eKtab
EN ع
إستراتيجية الاحتواء الأمريكي وآثارها على الدول الإسلامية
Read free sample

إستراتيجية الاحتواء الأمريكي وآثارها على الدول الإسلامية

by عبد المحمود النور محمود

Page 1

تقديم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً عبده ورسوله وصلوات الله وسلامه عليه وعلى اله وصحبه أجمعين.
يتناول هذا الكتاب موضوع غاية في الأهمية ألا وهو موضوع إستراتيجية الاحتواء الأمريكي وآثاره على الدول الإسلامية ويخص بالذكر ( إيران ومصر والسودان ) حيث تسعى كل دولة في عالم اليوم أن تصنع سياستها بالشكل الذي يحقق مصالحها الوطنية وذلك في ضوء ما يتنازع اليوم من اتجاهات نحو التكتلات الإقليمية.
لقد تطرق العديد من الكُتّاب إلى موضوع الاحتواء الأمريكي للدول النامية عامة دون تناول الأبعاد الأمنية له. أما كتابنا هذا فقد تطرق إلى دراسة هذا الاحتواء على العالم الإسلامي مبيناً الدوافع الأمريكية وراء ذلك والأهداف التي تجعلها تعمل على حماية مصالحها في المنطقة وأهمها احتواء المد الإسلامي هذا لأن الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى المد الإسلامي على أنه خطر يهدد سيادتها تحت ما أسمته الإرهاب، والكتاب قد عالج مسألة الاحتواء من جميع جوانبها على أساس أنه إستراتيجية تهدف لتحقيق أقصى أمن للولايات المتحدة وحلفاءها.
ومن خلال هذا الكتاب حاول المؤلف وبكل شفافية وموضوعية أن يبين مدى تطور الأساليب والأدوات التي اتخذتها السياسية الأمريكية من اجل تنفيذ غاياتها.
ويبدو أن المؤلف قد تأثر كثيراً بما يدور في ساحة المنطقة الإسلامية مما جعله يبذل جهده لإيصال المعلومة وكشف الحقائق بطريقة سهلة ليتسنى له إيصالها إلى كافة فئات المجتمع وقد عمل على دراسة عينة من البلدان الإسلامية في المنطقة وهي إيران والسودان ومصر ويبدو أن دراسته ومجال تخصصه لقضايا المنطقة عن كثب قد ساعده كثيراَ على طرح مثل هذه القضية الساخنة والتي لا بد لنا نحن كباحثين ومهتمين من مواصلة العمل على دراسة هذه الإستراتيجية لأنها في تطور مستمر وذلك من أجل مساعدة العالم الإسلامي على معالجة المشكلات وتفعيل الأجهزة الرسمية للحيلولة دون تنفيذ الولايات المتحدة لاستراتيجياتها.
وفي هذا الكتاب يمكننا أيضاً أن نلاحظ مدى تفاؤل المؤلف وأمله في الوصول إلى مستقبل مشرق من خلال تنسيق الجهود التي يمكن أن تصبح قوة قادرة على لعب أدوار جديدة وربما قلب الأدوار هذا مع الأخذ بعين الاعتبار الصراع والتنافس اللا متناهي بين الطرفين.
وناقش المؤلف في هذا الكتاب أربعة فصول مهمة ملخصها مفهوم الإستراتيجية والأمن وبينّ مفهومها وأهداف تنفيذها ومرتكزات ومنطلقات هذه الإستراتيجية.
وبينّ أيضاً الأهمية الدينية والجيوسياسية في العالم الإسلام وقضايا ومشكلات ورد الفعل الأمريكي تجاه حركات الإحياء الإسلامي. ولم يفته نقطة مهمة وهي التطرق إلى مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ومن أهمها النفط وذكر عدة نماذج لهذا الاحتواء في إحدى فصول الكتاب مثل إيران وأهميتها الجيوسياسية والإستراتيجية والآثار الأمنية للثورة الإسلامية الإيرانية أيضاً مصر والسودان والآثار الأمنية للتوجه الإسلامي لكل منهما.
وختم المؤلف في آخر فصل من الكتاب بموضوع استشراف مستقبل العالم الإسلامي وتحديد أسس بناء وتنظيم الوحدة الإسلامية للخروج بأدوار وتطلعات إسلامية موحدة من خلال تقنين الدور الرسمي عبر منظمة المؤتمر الإسلامي والدور الشعبي بالتركيز على تجربة المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي.
د.أمل عميص
Page 2

الفصل الأول

مفهوم الاستراتيجية والأمن

إن تناول مفاهيم الاستراتيجية والأمن، ضروري لفهم الأبعاد، والخلفيات الدينية والثقافية والفكرية والسياسية، التي تنطلق منها استراتيجية الاحتواء الأمني الأمريكي، كما أن الإلمام بطبيعة النظام، والقوة الاقتصادية، والعسكرية الأمريكية، يساعد في تفسير هذه الاستراتيجية ومرتكزاتها، وتطوراتها، والقرارات التي تخدم مبادئ وأهداف سياستها الخارجية تجاه العالم. وكذلك يشكل خلفية ثقافية مهمة لفهم مراميها تجاه العالم عموماً، والعالم الإسلامي على وجه الخصوص.
المبحث الأول: استراتيجية الاحتواء الأمني الأمريكي
مفاهيم الاستراتيجية والأمن:

أ‌- مفهوم الاستراتيجية:

أشار رواد نظرية اللعبة إلى محورية مفهوم الاستراتيجية في صناعة القرار السياسي، وهناك من يرى أن مفهوم القوة هو الإطار المرجعي للدراسات الإستراتيجية طالما أنها تُعني بدراسة أبعاد الصراع بين الدول من أجل القوة، ويأخذ مفهوم القوة هنا أبعاداً متعددة: عسكرية، واقتصادية، وجيوسياسية.
والدراسات الاستراتيجية تبلور استغلالها موضوعياً ومنهجياً، عن الإطار النظري الذي نشأت فيه، وأصبحت مدخلاً علمياً مستقلاً لفهم العلاقات الدولية وتحليلها، وبالتالي تتعدد المعاني التي يحملها مفهوم الإستراتيجية.
فالاستراتيجية ((strategy من استراتيجيوس (Strategos) وهي كلمة يونانية، تعني علم وفن وضع الخطط الحربية والعسكرية، وتعني كذلك قائد الجيش. كما تعني "فن قيادة الجيوش" حسبما عرّفتها الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية، كما تعني وضع الإطار العام للحركة، والتخطيط لها. ويعرّف "كلوز فتر" الإستراتيجية بأنها: (فن حشد القوى الخاصة، وتنظيم المعارك الخاصة وتهيئتها)، وهي أيضاً: (العمل المستمر الذي يمارسه معسكران، كلٌ إزاء الآخر) .
ويقول هنري باريس: (وفيما عدا "قيادة الجيوش" و"فن إدارة الحرب" تؤخذ كلمة "الإستراتيجية" غالباً مرادفة لكلمة "السياسة" دون أن يُعطى لها معنى أكثر تحديداً).
وعرّفتها الموسوعة السياسية بأنها: (علم وفن وضع الخطط العامة المدروسة بعناية والمصممة بشكل متلاحق ومتفاعل ومنسق، لاستخدام الموراد، ومختلف أشكال الثروة والقوة، لتحقيق الأهداف الكبرى). وذهبت الموسوعة إلى أن المنظرين العسكريين الرئيسيين مثل "ليدل هارت" و"أندريه بوفر" و"ماوتسي تونغ" و"وسوكو لوفيسكي" قدموا تعريفاتهم المختلفة، والتي يجمع بينها الاتفاق على أنها: علم وفن إعداد الخطط والوسائل التي تعالج الوضع الكلي للصراع الذي تستخدم فيه القوة بشكل مباشر، وغير مباشر، من أجل تحقيق هدف السياسة، الذي يتعذر تنفيذه بوسائل أخرى.
ومن الأهمية بمكان ملاحظة تطور استخدام المصطلح في الأزمنة الحديثة، والاتجاه للمعني الأشمل المتجاوز للمعنى العسكري، ليصبح: مجموع الخطط والتعليمات المعدة لمواجهة كل الاحتمالات، وذلك على جميع الأصعدة، لا على الصعيد العسكري وحسب، ومن خلال التركيز على التخطيط والتتابع، لا مجرد الإدارة العامة للصراع.
وهو ما ذهب إليه أحمد عطية أيضاً في القاموس السياسي مضيفاً أن :(الاستراتيجية لا تقتصر على كسب معارك في ميدانها، بل تشمل الخطة العامة لكسب الحرب، فتعمل على كل ما من شأنه القضاء على الروح المعنوية للعدو، وزلزلة اقتصادياته).
وكذلك عرّفها قاموس المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بأنها :( فن توجيه كل الوسائل التي تملكها دولة من الدول، من أجل انتصار سياستها العامة في وجه منافسيها أو أعدائها).
Page 3
أما الفكر الأمريكي وهو الجانب الذي يهمنا في هذه الدراسة، فقدم تعريفاً للاستراتيجية على أنها: (فن وعلم استخدام القوات المسلحة للدولة، بغرض تحقيق أهداف السياسة القومية، عن طريق القوة، أو التهديد باستخدامها).
وقد أشار كيث. أ. دون، ووليم، أن المصطلحات التي سماها (مسيئة) فى المعجم العسكرى الامريكى قليلة، ومنها كلمة استراتيجية "واستراتيجي" لذلك اعتبرا من الضرورى أن يُعرف استخدام المصطلحات، كأساس لتفسير وجهات النظر الاوربية والأمريكية، للاستراتيجية، واعتبرا أن الفرق الاساس، يتلخص في الاستراتيجية الوطنية فى وقت السلم، وهى الطريقة التى تُضّمن فيها عناصر مختلفة للاستراتيجية القومية، ولكنها ليست مقصورة على سياسة الدفاع، فهى تُستخدم للتوحيد ولمتابعة الاهداف الوطنية. أما الاستراتيجية العسكرية لوقت الحروب، فهى الطريقة التى تتضمن الخطط القومية لاستخدام القوة العسكرية، أو التوظيف الفعلى لها فى وقت الحرب، لتحقيق الاهداف الوطنية. أما المعنى الثانى، فاعتبراه يتضح من الاول. وهو وسيلة الاهتمام الاولى لمعظم الاوربيين الغربيين، وبالتالى يؤثر كثيراً على آرائهم تجاه الاستراتيجية العسكرية. أما المعنى الثالث للاستراتيجية، فكثيراً مايستخدم تصريحاً، او ضمناً فى النقاشات التى تجرى داخل الولايات المتحدة، وبالذات كطريق لامتلاك القوة العسكرية وتوظيفها.
وبالرغم من أن الفكر الأمريكي في تعريفه الأسبق للاستراتيجية، لا يختلف كثيراً عن التعريفات الأخـرى، إلا أنه ركّز كثيراً على الاستخدام العسكري للقوة ،أو التلـويح باستخدامها، لتحقيق أهداف السياسية القومية. وهذا ما ذهب إليه أيضاً الجنرال أندريه بوفر معتبراً أنها:( فن استخدام القوة العسكرية للوصول إلى نتائج حددتها السياسة). وبناءً على هذا نجد أن الناقد العسكري البريطاني "ليدل هارت" قسم الإستراتيجية إلى:
1. استراتيجية عسكرية: وهي فن توزيع واستخدام مختلف الوسائل العسكرية، لتحقيق هدف السياسة.
2. استراتيجية عليا: وهي تنسيق وتوجيه كل موارد الدولة وإمكاناتها، للحصول على الغرض السياسي للدولة، وهو الذي تهدف السياسة القومية إلى تحقيقه.
وهنا يقول الدكتور حسين عمر توقه: يجب أن نميز بين كل من الاصطلاحين الدارجين في ميادين السياسة والحرب. وهما: الإستراتيجية القومية، والتي تعني الاستغلال الكامل للقوى السياسية والاقتصادية والعسكرية للدولة، في السلم والحرب، لتحقيق الأهداف التي تضمن سلامتها وأمنها. أما الاصطلاح الثاني، فهو الإستراتيجية الحربية، والتي تعني الاستغلال الكامل للوسائل العسكرية لتحقيق أهداف الاستراتيجية القومية، بالاستخدام المباشر أو غير المباشر للقوات العسكرية للدولة أثناء السلم والحرب. وتجدر الإشارة هنا بأنه يتم استخلاص الاستراتيجية العسكرية من الاستراتيجية القومية للدولة لرسم السياسة العسكرية للدولة، والسياسة العسكرية السلمية للدولة هي التي تحقق القوة للدولة، بما يكفل منع نشوب الحرب، أو تحديد مداها إذا نشبت، أو تمكننا من شن الحرب بنجاح.
هذا وقد ظهرت تعابير أخرى للاستراتيجية وثيقة الصلة بالجغرافيا السياسية، كتعبير الكتلة الاستراتيجية الواحدة، والتي تعني مجموعة من الدول تكوّن كتلة استراتيجية واحدة تؤثر في أمن بعضها البعض، وفي أمن إقليمها كله، ومن ثم في أمن غيرها من الدول، كدول القرن الأفريقي التي تشكل كتله واحدة، والدول العربية … وغيرها.
وحول خصائص الاستراتيجيات، وبخاصة فيما يتعلق باستراتيجيات الدول العظمي، يرى محمد حسنين هيكل، أن هذه الدول لا تُغير استراتيجياتها بسهولة، ولا تتقرر بقيام حكم وسقوط آخر، ولا يُؤثر فيها أن يذهب رئيس ويجئ رئيس. .. وقد تتغير السياسات المعبرة عنها لتتلاءم مع متغيرات الظروف. لكن الاستراتيجية تُعلّم دارسيها أن الأهداف يمكن الاقتراب منها عن طريقين: اقتراب مباشر واقتراب غير مباشر، مع بقاء الهدف في الحالتين ظاهراً أمام عيون طالبيه، حتى وأن أخذتهم (التضاريس) إلى الطرق الدائرية، وهو ما يحصل اليوم " اقتراب مباشر نحو الهدف "، يعتمد مفهوم جديد هو الضربات الوقائية “preemptive attackes” ضد هجمات محتملة وعدو مفترض.
وفيما يخص الاستراتيجية الأمنية يمكن القول أنها جزءٌ أصيل من الاستراتيجية القومية للدولة، إلا أنها في النهاية تهدف إلى تحقيق هدف رئيس هو الأمن القومي بكافة جوانبه.
Page 4

ب- مفهوم الأمن القومي:

مفهوم الأمن القومي هو مفهوم مركب، وهو تلخيص لمجمل العلاقات التي تدخلها دولة ما، أو مجموعة من الدول، انطلاقاً من حماية مصالحها، ومواجهة الأخطار التي تهددها. والأمن القومي يحتل مكانة مركزية في التفكير الاستراتيجي السياسي والعسكري، وذلك لعدة اعتبارات منها: ان الأمن القومي هو محور السياسة الخارجية لأي دولة ولمجموعة من الدول، فالسياسة الخارجية هي في المقام الأول سلوك الدولة الخارجية، انطلاقاً من مفهومها لأمنها القومي وحمايةً له، بل أن بعض الباحثين يذهب إلى القول بضرورة النظر إلى مجمل العلاقات الدولية، من وجهة الأمن القومي.
ويترتب على ذلك أن تحديد أي استراتيجية للعمل القومي للدولة في مجال التصنيع والتنمية أو السياسة الخارجية، وغيرها من الموضوعات يفترض وجود مفهوم، أو نظرية للأمن، تنطلق منه وتسعى إلى تحقيقه , فوجود مفهوم واضح للأمن القومي، يسمح بتحديد الاولويات بشكل علمي وسليم، بحيث تشكل الحلول والإجراءات التي يتم التوصل إليها في مرحلة ما، نظاماً متسقاً مع المصالح القومية في الأجل الطويل.
التعريف بمفهوم الأمن القومي:
الأمن يمثل مفهوماً مركزياً في حياة كل المجتمعات بغض النظر عن درجة تطورها، وهو ما يثير في الأذهان معاني البقاء، والتكامل الإقليمي، والتماسك الاجتماعي، وحماية المصالح والقيم المجتمعية ضد التهديدات الخارجية.
وبتعبير عليّ الدين هلال، يمكن التمييز في تطور هذا المفهوم بين مدرستين أو مرحلتين. ففي المرحلة [ الأولى ] التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة، واستمرت عبر الخمسينيات، ساد (مفهوم عسكري استراتيجي) للأمن. ثم برز في المرحلة [الثانية ] التي أعقبت ذلك مفهوم أكثر تطوراً واتساعاً، ويُدخِل في اعتباره الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، لقضية الأمن العسكرية، في إطارها (المجتمعي) الأكبر.

الأمن القومي كمفهوم عسكري:

هذه المدرسة، تربط بين الأمن القومي، والقوة العسكرية للدولة، وبين المقدرة على مجابهة الأخطار والتهديدات العسكرية. وهنا تعرف دائرة معارف العلوم الاجتماعية الصادرة في عام 1968م، الأمن القومي بأنه: (قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية من التهديداتالخارجية)، وتذكر دائرة المعارف البريطانية تحت مادة الأمن الدولي"International Security" أن الأمن القومي هو: (حماية الأمة من خطر السيطرة بواسطة قوة أجنبية).
ويحلل هلال هذا المفهوم ويحوله إلي عناصر مرتبطة بالأمن القومي كما يلي:
- أنه يرتبط بالقدرة العسكرية للدولة، كما يرتبط بمفهومي الردع والقوة.
- أن التهديدات الأساسية التي تواجهها الدولة، هي ذات طابع عسكري، ومصدرها خارجي، ومن ثم ينبغي ملاقاتها بتعظيم القوة العسكرية، وأن تكون الدولة على استعداد دائم لمواجهة أي تهديد عسكري.
- أن مسئولية تحقيق الأمن، تتولاها الجيوش، وأجهزة المخابرات التابعة للدولة.
وقد تعرض هذا المفهوم لانتقادات متعددة، أبرزها أن التهديدات التي تواجهها الدول والمجتمعات – وبالذات النامية منها – ليست ذات طابع عسكري وحسب، بل أن هناك تحديات أخرى لا تقل أهمية وإلحاحاً، مثل عدم الاستقرار السياسي، وعدم التكافل الاجتماعي، واحتمالات الحروب الأهلية، والجوع، وفشل تجارب التنمية. .. وبذلك لم يعد الأمن مجرد قضية الاستعداد العسكري، والقـدرة العسكرية، بل اتسع ليشمل أبعاداً اقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية وأيدلـوجية.

الأمن القومي كقضية اجتماعية:

من الدراسات الأساسية التي لعبت دوراً مهماً في إبراز المفهوم المجتمـعيSocietal)) للأمن، كتاب " روبرت ماكنمار"، وزير الدفاع الأمريكي، ورئيس البنك الدولي الأسبق بعنوان "جوهر الأمن" الذي ينطلق فيه المؤلف من نقد المفهوم العسكري للأمن فيقول: نحن لا نزال نميل إلى أن نتصور الأمن القومي على أنه حالة الاستعداد المسلح فقط تقريباً، وأنه يتمثل في ترسانة ضخمة رهيبة من الأسلحة المختلفة. ولم نزل نميل إلى الافتراض بأن هذا العنصر العسكري هو الذي يخلق الأمن أساسـاً... والأمن ليس هو المعدات العسكرية، وأن كان قد يتضمنها، والأمن ليس النشاط العسكري التقليدي، وأن كان قد يشمله، أن الأمن هو التنمية، ومن دون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن، والدول النامية التي لا تنمو في الواقع، لا يمكن ببساطة أن تظل آمنة. .. إن القوة العسكرية ما هي إلا وجه سطحي ضيق لمشكلة الأمن الكبرى، فالقوة العسكرية يمكن أن تساعد في توفير القانون والنظام، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بقدر يتناسب مع الوجود الفعلي لقاعدة صلبة للقانون والنظام في المجتمع النامي، ورغبة أساسية في التعاون من جانب شعبه. وهكذا فان الأمن في البلاد النامية، ينبع حقاً من النجاح في جهود التنمية، وفي تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، والأمن والتنمية هما إذاً وجهان لعملة واحدة، فبلا تنمية لا يوجد الأساس الاجتماعي للأمن.
ومن خلال هذه الرؤية الأمريكية، لأحد رجالها النافذين (ماكنمار) فيما يتعلق بسياسات الأمن والدفاع، يمكننا تفسير بعض مسلك الولايات المتحدة في سياستها الخارجية من هذه الزاوية، وذلك من خلال ما يجري على الأرض الآن لتنفيذ الاستراتيجية الأمنية الأمريكية، بالرغم من أن الفكر الأمريكي كما أشرنا سابقاً يعتمد القوة العسكرية، كمسلك استراتيجي في تحقيق محددات السياسة الخارجية.
ومن خلال ما ذكر ايضاً، تتضح الصلة الوثيقة بين مفهومي الاستراتيجية، والأمن القومي - في هذا العصر -، وبالذات فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وحماية المصالح الحيوية في داخل الدولة وخارجها، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة بقاء الدولة، حيث يعتبر البقاء هو المصلحة الكبرى.
وفيما يلي نيود الانتقال إلى مفهوم استراتيجية الاحتواء الأمني، ليتكامل الفهم العام الرابط ما بين الاستراتيجية، والأمن القومي، ومفهوم الاحتواء.
Page 5

ج- مفهوم استراتيجية الاحتواء الأمني:

ان الباحث يجد صعـوبة، في إيجاد تعـريف واضـح وشامل لمصطلح " الاحتواء الأمني " باعتبار أن الدراسات السابقة والباحثين، والمفكرين الاستراتيجيين، لم يتناولوا هذا المصطلح بالشكل الذي يرد في هذه الدراسة، كما أن التعامل مع هذا المصطلح لم يرد بنفس المكونات والأبعاد التي يتم تناوله بها هنا، حيث أن معظم الدراسات التي تناولته، تناولت جزئية (الاحتـواء) من دون الناحية الأمنية ؛ رغم ارتباطها الوثيق به.
من ناحية ثانية، يعتبر مفهوم (الاحتواء) حديث النشأة، ظهر خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولكنه أخذ فيما بعد أشكالاً أخرى - مما يزيد من صعوبة تحديده - واستخدم ضد دول أخرى، مثل العراق، وإيران، وغيرها كما سيتضح لاحقاً.
لذلك يحاول الباحث هنا مجتهداً، التوصل إلى صيغه تعريفية ((لمفهـوم الاحتواء الأمني)) باعتباره تطوراً طبيعياً " لسياسة الاحتواء" عامةً، وباعتباره بعداً عميقاً لهذه السياسة المتعددة الأوجه.
كما يحاول إعطاء مؤشرات عامة، تعمّق الرؤية حول أبعاد هذا الفرع من الاستراتيجيات. وتحقق أغراض الدراسة من خلال تسليط الضوء على هذه الاستراتيجية، التي باتت ظاهرة ملموسة، وواقعاً معاشاً، يستهدف أجزاءً مختلفة من العالم، لاسيما العالم الإسلامي.
والمعروف عن سياسة الاحتواء ضد الاتحاد السوفيتي وغيره، أنها لم تستخدم القوة والمواجهة العسكرية، بصورة مباشرة في السابق، ولكنها استخدمتها بصورة غير مباشرة عبر حروب بالوكالة، وسياسات أمنية استخبارية (يتم تناولها في غير هذا الموضع ).
وما يجعلنا ندّعي أن هناك "استراتيجية للاحتواء الأمني" هو أن دراسة الواقع قبل عدة سنوات وحتى الآن، من خلال ما يجـرى من أحداث، وبالذات في منطقة العالم الإسلامي، يدعم هذا الادعاء، أو الاتجاه، حيث أن الولايات المتحدة الآن تحاول احتواء العالم الإسلامي وحركاته الإسلامية، وكل مظاهر الصحوة الإسلامية فيه، عبر عدة (مدخلات) أبرزها الوسائل الأمنية، وهي في هذه الاستراتيجية تمزج بين الوسائل السلمية للاحتواء، وبين الوسائل القمعية والعسكرية، بيد أن الطابع الأمني العسكري، غلب عليها في الوقت الحاضر. وهنا يجدر تقديم بعض المؤشرات لعلها تُدَعّم الادعاء، و تقرّب الفهم، وتحدد عناصر التعريف، والتي يلخصها الباحث في الآتي:
1- أنها استراتيجية تهدف إلى حماية وتأمين المصالح الحيوية للدولة، وفي مقدمتها مسألة وجود وبقاء الدولة نفسها. وبالتالي هي (غاية وهدف ).
2- الاحتواء الأمني، يكون باستخدام القوة والتهديد بها، مع عدم استبعاد وسائل أخرى، تدعم هذه السياسة. وبالتالي هو (وسيلة ).
3- أوجب واجبات الاستراتيجية الأمنية، يتمثل في احتواء المخاطر الداخلية والخارجية ومعالجتها. وبالتالي هي (وظيفة ).
4- الاحتواء الأمني أكثر ارتباطاً بجوهر السياسة الخارجية. وبالتالي هو (سياسة).
5- استراتيجية الاحتواء الأمني تُعني أكثر ما تُعني بالمناطق، والأيدلوجيات، والصراعات الإقليمية والمحلية، ذات الأبعاد الخارجية والعالمية. وبالتالي هي (استراتيجية، وخطة عملية).
ويمكن للباحث من خلال هذه المؤشرات، تعريف استراتيجية الاحتواء الأمني بأنها: (الإجراءات والسياسات العسكرية، أو الشبه عسكرية، أو الاكراهية، أو حتى الدبلوماسية، أو جميعها، والتي تهدُف إلى إحكام السيطرة الأمنية الكاملة على الدول، والمناطق، والأيدلوجيات، بغرض احتواء " تهديداتها المحتملة " والهيمنة عليها، والتي تتّبِعها الدولة المعنية لتحقيق أمنها القومي، وحماية مصالحها الحيوية في الخارج).
ويحاول الباحث في هذه الدراسة، التحقق من صحة هذا التعريف من خلال تناول الجذور التاريخية للاستراتيجية الأمنية الأمريكية، والتي هي الإطار الكلي الذي يتضمن استراتيجية الاحتواء الأمني الأمريكي.
Page 6

الاستراتيجية الأمنية وصُناع قرار السياسة الخارجية :

هناك علاقة وثيقة ما بين الاستراتيجية الأمنية، وصناع القرار السياسي الأمريكي، خصوصاً في السياسة الخارجية، وذلك بسبب التلازم ما بين السياسة الخارجية، والاستراتيجية الأمنية، فكلاهما ينبع من المصلحة القومية العليا، التي تحميها القوة، يقول حسن الرشيدي: (تقوم السياسة الخارجية الأمريكية على القوة، المرتبطة بتحقيق المصالح , فما زالت أمريكا متمسكة بنظرية "مورغنثاو" و"كسينجر" والتي تقول بأن المصالح لا تتحقق بمعزل عن القوة , وأن القوة يجب أن تبقى حاضرة إذا أرادات الدولة أن تضمن سياستها الخارجية).
ويعتبر منصف السليمي، أن الاستراتيجية تعد من منظور صناعة القرار السياسي، الإطار الذي يضبط قواعد سلوك أصحاب القرار، للوصول إلى القرار النهائي، ويتم التمييز في هذا الصدد بين القرارات الاستراتيجية، والقرارات التكتيكية، أو الفرعية، أو الروتينية. فالقرار الاستراتيجي هو القرار الذي يحمل خصائص السياسة العامة للدولة، وليس وجهاً أو خاصية فرعية عنها. ..، ولأهمّيته وبعد أثره، في مجريات حياة الدولة وعلاقاتها مع محيطها الخارجي، يكون القرار الاستراتيجي نابعاً من أعلى مراكز الدولة ومستويات قرارها، كرئيس الدولة، أو القائد العام للقوات المسلحة.
وفيما يتعلق بتوقيت اتخاذ القرار تجاه مسألة استراتيجية معينة، يقول السليمي ايضاً: إن القرار الاستراتيجي قد يصدر في أوقات طبيعية معتادة، ولكن حيث توجد مشكلة جوهرية تتطلب قراراً هاماً بعيد الأثر. كما قد يوجد أيضاً في موقف الأزمة غير المعتادة، ولموقف الأزمة تأثير على عملية صناعة القرار الاستراتيجي الخاص بإدارته ومعالجته، وقد ينتج آليات وعمليات مختلفة عن تلك المعتادة في صناعة القرار الاستراتيجي في الأوقات الطبيعية. ... وتُمَكّن الدراسات الاستراتيجية من تمييز القرار الاستراتيجي عن سائر القرارات، فمثلاً يمكن اعتبار قراري الاتحاد السوفيتي بغزو أفغانستان سنة 1979م، وقرار انسحابه سنة 1988م، قرارين استراتيجيين، نظراً لتأثيراتهما العميقة عسكرياً وسياسياً على التوازن بين القوتين في العالم. كما يعتبر التوصل لاتفاقيات سالت الأولى، والثانية بين الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي 1973 – 1975م قرارات استراتيجية، نظراً لانعكاساتها الهامة على مصير التوازن العسكري والنووي في العالم.
من جهة أخرى، وفيما يتعلق بصناعة القرار الاستراتيجي الأمريكي، على الصعيد الخارجي، نجد أن السياسة الخارجية الأمريكية، تختلف تجاه الأطراف الأخرى، أو تجاه القضايا الدولية، باختلاف الاتجاهات السياسية الفاعلة، والمسيطرة على عملية صناعة القرار الخارجي في مرحلة معينة - ولئن بقيت الأهداف العامة ثابتة - وتعتمد بشكل رئيس على الاتجاه السياسي السائد في الإدارة الأمريكية، الذي يختلف من اتجاه لأخر في التطبيق والممارسة، ويمكن التمييز في هذا الصدد، حسب د. عليَ الدين هلال، بين ثلاثة اتجاهات هي: الاتجاه المحافظ الجديد، والاتجاه المحافظ التقليدي، والاتجاه الليبرالي. والتي يستعرضها بإيجاز على النحو التالي:
ينطلق الاتجاه [الأمريكي] المحافظ الجديد، الذي يستقي مواقفه من منطلقات استراتيجية عسكرية، من منظور القوة العسكرية، كعامل أحادي في تقويم مجمل الموازين الاستراتيجية والسياسية. ويركز هذا الاتجاه على الناحية الأيدلوجية، فيقوم بالتشديد على مفهوم العالم الحر " والتراث الحضاري الغربي " و " القيم الديمقراطية ". والحليف في مفهوم هذا الاتجاه، هو الطرف الذي يستطيع القيام بدور الوكيل في منطقته. .. بما يحافظ على استقرار معين، أو يساهم في زعزعه استقرار آخر، وهو الذي يوظف سياسته في إطار ردع الإتحاد السوفيتي [ سابقاً ]، أو حلفائه، حسب التعريف الأمريكي، ووفقاً لهذا الاتجاه، تعتبر إسرائيل المكسب الاستراتيجي الرئيسي في مواجهة السوفيت في الشرق الأوسط، [ كان هذا في ظل الثنائية القطبية، أما الآن فان دور إسرائيل تحول إلى مواجهة دول العالم العربي والإسلامي في المنطقة، وخاصة الدول التي لديها طموحات لتكون قوى كبرى ]. ويطمح هذا الاتجاه إلى إعادة فرض هيمنة الولايات المتحدة عالمياً، كما كانت في العقد الأول بعد الحرب العالمية الثانية، وهو اتجاه متشدد مع الحلفاء، وصدامي مع الأعداء.
أما الاتجاه المحافظ التقليدي، فيعطي أهمية لعامل القوة العسكرية، إلا أنه بعكس الاتجاه السابق، ويعطي الأهمية ذاتها للقوة السياسية في مفهومها الشامل، ويملك هذا الاتجاه رؤية تجريبية، بحيث يستخدم مختلف الوسائل الدبلوماسية في خدمة أهدافه. وهو بذلك أكثر مرونة من الاتجاه الأول، ويتعامل مع الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى لها مصالحها. وليس كخطر أيدلوجي قائم، ويرى غالباً أن هناك مجالات للتعاون معه. وهذا الاتجاه أقل تشدداً وأكثر تفهماً لمواقف الحلفاء من الاتجاه الأول، وهو الأكثر منـاورة وأقل صدامية مع الأعداء. وفي حين يرى هذا الاتجاه أن إسرائيل حليف استراتيجي مهم، إلا أنه يُولي بعض الأهمية للأطراف الصديقة الأخرى في المنطقة، ولو أدى ذلك إلى الاختلاف بعض الشيء مع إسرائيل.
وأخيراً، الاتجاه الليبرالي، الذي ينطلق من ضرورة إصلاح النظام العالمي، على أساس مفاهيم حقوق الإنسان والتنمية، وضرورة وضع العلاقات مع العالم النامي في إطار احترام خصوصياته وتعدديته. ويولي هذا الاتجاه أهمية خاصة للمصادر المحلية والإقليمية للنزاعات، ويبدي تفهماً كبيراً لقضايا التحرر الوطني، وهو بذلك يولي وزناً مهماً للعوامل الإقليمية على حساب المنظور الكوني. ومن المفارقات الكبرى أن ليبرالية هذا الاتجاه تتوقف عند حدود الصراع ((العربي - الإسرائيلي))، بحيث أن المعايير التي يستعملها في تحديد مواقفه في عدد من الحالات المشابهة، يسقطها في حالة هذا الصراع، ويناقضها أحياناً، حتى يمكن وصف هذا الاتجاه بالليبرالية "الانتقائية"، ومن المفارقات أيضاً أن يلتقي مع الاتجاه المحافظ الجديد، في حدة تأييده لإسرائيل، ويرى في هذه الأخيرة، نموذجاً للقيم والمثل التي يدعو إليها.
ويرى الباحث أن هذا المدخل كان ضرورياً، لمعرفة الاتجاهات، والكيفية التي يُدير بها صناع القرار الأمريكي استراتيجيتهم الأمنية، التي صيغت ملامحها في شكل مبادئ للرؤساء الأمريكان، تجاه العالم الخارجي، ولو أن الاختلاف بين هذه الاتجاهات ليس جوهرياً، أو عميقاً بحيث يحدث شرخاً واضحاً، في علاقة الولايات المتحدة بالعالم.
أما فيما يتعلق بالأجهزة المختصة بصناعة القرار الاستراتيجي الأمريكي، في مجال السياسة الخارجية، والأمن القومي، فنجد أهمها بلا منازع (مجلس الأمن القومي) الذي تم تأسيسه عام 1947، وذلك من أجل دمج السياسات الداخلية والخارجية والحربية، في استراتيجية واحدة، لتحقيق الأمن القومي. أما اليوم فان المجلس يقوم برسم الاستراتيجية القومية، وتحديد مسارها، فهو يضع في الاعتبار كلاً من الدستور والقوى السياسية والحربية والنفسية من جهة، والغايات والمبادئ والأهداف والالتزامات القومية من جهة. وبعد الدراسة يستخلص المصالح القومية، ويحدد عن طريقها الأهداف القومية، وبناءاً على هذه الأهداف، يتم التخطيط لتحديد معالم السياسة القومية... بما فيها من الالتزامات الحربية وتحديد الموقف المشترك الاستراتيجي ووضع الخطة الاستراتيجية للقوات المسلحة، وتحقيق السيادة والأمن.
ويتولى مجلس الأمن القومي، إضافة إلى تقديم المشورة الدائمة للرئاسة، تحديد الخطط والبرامج ذات الطابع الاستراتيجي في مجالات الدفاع، والسياسة الخارجية، والأدوار الاقتصادية الأمريكية في العالم، وصياغة الخطوط العامة للقرارات ذات الطابع الاستراتيجي، (عسكرية، اقتصادية، سياسية). إضافة للقرارات الطارئة المرتبطة بالأزمات الدولية، والتطورات المفاجئة، كما هو الشأن في أزمة الخليج، التي ظهر دور المجلس فيها قوياً، وشكّل المجلس إطاراً محورياً لبلورة البدائل والاختيارات ومتابعة الأزمة...، وكان المجلس يمارس هذه الوظيفة باعتباره (خلية أزمة). وتتحدد شروط قرار الأزمة، من خلال جملة من المؤشرات، وفقاً لما يأتي:
- ضيق الوقت، وعدم إمكانية القيام بالإجراءات الروتينية لجمع المعلومات والاستشارة والاتصال، لاتخاذ القرار.
- التهديد باستخدام القوة والعنف.
- عدم توفر المعلومات الكافية للتوصل إلى حل أو تسوية.
ونتيجة لاتساع دور الولايات المتحدة في العالم. فقد أصبحت الحالات الداعية لاجتماعات مجلس الأمن القومي، تتزايد بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، والتي تتميز بظهور انعكاسات انهيار الاتحاد السوفيتي، وبروز بؤر توتر جديدة في العالم …
كما تطرح التحولات الجارية في العالم، على مجلس الأمن القومي، التفكير في إيجاد خطط واستراتيجيات جديدة، لدور الولايات المتحدة في العالم، وتصورات لقضايا التسلح والتوازن النووي وأنظمة الفضاء، وصيغ لحل النزاعات الدولية، والأمن في العالم وخصوصاً المناطق التي تعتبر مجالاً حيوياً للأمن القومي الأمريكي.
Page 7
ويمكن القول أن مفهوم الأمن القومي الأمريكي، هو الذي ترتكز علية اتجاهات السياسة الأمريكية في الخارج، ويتولى مجلس الأمن القومي، تجسيده في صيغة خطط استراتيجية، وبرامج ذات مدى بعيد وقريب.
وتعد وكالة المخابرات الأمريكية، والوكالة القومية للتعبئة للدفاع، التابعة لوزارة الدفاع - وهي تعني بتحليل المعطيات والسياسات الدفاعية -، أهم المؤسسات التي تقدم المشورة في مجال الاستخبارات للرئيس. ولآرائها واقتراحاتها وملاحظاتها وزن هام في التأثير على رأي الرئيس. ويشارك وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة في اجتماعات مجلس الأمن القومي، ويساهم موظفو الدفاع والقوات المسلحة في مناقشة وبلورة الاختيارات والبدائل في مجال السياسة الخارجية.
وبما أن مساهمة المؤسسة العسكرية، في صناعة القرار العسكري، تعتبر محورية فان دورها في القرارات السياسية، ذات الطابع الدبلوماسي، أو الاقتصادي لا يقل أهمية، وذلك بناء على بعض الأسس أهمها: أن مفهوم الأمن القومي الأمريكي كما يرى "جون سبانيتي" يركز على الأبعاد الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، كمعطياتٍ استراتيجية، وثابتة، تعكس مصالح وأهداف ثلاثة قوى رئيسية هي:
"البيروقراطيين العسكريين - أصحاب المال والبنوك - أرباب الصناعات ".
ويذهب "رأيت ميلز" إلى رأي مشابه، حيث يعتبر أن القرار السياسي الأمريكي، هو نتاج تحالف نخبة عسكرية، وبيروقراطية إدارية، وأصحاب الصناعات الكبرى الاستراتيجية، تؤلف بمجموعها ما يصطلح عليه ميلز، بمركب (صناعي–عسكري بيروقراطي).
وبذلك فإن تطور المؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة، ارتبط تاريخياً بتطور البنيات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية، وتظهر العلاقة بين المؤسسة العسكرية، والمؤسسات الاقتصادية داخلياً وخارجياً، في مستوى الشركات المتعددة الجنسيات، والمؤسسات الاقتصادية، داخل الولايات المتحدة.
كما أن عامل التفوق العسكري، في المجال النووي والتكنولوجي، ساهم بشكل فعال في توجيه مجريات الأوضاع الدولية، وتحديد معالم القرار السياسي الأمريكي في السياسة الخارجية، والقرارات الاستراتيجية الأخرى، خصوصاً في سياق العلاقات " الأمريكية – السوفيتية " خلال فترة الحرب الباردة. ويمكن القول أن هذا العامل شكل مورداً لأصحاب القرار الأمريكي، يوظفونه لكسب الجولات الدبلوماسية، والنزاعات. فيما يفسره بعض الفقهاء مثل " مورجنتاو " بعامل القوة المفسر لجوهر العلاقات الدولية.
ونجد أن المؤسسات سالفة الذكر، بالإضافة إلى مؤسسات أخرى، - يتم التطرق إليها لاحقاً تجنباً للإسراف هنا - تشترك جميعها، وبدرجات متفاوتة، في "عملية صنع القرار الأمني الاستراتيجي الخارجي"، بتنسيق من مجلس الأمن القومي. ومن خلال العلاقات التي تربطها معاً، بالإضافة إلى تأثير جهات أخرى ذات ثقل.
كما تتّبع جماعات المصالح في الولايات المتحدة، أساليب عدة للتأثير على صنع القرار، وهي أساليب تحكمها مجموعة من القوانين، وان كانت هذه المنظمات قد برعت في استغلال ثغرات تلك القوانين والالتفاف حولها، ومن هذه الأساليب: تمويل الحملات الانتخابية، والاتصال المباشر والمستمر، والعمل على المستوى القاعدي.
وإذا تأملنا في السياسة الأمريكية، وصناعة القرار ،نجد هناك جمع، [وظهور] بين هذه المؤسسات (الجماعات الضاغطة )، ولكن هناك مؤسسات " شبحيه " لا نراها ولا نعرف لها مقراً، أو مبنىً، ولا ندري من هم أعضاؤها الحقيقيون. نرى ونحس بوجودها، ولكن لا نرى جسم المؤسسة الحقيقي، وضحها " هاشم المبارك إدريس "، فيما يلي:
‌أ- المؤسسة الشرقية: تحوي أكثر من مائتين وخمسون جامعة، ومركز بحث علمي، ومراكز دراسات متخصصة في التنظيم لمصالح رأس المال الأمريكية.
‌ب- المؤسسة الجنوبية (مصالح النفط): لا تقل عن الشرقية، وهي المؤسسة التي أوصلت إلى الرئاسة في واشنطن، الديمقراطي ليندون جونسون، كما أوصلت الجمهوري المحافظ بوش الأب، وبوش الابن.
‌ج- المؤسسة الغربية: أوصلت الرئيس الجمهوري ايزنهاور، والرئيس الجمهوري ريغان، إلى الرئاسة، وهي التي دقت المسمار الأخير في نعش الشيوعية، بالإرهاق والاستنزاف الاقتصادي.
وتشير بعض المصادر إلى أن المال والأعلام، هما اللذان يصنعان السياسة في الغرب عموماً، وفي أمريكا بشكل خاص - كما هو معروف للجميع -، وبذا أصبح اليهود بنفوذهم المالي والإعلامي، مؤثرين في صنع السياسة واتخاذ القرار. وهو ما يفسر الالتزام الشعبي والرسمي الغربي والأمريكي، تجاه (إسرائيل )، باعتبارها قضية اليهود السياسية.
ولليهود نفوذ واسع منتشر داخل دوائر صناعة القرار، وهذا النفوذ حقق لهم إمكانية واسعة لاختراق الأعلام الديني الأمريكي، والتأثير فيه فالروابط (المسيحية – اليهودية) ازدادت قوتها في القرنين الأخيرين، حتى صارت أحد معوقات أي تقارب (مسيحي – إسلامي، أو عربي) في أمريكا أو في الغرب على حد سواء.
ومن بين جماعات الضغط الأمريكية، تتجلى قوة اللوبي الإسرائيلي، في صناعة القرار الأمريكي في مظهرين رئيسيين:
أولها: قوة موارده وضخامتها داخل الولايات المتحدة وخارجها، {موارد مالية ضخمة ونفوذ في سوق المال والأعمال والشركات العملاقة، في ميادين الصناعات الحربية والتكنولوجيا، والأسر الثرية، والبنوك، والموارد الإعلامية الكبيرة، في مجال الصناعة الإعلامية والإنتاج السينمائي، والتأثير في القنوات والهيئات السياسية، كالأحزاب والجمعيات المهنية، ومراكز البحث والاستشارة}.
ثانيها: أن أداء اللوبي الإسرائيلي بحكم موارده غير التقليدية، يصبح غير متشابه ولا متوازن، مع نمط التأثير الذي تمارسه الجماعات الضاغطة التقليدية الأخرى داخل النظام الأمريكي. حيث أن عمله يمتد إلى نطاق أعلى قمة هرم الدولة (البيت الأبيض).
وبالتالي فان وضع اللوبي الإسرائيلي، داخل الولايات المتحدة يطرح إشكالية الدور الذي يمكن أن تلعبه مجموعة المسلمين، والعرب الأمريكيين، في سياق الشروط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، المميزة للمجال السياسي والنظام الأمريكي.
Page 8

المبحث الثاني: الاستراتيجية الأمنية الأمريكية: (المنطلقات والمرتكزات والأهداف)

منطلقات الاستراتيجية الأمنية الأمريكية:

تنطلق الاستراتيجية الأمنية الأمريكية وتتحرك بدوافع ذاتية نحو العالم، وفي حركتها الواسعة هذه، فإنها تنطلق بدافع المصلحة القومية العليا، والتي تم التطرق إليها بشيء من الإيجاز سابقا.
وبرغم أن المصلحة العليا هي الدافع الرئيس، الا أن هناك منطلقات أخرى، ومكونات تتشكل بها هذه المصلحة، وهي تمثل المبادئ التي تُبرر بها أهداف، وأفعال هذه الاستراتيجية، والتي يمكن إجمالها في الآتي:
‌أ- المنطلقات الدينية.
‌ب- المنطلقات الأخلاقية.
‌ج- المنطلقات السياسية.
‌د- المنطلقات الثقافية.
‌ه- منطلق السلم والأمن الدوليين.
‌و- المنطلق القانوني(الشرعية الدولية).
وقبل الشروع في مناقشة هذه المنطلقات بصورة تفصيلية، يجب الإشارة إلي أن الأمريكان يبررون أفعالهم وفقا لهذه المنطلقات، فمثلا نجد " لوراين كريستوفر"، وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، قد حدد الضوابط لما اسماه ((الفعل الدولي الأمريكي ))، وقسمها إلي مجموعة من المبادئ، والأولويات.
وتتضمن المبادئ عدة عناصر أبرزها: أنه ينبغي على الولايات المتحدة، أن تقود العالم. وان تنمي علاقاتها مع القوى الكبرى الأخرى، كالاتحاد الأوربي وروسيا واليابان والصين، وان تساهم في تفعيل مؤسسات التعاون الإقليمي والعالمي، كالأمم المتحدة، وأن تساند الديمقـراطية، وحقوق الإنسان.
أما الأولويات فهي تتضمن ترويج الأمن الاقتصادي. .. وتطوير الأمن الأوربي، وسلام الشرق الأوسط... ومكافحة أسلحة الدمار الشامل، وكذا مكافحة الإرهاب، والمخدرات والجريمة المنظمة.
كما ينبغي معرفة أن الهدف من قيادة الولايات المتحدة للعالم لا يتحقق فقط "بالمبادئ السلمية" التي تحدث عنها لوراين كريستوفر، فان ريتشارد نيكسون يرى: (أن الكبرياء الحقيقي لا يأتي من تفادي النزاع، بل من أن نكون في معمعته، نحارب من أجل مبادئنا ومصالحنا وأصدقائنا... إن السلام والحرية لا يمكن أن يستمرا في العالم إذا لم تقم الولايات المتحدة بدور دولي رئيسي... لكن إذا فشلنا في قيادة العالم الحر، فلن يكون هناك عالم حر لنقوده) .
وبالنظر إلي قراءة كثير من النصوص الواردة على لسان رجال الدين والسياسة والمال، نجدها تعكس الرغبة الأمريكية للهيمنة الاقتصادية والفكرية والدينية على العالم، فالمشروع الأمريكي منذ وقت مبكر، بتعبير سمير مرقس :( بات هو جذب كل أنام الكوكب إلي مجتمع مثالي، تشكل على الأرض الأمريكية، وتحقيقه أولاً بالتسامح، ثم بالقوة عند الاقتضاء، وأخيراً وهو الأفضل ؛ بالتجارة) .
Page 9

أولاً المنطلقات الدينية:

بحسب القس إكرام لمعي، فقد كانت أمريكا من وجهة نظر المهاجرين الأوربيين، هي الأرض الموعودة لهم من الله، لأجل انتشار الرسالة المسيحية في كل العالم. ولقد عبر عن هذا الفكر "والتر. أ. مكدوجال"، في كتابه "ارض الميعاد والدولة الصليبية". ولقد تبنى أحد المذاهب الدينية في أمريكا ويدعى (المورون) هذه العقيدة لدرجة أنه اعتبر أمريكا أحد المركزين الذين سوف يحكم منهما المسيح الأرض، عند عودته ثانية في نهاية الأيام، أما المركز الثاني فهو فلسطين.
ومن هنا يمكن إدراك أن هناك خلفية دينية لدولة أمريكا، وهي التي شكلت سياستها وتوجهاتها لأكثر من مائتي عام. والحقيقة التي نستطيع أن نلمسها عندما نحاول دراسة التدين في أمريكا – التعبير ما يزال للمعي - هي أن اهتمام المجتمع بالدين، هو اهتمام على المستوى الفردي. ويرصد المحللون الاجتماعيون أنه قد حدث تراجع في دراسة الدين كظاهر اجتماعية في الثمانينات، أما في السنوات القليلة الماضية المتممة للألفية الثانية، فقد حدث نوع من الاهتمام بدراسة الدين، وذلك لأن بعض التجمعات الدينية الكبيرة في أمريكا أصبحت مهتمة جداً بالسياسة الخارجية، والداخلية لأمريكا.
وإذا نظرنا إلى الواقع الديني لأمريكا، نجد حقيقة لابد من وضعها في الاعتبار، وهي حركة "علمنه الدين"... فالمجتمع العلماني بوجه عام يرفض المؤسسة الدينية الضابطة للمجتمع، وعلى الرغم من أن المجتمع الأمريكي قد حسم أمر فصل الدين عن الدولة، إلا أن صراعاً شرساً يدور بين المتدينين الذين يريدون تشكيل القرار السياسي على أساس عقدي أصولي، وبين من يرفضون ذلك بشدة.
ونجد أن المسيحية هي الديانة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية، والمذهب الرئيسي هو "البروتستانتية " والذي ينقسم إلى عدة طوائف أكبرها الطائفة " المعمدانية " والتي منها دائما رئيس الجمهورية، ولم يتقلد هذا النصب سوي كاثوليكي واحد هو جون كنيدي عام 1961. وللطائفة المعمدانية تأثيرها الضخم على السياسة الأمريكية، تليها طائفة الميتودست، ثم اللوثرية، والمشيخية.
كما شكلت الاتجاهات الصهيونية ،عنصراً بارزاً في الحياة الثقافية السياسية الأمريكية منذ البداية الأولى لاستيطان الأوربيين العالم الجديد. .. وكان الرئيس "ويلسون"، احد الرؤساء الأكثر تأثراً بالصهيونية منذ طفولته ،... وبدأ من خلال بعض خطبه يرى نفسه انه قد أُعطى الفرصة التاريخية لخدمة رغبة الرب، بتحقيقه البرنامج الصهيوني، تقول ريجينا شريف ): إن التزام الرئيس ولسون بالصهيونية كان عميقاً جداً، وكان مُعميّاً بالفكر الصهيوني إلى الدرجة التي لم يرى فيها النتائج الأخلاقية والسياسية والدينية للبرنامج الصهيوني) .
ولقد نشأ الدين المدني في أمريكا مع ظهور الوثائق التأسيسية للولايات المتحدة، وأصبح متضمَناً في خطب وممارسات الرؤساء الأمريكيين في المناسبات المختلفة، منذ أن أعلن الرئيس جورج واشنطن يوم 26 /11 من كل عام يوم (عيد الشكر) كعيد قومي، تقام فيه الصلاة لتقديم الشكر لله، الذي يبارك أمريكا. وحافظ الرؤساء الأمريكيون على هذا التقليد، بل أن بعضهم كان يدعو الأمريكيين للصلاة لنصرة أمريكا، فالرئيس جورج بوش دعا إلى اعتبار يوم 3 /4/ 1991م يوماً قومياً للصلاة لنصرة أمريكا في حرب الخليج، وأقام الرئيس بيلكلينتون صلاة قومية لقصف العراق عام 1998.
ونجد أن جيفرسون - ثالث رئيس للولايات المتحدة - أعلن أن شعبه هو (شعب الله المختار). كما قال الرئيس نيكسون، بعد مئتي عام :( الله مع أمريكا. الله يريد أن تقود أمريكا العالم).. والشيء نفسه يقوله كل الرؤساء الأمريكيين، بتعابير مختلفة.
وحفلت خطب كلنتون، بالابتهال إلى الله لمباركة أمريكا، كما عبّر الدين المدني عن نفسه، في استخدام الحكومة للرموز والطقوس الدينية، فنقرأ على الدولار عبارة (في الله نثق ). وكانت تحية العلم الأمريكي خلال الحرب الباردة هي عبارة (بأمر الله ). وللقوات المسلحة (قسس) برتب عسكرية، تدفع أجورهم الحكومة وليست الكنيسة، وبكل مجلس من مجالس الكونغرس مكتب قس.
وبالرغم من قدم الأصولية المسيحية، إلا أن هناك اسماً جديداً بدأ يظهر في أمريكا وهو (المسيحيون المولودون من جديد) والمقصود بهذه التسمية أن ولادة هؤلاء الحقيقة لم تكن عند خروجهم من بطون أمهاتهم، ولكنها تمت عندما اكتشفوا الحقيقة في الكتاب المقدس، واشتهرت التسمية بعد إعلان الرئيس جيمي كارتر كأول رئيس يعلن أنه (مسيحي مولود من جديد). .. وتصل نسبة المسيحيين المولودين من جديد، إلي 41 % من مجموع المسيحيين، في الولايات المتحدة.
وبرأي الباحث، أن هذه اللمحة الموجزة، تشير برغم علمانية الولايات المتحدة، إلى تدخل الدين في كثير من تصرفات الرؤساء الأمريكان، وكبار المسئولين. بل ويستخدم الدين في تبرير التصرفات والسياسات والاستراتيجيات. ولكنها قد لا تبدو واضحة في كثير من الأحيان.
ومن هذا المنطلق نجد أن صمويل هنتجتون، قام في" صدام الحضارات " بإخفاء مشروعات هيمنة الولايات المتحدة على العالم، وراء صورة الجهاد الديني الذي يضع الحضارة اليهودية المسيحية، في مواجهة التحالف الإسلامي الكونفوشيوسي المزعوم.
ويُعزى تكوين فكر استراتيجي أمريكي معين، تجاه المسلمين، بحسب فواز جرجس -أستاذ العلوم السياسية بجامعة سان لورانس، بنيويورك- إلى ما يراه العديد من الأمريكيين أن الإسلام يعتبر ثقافة معادية ومهددة لمصالحهم، وقيمهم الثقافية. فآراء الأمريكيين نحو المسلمين، ربما ترسّخت إلى حد ما في المصادر الدينية للولايات المتحدة، وكذلك يمكن أن تُعزي إلى الصراع التاريخي بين المسيحيين والمسلمين، وهو الصراع الذي ساهم كل من التاريخ، والأدب، والإعلام، والخطاب الأكاديـمي، في نقـله وتعميمه على مـر الأجيال.
ونجد أن للمجتمع الأمريكي، منهجه في إيجاد التبريرات الدينية والأخلاقية لتبرئة ساحته مما أسماه، محمد حسنين هيكل " قتل الأخر "، حتى تخفف من عبء ما اضطرت إليه، وتغطي عليه بذرائع كضرورات الاستقرار والتقدم، وبإضافة صلوات تمزج المصلحة بأسطورة من نوع ما. .. يقول هيكل :(( وهنا تكلفت طقوس من نوع (عيد الشكر) وفلسفته غزل ونسج الغطاء الأخلاقي المطلوب. وتمكنت [التبريرات والطقوس] من صنع أعراف أخلاقية تحتاجها المغامرة الأمريكية، والعبرة فيها (أن الهندي الأحمر ليس مؤمناً بالله، بحيث يستحق نعمة هذه القارة (الأمريكية) وخيرها العميم. كما أن الحكمة الإلهية لم تخلق موارد الطبيعية بهذا السخاء الرباني لكي يهدرها المتخلفون، وتأسيساً عليه فأن الأحق بالموارد هم الأقدر على استغلالها، ومع الوصول بالمقدمات إلي نتائجها فأن اغتصاب الأرض يصبح واجباً على المؤمنين، كما أن استغلالها [ يعد ] خير صلاة لخالقهم وخالقها ). ثم جاء التشريع وكان المدخل المفتوح أمامه - قانون المصلحة - يقضي بأن ما هو نافـع لأصحابه، قانوني بالضرورة)) .
_______________________
(*)ولم يتقلد هذا النصب سوي كاثوليكي واحد هو جون كنيدي عام 1961
Page 10

ثانيا المنطلقات الأخلاقية:

إن المنطلقات الدينية السابقة، تدعم المنطلقات الأخلاقية، في تبرير أفعال الاستراتيجية الأمنية الأمريكية، وهو أمر لا يُعجز متخذي القرار الأمريكي ؛ فما من فعلٍ سياسيٍ أو عسكري أو غيره، إلا وساق له القادة الأمريكان من التبريرات " الأخلاقية والمثالية " ما يُغيّب الحقائق ويقلب الموازين. يُصدِقُ ذلك ما ذكره "ريتشارد نيكسون" في كتابه ما وراء السلام قائلا: إن أمريكا حين تسعي وراء مصالحها لا تخرق مبادئها، فعلينا أن ندعم الديمقراطية خارج أمريكا طالما إن من مصلحتنا أن نفعل ذلك، وهو لحسن الحظ، غالبا ما كان ذلك. ويقول: نعلم جميعاً وليس من شك في ذلك، أن المصالح الأمريكية الحيوية، كانت وراء دخولها الحرب العالمية الأولي والثانية، وكذلك الحرب الباردة، إلا أن الرؤساء الأمريكان قد البسوا وعلى نحو ثابت، المصالح الأمريكية "بزي البلاغة المثالية "، فالحرب الكونية الأولي، لم تكن مجرد حرب للدفاع عن المصالح الأمريكية ضد العدوان الألماني الإمبريالي، لقد كانت " حرب لإنهاء حرب " ولتجعل العالم مدمنا للديمقراطية، والحرب العالمية الثانية، لم تكن بمجرد حرب للدفاع عن المصالح الأمريكية، ضد العدوان النازي والياباني، بل هي حرب لتمد أربع حريات عظيمة إلي العالم أجمعين، أما الحرب الباردة، فما كانت بمجرد حرب للدفاع عن مصالحنا ضد التوسع الشيوعي، لقد كانت حربا لتوسيع رقعه الحرية والديمقراطية في العالم. وليس من حرب انطوت على اكبر مصالح حيوية أمريكية، أكثر من حرب الخليج عام 1991 م، لكن الأمر ذاته قد تجدد هنا، فالغاية العملية في الدفاع عن إمكانياتنا في الوصول إلى مصادر النفط، قد رافقها الهدف المثالي، في الحفاظ علي استقلال الكويت، والمضي قدماً برسالة الديمقراطية.
إذاً معظم الأفعال السياسية الاستراتيجية، تقف وراءها مبادئ أخلاقية، وقيم مثالية، جوفاء. الهدف منها، إضفاء بُعد يكون مقبولاً للرأي العام. يقول جرجس: تتأرجح سياسة أمريكا الخارجية بين السياسة الواقعية والأخلاقية، فالواقعية في نظر أنصارها والمشتغلين بها، تدل على فهم أكثر انتظاماً. وأكثر وضوحاً، لصياغة سياسة تقوم على مصالح قومية واضحة المعالم، فهذه المصالح القومية التي قرنت إلى حد بعيد بالأمن القومي، تعتبر جوهر هذه الواقعية. .. وفي المقابل إن الأخلاقية القانونية تعكس روح الشعب الثقافية الأصيلة وتعكس قيمها. وهذه القيم أصبحت جزءً لا يتجزأ من الفكرة الأساسية لعظمة القومية التي ارتبطت ارتباطاً شديداً بتشجيع الحرية، والرأسمالية الديمقراطية، في الداخل والخارج. ولما كانت معظم المجتمعات الأمريكية تعتبر نفسها مجتمعات سامية، وتشعر بالتفرد، فانهم يرون أنهم معنيون بمهمة كونية.
وبالرغم من إن الأمريكان يعزون كثيراً من تصرفاتهم إلي أبعاد أخلاقية، كما أوضحنا ،نجد أن المجتمع الأمريكي نفسه، يفتقد لهذه الأخلاق، يقول القس لمعي :( نستطيع القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية، تعيش على حافة الهاوية، فرغم أنها قد حسمت الصراع السياسي والاقتصادي لصالحها ،وصارت هي القطب الأوحد. ألا أن هناك "عفناً في بؤرة الأخلاق الأمريكية"، على حد قول هنري كسنجر، وهو العفن الذي يمكن أن يُحدث انهياراً شاملا للمجتمع الأمريكي، وإذا عدنا للمؤرخ العالمي "أرنولد توينبي " صاحب نظرية انهيار الحضارات، نجده يذكر فيها أن كل حضارة تولد على أنقاض حضارة أخرى، يقـول :( ان سبب انـهيار الحضارات هو الافتقـاد للأخلاق)).