقيّة وعلكة أبو السهم في فمه و- كَروته - عندما يشاهدني ينجذب نحوي ويحاول التحدُّث بأدب جمّ، ثم يتحوّل كل شيء إلى فوضى وبُصاق متطاير وحك للخصيّة ويقول: إنّه صبرَ طويلًا من أجل كسبي لحزب البعث. أتذلّل أمامه أقف مثل كلب مبلّل على قائمتيه. يقول أيضًا: إنّه مبتئِس منّي ويسألني لماذا لا أكتب تقريرًا للحزب أطلب فيه الانتماء؟ هل أنت معادٍ للحزب والثورة؟ لا... لا أستغفر الله أقول. " يجب ألا تنسى فضل الحزب عليك وعلى الذين خلّفوك يا ساقط، يا عارٍ، يا خنيوة "، يقول. ثم يضيف: "الحزب هو الذي أمّم النفط وهو الذي أوصل الكهرباء إلى الريف وهو الذي صنع مجانيّة التعليم وهو الذي قاد ثورة محو الأميّة" وبتأتأة أجيب: "نعم... نعم، أعرف، أعرف". ويناولني ورقة بغضب ويقول:"وقع هنا... هنا... أراوغ مثل ذبابة، مثل ضبع،، مثل بقّة وعندما يهطل المطر أكون قد ذبت في العاصفة.

Page 10

الفصل الثاني

اليوم هو يوم جحيميّ آخر، يوم يُضاف إلى السلسلة الطويلة المتفجّرة من النوم تحت سماء منفلتة على جوع وحشي، جوع غريزيّ وأنا في الطبقة العليا من السماء والأرض والميكانيزمات التي تجعلني أعيش وهي ذاتها التي تجعلني أموت، أموت في كتب التاريخ والخفافيش والشياطين والأبالسة والمهووسين وغزوات عاهرة وإماتة شعوب وسبايا وفراديس خاصة من أسلافنا. دعني أُقبّل طيزك أيها الإنكليزي وأنت ترفع راية التنوير في عالم تعس للغاية. ياعزيزي ميري، صديقي وأنت تسافر في هذا العالم تحمل حلمك الفلسفيّ لكن العالم لا يفهمك، يقذفك كما حجر في المستنقعات الضوئيّة العالم ينام على أصوات الدعاء العاهر وعالم ينوء بالرزايا والموت الأخضر والبعث ورجالات السلطة والعقول المصنوعة من أحشاء العاهرات في زمن الخيبة الكبرى كل شيء ضائع وأنا أتبرعم مثل زهرة الموت على قبر اصطناعيّ بلا جثّة ضائع، وأنا أكرع من قنينة العرق الوحيدة في هذا العالم وأتبوّل بولًا ساخنًا رطبًا وفيما أنا منشغل بلذّة الوجع القصديريّ القاتم والمنايا والسحر الأسود ورائحة المغافير والنحر والعاهرات والجيش الشعبيّ والرفاق أعضاء الفرق الحزبيّة والمسترجلات من نساء الاتحاد العام لنساء العراق، أنوس في تطفيل نفسي وأبول في بنطلوني الوحيد النظيف. "إذا خربت حياتك هنا فإنها خربت في كل العالم". من الذي تفوّه بهذه العبارة الملعونة ونحن نزحف كما الموتى في القبور البلاستيكيّة نحو الآجال المتفسخة والثعبان الأقرع ومنكر ونكير وتقارير الرفاق عن أعداء ثورة ١٧ - ٣٠ تموز المجيدة.

هل سمع الرفاق في القيادة القطريّة وقيادات الشُعب والفرق والأعضاء والأنصار والأنصار المتقدمين والمؤيّدين بعبارة - خربت حياتك هل؟ بهاء أخّاذ يا ميري. من شفق لزج يلوِّث الوجوه والأنوف والأرجل، سائل مخاطيّ يشبه الحنّاء يحيطنا من الجوانب والأعالي والأسافل ولا سماء. لا سماء بعد العاشرة ليلًا ولا في الصباحات ولا أنت تستمع إلى فيروز ووليد الأعظمي بكآبة وهو يقرأ لك ماتيّسر من سورة يوسف في باص ريم ينقلك إلى النهضة ولا تأكل التكة والفشافيش عند حسين الأعور. تسير في شارع الرشيد وحيدًا مع بُطل – قنينة- عرق، بُطل من أجل كل البائسين في الأحزاب العربيّة. البهاء الأقذر، البهاء الطريد من بيئة عربية قذرة وعراق شامخ يصطرع على الفتات وميكانيزميّات القهر والدونيّة.

رجال الأمن في كل مكان، أتشممهم، أنفي يشم عذرتهم، وأبحث عنهم ويبحثون عني. أشبه بديدان الغائط وهي تتّجه إلى المداخل والمخارج بسرعات ميكانيكيّة مجنونة. أضحك، أضحك أيّها الأبالسة والملاعين والسوقة. موقن من دونيتكم وأنتم تتجسّسُون عليّ. إنّهم في كلّ مكان من بغداد، في الجوامع والبارات وكراجات السيارات والعلاوي والنهضة وخلف السّدة ونادي الصيد وفي الذرات والهواء وتقاسيم الكوارك والمذيبات الذريّة. تجدهم يستجدون، تلقاهم يتسوّلون. جواسيس من كل الأنواع ومن كل الجنسيّات، لا تستطيع أن ترمي لشحاذّ قطعة نقديّة من دون أن يحدجك، هذا الشحاذ - الشرطيّ - بنظرة الضبع. إنّك تنفتق في الهواء وفي بارات هارون الرشيد والقصور الخياليّة والولدان، آه الولدان، يندسون تحت اللحفان والدفء وارتعاش الخصيّة وتعرق الظهر والاست والتفال والبصاق وسهولة الإيلاج من عدمه. إنّهم يستسهلون إيلاجنا، أولاد القحبة.. وينتهي كل شيء بسلام. الوطن مملوء، يفيض بهم، وهم مثل دود صينيّ، يغزو الأشجار والريح والعاصفة والقلنطوزات والسرو والغَرب والياس والشبو ليلي والدفلة وبكاء النساء الحزينات عند مقام خضر الياس في الجهة الأكثر اعتوارا ووجعا في حياتنا النيوترونية الملغزة بالفلزات وقوانين الفيزياء الحديثة والتوسلات بالأئمة الأطهار وفخاتي الكاظم والهديل السري والطاقة الذرية والشموع والخرق الخضراء والمشاعل والنذور والحناء والخراف التي يلتهمها رجال الدين والكشونجية والدهن يهرب من الأفواه المبجلة برحمة هذه الأمة وعنوان سطوتها الجبارة في الموت طعنا بالدرنفيسات(5) والمحابس في الأصابع المترفة وأحجار جلب الحبيب والصوندات والكيبلات والتقعيد على البُطل والشعبة الخامسة في الاستخبارات العسكرية. طرقات الوطن تتقيأ رجال الجيش الشعبي وقوات الطوارئ في الهواء والعاصفة والموت وجو غريب يلف السماء المطهرة من الدَّنس - نحن - حتى عندما تذهب إلى حافات الانهيار المكتسحة للصلاة (بوصوصة) الدجاج والفحيح الأعمى للنجوم الغارقة في الوحل والغطس أمام القصر الجمهوريّ في الباب الشرقي وشارع أبو نُؤاس والشقق السريّة للمخابرات وأفلام الدعارة، بين الغيوم المتلجلجة بالصلوات العجوز والبق البري ولعبة اللكَو والدجاج المشويّ والديوك المشبوبة بالرغبات الجنسيّة. تتسلّق سياجات البساتين، بساتين قريش، بساتين خير الله طلفاح ويلقون عليك القبض في الوقت الذي أعلن تلفزيون العراق الرفيق القائد، الوريث الوحيد والشرعيّ للسلالة المحمديّة وكأنّ لا شرعيّة لأيّ حاكم من دون نسب محمديّ وكأنّ العراق هو بستان قريش. أمّا نحن العهرة والقوادين والمدلكجيّة والمجبرجيّة والدودكيّة والفلاسفة والنزّاحين وباعة راديوات الترانسستور والمبردات والعتالين والشعراء والكتاب وسواق التاكسيّات وأصحاب البارات والملاهي، مجرد نفايات وعامة وغوغاء.

في صخب المدن الفافونيّة والقرقعة لوجوهنا والتدافع على بضائع الأسواق المركزية بحيوانيّة غريبة، أتذكّرك يا أمي. أتذكّرك مثل ماكنة تنزف سائلا أرجوانيًّا ليس دمًا ولا صبغة الهيموكلوبين، إنّما ملائكة مطعونة في است تكوينها الميتوبلازميّ. أتخيّلك مثل كائن يطير بملايين الأجنحة الناريّة الإخنوخيّة ويهبط إلى العالم. وفي لحظة وهَن الحقيقة، أكتشف الخراب الكبير أو الخواء واللّذة الناقصة والخصوة المتيبسة وسرطانات الغدد اللمفاويّة والبواسير والقولنج وأبو خريان. وأنت تسير في شارع الرشيد وتشرب العرق بالقندرة وتأكل كبّة الكبّة ولفات الباذنجان والبورك وتتمسح بأحذية زبلوق وتنام مع قنادر التمساح وتتقيأ على سطح فندق العهد الجديد منكلا بالصداعات والإحساس بالاحتشاد وضرورة الصرخة على المجهول. أستفيق من أحلامي الشريطيّة والتهابات الأمعاء وابتلاع كميّات هائلة من الفاليوم وشم البنزين وسيارات أم الدخان والأتربة والشوارع غير المبلطة وتراكض الناس للفرقة الحزبيّة للاحتفال بمكرمة التزفيت. وأجدني جالسًا إلى قذارة وقربي طفل صغير يتبوّل في خرابة بستان قريش ورائحة الحموضة تتتضخم كما صور الرئيس. بطل عرق واحد أيها السادة والرفاق، وسوف أترك بستان قريش لكم، إلى النهاية. عالم التقارير السريّة واستمارات الانتماء والاجتماعات الحزبيّة ومسؤول يضع بندقيته أمامك وخفارات في الفرقة الحزبيّة وكلّهم يعرفون أنك ابن - قحبة - شيوعي. ولا يتركونك، لا يتركونك في هذا العالم تشرب وتمضغ جرعة العرق الشافية والملهمة. لا يدعونك تلتهم أحلامك وكوابيسك ونبض قلبك اليائس، وكل يوم كابوس جديد، موت جديد، نستالوجيا ورعب الأمكنة ومطاردات سريّة واقتحام بيوت وعيون وأفواه ومزاغل لحروب سريّة. وبعد ضرب الشيوعيّين جاء دور حزب الدعوة. دوريات شرطة في كل مكان، دوريات للأمن السريّ والجيش الشعبي في الهواء، في العاصفة، في الأتربة، في صحراء توحّدنا، في التاريخ، في علم العروض والمدن والمفعول والمفعول به، وفي أنسابنا القبليّة القذرة. رجال الجيش الشعبيّ والرفاق الحزبيّين وتوسُّلات حتّى لا تُساق إلى التدريبات وتدعي وجود دملة في طيزك ويرسلونك إلى المستشفى وتخجل أن تنزع بنطلونك ويُعرونك بصرخات هستيريّة وأوامر عسكريّة أمام الممرضة والدكتور وطلاب كلية الطب العسكريّ، والكل يبعبص استك يا لهذا الاست!، يا لهذه الاست لوجيا!!

***