eKtab
EN ع
أستيك الحاج فياض
Read free sample

أستيك الحاج فياض

by سليمان سليمان

Page 1

أستيك الحاج فياض [فرعة اليمين]

أستيك ـ بسطار ـ مركب ـ مْداس ـ بوط ـ نعل ـ حذاء.
إنها حكاية الكابوس الذي ـ جثم ـ ناخ ـ ربخ ـ ربض على صدر الشرق منذ النير العثماني حتى بزوغ المقاومة.
بعد يوم نضالي طويل في أواخر حزيران 1967 أمضيناه ونحن نجوب شوارع بودابست، من سفـارة إلى سفارة حتى وصلنا إلى السفارة المصرية حيث كانت نهاية المطاف لمظاهرة شارك فيها أغلب الطلبة الأجانب الذين يدرسون في جامعات بودابست. طبعاً لم يشارك أي مجري في تلك المظاهرة. وبعد أن نددنا وتوعدنا وهددنا جميع السفارات التي اعتبرناها تلقائياً مسؤولة عن الهزيمة في تلك الحرب.
في السفارة المصرية وقف السفير على شرفة مطلة على الباحة حيث تجمهر الطلاب. وأعلن أمامنا بالفم الملآن أن الحرب لم تنته بعد، وأن سيناء لم تسقط لأن حضرته وقبل أن يعيّن سفيراً منذ عدّة أشهر كان قائداً عسكرياً بمنطقة سيناء. وهو عرف مواقعها العسكرية ومخابئ الذخيرة. ورغم أن إسرائيل وصلت إلى قناة السويس لكنّه متأكد بأن سيناء لم تسقط وأن المعركة طويلة ونحن الشباب سنكون وقودها ونحن سنحرر سيناء.
وما كاد ينهي كلامه حتى تعالى الصراخ في وجهه وهجم الطلاب العرب محاولين الوصول إليه ولكن حرس السفارة من الشرطة المجرية منعتهم من ذلك وأدخلته إلى داخل السفارة. ومن لم يبحّ صوته من الهتاف طيلة النهار ضد الصهيونية والاستعمار بحّ صوته من الصراخ بالشتائم للسفير المصري ومن هم على شاكلته. وأنا من الذين بحّ صوتهم من السباب لذلك السفير لا من الهتاف ضد الاستعمار.
وتفرقنا وعاد كل منا إلى بيت الطلبة حيث يسكن، وكنا منهكين، كاظمين، يائسين ذليلين لا يكاد أحدنا يتطلع إلى وجه زميله، حتى أنّنا نخشى أن نتطلع في وجوه المجريين خشية أن يكتشفوا أننا عربْ، أو على الأقل كنا نوهم أنفسنا بذلك. لأن الأجانب كانوا نادرين في بودابست في تلك الأيام لذلك كان من السهل أن نتبين الطالب العربي ونعرفه من سحنته عن بعد عشرات الأمتار والغريب بالأمر أنّه من كان أشدنا كرهاً لعبد الناصر كان أكثرنا انكساراً أمام الهزيمة. وأذكر. طالباً سورياً يدعى جوزيف بصل كان يكره عبد الناصر كثيراً. ولكن عندما أعلن استقالته كان يصرخ في بيت الطلبة باكياً كالأطفال وبعدها أغلق باب غرفته على نفسه لعدة أيام.
أثناء الحشد لتلك الحرب كنا ننتظر على أحرّ من الجمر تلك المعركة التي ستقصم ظهر إسرائيل على الأقل، إذا لم تقض عليها نهائياً. هذه كانت وجهة نظري عندما كنت أتناقش مع الطلبة المجريين وبالأخص أستاذ مادة الفيزياء الذي تعرّفت إليه أثناء دراستي في المعهد التحضيري للطلبة الأجانب قبل دخول الجامعة حيث كان يدرّس هذه المادة وبعدها صادف أنّه كان أستاذاً في السنة الأولى الجامعية فرع الكهرباء. وكانت تربطني به صداقة جيدة بالرغم من أنّه يهودي لكنّه لم يكن صهيونياً في ذلك الوقت.
وأذكر أنّني في صبيحة الخامس من حزيران كنت أتقدم لامتحان في مادة الفيزياء عند أستاذ آخر وحوالى الساعة الحادية عشرة كنت أتقدم للامتحان الشفهي وعلى وشك أن انتهي من ذلك عندما دخل إلى الغرفة وسألني إنْ كنت أنهيت الامتحان فأجبته بالإيجاب فدعاني إلى تناول فنجان قهوة في مقهى قريب من الجامعة ولما وصلنا إلى هناك كان جميع من في المقهى متحلّقاً حول المذياع يستمعون إلى الأخبار التي تتوارد تباعاً عن سير المعارك بين الجيشين المصري والإسرائيلي والأخبار ترد بالتتابع عن عدد الطائرات الإسرائيلية التي أسقطها الجيش المصري ففرحت كثيراً للأمر ولكن صاحبنا طلب إليّ الهدوء قائلاً: «لقد وقع عبد الناصر في الفخ» ودار بيننا جدل طويل لم ينقطع منذ أن تعارفنا في المعهد التحضيري منذ ما يقارب السنة ونصف السنة ووجهة نظره أن إسرائيل تشكل خطراً على العرب والمعسكر الاشتراكي واليهود وكلما قويت إسرائيل سيسهل استقطاب اليهود في العالم وخاصة في دول أوروبا الشرقية ويؤدي ذلك إلى سلخ اليهود عن مجتمعاتهم وإدخالهم في دوامة جديدة مشابهة للدوامة التي كانوا يعيشونها حتى الحرب العالمية الثانية حيث استقروا بعدها في مجتمعاتهم بعد هزيمة النازية. لقد استُدرج عبد الناصر إلى هذه المعركة لضرب جيشه اذ كيف يعقل لجيش أُنهك في حرب اليمن ويجري سحبه مباشرة إلى سيناء ليخوض معركة؟
كان صاحبنا يعتقد حتى الخامس من حزيران باستحالة وقوع الحرب ذاتها. وأنها مناورات وضغوطات سياسية لكنّه الآن تأكد بأنّها كانت عملية استدراج ووقعت الواقعة وانتهت الحرب. طبعاً لم أوافقه على ذلك وكنت أناقشه بحدّة، وهو يطلب مني دائماً عدم الانفعال.
لكنّه كان يخشى كما كل المجريين من خطورة الوضع يخافون من التشابه بين حرب السويس عام 56 والأحداث الدامية التي وقعت أثناءها في المجر من حرب أهلية طاحنة، لذلك عم الخوف والإرباك في المجر وأعلنت التعبئة العامة تأهباً لخوض معركة قد تفرض عليهم رغم إرادتهم بين حلف وارصو والحلف الاطلسي وبدأت ترى في الشوارع ليلاً دوريات مسلحة راجلة للحرس الشعبي وهذا ما لم تكن تشاهده من قبل.
لقد عاش المجريون خوف من عاش الحرب وويلاتها أما أنا فلم أعرف الخوف لأنّني لم أعايش الحرب بل عرفت الخيبة ومرارتها. لذلك دفعتني الخيبة إلى قرار الذهاب إلى لبنان مع أنّني لم أكن قبلها قد فكرت بالسفر إليه في ذلك الصيف.
توجهت في اليوم التالي إلى السفارة التركية الموجودة في الشارع القريب من بيت الطلبة حيث أسكن وكنت أمر من أمامها في كل يوم تقريباً وأحياناً أكثر من مرة في اليوم الواحد، وكنت أشاهد أمامها رجلاً كهلاً بحيث ألِفت شكله لكثرة رؤيتي له، فدنوت منه وحييته هذه المرة وقد يكون هو الآخر قد ألفني كذلك لكثرة مشاهدته لي، فردّ التحية بوجه بشوش وبلغة مجرية مكسّرة وبلَكْنَة الأجنبي. فقلت له أريد أن أدخل لأحصل على فيزا إلى تركيا فأشار علي أن أذهب إلى موظفة الاستعلامات في الداخل فدخلت ودخل الرجل ورائي. فعرضت على موظفة الاستعلامات الأمر وتقدمت لها بجواز السفر فلما شاهدته وقلبته سألتني بلغة مجرية صحيحة عربي؟ لبناني؟. فأجبتها بالإيجاب، فأخذت الجواز ودخلت به إلى الغرفة الداخلية لتحضر لي المستندات المطلوب مني تعبئتها وتوقيعها كما هي العادة وجلست انتظرها وصاحبنا يجلس قبالتي يتمتم بكلمات خافته ولما دخلت الفتاة إلى الغرفة بدأ صوته يعلو بالسباب للعرب واللبنانيين باللغة المجرية والتركية والعربية فتعجبت للأمر لكنّه احتدّ أكثر وكاد أن يتجه نحوي ليضربني وعاد للسباب مرة ثانية ولكن بتوسع أكثر. استطعت أن التقط بعض الكلمات المجرية والعربية فسألته إن كان يجيد العربية فاعتبرها صاحبنا إهانة له أن أسأله مثل هذا السؤال ولكنني أجبته باللغة المجرية لماذا أنت حاقد على العرب إلى هذا الحد.
Page 2
فقال لي «عرب جرب» «عرب سيس» «عرب كلب» «عرب حمار» ولكني قلت له إن هذه الكلمات هي كلمات عربية فصرخ ساخطاً بأنّه لا يشرفه أن يتكلم العربية وقال باللغة التركية والمجرية والعربية بما معناه تستأهلون ما تفعله بكم إسرائيل .
في هذه الأثناء خرجت الموظفة من الغرفة الداخلية وأعادت إلي جواز السفر معتذرة عن عدم إمكانية إعطاء فيزا دخول إلى تركيا في هذه الظروف وسمعت ما كان يقوله الكهل من كلمات بصوت مرتفع وانفعال واضح فاعتذرت وطلبت مني أن لا أغضب منه قائلة: جدي رجل كهل وهو ليس موظفاً رسمياً في السفارة. وقالت له أمامي ضاحكة: إنك تعيش في المجر منذ خمسين عاماً وما زلت تتكلم بلغة غير سليمة كما أنك لا تجيد اللغة التركية كذلك بينما هذا الشخص الذي أمامك يعيش في هنغاريا منذ أقل من عامين ويجيد اللغة المجرية أفضل منك بكثير. طبعاً وهي تضحك حتى لا يغضب منها ومع ذلك زاد غضبه وانفعاله وشتمه للعرب.
فانصرفت بعد أن طلبت الموظفة مني أن أراعي كبر سنِّه. لم يمنعني عدم حصولي على فيزا تركية عن الإصرار على السفر حيث يمكنني أن أحصل على الفيزا اليوغسلافية على الحدود وكذلك الفيزا البلغارية.
فركبت القطار في اليوم التالي مع شاب لبناني آخر بقصد السفر إلى لبنان. وعندما بلغنا الحدود التركية طلب إلينا الشرطي التركي في القطار النزول على الحدود وإجراء معاملة الفيزا في مخفر المحطة وهذا ما فعلناه فقد بقي زميلي مع الشنط قرب القطار وتوجهت أنا إلى مخفر المحطة، وهناك عرضت الجوازين ففتحهما الشرطي ولما تبين له أنّني لبناني قذف بالجوازات أرضاً فالتقطهما ووضعت داخل كل جواز عشرة دولارات ففتح الشرطي الجوازين ولما وجد عشرة دولارات في كل جواز قذف بهما مجدداً على الأرض فالتقطهما ووضعت في كل جواز عشرين دولاراً وقدمت الجوازين له ففتحهما ونظر إلى وجهي ورمى بهما مجدداً إلى الأرض فالتقطهما ووضعت في كل جواز ثلاثين دولاراً ففتحهما ثم ألقى بهما من جديد إلى الأرض فالتقطهما وكان القطار قد أوشك على الانطلاق فحاولت الخروج من غرفة الشرطي للحاق بالقطار ولكن الشرطي طلب مني باللغة التركية ما فهمته بأن أعطيه الجوازين فأعطيتهما له فتناول الدولارات الستين وختم الفيزا وانطلقت راكضاً خلف القطار تتبعني قهقهة الشرطي التركي وقد تكون لعناته أيضاً.
وصلنا إلى محطة القطارات في اسطنبول أنا وزميلي اللبناني وكان مع كل واحد منا حقيبتان أنزلناهما أرضاً وأتى حمّال يعرض خدماته وعندما علم بأننا لبنانيان حدثنا باللغة العربية فحمل حقيبتين وحمل كل منا حقيبة وسرنا خلفه إلى محطة أوتوبيسات حلب التي صادف وجودها عند مدخل المحطة التي لا تبعد أكثر من 50 متراً عن موقف القطار، وعندما أنزل الحقيبتين طلب منا عشرة دولارات فاعتبرت المبلغ كبيراً وعرضت عليه خمسة دولارات فرفض أخذها فتدخل الموظف في محطة أتوبيسات حلب فقلت عندها للحمّال لو أنَّ أتاتورك نفسه حمل الشنطتين لهذه المسافة القصيرة لما نقدته أكثر من خمسة دولارات، عندها وضع موظف المحطة يده على فمي وأعطى الحمّال عشرة دولارات وتحدث إليه بالتركية وصرفه ونبهني غاضباً بأنّه لو سمعني احد الأتراك أقول ذلك وشكاني إلى الشرطة سأدخل السجن لمدة ثلاث سنوات على الأقل لأنّني أهنت رمز تركيا الأعظم فحمدت ربي في قرارة نفسي على تخلصي من هذه الورطة.
استقلّيْنا الأتوبيس وانطلقنا إلى حلب التي وصلناها في اليوم التالي ليلاً، فنزلنا في أحد الفنادق وفي صباح اليوم التالي أخذنا سيارة أجرة إلى دمشق. وأثناء الطريق من حلب إلى دمشق لفتت نظري يافطة كتب عليها «معرّة النعمان» فتذكرت أنّها مسقط رأس أبي العلاء المعري فأردت زيارة ضريحه وعرضت الفكرة على زميلي اللبناني فلم يوافقني الرأي عندها طلبت من سائق السيارة التوقف لإنزالي وما إن وقفت السيارة وأنزلت حقائبي حتى كنت قد تجاوزت «الآرمة» بما يزيد على نصف كلم. حملت حقائبي وعدت سيراً على الأقدام كل هذه المسافة وسرت أكثر من نصف ساعة أنوء بحملي تحت أشعة الشمس الحارقة والعرق يتصبب من كل مسام جسدي ولما وصلت إلى مفرق «معرّة النعمان» وجدت شجرة معمّرة ومتهالكة قد تعرت من أغلب فروعها وفقدت ظلها وما تبقى منه ينعم به حمار مربوط إلى الشجرة وقربه معلف تبن ورجل نائم.
استيقظ الرجل من إغفاءته وانتصب واقفاً مرحباً بي عارضاً خدماته، فرويت له أنّني شاهدت «الآرمة» التي تعرّف بمعرّة النعمان فظننت أنّه هنا يوجد مرقد أبي العلاء المعري فضحك الرجل وقال لي إن المقام موجود في البلدة على بعد 7 كلم من هنا وإذا شئت سيقلني على حماره إلى هناك. فبتُّ ليلتي عنده في البيت لأنه لا يوجد فندق في البلدة فأزور المقام وغداً صباحاً يعيدني على حماره إلى هنا من جديد وأتابع رحلتي إلى دمشق.
فشكرته على عرضه هذا وقلت له إنّي أفضّل أنْ أتابع رحلتي الآن إلى دمشق فضحك صاحب الحمار وأخبرني بأنّ عليّ أن انتظر حتى العصر لتمر سيارة أو أوتوبيس لأن وسائل النقل قليلة وهي متوافرة على الأغلب صباحاً وعصراً، فانتظرت ما يقارب الثلاث ساعات أتقاسم مع الحمار وصاحبه فيء ما تبقى من أغصان تلك الشجرة المعمّرة والتي فقدت أغلب أغصانها.
طبعاً حاولت أنْ أعوّض عن خسارتي بالاستفسار من صاحب الحمار عما عنده من معلومات عن أبي العلاء فأجابني بأنّه كان ولياً من عباد الله الصالحين وله كرامته عند الله لمن يقصده ويتضرع إليه تلبى حاجته، ظناً منه أنّني جئت أطلب شفاعته. لم أحنق من أبي العلاء بل حنقت على هذه الأمّة التي تحوّل عندها أبو العلاء بعد ألف عام على وفاته. تحول إلى وليّ صالح تقبل شفاعته فاعتذرت من أبي العلاء خجلاً.
Page 3

[1]

وأخيراً وصلت إلى حولا وأنزلتني السيارة بالقرب من بيتنا الترابي القديم في وسط الحارة الشمالية من البلدة. فوصل خبر قدومي إلى والدتي التي كانت لا تزال تسكن في البيت الترابي بالرغم من أنّه أصبح هناك بيت جديد للعائلة. لكنّها كانت تصرّ على السكن في البيت الترابي للحفاظ عليه لأنه «دار العائلة» كما تسميه. المهم أنَّ والدتي حضرت لاستقبالي بدموعها مع أنّها لم تبكِ عندما ودعتني للسفر أول مرة معتبرة حينها أنّني أصبحت رجلاً وعلى الرجل أنْ يسافر ليشق طريق مستقبله. لكنّها استقبلتني هذه المرة بدموع الفرح والخوف والعتب عليّ لأنّني قدمت إليها و إلى الخطر، في هذه الظروف الصعبة. لأن جميع الأهالي يعيشون هاجس الخوف من أنْ تعمد إسرائيل إلى احتلال البلدة وارتكاب مجزرة كما فعلت في حرب الــ 48 حيث احتلت البلدة وقتلت أكثر من 80 شخصاً من سكانها ودمرتها وأحرقت بيوتها وتهجر الأهالي عن البلدة أكثر من ستة أشهر ولم يعودوا إليها إلا في ربيع العام التالي بعد توقيع اتفاقية الهدنة «تنذكر وما تنعاد» هكذا يقول الأهالي عندما يأتون على سيرة المجزرة في أحاديثهم.
حاولت أنْ اطمئن والدتي بأن إسرائيل لن تحتل البلدة. لان لبنان لم يدخل الحرب معها هذه المرة. لقد «نأى بنفسه» عن الحرب مع إسرائيل . لكنّها أجابتني بأن «المعقوص من الحية يخاف من جرّة الحبل». ومع ذلك رحّبت بي والدتي وقبلتني وحملت إحدى حقائبي وحملت أختي الصغرى الحقيبة الثانية وتوجهنا إلى بيت العائلة الجديد في شمالي البلدة بالقرب من بيادر الضيعة حيث الفلاحون يدرسون غلالهم من قمح وشعير وفول وحمصّ وغيره من غلال هذه البيادر التي أعرف جميع أصحابها ويعرفونني. فأنا منذ ثلاث سنوات أو أربع كنت بينهم أدرس الغلال على بيدرنا. أقف على «المورج» أو النورج خلف فدان البقر لتكسير نبات القمح اليابس في المرحلة الأولى ومن ثمّ نجعل من القش المكسّر «شول» أي نجعل منه حزاماً دائريّاً تتوسطه فسحة دائرية يفرش فيها القش المكسر لإعادة تكسيره مرة ثانية بشكل أنعم ليفصل الحب عن التبن بشكل كامل. ليعمل على تجميع خليط التبن والحب في الوسط بشكل «عرمة» «كومة» تأخذ شكل قبة كانت تكبر القبة كل يوم على حساب «الشول» الدائري الذي يتناقص كل يوم بفرش جزء منه على الأرض بشكل «طرحة» يمر فوقها الفدان يجر النورج الخشبي الذي يقف عليه رجل ليسوق الفدان بواسطة قضيب طويل يحمله بيد وباليد الثانية يحمل حبلاً يوجه بواسطته الفدان. والحبل يُربط إلى قرني الثور الذي يكون إلى الجهة الداخلية من «الطرحة» يعني لجهة «العرمة» ويجري تبديل الحبل من قرني ثور إلى قرني الآخر لإراحة الثور الذي يشد من الداخل لأن عليه يقع العبء الأكبر من الشد هذا من جهة ومن جهة ثانية عندما تتغير وضعية النورج على «الطرحة» بشكل معاكس يساعد ذلك أكثر في التعاطي مع القش لتكسيره.
هذه التكنولوجيا في التعاطي مع دراسة القمح على البيدر وغيرها من الخبرات أتت نتيجة لخبرات وملاحظات الإنسان عبر آلاف السنين واستمرت حتى أواسط الستينات من القرن الماضي. عندما اقتحمت علينا الأساليب الزراعية الحديثة فقلبت حياتنا رأساً على عقب سلباً وإيجاباً لأنها خلال سنوات معدودة أحدثت تغيرات سريعة ومتلاحقة أثرت كثيراً على النمط المعيشي والاجتماعي والنفسي للناس.
كنت وأنا مارٌّ في وسط البيادر ألقي التحية على الفلاحين ومنهم من يترك نورجه ويأتي للسلام علي ومنهم من يكتفي برد التحية وذلك حسب صلة المودة والقرابة بيننا. كنت أثناءها شارداً بتفكيري إلى المجر إلى بودابست وحياتها ولم ينتشلني من شرودي إلا صوت أحدهم عندما حياني باللغة المجرية قائلاً: «يونا بوط كيفانوك». فرددتُ عليه التحية بشكل تلقائي «يونا بوط كيفانوك أورام» لأستفيق من شرودي والتفت إلى مصدر الصوت. فعاجلني بعدة كلمات مجرية أخرى توقفت عندها مرتبكاً مذهولاً لا أعرف بماذا أجيبه.
ترك نورجه وتقدم نحوي فعرفته، إنّه جارنا السبعيني أبو حسين علي قطيش فهو زميلي على البيادر لأكثر من عشرة أعوام قضيتها في دراسة مواسمنا. تقدم نحوي وقبّلني قائلاً: اذهب الآن إلى البيت لترتاح من عناء السفر وغداً أزورك ونتحدث عن المجر وبودابست. وفعلاً وفي صباح اليوم التالي قدم الحاج علي قطيش وبدأ يصف لي بودابست وجمال بودابست ونهر الدانوب والقصر الملكي. وأخبرني أنّه في الحرب العالمية الأولى وصلت القوات التركية إلى مشارف بودابست في عملية إسناد للجيش الألماني والجيش النمساوي والهنغاري للدفاع عن فيينا أثناء محاصرتها من قبل القوات الفرنسية والبريطانية.
لقد أمضت فرقتهم التركية طيلة الربيع والصيف هناك واضطرت إلى الانسحاب قبل حلول فصل الشتاء ببرده القارس وثلوجه. وقد تردد إلى بودابست كثيراً وتعلم الكثير من الكلمات المجرية التي نسيها مع مرور الزمن لأن ذلك حدث منذ خمسين عاماً. وأخبرني أنه كان معه في الفرقة نفسها عدة شباب من حولا مات بعضهم بسبب المرض والجوع ومنهم عمّي خليل أيوب وهو الابن الأكبر لجدتي من زوجها السابق فلقد أصيب هناك وعندما انسحبت فرقتهم من المجر لم يعثر له على أثر. لذلك فإن أغلب الظن بأنّه مات هناك وليس على الطريق. فاغلب الجنود كانوا يموتون على الطرقات جوعاً أو مرضاً أو تعباً.
وبدأ الحاج علي قطيش يتذكر عذاباته وغيره من الجنود أثناء الحرب العالمية الأولى وخاصة الجنود العرب وعلى الأخص الجنود القادمين من «بلاد بشارة» ويخبرني بأنّهم عندما أخذوهم للتجنيد طاردوهم في البراري حيث كان يهرب الشباب ويختبئون في الوديان والكهوف نهاراً ويتسللون إلى بيوتهم ليلاً ليتزودوا ببعض الزاد. وقد وشى بهم احدهم حيث كانوا يختبئون في «مغارة الهنود» في وادي السلوقي فذهبت فرقة من الجيش التركي وطوقت المغارة مع الفجر وألقت القبض عليهم جميعاً وكانوا بحدود 15 شاباً وأخبرني بأن احد الجنود الأتراك تعب أثناء سيره فأجبر أحد الشباب ويدعى خليل الحاج يعقوب أنْ يحمله على ظهره فحمله إلى مشارف البلدة لكنّه تهالك ووقع أرضاً وما لبث بعدها أنّ فارق الحياة هكذا تعامل الأتراك مع أهالي بلاد بشارة.
وأضاف قائلاً لي: إن أردت المزيد من المعلومات عن الأتراك فاسأل جدك الحاج جميل شريم فيروي لك ما حدث معه لأن لكل منا روايته مع الأتراك.
Page 4
وبالفعل هذا ما فعلته عندما ذهبت لزيارة جدي لأمي الحاج جميل شريم وأخبرته بما حدث لي مع الحاج علي قطيش وأنه نصحني أنْ استمع منك عن خدمتك في الجيش التركي. فضحك جدي وقال لي إنّه لم يخدم في الجيش التركي لأنّه هرب من «عريش مصر» مع مجموعة من شباب حولا هربوا قبل أنْ يجري تحميلهم في الباخرة التي تقلهم من العريش حيث كان يجري تجميعهم ومن هناك ينقلون بالباخرة إلى اسطنبول وبعدها يلتحقون بالجيش في البلقان. وأخبرني بأنّهم أثناء هروبهم كانوا «يختبئون نهاراً» و«يسيرون ليلاً» هرباً من الأتراك وقطّاع الطرق الذين كانوا يسلبون من يلتقونهم كل ما كان بحوزتهم بما فيها ثيابهم الخاصة وأحذيتهم حتى إنّه عندما وصل إلى حولا اختبأ في كرم الزيتون القريب من البلدة وأرسل إلى جدتي لتحضر له ثياباً لأنّه كان عارياً إلّا من معطف عسكري ممزق لأنّ اللصوص سلبوه ثيابه وسرواله وحذاءه وأعطوه بدلاً منها معطفاً ممزقاً لفه على جسمه وحزمه بخرقة بالية جعل منها حزاماً. وضحك ضحكة خجولة احمرّ لها وجهه عندما أخبرني باستحياء بأنّه كان قد أخذ معه ليرة مجيدية للحالات الطارئة وهي كل ما كان يملكه. أثناء هروبه خاف أنْ يأخذها منه اللصوص لذلك كان يعمد إلى ابتلاعها وعندما يصبح مجبراً على التغوّط ولحسن حظه أنّه بسبب الجوع لا يحتاج كثيراً إلى التغوط، وإنْ حدث، كان يتنحّى جانباً ويفتّش في غائطه حتى يجدها وينظفها ليعود إلى ابتلاعها من جديد وبذلك تمكن من إنقاذ الليرة الذهبية والتي كانت بالنسبة إليه توازي إنقاذ حياته الشخصية. وعلى سيرة الحذاء أخبرني بأنّه كان قد اتفق مع الحاج فياض أيوب وكان أغنى رجل في حولا والمنطقة. اتفق معه أن يعمل عنده في الحراثة والفلاحة على أن يسعى الحاج فياض إلى إعفائه من الخدمة العسكرية بسبب نفوذه القوي عند الأتراك. ويقدم له حذاءً جديداً وطعامه اليومي وهذه كل أجرته وبعد أنْ عمل عدة أشهر كأجير عند الحاج فياض طُلب إلى الخدمة العسكرية ولم يشفع له الحاج فياض عند الأتراك.
وعشية اليوم المحدد لتجميعهم من قبل الجيش التركي أعدّت له جدتي زوادة الطريق من خبز مرقوق وتين يابس وبصل يابس وزيتون. في هذه الأثناء طرقت زوجة الحاج فياض الباب ودخلت ففرحت جدتي لذلك لأن هذا يعني أنّ الحاج فياض دبّر له الأمر مع الأتراك لذلك جاءت تبشّره. ولكن زوجة الحاج فياض أخبرته بأنّه أرسلها لاسترداد فردة الحذاء لأن الشرط كان عندما اشتراه له أنْ يعمل موسماً كاملاً في الحراثة وبما أنّه لم يعمل موسماً كاملاً لذلك جاءت تسترد فردة الحذاء. عندها أشارت عليها جدتي أنْ تأخذ زوج الحذاء كاملاً ولكن جدي رفض ذلك وقام إلى حذائه القديم ليتفحصه فوجد الفردة اليمنى أفضل حالاً من اليسرى عندها اختار الفردة اليسرى من الحذاء الجديد وأعطاها الفردة اليمنى. وبذلك انتعل الحذاء فردة قديمة وفردة جديدة.
وعندما جمعهم الأتراك في مشتى للماعز عند طرف البلدة بالقرب من شجرة البطم المعمّرة، وهو نفس المشتى القريب من بيت جدي الحالي. وناموا تلك الليلة، لفت انتباه الجندي التركي المسؤول عن حراستهم بأن حذاء جدي فردة جديدة والأخرى قديمة. فعرض على جدي أنّ يبادله حذاءه هذا بحذاء قديم يملكه ولكن جدي رفض العرض فضربه الجندي التركي وانتزع منه الحذاء وأجبره على انتعال الحذاء القديم خاصته ولكن عندما هرب من «عريش مصر» وأثناء مروره في فلسطين سلبه اللصوص ثيابه والحذاء كذلك.
فعاد إلى حولا شبه عار وحافي القدمين. لكنّه مع ذلك عاد سالماً مع ليرته الذهبية.......
Page 5

[2]

تأخرت أثناء فترة الغداء في الجامعة، فأتيت مسرعاً إلى مطعم الكلّية حيث أسكن وهو مطعم «خدمة ذاتية» يرتاده الطلاب وغير الطلاب ويتوقف عن تلبية الطلبات عند الساعة الثانية ظهراً ووصلته أنا في الثانية إلا ربعاً لذلك لم أضطر أنْ أقف في الصف بل تناولت الأطعمة التي اخترتها ودفعت ثمنها وجلست إلى أقرب طاولة وجدتها فارغة وأغلب الطاولات كانت فارغة بسبب انتهاء الطلاب من الغداء وهممت بتناول الطعام دون أنْ اخلع معطفي الشتوي لأن الطقس كان بارداً واكتفيت بخلع قبعتي الصوفية ووضعتها على الطاولة لأنّني كنت قد تعودت خلعها أثناء الطعام لأن اليهود فقط يبقون القبعات على رؤوسهم أثناء تناول الطعام. أمّا لماذا فلا أدري وكلها عادات وتقاليد.
وباشرت بتناول الطعام وإذا بفتاة تحمل صينية طعامها وتقف قبالتي طالبة مني الإذن بالجلوس إلى الطاولة فأذنت لها بإشارة من رأسي فحيتني وشكرتني فرددت لها التحية والشكر دون أن أنظر إليها بعد فترة من الوقت وبعد أن تناولت بعض الطعام على ما اعتقد. قالت: أظن أنك مازلت غاضباً.
فأجبتها على الفور:
ـ لا. ولماذا أغضب ونظرت إلى وجهها فلم أعرفها فحدقت بها ملياً، واعتذرت منها متسائلاً إنْ كان بيننا سابق معرفة ؟
ـ سألتك إنْ كنت لا تزال غاضباً من جدي؟
فوقفت رأساً عن الكرسي ومددت لها يدي مصافحاً فوقفت هي الأخرى وصافحتني واعتذرت منها كثيراً لأنّني لم أعرفها فعلاً ولم أتقصّد تجاهلها لأن الفترة التي رأيتها فيها في السفارة التركية كانت قصيرة وكنت وقتها مضطرباً جداً وكان الطقس صيفاً ومظهرها وقتها يختلف كثيراً عن منظرها الآن.
فأجابتني على الفور:
ـ وأي المنظرين أجمل؟
ـ الجميل يبقى جميلاً في كل الأوقات وفي كل الظروف. ولكن في الصيف يتخلص المرء من الكثير من ثيابه، يعني أنّه يتخلص من الستائر التي تحجبه عن الآخرين. في الصيف يكون الإنسان أقرب إلى الطبيعة والى الآخرين وحتى أنّه اقرب إلى ذاته. أمّا في الشتاء فيضطر المرء إلى وضع المزيد من الستائر لتحجبه عن الطبيعة وبالتالي عن الآخرين وحتى عن نفسه.
ـ هذا يعني أنّ إنسان الاسكيمو مسكين لأنّه محجوب دائماً عن الطبيعة وعن الآخرين وعن ذاته.
ـ وقد يكون محظوظاً بذلك.
فضحكنا معاً ضحكة عالية وسكتنا لفترة تناولنا خلالها بعض الطعام.
ـ لقد لاحظ جدي أنك لم تعد تمر من أمام السفارة. لذلك اعتقد بأنّك ذهبت إلى بلدك نهائياً ولن تعود وهو تأسف كثيراً لموقفه منك في ذلك اليوم.
ـ لقد عدت من لبنان في نهاية العطلة الصيفية ولكني امتنعت عن المرور أمام السفارة تحاشياً للقاء به.
ـ سأخبره بأنّك قد عدت مجدداً إلى بودابست.
ـ إذاً بلغيه تحياتي.
وانتهينا من تناول الغداء ووقفنا للمغادرة فدعوتها إلى تناول فنجاني قهوة في المقهى المجاور لكنّها اعتذرت لأن عليها أنْ تعود إلى عملها. لكنّها أخبرتني بأنّها تتردد إلى هذا المطعم كثيراً لأن أسعاره رخيصة وطعامه مقبول وأحياناً تأتي برفقة جدها، وتوادعنا.
مرت أسابيع عديدة كنت خلالها مشغولاً بالتحضير للامتحانات لذلك نادراً ما أتيت إلى مطعم الكلّية للغداء إلى أنْ كنتُ ذات مرة واقفاً في الصف انتظر دوري لانتقاء الأطعمة التي أريد فحملت صينيتي وخرجت من الصف أفتّش عن طاولة لأجلس إليها فجلت بناظري بين الطاولات فوجدت يدين تلوّحان فحدقت ملياً فتبينتها هي نعم هي وقفت عن الكرسي وأشارت إلي بالقدوم نحوها. فتقدمت فاذا بي أرى جدها هو الآخر يجلس إلى الطاولة. فقلت في نفسي إنّه «ختيار النحس».
Page 6
ومع ذلك تقدمت نحوهما وحييتهما ووضعت الصينية على الطاولة. فوقف جدها مرحّباً بي وأخذني بالأحضان مبتهجاً وكأنه يعرفني منذ مئة عام.
فقالت هي إنّها المرة العاشرة تقريباً التي يأتي بها إلى هنا بقصد اللقاء بي لكنّه لم يجدني فاعتذرت منهما على ذلك وشرحت لهما بأنّني كنت مشغولاً بالامتحانات ودارت بيننا بعض الأحاديث ولما انتهينا من تناول الغداء. دعوتهما إلى تناول فنجان قهوة في المقهى المجاور فقبلا الدعوة لأنّه كان معهما بعض الوقت للعودة إلى العمل.
وفي أحاديثنا في المقهى علمت بأن اسم الجد كاليلو وأنّ اسمها مايا وعرّفتهما عن نفسي وقلت لهما اسمي سليمان فأجاب جدها بلغة مجرية مكسّرة نعم السلطان سليمان. الأتراك يسمون كثيراً اسم سليمان. وعندما قلت لها إنّ اسم مايا يلفظ ماي أجاب جدها نعم الأتراك يستعملون كثيراً اسم مايا. وعندما سألته هل أنت تركي الأصل وهل تتقن اللغة التركية أجابني نعم أنا تركي الأصل ولكني لا أتقن اللغة التركية جيداً ولذلك حكاية طويلة.
فأخبرتني مايا بأن جدها تقاعد منذ مدة طويلة وهما يعيشان معاً وحتى لا يبقى وحيداً في البيت تدبرت له الأمر بأنْ يداوم معها في مقر عملها في السفارة كعمل إضافي.
وعندما سألاني عن بلدي بدأت أحدثهما عن لبنان وسألت الجد كاليلو إنْ كان يعرف أين يقع لبنان. فارتبك وقال لي أعرف ولا أعرف. فقلت له اسم عاصمته بيروت فقال بلى أعرف أين تقع بيروت قرب صيدا وصور وعكا. فقلت له و دمشق فأجابني بأنّ دمشق بعيدة جداً عن بيروت. دمشق عاصمة سوريا. بلاد الشام وقال بلاد الشام. فتعجبت للأمر وقلت له إنك قلت سوريا بأنّها بلاد الشام فأجابني هكذا يدعوها الأتراك.
وخضنا في أحاديث مختلفة عن المجر وعن بودابست وعن العادات والتقاليد والطقس والجامعة وغيرها من الأحاديث التي كانت تتم بأغلبها بيني وبين مايا يتدخل أثناءها الجد لماما وبصورة مقتضبة ومشيداً بين الحين والآخر بحسن إجادتي للغة المجرية وسلامة لفظي منبهراً كيف أنّني أتكلم اللغة بهذه الطلاقة ولم يمضِ عليّ سوى عامين في بودابست.
انتهى الوقت سريعاً وأسرعت مايا وجدها إلى مقر عملها الذي لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن المقهى. وتواعدنا على أنْ نلتقي ثانية. فقلت لهما بالعربية «إن شاءالله» فرددها خلفي جدها «إن شاءالله» بكل طلاقة.
مضت عدة أسابيع انشغلت أثناءها بالفصل الدراسي الجديد من جهة، وقساوة فصل الشتاء من جهة ثانية دفعني للتخفيف من وجودي خارج الكلية. ومع ذلك وبالرغم من قلة عدد المرات التي خرجت بها كنت ألتقي بجد مايا أو ألمحه من بعيد كنت أحييه أحياناً وأحياناً أتجاهله وقد نتبادل بعض الأحاديث مع العتب من جانبه لعدم مشاهدتي فكنت اعتذر منه بشكل أو بآخر إلى أنْ دعوته مع مايا لتناول الغداء غداً ظهراً ولكن في مطعم آخر غير مطعم الطلبة. في مطعم صغير هادئ ومشرف على نهر الدانوب وفي نفس الساحة التي فيها الكلية والسفارة. فشكرني مبتهجاً ووعدني بأنّه سيبلغ ذلك إلى مايا وهو متأكد بأنّها ستلبي الدعوة وافترقنا.
وعند الساعة الواحدة من اليوم الثاني وكنت أتمشى في الساحة وإذْ بمايا تأتي من ناحية السفارة وعندما وصلت حيث أقف وجدتها وحدها وبكل أناقتها وبعد تبادل التحية اعتذرت عن جدها بأنّه مشغول ولا يستطيع تلبية الدعوة الآن لكنّه وعد بتلبيتها مرة ثانية فضحكت وقبلت الاعتذار ورافقتها إلى المطعم وجلسنا إلى إحدى الطاولات وأتى النادل وطلبنا الأطعمة التي يفضلها كل منا وعرضت عليها تناول كاسٍ من النبيذ فلم تمانع لأنها لن تعود مباشرة إلى العمل لأنها استأذنت عن غيابها. أما جدها فقد ترك العمل باكراً لقضاء أمر يهمه وسيسبقها إلى المنزل الذي عليها أنْ لا تتأخر في العودة إليه لأن وسائل النقل تصبح صعبة مساءً فهي تسكن في «تورك بالين» التي تبعد 20 كيلو متراً عن بودابست.
استوعبت جميع الرسائل فهي كانت واضحة وجلية وعليّ أنْ أتصرّف بتؤدة وروية وأن آخذ راحتي. هكذا قلت بيني وبين نفسي لحسن حظي أنّ زميلي في الغرفة غائب هذا النهار وابتسمت قائلاً:
ـ إذاً اختاري نبيذك المفضّل.
ـ «اغري بيكافيرا».
ـ وأنا كذلك أفضّل هذا النبيذ وطلبت زجاجة كاملة. وكان الغداء شهياً فأكلنا وشربنا الأنخاب عدة مرات وكذلك نخب جدها كاليلو وتحدثنا بالكثير من العموميات حول الطقس والدراسة والعمل وتحاشينا الكلام في السياسة وفي الخصوصيات إلى أنْ فرغت زجاجة النبيذ واحمرت وجنتانا.
فقلت لها:
ـ ما رأيك في فنجان قهوة تركية؟
ـ لا مانع.
ـ إنّي أعدّ القهوة التركية جيداً في غرفتي، فضحكت وقالت لا مانع.
Page 7

[3]

دخلنا إلى الغرفة ونزعت مايا معطفها فساعدتها وتناولته منها وعلقته على المشجب وكذلك نزعت معطفي وقبعتي وعلقتهما واعتذرت منها على الفوضى الضاربة أطنابها في الغرفة قائلاً إنها غرفة شباب في بيت طلبة فابتسمت دون أنْ تعلّق بل أخذت تجول بنظرها على الصور المعلقة على جدران الغرفة وبعضها كان صوراً لفتيات شبه عاريات فاعتذرت منها لافتاً نظرها أنّها هواية زميلي المجري في الغرفة فابتسمت دون تعليق فأشارت بيدها ونظرها إلى صورة معلقة فوق طاولتي فقلت لها إنها الصورة المفضلة التي تساعدني كثيراً في تحمُّل الصعاب والصورة مأخوذة من مجلة ألمانية ومكتوب تحتها باللغة الألمانية التي أجهلها. ولكن الصور لطفلين في حوالي الثانية من عمرهما جلس أحدهما إلى «النونية» وحمل النونية الثانية بكلتا يديه والطفل الآخر وأقف نصف عار ويحاول انتزاع نونيته من يد الآخر والطفلان يبكيان ودموعهما تسيل على خديهما. فضحكت كثيراً للمشهد وقالت إنه فعلاً مشهد معبِّر فقلت لها هذا المشهد يعبّر عن كل فلسفة الحياة فقالت فعلاً إنها معبرة.
في هذه الأثناء باشرت أنا بتحضير القهوة والركوة والماء وأردت وضعها على النار لكنّها طلبت إليّ أنْ انتظر قليلاً حتى ترتاح وبعدها نشرب القهوة ففهمت الأمر على أنّه رسالة أخرى ايجابية واعتبرت أنّني لست بحاجة إلى الكثير من المقدمات التي يحتاجها الشاب في مثل هذه الظروف خاصة وأن مايا ناضجة تضج بالأنوثة ومفعمة بالحيوية والنشاط فهي في أوائل العقد الثالث من عمرها وتكبرني بعدة سنوات سمراء سوداء العينين رشيقة القوام مليئة الصدر طويلة القامة مع أنف كبير إلى حد ما بحيث كدت أشك بأنْ تكون نورية «سيغان» أو عربية بكل تفاصيلها.
ذهبت إلى باب الغرفة وأغلقته بالمفتاح واقتربت منها وكانت تجلس إلى حافة السرير ومرّرت يدي على شعرها حتى وصلت إلى رقبتها فبدأت بالارتعاش وكأنَّ القشعريرة قد أصابتها وبدأ جسمها ينتفض فتكورت على ذاتها وضمت ركبتيها إلى صدرها وطوقتهما بذراعيها وبدأت ترتعش وتصطك أسنانها فذهلت لهذا المنظر وارتبكت وأصابني خوف شديد واحترت ماذا أقول لها أو ماذا أفعل ولم يكن بإمكاني إلا أنْ أتناول الحرام الموجود على التخت الآخر وألفها به محاولاً أنْ استنطقها عمّا بها وماذا أصابها فلم تتمالك نفسها على الحديث بشيء أو حتى الإشارة بشيء. فتعوذت بالله على هذه الورطة التي وضعت نفسي بها وجلست على كرسي ووضعت رأسي بين يديّ محاولاً التفكير بإيجاد حل ما.
مضى وقت ظننته دهراً حتى هدأت صاحبتي عن الارتجاف وحاولت التكلم ببعض الاعتذار من فمها وبعض الإشارات من يديها. بعدها غرقت في بكاء شديد حتى خشيت أن يُسمع بكاؤها خارج الغرفة ويتهمني أحدهم بإيقاع الأذية بها فبدأتُ أتوسل إليها بصوت خافت حتى لا تثير ضجة وأدفع أنا ثمنها. فخفت بكاؤها وفي هذه الأثناء أخذت يدي بكلتا يديها ووضعتها على فمها فابتلّت يدي ويداها بالدموع وبدأت تلثم يدي وتشير إليّ بيدها الثانية أن أصبر عليها بعض الشيء. فأطعتها وخلعت يدي من يديها ووقفت وبدأت بتحضير فنجان من القهوة. وما إنْ حضّرته حتى كانت قد هدأت كلياً فشربنا القهوة. وحاولت بعدها أن تبدأ بالكلام ولكني أشرت عليها أن تؤجل الكلام في الوقت الحاضر. فرضيت لكنّها بدأت تعتذر مني وبإلحاح مما دفعني أن أقول لها إنّها إنْ أرادت رؤيتي مرة ثانية لتتوقف عن الاعتذار وإنّني سأوصلها إلى موقف الأتوبيس متى تشعر بأنّها مرتاحة. وإنْ شاءت فأنا على استعداد أنْ أوصلها بالتكسي إلى بيتها إنْ تطلّب الأمر ذلك. لكنّها طلبت أن أوصلها إلى موقف الأوتوبيس فقط. وهذا ما فعلته واتفقنا على أن نتواصل فيما بعد.
عدت إلى غرفتي ولم أستطع استيعاب ما حصل. فقلت لنفسي ربما تكون قد أصابتها البردية بسبب برودة الطقس في الخارج وكمية النبيذ التي شربتها أو ربما أصابها عارض نسائي كالعادة الشهرية. وبصرف النظر عما أصابها قررت أن لا نستمر معاً في أية علاقة خاصة وأن العلاقة لم تبدأ والأفضل أن لا تبدأ بلا وجع رأس.
ومرت الأيام والأسابيع وأنا منشغل بدراستي في الجامعة أو مع فتيات أخريات ولم أكن مقصّراً في هذا المجال وإنْ يكن هناك من تقصير فقد يكون بدراستي في الجامعة ولكن ليس مع الفتيات. كنت ألاحظ الجد كاليلو مراراً أمام باب الكلّية. كنت أقول في نفسي إنّ ذلك قد يكون بسبب قرب السفارة من هنا. لذلك كنت إذا رأيته أقفل راجعاً حتى يتوارى أو أتوارى أنا جانباً حتى لا يراني وإنْ صادف والتقينا كنت أحييه وأحث الخطى حتى لا يكون هناك مجال للحديث. إلى أن كان ذات مرة ما إن نزلت من الأوتوبيس على الموقف القريب من مدخل الكلية حتى وجدته واقفاً عند المدخل فلما وصلت ابتسم وحياني فرددت التحية له. فبادرني بقوله. أنا اعلم بأنّك شاب لطيف وجيد وقبل أنْ يتابع أجبته إنّي أشكرك وأحترمك وأحترم مايا. على فكرة كيف هي مايا فأجابني إنّها بخير ولكني أرجو أنْ تعطيها فرصة. فتعجبت كثيراً لذلك فأردف قائلاً أعطِها فرصة تشرح لك وأراد أنْ يتابع فقلت له رجاءً يا جدي.
لا أريد أن أسمع شيئاً. وإنْ كان هناك ما يجب سماعه فأنا أفضّل أنْ يكون من مايا نفسها فارتاح الجد كاليلو وانفرجت أساريره فقال سأخبرها ذلك وستفرح كثيراً.
Page 8
فقلت له: جدي إنني أدعوك ومايا إلى الغداء وغداً في نفس المطعم لو شئتما ذلك. أنتظركما غداً الساعة الواحدة في المطعم وإن لم تتمكنا من المجيء سنتواصل لاحقاً ففرح كثيراً لذلك ورحل ونظرت إلى خطواته المسرعة وكأنه شاب عشريني. فقلت في نفسي إنّ الأتراك يشبهوننا كثيراً نحن العرب. طبعاً بالسحنة والشكل ولكن ليس بهكذا مواقف فنحن العرب في مثل هذه الحالة يقتل الجدُّ حفيدته بيديه إن علم بعلاقة غرامية لها مع شاب آخر فكيف أنْ يكون هو المرسال بينها وبين هذا الشاب الآخر. «عيش كثير بتشوف كثير» وضحكت بيني وبين نفسي.
في اليوم التالي وعند الواحدة تماما أتت مايا ولم يأت جدها اقتربت وحيت وأعطتني قبلة على خدي قائلة هذه القبلة من جدي لك وهو يعتذر عن المجيء فقلت لها وصلت القبلة وقُبل الاعتذار، وضحكنا ودخلنا إلى المطعم ونزعنا معطفينا وجلسنا إلى الطاولة للغداء. حدقت بمايا جيداً فوجدت الشحوب في عينيها ووجنتيها وخديها.
فقلت لها ممازحاً ماذا جرى؟ ما الخطب؟.
فابتسمت ابتسامة خفيفة محاولة إخفاء حزنها الذي باحت به عيناها وقالت مرتبكة. اسمع يا «سوليم» هكذا أحب أن أناديك إذا سمحت لي بذلك.
فقلت لها تفضلي بذلك إنْ أحببتِ إنّه اسم جميل ولا مانع لدي. أعادت مجدداً القول اسمع يا سوليم أنا لست فتاة مراهقة، وأنا أعرف بأنني أكبر منك بعدة سنوات، وأنا عندما ذهبت معك إلى غرفتك كنت أرغب مثلك بإقامة علاقة إن لم أكن أكثر منك رغبة. ولكني عندما وصلت إلى الجِدّ ضعفت ولم أعد أستطيع السيطرة على أعصابي ببساطة ففشلت في الامتحان.
فقلت لها :
ـ لا تقولي لي بأنّك لم تمارسي الحب في حياتك قبل الآن.
ـ أبداً.
ـ لا تقولي إنك ما زلت عذراء.
ـ أبداً.
ـ حقاً إنّها أحجية.
ـ أبداً.
ـ إذاً هاتها من أولها.
ـ لا استطيع هنا، عندما نكون بمفردنا.
ـ وأنا لا استطيع أن اذهب معك مجدداً إلى الغرفة.
ـ بلى تستطيع.
ـ هل هو فعل اغتصاب ؟
ـ نعم إنّه فعل اغتصاب عبرك لذاتي. أريد أن أتخلّص من عقدتي بأن أرويها لأحد ما. وبعدها تستطيع أنْ تتصرف بما تشاء.
ـ وهل أنا طبيب نفساني ؟
ـ لا، أنت إنساني.
ـ قبلت، على أنْ نذهب إلى الغرفة للحديث فقط.
ـ وأنا قبلت.
Page 9

[4]

دخلنا إلى الغرفة في بيت الطلبة وكان زميلي داخل الغرفة فلما وصلنا استقبلنا بالترحاب وحمل كتبه وذهب إلى قاعة الدرس في الطابق نفسه، فهذه هي العادة المتبعة بيننا نحن الطلاب في الكلية. فإن أتى لأحدنا ضيف يذهب زميله إلى الدرس لإفساح المجال لزميله وضيفه، حتى بدون علم مسبق.
بعد أن خرج زميلي بادرت إلى إغلاق باب الغرفة بالمفتاح وشرعت بتحضير القهوة التركية وعرضت على مايا إنْ كانت ترغب بكأس نبيذ خاصة وأننا لم نتناول نبيذاً على الغداء فاعتذرت رافضة.
حضّرت القهوة وأحضرت الركوة مع فنجانين إلى الطاولة وجلسنا في كرسيين متقابلين وسكبت هي القهوة ورشفت من فنجانها وأعادته إلى الصينية مثنية على حسن تحضيري للقهوة التركية وكأنني تركي أصيل.
فاعترضت على ذلك وقلت لها إنّ ما تسمونه قهوة تركية هو بالأساس قهوة عربية وشرحت لها: أساس القهوة من عدن ومنها أجود أنواع البن ومنها انتقلت القهوة إلى أثيوبيا ومنها إلى البرازيل وكل أنحاء العالم. وشرحت لها بإسهاب طريقة تحضير القهوة العربية وكيف يجري تحميصها «بالمحماص» وكيف يجري طحنها بالجرن الخشبي والموسيقى التي يحدثونها بضرب المدقة الخشبية بالجرن المزخرف بشتى أنواع الزخارف والنقوش وكل حسب إمكانياته فالأمراء يزخرفون الجرن والمدقة بزخرفات من الذهب والأغنياء يزخرفونها بالفضة والعاج ومتوسطو الحال يزخرفونها بالنحاس والناس العاديون يستخدمون النقوش فقط.
يعني أن جرن القهوة كان للدلالة إلى المرتبة الاجتماعية لصاحبه كذلك الحال بالنسبة لأباريق القهوة فهي ذهبية وفضية ونحاسية مع نقوش أو نحاسية عادية بدون نقوش. كذلك الحال حتى بالنسبة للمنقل الذي يضعون فيه الفحم أو بالنسبة للدلّة يخمرون فيها القهوة من يوم إلى يوم أو يومين ثم يعمدون إلى تصفيتها وتسخينها.
القهوة عند العرب لا تؤخذ إلا رشفة واحدة في الفنجان وفي كل مرة تسكب رشفة جديدة حتى يقلب الضيف فنجانه وإنْ لم يقلبه يسكبون له. وإنْ لم يشرب ما سكبوه له يعتبرونه إهانة لهم وقد تدور حروب ومعارك بينهم بسبب التمنع عن شرب رشفة قهوة.
لقد أطلت لها الشرح عن القهوة العربية، كمحاولة لتهدئة أعصابها. فاستغربت كل هذه المعلومات وكذلك كل هذه العادات والتقاليد، لكنّها اعترفت، أنّه إنْ كان الأمر كما تقول فإن القهوة هي فعلاً قهوة عربية وليست قهوة تركية وضحكنا، عندها قلت لها :
ها أنا كلّي سمع فهاتي ما عندك فابتسمت وهزت برأسها وقالت: عشت أنا وأمي بكنف جدي كاليلو طيلة الحرب العالمية الثانية بكل مآسيها وويلاتها. طبعاً أنا كنت طفلة فلم أستوعب لا المآسي ولا الويلات، لأنّني ببساطة كنت أظن أنّ الحياة هي هكذا . أما بالنسبة لهم للكبار فكانوا يعرفون بأن الحياة يمكن أن تكون غير ذلك وأفضل من ذلك. لقد فقدت والدتي زوجها وأخاها اللذين ذهبا إلى ساحة المعركة ولم يعودا. وأغلب الظن أنّهما قتلا في حوض الكاربات أثناء هجوم الجيش الأحمر وقضائه التام على الجيش المجري ويقولون إن قوام الجيش المجري في حوض الكاربات كان زهاء 340 الف مقاتل لم يرجع منه إلى بودابست سوى شراذم لا تزيد عن 20 الف جندي.
لقد ابقوا على جدي ولم يجندوه في الحرب لأنهم أخذوا خالي وأبي أمّا جدي فقد أبرز لهم مستندات بأنّه شارك في الحرب العالمية الأولى وأصيب فيها أيضاً أثناء الحصار على فيينا.
المهم أنّنا عشنا فترة بعد الحرب بالفقر والجوع. جدي كان يعمل سائق جرّار في تعاونية البلدة الزراعية وأمي كانت تعمل مزارعة في الحقول ولتحسين وضعنا المعيشي انتقلت للعمل في معمل في ضواحي بودابست القريبة من هنا. وهناك في المعمل بدأت تنشط في العمل الحزبي داخل المعمل كردّ فعل على مقتل زوجها وأخيها في الحرب بسبب النازيين.
واستمرت حياتنا على هذه الحالة ودخلت أنا المدرسة وتخرجت في المدرسة الثانوية وذهبت إلى جامعة الاقتصاد في بودابست لأنّني حصلت على مجموع علامات جيدة في الثانوية.
وبدأت حياتنا تستقر وأحوالنا المعيشية تتحسن خاصة وأنه لا يوجد في البيت إلا أنا العضو غير المنتج بينما الآخران ينتجان وفي مثل هذه الحالة مهما كان المدخول ضئيلاً فإن اثنين يمكنهما أن يُعيلا ثالثاً وإنْ لم يكن برفاهية تامة. لم ينقصنا شيء. البيت موجود والحديقة لزراعة ما يلبي حاجات البيت من بعض الخضرة والفواكه والإوز والدجاج. كل هذا كان موجوداً وكنا نشعر بالسعادة في كنف جدي وحالنا أفضل من حال غيرنا خاصة وأنّ جدي رجل عطوف جداً عوّضنا عن الأب والزوج والأخ. إلى أن بدأت أحداث 1956. وكنت في السنة الأولى في جامعة الاقتصاد في العشرين من عمري. شهدت على الأحداث والفوضى والقتل والسلب والتي لن أتحدث حولها ولن أقيّمها لا سلباً ولا إيجاباً ولكني أذكر ذلك اليوم نعم ذلك اليوم وليتني لا أذكره اليوم. وبدأت في البكاء وغضّت واعتذرت وقالت لا تؤاخذني مع أنّني صممت أن أتحدث إليك بدون دموع. اتخذت قراري أن أتجرأ على سرد أحداثه بجرأة وبدون دموع ومع ذلك سأسرده بجرأة حتى ولو مع دموع.
Page 10
كانت والدتي تحضّر الغداء وكان جدي في الحديقة وكنت أنا أطالع كتاباً في غرفة الجلوس عندما اقتحم البيت خمسة مسلحين. لم نسمع حديثهم مع جدي ولم نسمع عراكهم كل ما شاهدناه أنّهم دخلوا البيت من بابه المفتوح بحجة التفتيش ولما اعترضتهم أمي وحاولت الصراخ علَّ جدي يسمع كمّوا فمها وكذلك الأمر فعلوه معي وبدأوا بتفتيش البيت وقد جُنَّ جنونهم عندما شاهدوا في مكتبة والدتي بعض الصور لها مع مسؤولين حزبيين في المصنع الذي تعمل فيه ووجدوا صورة لستالين مخبأة في الدرج فجُنَّ جنونهم وبدأوا بضربنا وشتمنا ومن ثَمَّ اغتصابنا _ اغتصاب أمي أمام ناظري كلهم تناوبوا عليها وأجهشت بالبكاء حتى الاستفراغ فأحضرت لها سريعاً منشفة لتلتقط استفراغها وسكبت لها كوب ماء لتشرب ولم يكن في الغرفة لا حمام ولا مغسلة لذلك بللت لها منشفة بالماء الموجود في الغرفة ومسحت لها وجهها وحضنت رأسها محاولة تطييب خاطرها قدر الإمكان حتى ظننت بأنّها هدأت. لكنّها تابعت وهي تجهش بالبكاء وقالت كانوا يتناوبون على اغتصاب أمي أمامي ويحاولون اغتصابي دون ان يتمكنوا لأنّني كنت أُمانع ولأنّني عذراء إلى أن تمكن أحدهم من فض بكارتي فبدأ الوحوش الآخرون يصفقون له ويشربون نخبه ونخب صحته ويسكبون النبيذ الأحمر بين فخديّ حتى اختلط بالدم النازف مني فأغمي على أمي وتظاهرت أنا كذلك بأنّه أُغمي عليّ. بعدها حملوا كل ما تمكنوا من حمله من البيت وخرجوا يقهقهون.
ولما استيقظت وحاولت إيقاظ أمي التي كانت في غيبوبة. ولما استفاقت بدأت بالصراخ قائلة إنه يانوش نعم يانوش عرفته وأخفيت الأمر حتى لا يقتلنا إذا عرف بأنني أعرفه. إنه يعمل في المعمل القريب من المعمل الذي اشتغل فيه وكان على خصومة دائمة مع شاندور نعم الجبان جاء لينتقم إنها فرصتهم الآن للانتقام، إنني أعرف كيف أجعله يدفع حياته ثمناً لفعلته الشنيعة هذه. وقامت واحتضنتني وأنا أرتجف بين يديها من الخوف والرعب وأنتف شعري مرة وأحتضن أمي وأقبّلها مرة أخرى. فقامت ودخلت إلى الحمام واغتسلت سريعاً وأدخلتني إلى الحمام وساعدتني على الاغتسال وطلبت إليّ أنْ أتمالك أعصابي وأن لا أدع جدي يعلم بالأمر لأنّه قد يموت من فظاعة وبشاعة ما حدث هذا إنْ لم يكونوا قد قتلوه.
وخرجنا إلى الحديقة نفتش عن جدي فوجدناه مرمياً في زريبة الإوز بين روثها وقد أُوثقت يداه خلف ظهره وقيِّدت قدماه ورُبطت خرقة على فمه حتى لا يتمكن من الصراخ.
ولما فككنا وثاقه بدأ بالصراخ والسباب والشتائم وهو ينظر نحونا مستفهماً ماذا حدث لنا فأخبرناه بأنّهم أهانونا وضربونا وأوثقونا وسلبوا كل محتويات البيت، كل ما طالته أيديهم وخاصة المؤونة من لحوم مقددة ونبيذ. ولكن نظراته لم تصدّق ذلك واستمر في أسئلة عما إذا كانوا قد أصابونا بسوء مركزاً نظراته نحوي فكنت أشيح بوجهي عن نظراته وكذلك تفعل أمي حتى لا يرى دموعها المنهمرة ووجهها المبقع وبعض الخدوش في وجهها ويديها. وكانت كلما اختلت بي جانباً تطلب إليّ أن لا أضعف وانهار رأفة بجدي. قائلة لي دعيه يعيش في الشك أفضل من أن يعرف باليقين. لأن ذلك قد يقتله خاصة وأننا نعرف طبيعته وحنانه وعطفه علينا.
ومع ذلك كان جدي يصرخ ويشتم ويبكي ويعود لسؤالنا عما حدث ومن هم هؤلاء ويعود ليتحدّث عن الفوضى الضاربة في القرية وفي بودابست وفي البلد كلها ويخبرنا بأن فلاناً قد قتل وفلانة قد قتلت أما بيت فلان فقد أحرق وبأن الأوتوبيس قد أحرق على المحطة ولا يمكن لأحد أن يخرج من بيته والأفضل لنا أن نغلق بوابة الحديقة جيداً حفاظاً على الإوزات والدجاجات وكذلك أنْ نقفل أبواب المنزل ونوافذه جيداً وأنْ لا نفتح لأحد. وأحضر بعض الأخشاب والقطع الحديدية إلى داخل البيت لاستعمالها في الدفاع عند اللزوم.
كنا نوافقه على كل شيء وندعه يتلهى بتصوراته عن إمكانية الدفاع عن المنزل إذا بقينا مجتمعين. بينما في فترة خروجه من البيت إلى الحديقة لإحضار معداته الدفاعية كنا نستغلها للبكاء وتبادل المؤاساة أنا ووالدتي التي حاولت كثيراً أن تهوِّن الأمر عليّ. وكانت تقول لي المهم أنْ نبقى على قيد الحياة في هذه الفوضى.
هنا سألتها ألم يكن لكم أقارب في البلدة تلجأون إليهم؟
قالت بلى لقد التجأنا إليهم ولكن بعد فوات الأوان إذ أمضينا تلك الليلة في منزلنا وتقوقعنا على أنفسنا ونمنا في غرفة واحدة دون أنْ نعرف طعم النوم ولا الطعام رغم أنّنا كنا منهكين خائفين كنا نتظاهر بالنوم ليوهم أحدنا الآخر بأنّه نائم حتى طلع الصباح وبقينا على هذه الحالة عدّة أيام إلى أنْ خرجت أمي إلى الحديقة بحجة أنّها تقوم ببعض الأعمال ولما طال غيابها فتشنا عنها فلم نجدها في الحديقة ولا خارج البيت عندها التجأنا إلى أقاربنا ليساعدونا في التفتيش عنها ومكثنا عندهم فترة طويلة حتى هدأت الأوضاع كنا نأتي إلى منزلنا أنا وجدي على أمل أن نجد أمي قد عادت إليه ولكن دون جدوى.
هنا بدأت أهوّن عليها الأمر وأطيب خاطرها شارحاً لها بأنّه في الحرب الأهلية تحدث فظاعات وكوارث أكثر من ذلك بكثير. فأجابتني:
ـ صحيح ما تقوله وإنني اعتذر منك كثيراً لأنّني أزعجتك بماضيّ ومآسي وصدقني لو لم أفشل في الامتحان معك لما رويت لك ما رويت ولكني كنت أعيش أزمة دائمة بسبب ذلك اليوم. وكنت كلما تقرّب لي أحدهم أهرب منه عندما تصل العلاقة إلى المرحلة الجدية.
ـ أتريدين أنْ تقولي بأنّك لم تروِ تلك الحادثة لأحد.
ـ نعم لم أروها لأحد.
ـ حتى لجدك؟
ـ حتى لجدي لم أروها بكامل تفاصيلها.