المقدمة
بقدر ما يمكن اعتبار عملية تخطيط المواقع والخدمات الترويحية السياحية في العالم ظاهرة حديثة نسبيا فأن مساهمة ومشاركة الجماهير في صنع القرار الخاص بالتخطيط للمواقع والخدمات الترويحية السياحية بشتى مستوياتها وأنواعها ظاهرة حديثة جداً ، كما يتباين دور ومساهمة تلك الجماهير بين دولة وأخرى وبين حالة وأخرى، تبعا لطبيعة النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي السائد واختلاف درجة التطور الحضاري .
يتناول الأدب السياسي والاجتماعي ، العصر الحديث كونه عصر الديمقراطية مهما اختلفت مسمياتها وطبيعتها ومؤسساتها ، فأن أوسع معانيها تشير إلى حرية الفرد في ممارسة عملة وطرح أفكاره والمساهمة في صنع نمط حياته من خلال مشاركته في المؤسسات والهيئات التي يتشكل فيها ذلك النمط، ومنها نمط بناء المواقع الترويحية السياحية وشكلها وهندستها ونمط شوارعها وتوزيع استعمالات الأرض فيها والعلاقة بينها وكثير من المسائل الأخرى التي يتناولها التخطيط للمواقع والخدمات الترويحية السياحية .
وهذا ما يمكن أن ينطوي تحت أسم المشاركة الجماهيرية ومن البديهي أن التخطيط للمواقع والخدمات الترويحية يمس بشكل مباشر حياة المواطنين ومستقبلهم حتى تصبح مسألة المشاركة العامة في التخطيط للمواقع والخدمات الترويحية مسألة أساسية .
أن الدراسات التي تناولت موضوع المشاركة الجماهيرية في التخطيط للموقع والخدمات الترويحية السياحية المتوفرة في المكتبات قليلة جداً وحتى هذه فأنها تركز بشكل خاص على تجارب الدول المتقدمة ، أما الدراسات التي تناولت الموضوع في البلدان النامية فنعتقد أنها نادرة جداً وغير موجودة في المكتبات العربية وربما أمكن القول أن سبب ندرة دراسات من هذا النوع أنما مرده ندرة المشاركة ذاتها في البلدان النامية وهذا يرتبط بعوامل متعددة تبرز في مقدمتها طبيعة الأنظمة السياسية ونظرتها للمشاركة وعدم وجود المنظمات الجماهيرية في بعضها أو انعدام الممارسات الديمقراطية في بعضها الأخر ، إضافة إلى أن ظاهرة التخطيط للمواقع الترويحية السياحية في هذه الدول ظاهرة حديثة تعتمدها الدولة بشكل مركزي بالاتفاق مع الشركات الأجنبية في معظم الأحيان وما يؤسف له أن الأدب السياحي لم يتناول موضوع المشاركة الجماهيرية في التخطيط للمواقع والخدمات الترويحية السياحية بشيء من التفصيل إلا نادراً وبشكل هامشي ويعود السبب في ذلك لحساسية الموضوع وندرة التجارب في ذلك في حين أن المشاركة الجماهيرية في التخطيط وبكافة أنواعه ومستوياته دليل على تحضر الشعوب وتطورها وتقدمها وإيمانها المطلق بالنهج الديمقراطي السليم .
وختامها المسك الدعاء إلى الباري عز وجل أن :
(ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أوأخطأنا واغفر لنا ذنوبنا وتجاوز عنا خطيئآتنا ربنا ورحمنا أنك أنت أرحم الراحمين)
والله ولي التوفيق
المؤلف
أولاً : العلاقة بين السياحة والترويح :
تم تعريف كلمة السائح من قبل هيئة الأمم المتحدة في مؤتمر عقد في روما عام 1963 م ،حيث شمل ذلك التعريف الأشخاص الذين يسافرون من مكان إلى أخر هو غير مكان إقامتهم ،على أن يبقوا فيه مدة لا تقل عن (24) ساعة ،ويكون الغرض من ذلك السفر للاستجمام أو لقضاء العطلة الصيفية أو للعلاج ،أو زيارة الأماكن الدينية أو لممارسة الفعاليات الرياضية ،وليس لغرض الحصول على فرص العمل ،وقد شمل ذلك التعريف أيضاً الأشخاص الذين يسافرون لغرض النزهة أو التي يطلق عليها بالسياحة الترويحية والتي حتى لو استغرقت فيها المدة التي أمضها المسافرون في رحلتهم مدة تقل عن (24) ساعة ،ولقد أصبح ذلك التعريف شائعاً في جميع المنظمات الدولية والهيئات والمؤسسات التي تهتم بشؤون السياحة.
و الفعاليات الترويحية السياحية ،هي تلك الفعاليات التي يستخدمها السكان للاستجمام والاستمتاع وقضاء أوقات فراغهم وعطلهم الأسبوعية والسنوية ،وتتمثل في الفعاليات الرياضية والفنية والاستمتاع إلى الغناء والموسيقى ومشاهدة التلفزيون أو الأفلام السينمائية أو المسرحيات وزيارة المناطق الأثرية والمناطق الطبيعية والتمتع بجمال صورها ومشاهدة ومراقبة الطيور والذهاب إلى المتنزهات ومدن الألعاب وحدائق الحيوان ، وغير ذلك من الفعاليات التي تسهم في راحة الإنسان نفسياً.
وعلى ضوء ذلك فإن هناك تقارب وتداخل بين الترويح والسياحة، ويمكن توضيح خصوصية السياحة والترويح :
1- تزيد المسافة المكانية المقطوعة من أجل السياحة عنه من أجل الترويح.
2- تعتبر المصادر الطبيعية أو البشرية ،عاملاً محدداً في السياحة والترويح ،لأن السائح عموماً ،يمتلك اختياراً واسعاً بين مناطق قصد بديلة ،أما بالنسبة للترويح ،تكون المسألة هي إشباع المتطلبات المحلية الأمر الذي يستلزم إنشاء بحيرات صناعية أو مراكز رياضية مغلقة أو قنوات أو غيرها.
3- تختلف مستويات التشغيل للتسهيلات الترويحية مقارنة مع السياحية ،وبخاصة إذا كان الاستعمال الترويحي للتسهيلات محدداً في عطلة نهاية الأسبوع أو في مواسم معنية مثل السياحة الخارجية.
4- يدار الترويح بواسطة السلطات المحلية أو الهيئات البلدية مقارنة مع السياحة الخارجية التي تعتمد على سياسات الحكومة الخارجية.
5- لا يتطلب الترويح عبور الحدود الدولية ،في حين تتطلب السياحة الخارجية عبور الشخص الحدود الدولية ،وهذا ما يفسر ندرة قيام مؤسسة أو هيئة دولية أو أقليميه متخصصة بشؤون الترويح ،كما هو الحال بالنسبة للسياحة التي ترعاها مؤسسات ومنظمات دولية عديدة ،فضلاً عن المؤسسات والهيئات المحلية.
6- يغلب على البحث في الدراسات المتعلقة بالسياحة الجانب الاقتصادي ،بينما الطابع الغالب على البحث في الترويح هو الجانب الاجتماعي ،وربما يرجع ذلك إلى قصر مدة ومسافة الرحلة الترويحية وبالتالي مقدار الإنفاق.
7- يعتمد الترويح والسياحة على عناصر متشابهة تقريباً وإن تباينت أهمية بعض هذه العناصر بالنسبة للنشاطين ،ومن هذه العناصر الدخل ووقت الفراغ والنقل والمناخ والموارد والتسهيلات المتوفرة.
8- يتميز النشاطان الترويحي والسياحي بالموسمية ،التي تعد إحدى أهم مشاكل تطورهما وتوفير التسهيلات اللازمة لهما.
9- يفوق الاستثمار في القطاع السياحي ما يوظف لتطوير الخدمات الترويحية ،على الرغم من التداخل القائم بينهما وإمكانية حدوث الاستفادة المتبادلة من الاستثمار في أي منهما.
10- يترتب على الانتقال السياحي إستعمال إحدى وسائل النقل البري أو البحري أو الجوية للوصول إلى منطقة القصد ،في حين يمكن الوصول إلى منطقة الترويح المقصودة دون إستعمال وسيلة النقل أو وسائط نقل داخلية.
وبذلك ليس من الممكن فصل الأنشطة السياحية والأنشطة الترويحية، فالعديد من المسافرين يسافرون لكل السببين.
في ضوء ما ذكر أنفاً أن السياحة والترويح عنصران متقاربان ومتداخلان فهما يتميزان بخصوصية واحدة في تلبية حاجات ورغبات السكان والسياح ،وحتى السائح الدولي عندما يكون في البلد المضيف يحتاج للترويح عن نفسه بالانتقال من مقصده السياحي إلى أماكن آخر قريبة للترويح عن نفسه ،وبناءً على ذلك يمكن تعريف الترويح السياحي :
1- الحاجة إلى الراحة وتغيير الهواء والتمتع بالمصادر أو المغيرات الطبيعية والثقافية في منطقة تبعد إلى حد ما عن موقع الإقامة المعتاد.
2- أهميته في توطيد العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع
3- ومجموعة من العلاقات والخدمات المرتبطة بعملية تغيير المكان تغييراً وقتياً وليس لأسباب تجارية.
4- و الترويح السياحي لفظان ينصرفان إلى أسفار المتعة لإشباع رغبات السكان والسياح.
5- وهو كعلم وصناعة هو مجموعة من الأنشطة الحضارية والاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية والخاصة بأنتقال الأشخاص من مكان غير مكان سكناهم وبقائهم فيه لمدة تقل عن أربعة وعشرين ساعة.
a. والأن نستطيع أن نعطي تعريف شاملاً للترويح السياحي :
1- هو الحركة الاجتماعية التي تتم أختيارياً والتي تهدف إلى الترفية والاستمتاع الذهني والعقلي والبدني.
2- هو المحور الرأس مالي الاجتماعي ،وفيه تتسع أفاق الأفراد والجماعات وتتنوع أنشطتهم وتتجدد طاقاتهم.
3- هو مجموعات العلاقات والخدمات المرتبطة بعملية تغيير المكان تغييراً وقتياً وتلقائياً وليس لأسباب تجارية أو حرفية.
4- الترويح السياحي يعني الحركة والتنقل الذي يضم مجموعة من الأفراد بغرض الأنتقال من مكان إلى أخر وليس بغرض الأقامة.
5- الترويح السياحي غريزة (نفسية واجتماعية) فأحدى الطبائع البشرية هي الانتقال من المكان الأصلي لغرض الراحة والاستجمام والعودة إلى المكان الأصلي.
6- والدوافع هي السباب الرئيس لقيام ظاهرة الترويح السياحي وانتشاره وهي دوافع (نفسية واجتماعية وإنسانية) وهي غريزة التنقل ،لكل منا يحتاج إلى وقت يروح فيه عن نفسه فيلجا (غريزياً) إلى تغيير.
ثانياً : وقت الفراغ :
يشير المصطلح اللغوي (leisure) والذي هو مشتق من المصطلح اللاتيني licere ،إلى أن الإنسان " يكون حراً بإعتبار الزمن أو الوقت الذي ينفقة دون ضغط من رب العمل ،بعيداً عن أي نوع النظام system الذي يقيد تصرفاته ويحسب عليه حركاته وسكناته وهو بذلك يكون بعيداً عن أنماط النشاطات الأساسية ،كالعمل مثلاً ،والذي يكون مستوى الأجر فيه الدافع والمنظم للزمن أو الوقت، فيما وقت الفراغ leisure time يكون الزمن ملك الإنسان نفسه عدا ما هو فيه من غفلة كالنوم أو قيد فسيولوجي لقضاء الحاجات ،كالطعام مثلاً ،وكلا النوعين وما شابهما ،هما نشاطان إراديان أو غير إراديين وهي تعود للإنسان نفسه ،وخلاف ذلك يكون الإنسان تحت قيد ما ،وهذا المفهوم يقترب تماماً من رأي (ك. روبرت) الذي أكد فيه على تحرر الإنسان من قيد العمل والواجبات الأخرى ومكرساً ذلك الفراغ من الوقت للاسترخاء والتسلية.
وبالطبع فإن مثل هذا الوقت وبالقياس المادي يكون غير منتج ،ما دام قد سلخ من العمل وقيوده ولكنه – ودفاعاً عن الترويح – مدة لتجديد طاقة الإنسان وبعث نشاطه عن طريق التأمل والاسترخاء والراحة والعودة للعمل من جديد.
ومهما اختلف الباحثون في نظرتهم لوقت الفراغ leisure time فوجهة نظرنا بنيت على أربعة أركان وكما في أدناه :
1- أنه جزء من عمر الإنسان وصفة حياته لابد أن يحسن تصريفه.
2- أنه وقت time مستقطع من العمل بإجازة أو فائضاً عنه.
3- يكون فيه الإنسان حراً بعيداً عن سياق system أو نظام الواجب duty وليس لرب العمل رقابة عليه.
4- لا يؤدي فيه الإنسان أي نوع من الكسب المادي بل مقصوداًً كله للترويح عن النفس وإشاعة البهجة فيها ،بهدف تجديد طاقته العقلية والبدنية.
وعلية فتعريفنا لوقت الفراغ leisure time نجد من الضروري أن يتضمن هذه الأركان الأربعة ليكون : أنه وقت مستقطع من حياة الإنسان عبر حياته اليومية لا يخضع لضوابط العمل ونظامه ،يهدف إلى الراحة الذهنية والبدنية.
إن هذا المفهوم ،فضلاً عن ميزاته الأربعة في أعلاه ،قد ألزم المجتمع في هيئاته ومؤسساته الرسمية في حسن تدبيره وتخطيط لأستثمار ،لأنه جزء من عمر الإنسان ،فإن لم يحسن تدبيره يكون قد أضعنا جزءاً أو كلاً منه ،وبالتالي أضعنا قدرات الإنسان وطاقاته الإنتاجية المبدعة ،كما أنه يتضمن العلاقات بين متطلبات الحياة في صورة العمل عبر طاقة الإنسان الذهنية والبدنية وتجديد هذه الطاقة لاستمرار متطلبات الحياة عبر العمل من جديد.
وبالطبع فإن وقت الفراغ المخصص للراحة اختلف من حيث طوله عبر تاريخ البشرية ،كما أختلف ويختلف عبر مراحل عمر الإنسان.
ثالثاً: مفهوم الترويح السياحي :
في الصفحات السابقة تم إلقاء الضوء على مفهوم وقت الفراغ من حيث ماهيته وطبيعته والحاجة إليه ،وفي الصفحات الآتية نجد من الضروري دراسة ماهية النشاطات وطبيعتها وأهميتها والتي تزاول في الوقت الذي أطلق عليه وقت الترويح أو الراحة.
أستخدم الباحثون المصطلح (Recreation) والمشتق عن المصطلح اللاتيني recreate ،عند الكلام على ما يدل على الراحة ،والمصطلح يجمع بين كلمتين هما re وهي إعادة أو تكرار وcreation وهو يعني خلق أو تجديد أو بعث الطاقة الإنسان وقدراته الجسدية والعقلية بعد أن استفادت جزئياً نتيجة ضغط متطلبات الحياة المختلفة.
وبهذا المفهوم تظهر عملية الترويح وكأن الإنسان مجبر غير مخير لممارستها وإنما رد فعل للنشاطات والفعاليات التي لابد أن يمارسها الإنسان للاستمرار في الحياة ،ولكن مفهوم الترويح يذهب أكثر من ذلك ليكون عملاً إرادياُ يدفعه لممارسة الرغبة في سد وقت الفراغ واللهو والتسلية وإشاعة البهجة في النفس ،وذهب عدد من الباحثين إلى أبعد من ذلك ليعتبروا نشاطات الراحة أعمالاً جادة في الحياة اليومية ،وهي نشاطات هادفة تمارس من قبل الفرد أو الجماعة خلال وقت الفراغ لتحقيق عمل ما ،وذهب باحثون آخرون إلى إعتبار ،تصريف للانفعالات وتعويض للنقص الجسماني الذي يعاني منه الفرد :
ومهما تعددت مفاهيم الراحة Recreation نجد أنه من الضروري أن يتضمن المفاهيم التالية :
1- إنه نشاط إنساني يمارس في وقت الفراغ بعيداً من وقت العمل أو مستقطع عنه.
2- أن الهدف الأساس من هذا النشاط هو ترويح الجسد والفعل الإنساني من عناء العمل وضغوط الحياة لتجديد طاقته وقدراته لمزاولة العمل من جديد.
3- إن النشاطات المختلفة في عملية الترويح هي من النوع الذي يشيع في الإنسان البهجة والسرور ويجد في ممارستها التسلية والمتعة.
4- وهي بالتالي من النوع الذي يرغبه الإنسان ويلبي ميوله وقدراته دون عناء أو إجهاد.
وبذلك يكون تعريف للراحة هو كل نشاط يمارسه الإنسان خارج وقت العمل المتعارف عليه تلبية لرغباته العقلية والجسدية لإشاعة البهجة والسرور والتي تؤدي إلى الراحة الذهنية والجسدية.
وبذلك فأن وقت الفراغ والترويح عنصران متلازمان يرتبطان بالطبيعة الإنسانية ،ونجدهما معاً أو كلاً منهما على حده ،في كل الثقافات على مدار تاريخ الإنسان ،ولكن ينبغي إدارك أن عدم إستثمار وقت الفراغ بحكمة قد يجر إلى عدة سلبيات من الممكن أن تؤثر سلباً على حياة الأفراد ،فإلأستثمار الأمثل لوقت الفراغ يسهم في تنمية جوانب الشخصية الفردية ،كأن يستفاد منها في توجيه الذات من النواحي الجسمية والعقلية والروحية ،فضلاً عن المشاركة الاجتماعية ،وهذه الأمور في محصلتها قد تساعد على خلق إتجاهات جديدة لدى الفرد.
ونستنتج أن هناك علاقة ما بين وقت الفراغ والترويح حيث أنهما يشتملان على ما يلي :
1- الترويح يمارس في وقت الفراغ وبالتالي يغاير العمل.
2- يضفي على مستعمليه الحيوية والنشاط والمتعة والسرور.
3- ممارسته ذاتية خاصة لنفسية الفرد وميوله.
4- يمكن إستخدام وقت الفراغ أولاً في عملية تطبيع الفرد حسب فلسفة المجتمع الذي يتواجد فيه ،قتشكيل الفرد من حيث تنشئته إجتماعياً واقتصادياً وسياسياً بما يتماشى مع قيم المجتمع الذي يعيش فيه ،حتى يتسنى له التكيف مع هذا المجتمع ،وإن إستغلال الأنشطة والفعاليات الترويحية وممارستها أثناء وقت الفراغ تساهم فس تزويد ودعم شعور الأفراد بالانتماء لجماعاتهم وذوياتهم مع فلسفتها وأهدافها.
رابعاً :خصائص الترويح السياحي ومميزاته :
عرفنا مفهوم الترويح بأنه نشاط إرادي يقوم به الإنسان لغرض إشاعة البهجة والمتعة في النفس بعيداً عن العمل وضغوط الحياة ،فهو بذلك له من الخصائص ما تميزه من النشاطات الأخرى وكما في أدناه :
1- إنه نشاط يقع خارج وقت العمل كلياً في العطل والمناسبات أو جزئياً في الأجازات الزمنية.
2- إنه سلوك سار يحقق البهجة ويشيع في النفس المرح والسرور.
3- هذا السلوك يهدف إلى إعادة التوازن في القدرات الجسدية والعقلية دون إخلال في تنظيمها وتتابعها في أداء العمل ،أو بعبارة أخرى عدم السماح بحدوث الإجهاد الجسدي والعقلي وبالتالي خفض القدرة الطبيعية للإنسان.
4- إنه يساهم في بناء شخصية الفرد نتيجة لتعزيز قدراته الجسدية والعقلية.
5- إنه يخضع للرغبة الكامنة وميول الإنسان.
خامساً : وظائف الترويح السياحي :
يؤدي الترويح وظائف متنوعة للفرد والمجتمع وهي :
1- الوظيفة النفسية :
من الوظائف الأساسية التي ينبغي إن يحققها النشاط الترويحي حاجات نفسية، وهي إيجاد حالة التوازن النفسي والهدوء العصبي للفرد ،وإعطائه الفرصة للتعبير عن الذات بحرية ،والتنفيس عن الأنفعالات الحبيسة ،والإحساس بالبهجة والاطمئنان والراحة بعد إرهاق العمل وضغوط الحياة اليومية المعاصرة ،فالإنسان بحاجة إلى أنشطة وهوايات تنسجم مع ميوله ورغباته وقابلياته يمارسها طوعاً للتعبير عن ذاته وتحقيق رغباته بعيداً عن مجال عملة الذي غالباً ما يكون مفروضاً بشكل أو بأخر عليه ،وغير منسجم مع ميوله النفسية وقناعته الفكرية.
إن لكل فرد مقوماته النفسية التي وإن كانت مكتسبة في أغلب الأحيان إلا أنها تختلف من شخص لأخر ،وكما يحتاج الفرد إلى العمل لإثبات شخصيته من خلال الممارسات التي يزاولها وفقاً لرغباته وميوله ،وكم كانت فترات الترويح بعيداً عن المألوف من الأعمال والنشاطات بلسماً شافياً وعلاجاً ناجحاً لأمراض قد يقف الطب عاجزاً حيالها.
فقد أشار تقرير نقابة الأطباء الأمريكيين إلى أن البرامج الترويحية السياحية تؤدي إلى الإقلال من حالات التوتر العصبي والملل والاكتئاب النفسي والقلق ،وكذلك تؤدي دوراً في المساعدة على التخلص من الآثار المترتبة على حياة الميكنة التي يعاني منها الأفراد في هذا العصر ،وفي عصرنا هذا تم التوجه من قبل الباحثين والمختصين في علم النفس ،وفي التربية وفي علم الاجتماع والتربية الترويحية جهودهم لدراسة طبيعة العلاقة بين الترويح والصحة النفسية والعقلية للفرد ،للوصول إلى نتائج متقدمة من خلال إقامة نشاطات ترويحية تعالج الملل والقلق والاكتئاب النفسي والصراعات النفسية والإحباط النفسي ،ويرجع الاهتمام بذلك أيضاً أن الأنشطة الترويحية السياحية تساهم في اكتساب الفرد للخبرات وللمهارات، والأنماط المعرفية ،وتنمية الذوق والموهبة ،وتهيئ الفرص للإبداع والابتكار.
2- الوظيفة الاجتماعية :
إن للترويح السياحي بعداً اجتماعياً لا يمكن تجاهله ،فالعلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين الأفراد خلال النشاط الترويحي تختلف بطبيعتها وفي نشأتها عن أي نوع من العلاقات التي تقوم بين الأفراد في المجتمع كالعلاقات الأسرية وعلاقات العمل ،فعلاقات الترويح علاقات اختيارية تقوم على تشابه الرغبات والميول وتقارب الاتجاهات والنزعات ،حيث أن الترويح السياحي يساعد على التفاعل والترابط والنضوج الاجتماعي ،كما أنه يسهم في تنمية روح التنافس الصحيح بين الأفراد ،وإزالة أو تخفيف الفوارق الطبقية والعرقية والدينية بين الأفراد والجماعة.
كما إن الترويح السياحي يساهم في رفع المستوى الاجتماعي ابتداءً من العائلة التي تعتبر عامل مهم في تطوير المجتمع باتجاه زيادة الإنتاج وتحقيق مستوى عالي من الصحة العامة ،وإن الترويح السياحي له وظائف وقائية وعلاجية هامة في الحد من الجريمة ولاتجاهات المنحرفة في المجتمع إذا تم التخطيط له ومراقبة تنفيذه بدقة ،حيث أن الكثير من الجرائم والأنحرافات تعزى إلى قلة فرص الترويح ومزاولة الألعاب الترويحية ،وتعود أسباب الأهتمام بالترويح السياحي في عصرنا هذا إلى كثرة حالات الأمراض العصبية والنفسية ،وكذلك سن التقاعد مما يؤدي إلى اعتزال العمل مما يساهم في وجود مساحة كبيرة من الفراغ ،كما إن إنخفاض ساعات العمل اليومي نتيجة لتقدم وإرتقاء وسائل الإنتاج وتكنلوجيته إدى إلى زيادة الفراغ ،فضلاً عن ذلك فنتيجة التطور التكنولوجي في القطاع الصناعي أصبح المصنع منشأه ضخمة ذات فضاء مغلق يضم الالاف من العمال ،مما أدى على اختفاء الرابطة الشخصية وترتب عليه في الوقت عينه صعوبة تكييف العامل وإنسجامه مع محيط عملة إلا عن طريق فعاليات الترويح ،كما إن تحول الكثير من المناطق المفتوحة والخضراء إلى أماكن سكنية مما أدى إلى قصور واضح في حجم وعدد المناطق الترويحية ،وفي ضوء ذلك تتحدد أهمية الترويح اجتماعياً بالنسبة للشخص والجماعة والمجتمع ،حيث ينمي السلوك الجمعي لدى الفرد من خلال تضامنه مع الجماعة وبالتالي يزيد من توحد الفرد والجماعة وتكاملها مع المجتمع.
وفي عام 1970 قامت المنظمة الترويحية العالمية المعروفة حالياً بالمنظمة العالمية للفراغ والترويح ،بوضع وثيقة خاصة بوقت الفراغ إستحدث بنودها من تصورات عدد كبير من المحترفين والعاملين ضمن منظمات متخصصة في هذا المجال من شتى أنحاء العالم ،وقد ضمنت هذه الوثيقة البنود الآتية :
1- إن لكل إنسان حقاً في وقت الفراغ ،ولكل إنسان حقاً يشمل ساعات عمل معقولة وإجازات مدفوعة الأجر وظروفاً ملائمة للسفر والأنتقال ،علاوة على التخطيط الاجتماعي ،والذي يشمل أيضاً إمكانية إستخدام الأمكانات اللازمة لقضاء وقت الفراغ ومساحاته وأدواته من أجل الحصول على مزايا وقت الفراغ.
2- إن لكل إنسان حقاً مطلقاً في الاستمتاع بوقت الفراغ بحرية كاملة ،ويتوجب التأكيد من ضمان توفير مستلزمات وضروريات القيام بأنشطة الفراغ الفردية بنفس درجة ضمان توفير الضروريات المطلوبة من أجل الأستمتاع الجماعي بوقت الفراغ.
3- لكل إنسان الحق في استخدام الإمكانات الترويحية الشعبية والاستمتاع بالطبيعة ببحيراتها وبحارها وغاباتها وجبالها وسهولها ،كما ويجب حماية المناطق الطبيعية بحيواناتها ونباتاتها والمحافظة عليها.
4- لكل إنسان الحق في الاشتراك في جميع الأنماط الترويحية الممارسة أثناء أوقات الفراغ كالرياضة والألعاب المختلفة والتمتع بالهواء الطلق والسفر والمسرح والرقص وفن التصوير والموسيقى والعلوم والحرف اليدوية ،بغض النظر عن العمر والجنس ومستوى التعليم.
5- يجب أن لا يفرض تنظيم وقت الفراغ على الأشخاص ، أي أنه ليس من حق المخططين أو المهندسين ، فرض نمط معين بشأن كيفية قضاء الناس لأوقات فراغهم ، بل يجب أن يسهم المفكرون في إقامة فرص أوسع وأكثر ملائمة لقضاء وقت الفراغ ، وإتاحة إمكانات الترويح المطلوبة لتمكين الشخص من ممارسة حرية إختيار الفرد في إستخدام وقت فراغه تبعاً لذوقة الشخصي وتحت مسؤوليته الخاصة .
6- لكل إنسان الحق في وجود فرصة لتعلم كيفية الاستمتاع لوقت فراغه فيجب أن يتردد الفرد عن طريق الأسرة والمجتمع فن إستغلال وقت فراغه بأكثر الطرق الناجحة ،ولابد من إعطاء الأطفال والشباب والكبار فرصاً لتنمية المهارات والاتجاهات والفهم اللازم للاستمتاع بأوقات الفراغ.
7- إن مسؤولية التربية الترويحية تقع على عائق عدد المهن والمؤسسات المعنية ،ومن مصلحة كل إنسان ،ومن أجل توظيف للموجودات المالية المتاحة يجب إن يتم التنسيق التام في تحمل هذه المسؤولية بين المؤسسات المعنية العامة منها والخاصة ،وأن يكون الهدف هو إتاحة الفرصة لترويح الجميع ،ويجب كذلك تأسيس مدارس خاصة متعلقة بدراسة التربية الترويحية في الدول التي يكون فيها هذا الأمر ممكناً ،حيث يمكن أن تستغل هذه المدارس في إعداد وتدريب القادة للمساعدة على ترويح ودعم البرامج الترويحية ،كما يمكن أيضاً مساعدة الأفراد والجماعات في إستغلال أوقات فراغهم دونما إجبار أو رفض لأي شيء عليهم ،وهذه الخدمة المذكورة جديرة باستقطاب أكثر الجهود الإنسانية إبداعاً.
أما من ناحية الفوائد الاجتماعية للأسرة ،فإن الأسرة التي تمارس الأنشطة الترويحية معاً ،تبقى معاً ،أي إن المقصود هنا هو أن أحد عوائد الترويح هو زيادة الفرصة لتكوين أواصر علاقة أقوى بين أفراد الأسرة الواحدة مع مراعاة العوامل الأخرى التي تؤثر في تماسك الأسرة، ولقد فرضت الظروف الاقتصادية والاجتماعية أنماطاً معنية من أنماط العيش والتركيب الأسري ،فإن النشاطات الأسرية الترويحية تسهم إسهاماً كبيراً في إكساب أنماط سلوك جماعي يرفد خبرات الأطفال الأخرى من أجل التكيف مع العالم حولهم ،فهناك حاجة قائمة للأطفال تدور حول إحساسهم باهتمام المقربين منهم وبحبهم وإشباع هذه الحاجة عن طريق الترويح الأسري قد يشكل لبنة في بناء شخصية تتميز بتكيفها مع ما حولها.
ويلعب الترويح الأسري دوراً كبيراً في إستغلال الأنشطة الترويحية وجوها المشحون بالسعادة والانطلاق من أجل إرساء دعائم قيم وممارسات سلوكية بحكمة ومعرفة ويؤمل من تكرار تلك المواقف والممارسات الأسهام في بناء شخصية قادرة على التمييز بين ماهو في مصلحة الفرد والجماعة وبين ما هو دون ذلك ، فتبذل جهدها من أجل إسعاد ورفاهية نفسها وغيرها قدر استطاعتها.