Page 1
المقدمة
* أسئلة الحمقى مجموعة من الأسئلة في السياسة والإسلام السياسة طرحناها على أنفسنا وطرحها علينا مجموعة من الأصدقاء في الإعلام العربي خلال العام 2 0 0 4 وهو العام المليء بالأجنَّة والرعود والبروق والوعود العربية التي تحقق قسم منها، وأمطرت خيراً في العام 5 0 0 2·
فعلى جبهتين عربيتين رئيسيتين هما الجبهة الفلسطينية والجبهة العراقية تحقق في بداية عام 2 0 0 5 بعض ما كانت هاتان الجبهتان حُبلى به·
فعلى الجبهة الفلسطينية تحققت الانتخابات الرئاسية الفلسطينية بنـزاهة وصدقية وشفافية كبيرة ووصل محمود عباس، باني الدولة الفلسطينية الجديدة إلى رأس هرم السلطة الفلسطينية، بعد أن كان معزولاً ومنـزوياً بعيداً عن القرار السياسي· وانفرجت الأزمة الفلسطينية وتلحلحت، وتحقق لقاء شارون- عباس من جديد في شرم الشيخ في بداية عام 5 0 0 2، وأطلقت إسرائيل مجموعة كبيرة من الأسرى الفلسطينيين· وبدا بزوغ الفجر الفلسطيني واضحاً، والخطوات نحو بناء الدولة الفلسطينية التي وعدت بها أمريكا تتسع أكثر فأكثر· خاصة بعد خطاب حال الاتحاد الذي أدلى به الرئيس بوش في الكونجرس، وتعهد فيه من جديد باقامة الدولة الفلسطينية ودعمها مالياً وسياسياً·
وعلى الجبهة العراقية، تحدى العراقيون الموت والدمار والإرهاب وتقدموا شجعاناً نحو صناديق الاقتراع وانتخبوا 5 7 2 من ممثليهم في المجلس الوطني العراقي الذي سيضع الدستور الدائم، ويُجري انتخابات جديدة في ديسمبر 5 0 0 2· وكانت الانتخابات العراقية هي المعجزة السياسية الكبيرة التي تحققت، وأعطت الشعب العراقي الأمل بالمستقبل·
أسئلة الحمقى هي أسئلة العقلاء في واقع الأمر، والإجابة عنها هي للعقلاء فقط·
فالموازين في العالم العربي في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر 1 0 0 2، انقلبت رأساً على عقب، وأصبحت أسئلة العقلاء هي أسئلة الحمقى في رأي الجماعات السلفية الدينية والقومية· كما أصبح الآخر هو الكافر، وهو الْمُعيق، وهو المسبب لكل كوارث الأمة· وتمَّت تبرئة الأمة من كل عيوبها، ومن كل جهالاتها، ومن كل غيابها عن المشاركة في بناء العالم في كل المجالات بالشعوذة وألاعيب السحرة·
أسئلة الحمقى في هذا الكتاب هي من بين أهم الأسئلة التي طرحها العرب على أنفسهم في زمن الزلازل السياسية التي اجتاحت العالم العربي في فترة السنوات الأربع الماضية· والإجابة عنها كانت تستدعي الصراحة والشجاعة والموضوعية، والتي نأمل أن تكون قد توافرت في هذا الكتاب، ولو في حدها الأدنى·
لا شك أن هذه الأسئلة هي أسئلة الواقع العربي، والحال العربي، والمصير العربي· والإجابة عليها هنا إجابة اجتهادية لا قَطْعَ فيها، وليست القول الفصل· وما هي إلا وسيلة لتشغيل ذهن القارئ، وانتشاله من رقاده الطويل، ودفعه إلى البحث عن إجابات أخرى خارج هذا الكتاب· ولو نجحنا في ذلك لكنا قد حققنا ما نطمح إليه، وهو تحفيز القارئ للبحث عن الحقيقة أياً كانت، وفي أي زمان ومكان، تحقيقاً للعلم والعرفان·
شاكر النابلسي
شباط/فبراير 5 0 0 2
Page 2
-1-
* العرب من أكثر شعوب الأرض حباً وأكلاً وتقديساً وتبجيلاً للرغيف· فلا تخلو مائدة عربية فقيرة أو غنية منه· والعرب يُقسمون بالرغيف، ويقولون عن العمل وطلب الرزق (أكل العيش)، والعيش هو الخبز، والعيش من الحياة والإعاشة·· الخ· والعربي عندما يجد قطعه خبز في الشارع أو في الطريق يلتقطها ويبوسها ويضعها على جبينه تقديساً وإجلالاً، ثم يضعها في شق جدار أو على حافة نافذة ليأتي الطير ويلتقطها·
فهل أصبح الإرهاب في الثلث الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين هو خبز العرب على كل مائدة عربية قومية كانت أم دينية؟!
Page 3
-2-
لو كان لدى العرب مرآة مجلوّة ليروا فيها صورتهم اليوم، وامتلكوا الشجاعة الكافية للنظر في هذه المرآة لأصابهم الفزع والفجيعة، وانتابهم الهول لقبح صورة وجههم في هذه المرآة·
إنها صورة أننا أصبحنا أكثر أمم الأرض إرهاباً وسفكاً للدماء في العالم في هذا الزمان من التاريخ، الذي توصّلت فيه الأمم إلى حلّ مشاكلها المختلفة بالحوار وباللجوء إلى الديبلوماسية، وعقد الندوات ومخاطبة عقل العالم ورأيه العام ومثقفيه وفكره بدلاً من تهديده بسفك دمه إذا لم يستجب لهذا الطلب أو ذاك، آخذين بالاعتبار أن سائر مطالب الإرهابيين سواء الذين يُرهبون العرب والمسلمين أو الذين يُرهبون الغرب هي مطالب طفولية سخيفة، لا تمت إلى أرض الواقع بصلة، ولا يستطيع عاقل واحد في الشرق أو في الغرب أن يأخذ بها أو يقيم لها أي اعتبار·
إنها صورة أننا أصبحنا أمة بلا عقل!
Page 4
-3-
ما الذي حصل للعرب في مصر والجزائر والسعودية والعراق وفلسطين والمغرب واليمن وغيرها؟
ما الذي أفقد العرب عقلهم الذي قادوا به العالم في القرن العاشر الميلادي؟
لماذ جُنَّ جنون العرب على هذا النحو؟
أهو انقطاع الأمل من الإصلاح العام؟
أهو فقدان الأمل في فلاح العالم العربي؟
أهو نتيجة للفواراق الطبقية الهائلة بين من يملكون ومن لا يملكون؟
أهو نتيجة للفقر المدقع الذي يدفع كثيراً من العرب إلى التقاط طعامهم من براميل الزبالة؟
أهو نتيجة للفساد العام الذي يعمُّ أنظمة الحكم، والتي لا تستجيب لأي إصلاح ولا تريد أي إصلاح يسبب سحب خيط واحد من السجادة الفاخرة التي ترقد عليها، لأنها مدعومة بأجهزة بوليسية قادرة على إحباط كل مطالبة بالإصلاح، الذي يعني حتماً نهاية بعض الأنظمة القائمة؟
أهو سيطرة التعليم الديني الظلامي، الذي يُحرّض على محاربة الحداثة والديمقراطية والليبرالية الجديدة، ويهدر دماء دعاتها وروادها ومريديها؟
أهو تخلي النُخب المثقفة عن دورها السياسي، مما أفسح المجال أمام رجال الدين من أصحاب العمائم البيضاء والخضراء والسوداء لقيادة العمل السياسي في العالم العربي، بحيث أصبحنا لا نفرّق بين ما هو سياسي وما هو ديني، واختلط المُدنّس بالمُقدّس، وأصبحت المساجد ساحات لمعارك سياسية مسلحة، وشاعت الفوضى، وأصبح في العالم العربي ألف دين ودين كلها تنتمي إلى الإسلام المسروق، والمُغتصب، والمُستعمَل، والمُستغَل، والمُشترى، والمُباع، والمُزوّر، والمُأوّل، والمُقوّل؟
أهو نتيجة لإحباط كبير ومخيف أصيبت به فئات كبيرة من الشعب العربي، ولم تجد خلاصها وذاتها وتحقيق وجودها إلا باشهار السلاح في جميع الوجوه الغربية والعربية والآسيوية والإفريقية والبوذية؟
Page 5
أهو نتيجة لتزوير المثقفين للحقيقة، وعدم امتلاكهم الشجاعة لقولها وإبلاغها لطلابها؟
أهو نتيجة لانتشار الأمية الأبجدية والثقافية المخيف في العالم العربي، والتي تجعل السواد الأعظم لا يقرأ، ولا يعلم، ولا يفكر؟
أهو نتيجة لتراكمات الظلم السياسي والاجتماعي الذي عاني منه الشعب العربي طيلة أربعة عشر قرناً ماضية؟
أهو نتيجة لكثرة المقدسات والطواطم في الحياة العربية، بحيث أفقدت الأكثرية الإيمان بجدواها، فاخترعت هذه الأكثرية طوطمها ومعبودها الخاص الذي تمثل في الطوطم القومي كعبد الناصر وصدام حسين، وفي الطوطم الديني المزيف كابن لادن، ومقتدى الصدر، والزرقاوي، والحوثي وغيرهم كثير؟
أهو نتيجة لتوفر دخل هائل للجماعات الإرهابية من الزكوات والصدقات التي تتدفق كل يوم من المحسنين المسلمين من سائر أنحاء العالم؟
ففي تقرير صدر منذ مدة، يقول إن ثروة الشيخ القرضاوي، أحد فقهاء سفك الدماء في العالم العربي، تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، وأنه خسر في بنك التقوى وحده مبلغ ثلاثة ملايين دولار نتيجة لإغلاقه بمساع أمريكية، وهذا هو سرّ حملة القرضاوي الضارية على أمريكا·
أهو نتيجة للأموال الطائلة التي يحصل عليها الإرهابيون نتيجة لزراعة الحشيش والأفيون على الحدود الأفغانية- الباكستانية؟
ففي تقرير للبنك الدولي أن أكثر من نصف اقتصاد افغانستان مرتبط بالمخدرات، وأن الدخل الإجمالي للفلاحين والمهربين داخل البلاد وصل إلى 2·32 مليار دولار في العام 3 0 0 2 بينما كان الدخل 1·3 مليار دولار في عام 2 0 0 2· وتشير التوقعات التي نشرها تيم ماكغريك ( كيف تستفيد القاعدة من تجارة الإفيون، مجلة تايم، 03/7/4 0 0 2) إلى أن حصاد الأفيون في أفغانستان وصل إلى 0 0 6 3 طن، ويعد الإنتاج الأكبر منذ عام 9 9 9 1 ويكفي لإنتاج هيروين تقدر قيمته التسويقية بـ63 مليار دولار·
Page 6
-4-
لقد امّحت من ذاكرة العرب كل آية، وكل حديث نبوي، وكل قول حكيم، وكل قول شاعر، وكل قول مثقف يحضُّ على التفكير وإعمال العقل·
استسلم العرب للثقافة الدينية المزوّرة، وأصبحت خُطب الجمعة الهائجة والبرامج الدينية والكتب الدينية والعمائم الدينية هي القول الفصل في العسل والبصل، وفي الدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والتربية والثقافة·
استسلم العرب للإعلام الغوغائي المتشنج والمثير، وطفقوا يبحثون في نشرات الاخبار عن دماء تُهدر، ورؤوس تُقطع، وجثث تُسحل، وجلود تُسلخ، وبيوت تُهدم· وكانت أجمل المناظر الخلابة في عيون العرب المقابر الجماعية العراقية·
كل من يفكر في العالم العربي ويستعمل عقله، منبوذ، ومسبوب، وملعون، ومن أولاد الأفاعي والعلقمي، ومن عملاء الاستعمار الأمريكي الجديد، ومن كُتّاب المارينـز، ومن عملاء الموساد، ومن جواسيس المخابرات الأجنبية·
الإسلامويون الذين خطفوا الإسلام وسرقوه وزوّره وأسقطوا آياته التي جاءت تُنبىء بما حدث قبل أربعة عشر قرناً ويزيد على أحداث الوقت الحاضر، هم الذين يقودون الآن قُطعان العرب إلى محرقة التاريخ الانساني والى لعنة هذا التاريخ، لا بالعقل، ولكن بالعواطف المتشنجة، وبآلام الجروح النرجسية، وبالوعود الغيبية، وبقلة الايمان النقي البسيط بالله·
نعم، لقد فقد العرب إيمانهم النقي بالله، وأصبحوا عبيد الطواطم الدينية الدموية وليسوا عبيد الله· وعندما كانوا عبيد الله كانوا يُحكَمون بالعقل ويَحكُمون، ويحتكِمون اليه· واغتالوا العقل عندما أصبحوا عبيد الطواطم الدينية الدموية، فسهُل على الطواطم الدينية سوقهم سوق الشياه إلى مذبحة الإرهاب، وبصكوك غيبية أشبه بصكوك غفران الكنيسة في القرون الوسطى·
ألم نقل لكم في المقال القادم ( هل يعيش العرب الآن في ظلام القرون الوسطى؟) المنشور هنا، بأن حال العرب الآن تُنبىء بأنهم يعيشون في القرون الوسطى، ولكن بطريقة اليكترونية!
أي أنهم يفكرون تفكير القرون الوسطى في السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والتعليم، ولكن بأساليب اليكترونية حديثة، مُستعملين في مأكلهم ومشربهم وتنقلهم أحدث ما توصل إليه العلم الغربي والتكنولوجيا الحديثة في شتى المجالات، ولكنهم في الوقت ذاته يفكرون تفكير القرون الوسطى، ويتصرفون في حياتهم وكأنهم ما زالوا يعيشون في القرون الوسطى· وهم كذلك ما زالوا عبيداً لفكر ومفكري القرون لوسطى·
Page 7
-5-
ما هو الحل؟
هل يحتاج العالم العربي إلى ضربه ضرباً موجعاً بقنبلة نووية تفني مليوناً أو بعض المليون كما حصل لليابان في العام 5 4 9 1، لكي يفيق من غفوته واستهباله وتماديه بحق الإنسانية والبشرية عموماً، ويعود إلى عقله ورشده، كما عاد اليابانيون إلى عقلهم ورشدهم بعد أن تمَّ ضربهم تلك الضربة العنيفة المُهلكة؟
لقد كانت هذه الفكرة واردة بعد الحادي عشر من سبتمبر· لقد تمَّ ضرب اليابان بقنبلة نووية مقابل 0 0 6 2 جندي قتلوا في بيرل هاربر في 1 4 9 1، بينما فقدت أمريكا في 11/9/1 0 0 2 ثلاثة آلاف عقل اقتصادي هم جزء كبير ومهم من الماكينة الاقتصادية الأمريكية والعالمية، ومن العقل الاقتصادي الأمريكي والعالمي، وهي خسارة أفدح بكثير من خسارة بيرل هاربر·
إن الذي جعل هذه الفكرة مستهجنة وغير قابلة للتنفيذ أن القيم السياسية الإنسانية قد اختلفت وارتقت الآن، وهي تحول دون تكرار ما فعله الرئيس هاري ترومان في اليابان، رغم أن اليابان قد ضُربت وكانت هناك قوة عظمى أخرى في العالم· أما الآن فلا قوة عظمى في العالم غير أمريكا·
ولكن هل تغير العرب، وهل تغيرت قيمهم السياسية الإنسانية تبعاً لذلك، وعما كانت عليه في النصف الأول من القرن العشرين؟
للأسف لا، فلقد ازداد العرب حمقاً ودموية وابتعاداً عن العقل، وانحطت قيمهم السياسية الإنسانية، وأصبحوا يخاطبون العالم بالسيف والبلطة وبجيوش من الملثمين من قُطّاع الطرق واللصوص والقتلة·
فهل ينسى الغرب قيمه السياسية الإنسانية، ويواجه العرب بالسلاح نفسه الذي استعمله في 5 4 9 1، وبالأسلوب نفسه، حماية للإنسان ومستقبله على هذه الأرض؟!
Page 8
-1-
* يُطلق بعض النقاد والمفكرين على العصر العربي الحالي، بأنه عصر القرون الوسطى المظلمة·
فما هي الملامح السياسية والاجتماعية للقرون الوسطى المظلمة، وما هو وجه المقارنة بينها وبين العصر العربي الظلامي الحالي؟
وهل حقاً يعيش العرب الآن في ظلام كظلام القرون الوسطى، رغم كل مظاهر المدنية العربية التي تتشبه بالمدنية الغربية - رغم احتجاج ومعارضة المؤسسات الدينية على ذلك - من حيث استخدام الطائرات والسيارات في المواصلات، ومن حيث المأكل والمشرب والمسكن، ومن حيث استخدامهم للانترنت وأجهزة الاتصال الحديثة، ومن حيث تعاملهم مع منجزات التكنولوجيا الغربية عموماً؟
وهل يشفع للعرب استخدامهم لإنجازات التكنولوجيا الغربية في سائر مجالات حياتهم لكي نعتبرهم من أهل العصر الحديث بكل منجزاته العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية؟
أم أن العرب أخذوا من الغرب فقط كل ما يمكن أن يُستهلك ويُستعمل من المأكول والملبوس وهو المحمود، وتركوا له العقل وحُسن الإدارة والحرية والديمقراطية وهو المذموم؟
Page 9
-2-
في السياسة كان الحاكم في القرون الوسطى هو الحاكم المطلق، صاحب الحق الإلهي، لا يُحاسب ولا يُعاقب· فلم نشهد في التاريخ العربي كله منذ ظهر الإسلام حتى اليوم وما قبل الإسلام، أن جرت محاكمة لحاكم عربي أساء استخدام السلطة، ونهب المال العام، واستبد، وطغى، ما عدا الحاكم المطلق صدام حسين، ومحاكمته في العراق، بعد أن خرج العراق من ظلام القرون الوسطى إلى أنوار العصر الحديث، وخلع مسوح الاستبداد، ولبس لبوس الحرية· وهو ما أطار صواب الأنظمة العربية التي بدأت تحسب حساباً جدياً للغد الآتي القريب· وتعتبر ما حصل في العراق هو ثعبان سياسي سوف يلدغ كل الأنظمة العربية المشابهة للنظام الذي سقط·
في تاريخ القرون الوسطى المظلمة - وهنا القرون الوسطى لا تعني التوسط الزمني ولكن تعني الوضع الثقافي والسياسي الظلامي السائد في أي عصر- قرأنا، أنه عندما تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة قال المؤرخ السيوطي في (تاريخ الخلفاء ص9 1 2 ، 6 4 2 ) أن يزيداً أتى بأربعين شيخاً شهدوا له أن ليس على الخلفاء حساب ولا عذاب ·
وفي القرون الوسطى المظلمة الجديدة - أي في عصر العرب الحديث - سمعنا علانيةً، وعلى شاشة التلفزيون في 6 7 9 1 الشيخ محمد متولي الشعرواي - وكان وزيراً للأوقاف - يقف في مجلس الشعب المصري مخاطباً الرئيس السادات بقوله:
والله لو قُدر لي أن أقول لك إنك لا تُسأل عمّا تفعل، لقلتها لك
وقرأنا في تاريخ ابن كثير (البداية والنهاية) (أن يزيد بن معاوية أباح المدينة المنورة في واقعة الحَرّة الشهيرة ثلاثة أيام، سُرقت، ونُهبت، واغتُصبت فيها ألف عذراء، ومفاسد عظيمة ليس لها حد ولا وصف، بعد أن ضربها بالمنجنيق)·
وفي القرون الوسطى المظلمة الجديدة - أي في عصر العرب الحديث - فعل صدام في الكويت وأهل الكويت في 0 9 9 1، أشنع وأفظع مما فعله يزيد بن معاوية في المدينة المنورة، ورغم هذا لم يُطالب أحد في العالم العربي من مشرقه إلى مغربه بعزله ومحاكمته·
ورغم قول السيوطي في (تاريخ الخلفاء ص9 0 2 ) بأن بعض الخلفاء من كان ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة، إلا أن ابن كثير يحذر باسم الدين الخروج والثورة على مثل هؤلاء الحكام، ويقول:
إن الإمام الفاسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قول العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك إثارة الفتنة، ووقع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن
وما ذلك الاحتجاج الكبير من قبل الأنظمة العربية والشوارع العربية والزواريب العربية على عزل صدام وسقوطه، وبكاء بعض النساء والرجال العرب عليه، والصدمة العنيفة التي اجتاحت العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه نتيجة محاكمته، واصرار قناة الجزيرة في استفتائها المطبوخ والمضحك على أن 48% من المستفتين يرون عدم شرعية محاكمة صدام، إلا نتيجة لمثل هذه التربية السياسية السيئة والعريقة المتأصلة في التراث السياسي العربي المظلم، وفي الضمير السياسي العربي الذي مات منذ قرون طويلة!
والعراق وحده الآن بما فعل منذ التاسع من نيسان 3 0 0 2 إلى الآن وبمحاكمته لصدام الذي ظهر كراعي الأغنام، هو الذي قفز على الخطوط الحمراء والسوداء والخضراء، ونطَّ على الحبال، واجتاز العوائق والسدود، وعبر الحدود من ظلام القرون الوسطى السياسي إلى أنوار العصر الحديث·
Page 10
-3-
في الحالة الاجتماعية، لم يكن للمرأة العربية في القرون الوسطى المظلمة صوت، ولا خبر، ولا دور·
كانت ماكينة نشيطة للخَلَف والعَلَف فقط·
المرأة العربية الآن في أحط وضع يمكن للمرأة في العصر الحديث أن تصل إليه، كما قال لنا تقريرا الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعامي 2 0 0 2، 3 0 0 2·
وعندما تبادر بعض الأنظمة العربية لإنصاف المرأة وإعطائها بعضاً من حقوقها العامة، تتصدى المؤسسة الدينية لمثل هذه المبادرات، وتحول بينها وبين أية خطوة إلى الأمام·
ففي 11/6/4 0 0 2 ألقى إمام الحرم المكي الشيخ سعود الشريم خطبة الجمعة، قال فيها تعليقاً على الحوار الوطني الذي دار في السعودية لإعطاء المرأة جزءاً من حقوقها العامة:
أصبحت قضية المرأة الشغل الشاغل للكثيرين والحديث الأول، في الوقت الذي تشهد فيه الأمة صنوفاً من الظلم والقهر والبطالة والفقر والانحراف والتضليل، وتسلط الأعداء من الداخل والخارج، ولا نجد لها أطروحات في الواقع المرئي والمسموع والمقروء· إن فتن العصر سببها المرأة· وإن المرأة لا مقدرة لها على المناصب المتقدمة في مجتمعنا
ولكن ما بال الدول الإسلامية غير العربية كتركيا وأندونيسيا والباكستان وبنغلادش تنصِّب المرأة في أعلى المناصب كرئيسة للوزراء، فهل لأن هذه الدول الإسلامية قد خرجت من ظلام القرون الوسطى إلى أنوار العصر الحديث، فيما بقي العرب في ظلامهم وظُلمتهم وهم إخوان لأولئك في الدين الواحد؟
هل يكفي أن تكون السيدة عائشة زوج الرسول، ودورها السياسي المعروف، سبب غضب أهل السُنّة وأهل الشيعة على المرأة العربية، واختلاق الأحاديث والأقاويل عنها، وأنها أكثر أهل النار؟
فمن المعروف أن علي بن أبي طالب لم يبايع أبا بكر مدة طويلة لخلافه مع ابنته عائشة، التي كانت على عداوة ضارية مع زوجته فاطمة ابنة الرسول· وأن عائشة ودورها السياسي في مقتل عثمان وفي الخلاف السياسي بين علي ومعاوية كان سبباً رئيسياً في لعن المرأة العربية واحتقارها، بل واستعبادها انتقاماً من عائشة·
فلا يوجد في سائر الحضارات، ولا في الأديان كافة، ولا في كل الثقافات، من احتقر المرأة كما احتقرها العرب - ولا نقول المسلمين - في القرون الوسطى المظلمة، وكما احتقروها الآن في القرون الوسطى المظلمة الجديدة·