eKtab
EN ع
استراتيجيات تدريس اللغة العربية - أطر نظرية وتطبيقات عملية
Read free sample

استراتيجيات تدريس اللغة العربية - أطر نظرية وتطبيقات عملية

by د. بليغ حمدي إسماعيل

Page 1

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) عبده ورسوله.

هذه فصول أعدت من أجل المساهمة في تطوير تعليم اللغة العربية بالمرحلتين الجامعيةو الثانوية، موجهة في المقام الأول إلى القائمين على تدريس وتعليم اللغة العربية ومهاراتها ، وكذلك يمكن أن يفيد منها طلاب شعب اللغة العربية بكليات التربية والآداب ومعاهد إعداد المعلمين ، بما يتضمنه الكتاب من توجيهات وإرشادات تهدف إلى تنمية المهارات اللغوية لديهم. وكذلك الاستعانة باستراتيجيات التدريس أثناء قيامهم بالتدريب في التربية الميدانية.

وكانت فصول هذا الكتاب نتيجة عدة تساؤلات من واقع خبرة المؤلف بالتدريس في المرحلتين الجامعية ، والثانوية ، حاول المؤلف أن يبحث عن إجابات وافية وشافية لها.

ومن هذه التساؤلات التي فرضت نفسها ما يلي: هل واقع تعليم اللغة العربية بالمرحلة الجامعية، لاسيما في معاهد ومؤسسات إعداد معلم اللغة العربية يرقى إلى منزلتها؟ ،وإلى الدور الذي ينبغي أن تحققه والوظائف التي ينبغي أن تقوم بها،ويمكنها من أن تكون أداة فاعلة في مساعدة المناهج الدراسية على مواجهة التحديات المطروحة؟ أم أن هذا الواقع هو التحدي الأكبر والحقيقي للمناهج الدراسية؟

فمن حيث المنهج نجد أنه يندر أن يوجد ضمن أنشطة كتب اللغة العربية بالمرحلة الجامعية ما ينمي تعليم مهارات واستراتيجيات التفكير، كالتخطيط والمتابعة والتحكم والمراقبة والتقييم، واهتمام أسئلة المناقشة بموضوعات القراءة والقصة والأدب بمستويات التذكر وتعرف الحقائق والمعلومات واقتصارها على كلمات مثل: هل،ولماذا،ووضح،وبين،هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد للكفاءة اللغوية أي منهج واضح ومحدد ، قائم على أسس علمية وتربوية متفق عليها .

ومن حيث طرائق التدريس نجد أن هناك قصوراً شديداً في تدريس عمليات التفكير ضمن برامج تعليم اللغة العربية بالمرحلة الجامعية ، هذا بالإضافة إلى عدم وجود خطة دراسية متكافئة لتعليم مهارات التفكير ضمن المنهج الدراسي، أو استخدام طرائق من شأنها تنمية مهارات الفهم القرائي مع أهميتها .

كما أن المعلم في تدريس اللغة العربية لا يلتفت إلى تعليم وتنمية مهارات التفكير المختلفة ، الذي يشبع رغبات طلاب المرحلة الثانوية بالتحديد ، بالإضافة إلى عدم التفاته إلى تعليم وتنمية مهارات الكفاءة اللغوية لديهم، ولجوء بعض المعلمين إلى قراءة بعض فقرات محتوى الكتاب المدرسي لتفسير بعض الكلمات الصعبة أو التأكيد على بعض الآراء التي يشعر المتعلم بغموضها، أو عدم قدرته على فهم محتواها،إذ يميل بعض المعلمين إلى سرد الموضوعات أو كتابة ملخصات مبتسرة حولها.

ومن ثم فإن الصورة الحالية لتدريس اللغة العربية بالمرحلة الجامعية والمرحلة الثانوية تحتاج إلى إعادة النظر من حيث تحديد أهدافه ، والاهتمام بتنمية التفكير والإبداع ،ومعرفة طرائق تدريسه، الأمر الذي نتج عنه ما نراه اليوم من ضعف ملحوظ ،وتدن واضح في مستوى الطلاب في ممارسة عمليات التفكير، والكفاءة اللغوية،بالإضافة إلى معاناتهم في الفهم القرائي للنصوص.

ولم تعد قضية ضعف الطلاب في ممارسة عمليات التفكير ، أو في الفهم القرائي، والكتابة الإبداعية وتدني مستوى تدريسها من القضايا المستترة، وهذا ما أكدته الدراسات والبحوث السابقة، ليست في ميدان اللغة العربية فحسب، بل في ميدان تعليم اللغات بصفة عامة .

بالإضافة إلى ضعف الطلاب ـ الذي يكاد أن يكون عاماً ـ في اكتسابهم واستخدامهم للقواعد اللغوية، وأصبح النحو العربي يمثل عبئاً كبيراً عليهم ، دون محاولة جادة للتصدي لهذه المشكلة .

وقد تبين للمؤلف ضعف المهارات اللغوية لدى طلاب شعب اللغة العربية بكليات التربية، وكذلك طلاب المرحلة الثانوية عن طريق الملاحظة الذاتية في أثناء تدريسه لطلاب شعب اللغة العربية بكلية التربية بجامعة المنيا، وكذلك طلاب كليتي اللغة العربية والعلوم الاجتماعية والإدارية، والشريعة وأصول الدين بجامعة الملك خالد بالمملكة العربية السعودية، والتدريس لطلاب المرحلة الثانوية.

وينبغي التنويه إلى أن هذا الكتاب كان اقتراحاً من أستاذي الذي تشرفت بالتعلم على يديه الكريمتين ،الأستاذ الدكتور العالم مصطفى إسماعيل موسى (رحمه الله )،وكيل كلية التربية للدراسات العليا والبحوث بالمنيا؛ الأستاذ والمعلم والمربي الذي لم يبخل على تلميذه بنصيحة أو توجيه أو رعاية أو إحاطة أبوية. والله أدعو أن يكون هذا في ميزان حسناته ، وأن أكون تلميذا وفياً لأستاذه.

د . بليغ حمدي إسماعيل

المنيا ـ أرض سلطان

Page 2

اللغة

اللغة ككرة، أصلها لغو، من باب دعا وسعى ورضى، ووزنها فعة، حذفت لامها، وعوض عنها هاء التأنيث، وتجمع على لغى، ولغات، ولغون، وهي الصوت مطلقاً، واللهج (الولوع) بالشئ والخطأ والسقط (ما لا يعتد به) والنطق والهذيان، والباطل، ولم ترد لفظة لغة في القرآن الكريم، وإنما ورد مكانها اللسان، بينما وردت لفظة (اللغو) في غير معنى اللغة.

أما بالنسبة إلى مفهوم اللغة اصطلاحاً فإن إيجاد تعريف ملائم للغة أمر في غاية من الصعوبة، وقد أمضى علماء اللغة والفلاسفة القرون العديدة في محاولة إيجاد تعريف ملائم للمصطلح، والتعريف ما هو في حقيقة الأمر إلا نظرية مركزة، والنظرية ببساطة ما هي إلا تعريف موسع.

وقد اهتم القدماء والمحدثون من اللغويين بتقديم تعريف للغة يوضح معناها، ويبين المقصود بها، وقد نال التعريف الذي قال به (ابن جني) شهرة واسعة لدى المحدثين من اللغويين العرب، واهتم الكثيرون بشرحه وبيان مقصده، ويرى (ابن جني) اللغة على أنها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم".

و هذا التعريف دقيق في جوهره مع عناصر تعريف اللغة عند الباحثين المعاصرين، فهو يؤكد على جانب الطبيعة الصوتية للرموز اللغوية ، ويبين أيضا ًأن وظيفتها الاجتماعية هي التعبير ونقل الأفكار في إطار البيئة اللغوية.

وقد تعددت تعريفات اللغة بتعدد المذاهب والاتجاهات المختلفة التي تنظر إلى اللغة سواء باعتبارها أداة يتبادل أفراد المجتمع الواحد بواسطتها الأفكار، والمعارف، أو باعتبارها وسيط يسهل عملية الاتصال بين أفراد المجتمع، وفي ضوء هذين الاتجاهين تعددت التعريفات واختلفت فيما بينها.

ويرى ميللر Miller اللغة على أنها "استعمال رموز صوتية مقطعية يعبر بمقتضاها عن الفكر"، ويعرفها جون كارول John Carroll بأنها "النظام المتشكل من الأصوات اللفظية الاتفاقية وتتابعات هذه الأصوات التي تستخدم أو يمكن أن تستخدم في الاتصال المتبادل بين جماعة من الناس، والتي يمكن أن تصف بشكل عام الأشياء والأحداث والعمليات في البيئة الإنسانية". (محمود السيد،1988) .

بينما يرى موريس MORRISاللغة بأنها "مجموعة من علامات ذات دلالة جمعية مشتركة ممكنة النطق بين أفراد المجتمع المتكلم بها كافة"، وهي ذات ثبات نسبي في كل موقف تظهر فيه، ويكون لها نظام محدد تتآلف بموجبه حسب أصول معينة وذلك لتركيب علامات أكثر تعقيداً.

وتعرف دائرة المعارف الأمريكية اللغة بأنها " نظام من العلامات الصوتية الاصطلاحية" ، ويعرفها سابير بأنها " وسيلة تفاهم خاصة بالإنسان تمكنه من تبادل الأفكار والعواطف والرغبات بواسطة رموز صوتية اصطلاحية على وجه التغليب والتعميم يصدرها أعضاء النطق إرادياً" .

Page 3

كما يعرفها فينوجيارو Finocchiaro (1964) بأنها " نظام عشوائي من الرموز الصوتية ، يمكن هذا النظام الناس في ثقافة واحدة ،أو من تعلم هذه الثقافة، من الاتصال والعلاقة مع بعضهم البعض" . أما باي Pei(1966) فيرى أن اللغة " نظام من الاتصال الصوتي يتم من خلال أعضاء النطق والسمع، يوجد هذا النظام بين أفراد المجتمع، ويستعملون رموزاً صوتية، والعلاقة بين مسمياتها ومدلولاتها علاقة اتفاقية متعارف عليها" .

أما معجم راندوم هاوس Random House Dictionary(1966) فيعرف اللغة بأنها " أي مجموعة أو نظام من الرموز اللغوية التي تستعمل بطريقة متشابهة عند مجموعة من الناس" ، أما واردوفWardhaugh(1972)فيعرف اللغة بأنها نظام من الرموز الصوتية التي تستعمل للاتصال الإنساني، وهذا النظام يتصف بأن العلاقة بين الرمز الصوتي ومدلوله علاقة اتفاقية.

وتعرف الموسوعة الفرنسية اللغة بأنها " علامات مركبة تولد في الشعور إحساسات متباينة، إما مستثارة أو مباشرة، أو مخمنة عن طريق الارتباط". ويعرف ماكس موللر اللغة بأنها " تستعمل رموزاً صوتية مقطعية، يعبر بمقتضاها عن الفكر" .

وعرّف علماء النفس اللغة ، فرأوا أنها مجموعة إشارات تصلح للتعبير عن حالات الشعور ، أي عن حالات الإنسان الفكرية و العاطفية و الإرادية ، أو أنها الوسيلة التي يمكن بواسطتها تحليل أية صورة ٍ أو فكرةٍ ذهنيةٍ إلى أجزائها أو خصائصها ، و التي بها يمكن تركيب هذه الصورة مرّة أخرى بأذهاننا و أذهان غيرنا ، و ذلك بتأليف كلماتٍ و وضعها في ترتيبٍ خاصٍ .

و يرى الدكتور أنيس فريحة أن اللغة أكثر من مجموعة أصواتٍ و أكثر من أن تكون أداةً للفكر أو تعبيراً عن عاطفةٍ ، إذ هي جزءٌ من كيان الإنسان الروحي ، و أنها عمليةٌ فيزيائيةٌ بسيكولوجية على غايةٍ من التعقيد . .

و هناك تعريفات عديدة أخرى ، تتفق حيناً و تختلف حيناً آخر . و لعلّ مصدر التباين في هذه التعريفات ناشئٌ عن منطلقات أصحابها الفكرية . فمن تعريف وصفي ٍ خارجيٍ ، إلى تعريف نفسيٍ داخليٍ ، إلى آخر يمثل نظرة فلسفيةً معينةً لواقع الإنسان و وجوده و نشأته .
علماً أن الناظر إلى واقع اللغة الإنسانية – وصفاً و تقريراً – يجد أنها أصوات و ألفاظ و تركيب منسقة في نظامٍ خاصٍ بها ، لها دلالاتٌ و مضامين معينة ، يعبّر بها كل قومٍ عن حاجاتهم الجسدية و حالاتهم النفسية و نشاطاتهم الفكرية .

خلاصة وتعقيب

لاشك أنه في ضوء التعريفات السابقة للغة أنها مجموعة إشارات تصلح للتعبير عن حالات الشعور المختلفة، أي عن حالات الإنسان الفكرية والعاطفية والإرادية،وهي الوسيلة التي يمكن بواسطتها تحليل أية صورة أو فكرة ذهنية إلى أجزائها أو خصائصه المميزة، والتي يمكن بها تركيب هذه الصورة مرة أخرى في أذهاننا، وأذهان غيرنا من أفراد المجتمع الواحد، وذلك بوضعها في ترتيب وتنظيم خاص.

كما أن اللغة قدرة ذهنية تتكون من مجموع من المعرف اللغوية، بما فيها المعاني و المفردات والأصوات والقواعد التي تنظمها جميعاً. كما أنها نظام من الرموز الصوتية يتألف من أصوات تنجم عن جهاز النطق البشري، وإنساني فهو نتاج للجهد الجماعي البشري، ونظامي لأنه يخضع لقواعد تقرر تركيبه.

وعندما نحاول التوفيق بين المواضعات المختلفة للغة نستطيع أن نخرج بمجموعة من السمات الخاصة التي تصف اللغة وهي :

1ـ اللغة لها طبيعة منظمة وتوليدية.

2ـ اللغة مجموعة من الرموز العشوائية.

3ـ هذه الرموز صوتية ولكنها قد تكون مرئية.

4ـ الرموز تستعمل للاتصال بين الجماعات.

5ـ اللغة توجد في مجتمع وثقافة.

6ـ الأفراد يكتسبون اللغة بنفس الطريقة تقريباً، أي أن اللغة والتعليم اللغوي لهما جميعاً صفات عامة متماثلة.

7ـ اللغة أداة للفكر، وتعبير عن العاطفة.

8ـ اللغة جزء من كيان الإنسان الروحي.

9ـ اللغة عملية فيزيائية اجتماعية على غاية من التعقيد.

Page 4

النظريات المفسرة للغة

تناول علماء اللغة ، وعلماء النفس قضية اكتساب اللغة ، في محاولة ـ قد تكون جادة ـ لتفسير كيفية اكتساب الفرد (الطفل) اللغة. وقد اختلفت الآراء بشأن تلك القضية أو الظاهرة، بحسب فلسفتهم وإطارهم المرجعي. لم تعد اهتمامات علم اللغة الحديث مقتصرة على الجوانب النظرية والتحليلية في دراسة اللغة فقط، بل أضيفت إليها اهتمامات، ومهام جديدة – بخاصة بعد ظهور علم اللغة التطبيقي- تهدف إلى خدمة المجتمع، ومن هذه المهام: الاهتمام بدراسة عيوب النطق ومشكلات التخاطب والكلام، وعلاجها إن أمكن، ومنها أيضاً الاهتمام بدراسة نمو الطفل اللغوي، ومنها أيضاً الاهتمام بدراسة ظاهرة اكتساب اللغة، بالإضافة إلى دراسة مهارات الاتصال اللغوي، وغير ذلك من الموضوعات التي لها علاقة وثيقة باللغة والمجتمع.

وفيما يلي نورد بشكل موجز أبرز النظريات التي تناولت قضية اكتساب اللغة عند الإنسان والتي أشارت إليها بعض الأدبيات اللغوية والتربوية :

أ ـ نظرية المحاكاة

يرى أصحاب هذه النظرية أن الطفل يكتسب اللغة من خلال محاكاة الطفل لما ينطقه أبواه والمحيطون به. فالطفل يكتسب اللغة بمحاكاة من يتعايش معهم ويصل إليه كلامهم ، إذ يتعلم الطفل أكبر عدد ممكن من الكلمات والجمل التي تزداد بنضج الجهاز الصوتي ، وسماع كلام الآخرين من خلال التواصل اللغوي.

واللغة التي يتعلمها الطفل وفق هذه النظرية هي لغة والديه، ويقع على عاتقهم العبء الأكبر في تعلم اللغة ، ويرى راتب عاشور(2003) أن الوقت المناسب لاكتساب الأطفال اللغة بهذه الوسيلة هو الربع الأخير من السنة الأولى، وتستمر لديهم حتى أوائل السنة الرابعة.

ولقد تعرضت هذه النظرية إلى النقد والمعارضة، فهي لم تعلل لنا أسباب محاكاة الطفل لأبويه، كما أنها لم تلمح أو تشير إلى الميكانيزمات النفسية والبيولوجية التي تعمل على اكتساب اللغة من خلال هذه المحاكاة . ورغم بساطة هذه النظرية والنقد الموجه لها إلا أن بعضهم يعتبر المحاكاة أهم عامل في تعلم اللغة عند الطفل.

ب ـ النظرية السلوكية

أثرت المدرسة السلوكية في علم النفس على الدراسات اللغوية حتى الخمسينيات من القرن الماضي، حيث نظر سكينر إلى اللغة على أنها عادة مكتسبة مثلها في ذلك مثل العادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان أثناء نموه من الطفولة إلى الرجولة.

فاللغة في رأيهم تتألف من ردود أفعال أو استجابات خارجية يصبح الشكل المقبول اجتماعياً للسلوك عن طريق التعزيز أو الثواب الذي يقدمه المجتمع سواء اقتصر ذلك المجتمع على الوالدين في بادئ الأمر أو امتد إلى أبعد من ذلك .

وافترض سكينر أن اللغة نمط من أشكال السلوك العامة، ويرى أن من شأن المثيرات اللفظية والبيولوجية توليد الاستجابات اللفظية التي يتعلمها الطفل بواسطة التعزيز، ويؤكد على أن تعزيز السلوك اللفظي يتم بواسطة الآخرين. وتلقي الطفل للتعزيزات الإيجابية مرتبط بتأديته للاستجابة اللفظية الصحيحة. أما عملية الاكتساب فتعزز هنا بالقدر الذي تتكرر فيه الاستجابة اللفظية، فالطفل عندما يتلفظ بكلمة ما يستجيب الكبار له، ويوفرون له ما يطلبه فيتم تدعيم الاستجابة، وتتكرر هذه العملية كلما لفظ الطفل كلمة يطلب بواسطتها شيئاً من الكبار، وكلما دعم الكبار كلامه من خلال توفير الشئ له يتم تدعيم هذه الاستجابات.

ج ـ نظرية التطابق

تقوم هذه النظرية على عدة مبادئ من أهمها ما يلي:
- التطابق بين اكتساب لغة الأم و تعلم اللغة الثانية .
- لا تأثير للغة الأم في اكتساب اللغة الثانية و تعلمها .
ولهذه النظرية عدة عيوب من أهمها ما يلي :
- تجاهل كثير من الظروف المحيطة في التعليم مثل التطور المعرفي و الظروف الاجتماعية و التعليمية إلى آخره من الظروف التي تؤثر في التعلم و الاكتساب .
وتنبع أهمية هذه النظرية من خلال تركيزها على إمكانية النظر في الاستراتيجيات و الآليات المتشابهة و المستخدمة في تعلم اللغة الأم و اللغة الأجنبية.

Page 5

د - نظرية التباين

يمكن أن تنتسب هذه النظرية إلى ( روبرت لادو) صاحب كتاب اللسانيات عبر الثقافات الذي نشر في أوائل الخمسينات .

وتقوم هذه النظرية على النقاط التالية :
1 ـ إن تعلم اللغات الأجنبية يتأثر كثيرا في بنية اللغة الأم ( أصواتها , وصرفها , و نحوها , وثقافتها)

2 ـ النقل الايجابي و النقل السلبي :
- النقل الايجابي :
ويعني أن متعلم اللغة الأجنبية يسهل عليه تعلم الأنماط اللغوية التي تشبه أنماط لغته الأم .
- النقل السلبي :
ويعني أن متعلم اللغة الأجنبية يصعب عليه تعلم الأنماط المختلفة عن أنماط لغته الأم فلذلك أن وجوه الاختلاف هذه ستمثل صعوبات له على المدرسة البنيوية .
3 ـ أهمية المقابلة بين اللغتين للتنبؤ بالصعوبات ثم وضع منهاج تعليمي في ضوء ذلك التنبؤ .

أما عيوب هذه النظرية فتتمثل في ما يلي :
- الاقتصاد على جعل التداخل بين اللغتين سببا رئيسا وحيدا لأخطاء المتعلم و تجاهل تأثير التداخل في النظام اللغوي المتعلم.
- إن هذه النظرية تعجز عن التنبؤ بالأخطاء من خلال ظاهرة ما يسمى بالتحاشي أو التجنب المقصود .(نايف خرما، 1988) .

هـ ـ نظرية الجهاز الضابط

تنسب هذه النظرية لـ ( ستيفن كراشن ) وتهتم هذه النظرية بالعلاقة بين التعلم التلقائي , والتعلم الموجه .
أسس النظرية :
تقوم هذه النظرية على طريقتين لتعلم اللغة الأجنبية وهما :
- اكتساب اللغة لا شعوريا على استخدام اللغة في المواقف التواصلية الحقيقية الهادفة لاستخدام اللغة لأغراض حياتية .
- تعلم اللغة إرادياً وهنا يتمكن المتعلم من القواعد اللغوية للغة الثانية دون اهتمام كبير بالتواصل اللغوي المباشر .

و ـ نظرية تشومسكي

يرى تشومسكي أن اللغات الإنسانية على اختلافها تجمعها خصائص عامة ترجع في أصلها إلى العقل، وهذه الخصائص العامة هي جزء من الملكة الفطرية التي يمتلكها الطفل، والبالغ على السواء بحكم امتلاكه لهذه الآلة الفريدة والمميزة للإنسان، وهي العقل، وتظهر آثار تلك الخصائص العامة عندما يتعرض الطفل عن طريق السماع للاستعمال اللغوي في بيئته، حيث يقدم له هذا السماع المادة اللغوية التي تعمل فيها الملكة الفطرية، ومن ثم يستطيع استخدام تراكيب معقدة وقواعد مجردة للتعبير عن أفكاره بسهولة ويسر.

ويرى أصحاب هذه النظرية أن الأطفال يتعلمون قواعد لغوية بالغة التعقيد بسرعة هائلة. توحي هذه السرعة في اكتساب قواعد اللغة بأن الإنسان ذو تركيب خاص يؤهله لاكتساب اللغة عن طريق تحليل البيانات اللغوية التي يتلقاها وتكوين الفرضيات حول كيفية التركيبات اللغوية.

ويرى تشومسكي أنه يجب التركيز على الكفاية اللغوية وهي معرفة المتكلم أو السامع للغته، وعليه فقواعد اللغة عنده هي وصف للكفاية الحقيقية للمتكلم المثالي، فالهدف الاستراتيجي للسانيات هو الكشف عن المقدرة اللغوية المشتركة بين جميع المتكلمين التي تمكنهم من فهم وبناء عدد غير محدود من الجمل الصحيحة قواعدياً والتي لم تسمع من قبل وأما الأداء فشأ ثانوي، إذ لا يشكل سوى قمة جبل كبير من الكفاية اللغوية التي يتحكم في تشكيلها عوامل كبيرة لا تتعلق بعلم اللغة.

وتعد هذه النظرية من أهم النظريات اللغوية في تفسير ظاهرة اكتساب اللغة، بخاصة بعد أن عارضت النظرية الوصفية البنيوية السلوكية، التي ترى أن عملية الاكتساب اللغوي تتم عن طريق التلقين، والاستجابة الشرطية، والحافز .

ويمكن تلخيص موقف هذه النظرية من ظاهرة اكتساب اللغة من خلال النقاط الآتية :

1- إن اكتساب البنى اللغوية عند جميع أطفال البيئة الواحدة يتم على نسق واحد.

2- يكتسب الطفل السليم المعرفة اللغوية من خلال تعرض شفاف لما يسمعه، دون تدرج.

3- يستطيع الطفل أن يكتسب لغة قومه في خلال أربع سنوات بطريقة سهلة وميسرة.

4- يجب ألاّ تتعدى خصائص لغة الطفل التي يكتسبها قدراته الطبيعية على الاستيعاب.

5- إن الطفل السليم لا يكتسب اللغة واستعمالاتها فحسب، بل يمتلك القدرة والتقنية على التواصل اللغوي، وبالتالي يتمكن من إدراك أهمية اللغة ودورها الوظيفي في المجتمع الذي يعيش فيه.

6- إن الطفل الذي نجح في اكتساب لغة قومه يكون قد نمَّى في ذاته تصوراً داخلياً لتنظيم من القواعد، يسمَّى "الكفاية اللغوية" أو "القدرة اللغوية".

فالنظرية التشومسكية (التوليدية والتحويلية) ترى أن عملية اكتساب اللغة عند الطفل هي عملية اكتساب تنظيم من القواعد بالغ التعقيد يؤهله لتعلم لغته من خلال تعرضـه مباشرة للمظاهر اللغوية المحيطة به، وهذا شيء خاص بالإنسان وحده، لا يشاركه فيه مخلوق آخر؛ لما ميزه الله به من عقل ومنطق عن غيره من المخلوقات الأخرى.

وبذلك تكون هذه النظرية قد هدمت كثيراً من المفاهيم السائدة قبلها في تفسير ظاهرة اكتساب اللغة. إذ ترى أن الطفل بصفته إنساناً يتوصل في خلال مدة زمنية قصيرة نسبياً إلى اكتساب الكفاية اللغوية، وهي المعرفة بتنظيم قاعدي بالغ التعقيد يؤهله لتعلم اللغة .

ويخالف هذا التفسير –بصورة أساسية- التفسير الذي كان سائداً قبل ذلك، والذي يتلخص في أن الطفل ينقل لغة قومه، ويحاكيها إلى أن يتوصل إلى الإلمام بها، وفي أن ذهن الطفل صفحة بيضاء تتلقى مثيرات البيئة، وهذا هو التفسير الذي تتبناه النظرية السلوكية في تفسير ظاهرة اكتساب اللغة، والتي يمكن تلخيص موقفها في النقاط الآتية:

1 ـ إن اكتساب الطفل لغة قومه يندرج ضمن إطار نظرية التعلم، فهو شكل من أشكال السلوك الإنساني، ولا يختلف عن أية مهارة سلوكية أخرى.

2 ـ يتم اكتساب الفونولوجيا عند الطفل من خلال تحويل الأصوات العفوية إلى أصوات لغوية عن طريق تدعيمها، أو عن طريق تعزيز الطفل باتجاه اكتساب الأنماط الصوتية من الكبار.

3 ـ تتولد الاستجابات اللفظية عند الطفل عبر المثير، أو الحافز الفيزيائي، وتتعزز من خلال محاولات الطفل التلفظ بها. إن محاكاة الكلام هي بمثابة تشجيع، ومكافأة للمناغاة التي يقوم بها الطفل في أول مراحل الاكتساب. يكتسب الطفل –من وجهة نظر هذه المدرسة السلوكية– أصوات اللغة بصورة آلية من خلال التكرار، والتواصل، والممارسة المستمرة لهذه العادات اللفظية. يتم اكتساب الطفل طريقة نطق الكلمات، وفهم معانيها وتركيبها في جمل مفيدة عبر مسار شرطي.

ويرفض تشومسكي هذه النظرة إلى اكتساب اللغة؛ لأنها قائمة على آراء سابقة وأولية؛ ولأنها تنظر إلى الإنسان على أنه آلة، أو على أنه لا يختلف عن الحيوان، ولا تراعي قدراته العقلية والمنطقية والفكرية.

ويتبين مما سبق أن نظرة تشومسكي إلى عملية اكتساب اللغة تختلف كلية عن النظرة السلوكية، التي ترى أن عملية الاكتساب تتم تدريجياً من خلال لا شيء، أو من خلال "دماغ فارغ"، وبواسطة الاستقراء والتعميم، وبدون أية ضوابط بيولوجية (ميشال زكريا: 1982: 54).

Page 6

أهمية اللغة ووظيفتها

للغة بصفة عامة وظائف مهمة رصدها العلماء واللغويون والباحثون دون التفرقة بين اللغة المكتوبة، أو المسموعة، أو المنطوقة، حيث إن هذه الاعتبارات الثلاثة تؤدي وظيفة واحدة هي التفاهم بين أفراد المجتمع الواحد.

ولا ريب في أن وجود عدة لغات وقت التنزيل بدا لنا فضل العربية، وشرفها على سائر اللغات، وتكريم الله بالاختيار كلغة لكتابه الأخير ] إنا جعلناه قرآنا عربياً لعلكم تعقلون[.

وإذا كانت الكتب والدراسات والأدبيات اللغوية أسهبت في الحديث عن أهمية ووظيفة اللغة وتعدد مناحي استخداماتها، فيمكن أن نحدد أهمية ووظيفة اللغة في مظهرين اثنين؛ الفردي والاجتماعي،ولعل هذا التقسيم يتفق مع ما يسمى بالكفاءة اللغوية التي سيأتي الحديث عنها بالتفصيل في الفصل الثاني.

فأما على المستوى الفردي ،فاللغة تسهم في إخراج الفكرة من ذهن صاحبها إلى عالم الإدراك الخارجي، فتترجمها إلى صورة بارزة ذات كيان ومعالم. فالإنسان تجول في خاطره مجموعة من الأفكار والمعاني تظل كامنة إلى أن يقدمها في صورة مكتوبة، أو منطوقة، ويستطيع أن يصور ويجسد بذلك مشاعره واتجاهاته المختلفة. واللغة بذلك تعد أداة للفكر ووسيلة للتعبير عما يدور في خاطر الإنسان من أفكار ، وما في وجدانه من مشاعر وأحاسيس.

Page 7

اللغة والتفكير

يرى أصحاب النظرة الفكرية للغة أن اللغة نظام لاكتساب العادات، ويكتسب الفرد من خلالها الخبرة عن طريق التجربة ،وأن آليات الذهن اللغوية تعتبر مدخلاً عاماً لفهم طبيعة عمل الآليات الأخرى كالإدراك البصري والحدث.

ويرى (فندريس) أن اللغة في بعض الأحيان تستطيع أن تعدل من العقلية وتنظمها، فعادة وضع العقل في مكان بعينه دائماً يمكن أن تؤدي إلى صورة خاصة في التفكير، وأن يكون لها أثر في طرق الاستدلال. ويؤكد فندريس أن اللغة إذا كانت مرنة وخفيفة ومقتصرة على الحد الأدنى من القواعد النحوية سمحت للفكرة بالظهور في وضوح تام وأتاحت لها حرية الحركة.(عبد الغفار هلال،1983).

وتبرز أهمية اللغة في علاقتها بالفكر والتفكير ، حيث إن هناك علاقة وطيدة ومباشرة بين اللغة والفكر تتضح لنا ما أن نربط بين تجريدية الفكر وحقيقة أن اللغة نظام يعمل على مستوى المفاهيم والمجردات من مقولات وعلاقات وسمات، كما أن اللغة وسيلة لإدراك ظواهر ثنائية مثل الزمان والمكان ؛حيث إنها تعبر عن الماضي والحاضر والمستقبل، والتوقف والاستئناف والاستمرار.

وفي إطار العلاقة التبادلية بين اللغة والفكر تبدو العلاقة التبادلية في أوضح صورها، فكما يسمو الفكر بلغته، يمكن للغة أن تسمو بفكر صاحبها، ويشهد تاريخ الفكر الإنساني أن اللغة كانت أشد الأسلحة الأيديولوجية ضراوة،وهي الوسيلة والأداة القوية في السيطرة على الفكر.

وعن طريق اللغة يقوم الإنسان بالعمليات التفكيرية من تفسير وتحليل وموازنة وإدراك للعلاقات، واستخراج للنتائج وتجريد وتعميم، ثم يصب ناتج كل هذه العمليات عندما تمده اللغة بالرموز التي تحدد له المعاني وتحمل له الأفكار.(محمود الناقة،2001) .

ويرى هيمبولدت أن اللغة هي التي تحدد الفكر ،وأن الاثنين متلازمان، بل إنه يذهب إلى حد القول بأن اللغة هي الفكر. ويقول في هذا : " إن اللغة هي العضو الأساسي للفكر ، فالفكر واللغة هما شئ واحد وغير قابلين للانفصال" . ويرى (سابير) من جهته شيئاً مماثلاً إلى حد كبير بقوله : " إن تشكيل الفكر من دون اللغة أمر مستحيل " ، مضيفاً أن " الشعور الذي يساور الكثيرين بأنه يمكن التفكير أو التعليل من دون اللغة أمر وهمي " .

ثم يأتي (وورف) ويطرح وجهة نظره في موضوع وظيفة اللغة في التفكير بقوله " إن النظام اللغوي لكل لغة ليس مجرد أداة تستخدم لإعادة التعبير عن الأفكار ، بل إنه المشكل للأفكار والمرشد للنشاط الذهني للفرد، ولتحليل انطباعاته ولتركيب المخزون الذهني" .

لذا أصبح من الواضح لنا بشكل مطرد أن الحديث عن التفكير مع تجاهل اللغة يفتقد كثيراً إلى التوازن نظراً لأن الألفاظ ليست فقط ذات أهمية قصوى في تعلم المفاهيم ولكنها أيضاً الوسط أو القناة الموصلة لجميع أنواع التفكير.

وقد قدم عالم النفس فيجوتسكي Vygotsky أفضل تحليل مستنير للتفاعل بين اللغة والتفكير في كتابه (التفكير واللغة ) عام 1962، حيث يرى أن للغة وظيفتين لهما نفس المستوى من الأهمية ،أولهما الاتصال الخارجي، والثانية التحكم الداخلي بأفكاره الداخلية. ولقد بسط العلماء العلاقة بين اللغة والتفكير مثل سابير و هكتر هامرلي و بارلي ماكلافن ، حيث إن المعاني غير محددة وغير ثابتة وفي حالة تشكل دائماً تكون مبهمة مختلطة بغيرها حتى إذا جاء اللفظ عمد إلى تحليل المعاني وتصنيفها، ومن ثم تحديدها وتثبيتها.

ونقرب لهذا مثلاً من اللغة العربية ، فالإيمان معنى كامن في النفس نحس به ونستشعره دون أن نقوى على تحديده، فإذا عبرنا عنه بالألفاظ ميزنا الإيمان عن الإسلام عن التقوى عن الإحسان، وقلنا أن الإيمان ما اعتقده القلب وصدقته الجوارح.

وتؤكد النظريات اللغوية الحديثة والمعاصرة على أهمية ووظيفة اللغة ، وما تقوم به اللغة من أدوار تسهم في تنمية تفكير الفرد وإدراكه ووعيه، ومن هذه النظريات ما يلي:

1ـ النحو التوليدي التحويلي

3ـ النحو الوظيفي,

5ـ النحو المقولي.

7ـ نحو بنية الجملة المعتمدة على الرأس.

2ـ الرابط العاملي

4ـ النحو العلائقي.

6ـ نحو شبكات الانتقال المعززة.

8ـ النحو الترابطي

Page 8

التفكير على خريطة مناهج تعليم اللغة

نعيش الآن في عصر تتسارع فيه المعلومات، بل وتتصارع في ظل ما وصلنا إليه من تقدم تكنولوجي وثورة معرفية، آخذة في الازدياد بحكم المستجدات التي طرأت على ما عندنا من علم ومعرفة والتغيرات المستمرة في حياتنا ، وما يتبعها من تجديد وتطوير في أسلوب حياتنا ، وغاياتنا منها في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وغيرها من ميادين الحياة الأخرى .

ونحن لم نصل ـ في عصرنا الحاضر ـ إلى ما وصلنا إليه من تقدم علمي وتكنولوجي إلا بواسطة القيام بعمليات التطوير والتجديد والإبداع والابتكار، وسيكون المجال أكثر انفتاحا على مصراعيه للتجديد والإبداع طالما أطلقنا لعقولنا مجال التفكير .

وقد جاء الاهتمام بتنمية التفكير بصفة عامة سواء من جانب واضعي المناهج ،أو من خلال توصيات المؤتمرات التي اهتمت بتنمية التفكير في المناهج الدراسية؛حيث مساعدة الأفراد الذين لا يمتلكون أية مهارات أو بعض مهارات التفكير المرغوب على اكتساب هذه المهارات،ومساعدة الذين يمتلكون عدداً من مهارات التفكير ولكن بقدر بسيط على إثراء تعلمهم وتعميق هذه المهارات كماً وكيفاً ، كاستجابة طبيعية لما يفرضه الواقع الذي يعيشه الإنسان متمثلاً في تحديات جديدة تواجهه،وتفرض عليه التعامل معها؛لكي يبقى ويستمر في أفضل الأوضاع الممكنة،كما أن تقويم الإمكانات المتاحة والأفكار الجديدة من حيث مناسبتها لقيم المجتمع وتقاليده يتطلب من الإنسان المعاصر استخدام التفكير الذي يساعده في تكوين نظرة فاحصة متعمقة للأشياء .

وتعد اللغة أداة التفكير، كما أنها ثمرة من ثمراته، فعن طريق اللغة يقوم الإنسان بالعمليات التفكيرية من تفسير وتحليل وموازنة وإدراك للعلاقات واستخراج للنتائج وتجريد وتعميم . ولكي يعبر الإنسان بوضوح لابد أن تكون الفكرة واضحة في ذهنه ، وذلك لأن وضوح الفكرة في ذهنه يؤدي إلى وضوح التعبير عنها، وكلا الأمرين ـ وضوح الفكرة في الذهن ووضوح التعبير عنها ـ عملية تستند إلى اللغة، ولذلك يمكن القول بأن اللغة هي التفكير .

وهذا ما أشار إليه " فانيير" بأن ما يؤثر في أعماقنا بشكل غامض ومبهم لا يستحق أن نطلق عليه اسم فكرة أو إحساس أو رغبة أو غاية قبل أن يتشكل في لغتنا. وهكذا نجد أن اللغة والفكر شئ واحد ، فاللغة هي الفكر في حالة العمل إذ ليس هناك فكر مجرد بغير رموز لغوية ، وبقدر ما تكون اللغة دقيقة وحية ومبرأة من الفوضى يكون الفكر دقيقا وحيا ومبرأ من الفوضى.

ولقد أصبحنا نعي ـ وبشكل مطرد ـ ما بين اللغة وعمليات الفكر من تفاعل ، وهذا ما أكدته نتائج العديد من الدراسات والبحوث التي اهتمت بتعرف العلاقة بين مهارات اللغة من حيث اكتسابها واستخدامها وبين عمليات التفكير المختلفة، مثل دراسات كل من بيري Bery(1988) التي أبرزت نتائجها مدى التأثير على قدرة الطلاب الكتابية، وتوليد الأفكار الجديدة ، وإنتاج نص مترابط فكريا، ودراسة ميلود أحبدو (1993) التي هدفت تحليل العناصر والعوامل المؤثرة في تدريس الإنشاء مثل الميول الابتكارية وهي التمتع بالطلاقة والمرونة والأصالة ، ودراسة إحسان فهمي (1994) التي أوضحت أثر تنمية مهارات القراءة على التفكير الناقد لدى طلاب المرحلة الثانوية ، ودراسة حمادة إبراهيم (1998) التي أبرزت نتائجها أثر استخدام المدخل الأدبي في تنمية التفكير الناقد والتعبير الإبداعي لدى طلاب شعبة اللغة الفرنسية بكلية التربية.

ويمكن إيجاز الموقف الحالي من هذه القضية ـ قضية التفاعل بين اللغة والتفكير ـ بالقول بأن الفكر واللغة هما أهم عنصرين من عناصر الحضارة الإنسانية، وان كلا منهما مرتبط بالآخر ارتباطاًَ وثيقاً بحيث يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به تأثيرا كبيرا.ً

حيث إن صياغة الأفكار ليست عملية مستقلة، بل جزء من قواعد لغوية معينة، كما أن أنظمة اللغة وقواعدها ليست مجرد أداة للتعبير عن الأفكار فقط، بل تكون وتشكل تلك الأفكار ، وهي البرنامج والدليل لنشاط الفرد الفكري ، ولتحليله للانطباعات التي يحصل عليها ولتجميع أفكاره. كما أن الجانب الفكري من اللغة يأخذ تقريباً ثلثي الحدث اللغوي سواء عند المرسل أو عند المستقبل. هذا بالإضافة إلى أن اللغة تؤثر في الفكر، ويكمن هذا التأثير في عملية ترتيب الصور الذهنية في ألفاظ تتآلف من كلمات مرتبة ترتيباً معيناً تعبر عن هذه الصور.

وتتشابه اللغة والتفكير في أنهما يتطلبان نفس العمليات الأساسية التي يعتمدان عليهما ، فالقدرة على التجريد ، والتصور،وتكوين الأنواع مطلوبة في استخدام اللغة والتفكير في مستوييهما العاليين .

وتطبيق تلك العلاقة بين اللغة والتفكير في تعليم اللغة العربية يتطلب العناية بالمعرفة في المادة اللغوية من حيث صدقها، وحداثتها، ويتطلب ذلك أيضا الاهتمام بتنمية مهارات لغوية وعمليات عقلية مثل الفهم، والتفسير،وعمليات التفكير ، والإبداع، وبصفة خاصة في عمليتي القراءة والكتابة. بالإضافة إلى العمل على تنمية قدرات الطلاب على فهم النصوص الأدبية والقرائية والإلمام بالأفكار التي تتناولها هذه النصوص مما يساعدهم ذلك على التحليل والتقويم.

وكذلك تدريبهم على تنظيم الأفكار وتسلسلها،وذلك بعد فهم النص الأدبي أو العلمي والتعبير عن هذا التنظيم لفظاً وكتابة بحيث يساعدهم ذلك على تنمية خبراتهم وتقوية قدراتهم اللغوية.

Page 9

كما يمكن الاستفادة من هذه العلاقة بين اللغة والتفكير في تدريب الطلاب على التعبير عن أنفسهم كتابة،وذلك بتدريب الطالب على القراءة المقننة الموجهة ثم التخطيط لموضوعه،وتقييم أفكاره،ومناقشة غيره فيه ليستطلع الآراء المختلفة فتتكون لديه الأفكار حتى تتاح لها الفرصة لتتحول إلى عبارات مكتوبة لها أسلوبها الفني الإبداعي الفريد.

إذن لا ينفصل تعليم المهارات اللغوية عن تنمية التفكير وإثراء خبرات الطلاب،وهذا ما يؤكده كثير من التربويين ،حيث إن التلميذ لا يستطيع أن يتحدث أو يكتب بشكل فعال ومبتكر إذا كان يفتقر إلى الخبرة الثرية أو مهارات التفكير،بل إن قدرته فهم ما يسمع أو يقرأ وإدراك معاني ما يقرأ والتمييز بين المفاهيم التي يتصل بها، أمور تتوقف على ما يتوفر لدى هذا الطالب من رصيد كبير من هذه المفاهيم.

ويؤكد رشدي طعيمة(1998) أن مهمة معلم اللغة العربية ليست مجرد تعليم قاعدة نحوية، أو استكتاب التلاميذ في موضوع معين ولو كانوا قليلي الخبرة، بل إن من أبرز مهامه تدريب هؤلاء على التفكير وإدراك دقائق الأشياء وتفصيلاتها بالشكل الذي يتحول فيه هذا التدريب إلى عادة مصاحبة له.

وأضحى من أهم أهداف التربية الحديثة تعليم الطلاب كيف يفكرون ،وكيف يستدلون، وكيف يجابهون مشكلات حيواتهم،فتعليم مهارات التفكير أمر بالغ الأهمية،وهو مجال خصب من مجالات البحوث النفسية والتربوية في عالم اليوم.وهنا يجئ دور المنهج المدرسي الذي يجدر به من خلاله أن يتعلم الطلاب كيف ينمون قدراتهم على التفكير، ويعلمهم المبادئ اللازمة للتفكير،وأساليب استخدام العقل وسيلة للتعلم.

ومما لا شك فيه أن تعليم التفكير ومهاراته وعملياته أمر إلزامي وضروري،يجب القيام به وذلك من خلال محتوى المناهج الدراسية التي يدرسها الطالب في المدرسة،فهي تزوده بالعديد من المصطلحات والمفاهيم ،فضلاً عن إكسابهم حصيلة من مفردات اللغة وهو يتعلم التفكير فيها من خلال تحليله لمحتوى المادة الدراسية وما فيها من أهداف معرفية وسلوكية،وما تحتويه من مهارات ،ومن خلال ما يستخرجه منها من قيم ومثل وعادات.

كما أن طرائق تدريس التفكير تتضمن خططاً واستراتيجيات تعليمية تساعد على تنمية العمليات العقلية عند المتعلمين،وأن هذه الطرائق تقدم للمتعلمين على شكل خطوات عامة بهدف إنجاز عمليات معرفية محددة .

ويؤكد يحيى هندام وجابر عبد الحميد(1985) أن تنظيم المنهج بحيث يراعى فيه أن عملية التفكير تشكل عاملاً مشتركاً بين المواد الدراسية على اختلافها،حتى تتمكن المناهج من الوفاء بهذه المسئولية يتطلب التركيز على إعداد المناهج على أساس مشاركة التلاميذ مشاركة فعالة في اكتساب المعارف والمهارات وتأصيل عادة التفكير السليم لديهم،واستخدام استراتيجيات تدريسية تعتمد على مشاركة التلاميذ في التوصل إلى حلول للمشكلات التي تعترض طريقهم .

فعملية التحليل في درس القراءة مثلاً تتطلب القيام بتحليل الموضوع القرائي واستخراج ما فيه من أفكار عامة ورئيسة وجزئية والمقارنة بينها وبين غيرها من الأفكار، واستخراج أوجه الاتفاق والاختلاف فيما بينها ، والقيام بعمليات الاستنتاج والاستدلال لمعاني الكلمات والمصطلحات من السياق، إن تعليم التفكير وعملياته ومهاراته في نموذج القراءة يعني أن مهارات المعرفة يتم تعليمها بشكل مباشر كجزء من برنامج تدريس القراءة.

ويؤكد هذا الاتجاه كل من"وارشام و ستاكتين" (1986)Warsham&Stackten و"بيير"(1987)Beyer حيث تدريس وتنمية مهارات التفكير من خلال المحتوى الدراسي ،حيث إن ذلك يحقق هدفين؛الأول أنها تسهل عملية تعريف وتقديم مهارة التفكير في المنهج الذي سيدرس ،والثاني أن هذه الطريقة تنمي التفكير وتدرس المحتوى في نفس الوقت.

وقد أقر مؤتمر "مدرسة المستقبل" الذي عقدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في دمشق عام2000ضرورة إعداد الإنسان العربي القادر على صنع المستقبل والابتكار،وتنمية التفكير المنهجي العقلاني والتعبير عنه بلغة عربية سليمة ، وضرورة امتلاك الطالب مفاتيح المعرفة ليصبح قادراً على التعلم الذاتي ومتابعة التعلم ،والقدرة على التخطيط للمستقبل والنجاح فيه..

ويرى"سترينبرج" Sternberg أن الذكاء عبارة عن مجموعة من مهارات التفكير التي تستخدم في حل مشكلات الحياة اليومية،كما تستخدم في المجال الأكاديمي ،وأن هذه المهارات يمكن تشخيصها وتعلمها.

Page 10

اللغة والاتصال الجمعي

أما على المستوى الجمعي فإن اللغة هي المستودع التعليمي للمعارف والمعايير الثقافية والتاريخ الاجتماعي المتوارث عن طريق العملية التعليمية ، وتعمل اللغة " كالغراء الاجتماعي الذي يتم بموجبه الشعور بالماضي والحاضر والمستقبل.

ويؤكد محمود الناقة على أن اللغة وعاء الثقافة في المجتمع ، وأداة التعبير عنها، ووسيلة من وسائل إثرائها، وإن كانت جزءاً من الثقافة إلا أنها في ذات الوقت أداة التعبير عنها وتسجيلها وحفظها ونقلها وتطويرها ، وهي المرآة التي تعكس حياة أصحابها الاجتماعية والثقافية من عقائد وتقاليد ومثل ومبادئ وأخلاق وتعاملات ونظم وفنون وتربية ، لذا يمكن القول بأن اللغة وإن كانت جزءاً من ثقافة المجتمع إلا أنها في ذات الوقت هي ثقافة المجتمع. (محمود الناقة،2001) .

واللغة بهذا المنظور الاجتماعي يلاشك أبرز ملامح ثقافتنا العربية، وهي أكثر اللغات الإنسانية ارتباطاً بالهوية، وهي اللغة التي مازالت سجلاً أميناً لحضارة أمتها في ازدهارها وانتكاسها، لذا فاللغة اجتماعياً سلاح قوي في مواجهة تفتيت التكتل الإسلامي في ظل العولمة. وتزداد يوماً بعد يوم مساهمة اللغة في تحديد الأداء الكلي للمجتمع الحديث، فهي تساعد في تدعيم العلاقات التي تربط المجتمع، وأهم العوامل التي تحدد ثقله الاستراتيجي.

ويؤكد مالينوفسكي أن اللغة وسيلة لتنفيذ الأعمال وقضاء حاجات الإنسان الاجتماعية، ويرى (يسبرسن) كما يذكر فتحي يونس (2001) أن كلمات اللغة لا تستعمل في أكثر الأحايين لتنقل أفكاراً، أو لتوضح أشياءً من هذا القبيل ولكنها تستعمل لتشبع الاشتياق إلى النزعة الاجتماعية والمصاحبة التي يهواها الإنسان.

وإذا نظرنا للغة باعتبار مهاراتها الأربع ، نرى الدور المهم لها في حياة المجتمع ، حيث إنها سلاح الفرد في مواجهة كثير من المواقف التي تتطلب الكلام أو الاستماع أو القراءة أو الكتابة، وهذه المهارات أدوات مهمة في إحداث عملية التفاهم في جميع نواحيها، ولاشك أن من أهم الوظائف الاجتماعية للغة ما تبرزه الخطب السياسية والمقالات وأساليب الدعاية.

واللغة ليست أداة صناعية خارجة عن علاقاتها بالمجتمع الذي تعيش فيه، بل هي صورة له، نابضة بالحياة، فإذا كان المجتمع متخلفاً ظهرت آثار التخلف في لغته، متخلفة معه، وإذا كان مجتمعاً راقياً بدا الرقي في لغته، كذلك فالشعوب البدائية يتكلمون لغة مادية لا تعرف الفكر أو المعاني الكلية، أما الشعوب الراقية ذوات الثقافة والفكر فتحمل لغاتها سمات حياتها العامة والخاصة التي تستطيع أن تعبر في صور متعددة ، وعبارات لا تحتاج إلى الإشارات، واللغة العربية تجنح إلى العقلية والخيال والتعبير عن الشئ منظوراً إليه من جهات متعددة.

ولم تعد اللغة مجرد أداة اتصال نعبر بواسطتها عن المفاهيم والأفكار والقيم ونحفظ بها التراث الثقافي والعلمي فحسب، وإنما أخذت تلعب دوراً رئيساً في عملية التنمية الروحية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية، وأصبحت وسيلة أساسية لتوحيد الأمة سياسياً ، لما في اللغة من قوة تتجاوز أهميتها من التعبير إلى التغيير.

وقد رأينا مما تقدم من أهمية ووظائف متعددة للغة تم تناولها من خلال اتجاهين، أحدهما ينظر للغة من البعد الفكري الداخلي، والآخر ينظر إليها باعتبارها عملية اجتماعية تواصلية.