eKtab
EN ع
آثار الوثاق
Read free sample

آثار الوثاق

by جليل حسن محمد

Page 1

مقدمة

علاقة مؤلف هذا الكتاب قديمة بشعر الجواهري، وصلته به تكاد تكون يومية، وقد أثمرت هذه العلاقة عن ثلاثة بحوث أكاديمية في شعره وهي(التحدي، الغربة، الحزن) وقد نشرت هذه البحوث في مجلات أكاديمية تصدر في جامعات مختلفة في العراق وفي أوقات متفاوتة، وعندما وقعت هذه البحوث بيد بعض الأصدقاء والمهتمين بالجواهري وشعره أشاروا على المؤلف ـ بعد الإقرار بفائدتها ـ بضرورة جمع هذه التفاريق في كتاب واحد يضمها بين دفتيه فيوفر على المتلقي غير قليل من الوقت في البحث عن تلك البحوث لو بقيت في مطارح شتى لاسيما وان المجلات الجامعية بحكم طبيعتها الخاصة تكون محدودة العدد ضيقة الانتشار غائبة عن سوق الكتاب وفي منأى عن متناول اليد، وقد تردد المؤلف أول الأمر عن الاستجابة لرجائهم ووجد أن به حاجة إلى شيء من التريث وإرجاء المشروع إلى قابل الزمن بيد أن الرجاء قد تكرر والدعوة قد نشطُت أكثر من ذي قبل ففكر ثم أقدم على ضم هذه البحوث إلى بعضها وجمعها في كتاب واحد غير أن شيئاً آخر قد بقي يشغل باله وهو اصطفاء عنوان دالٍ عليه تنضوي تحته الموضوعات الثلاثة، وقد وقع الاختيار من بين طائفة من العنوانات على تسميته (آثار الوثاق) والذي أوحى إليه بهذا العنوان وهداه إليه هو قول الجواهري نفسه:

أمّـا التَـمرُّدُ فـي شُعـو ري فَهْـو مِنْ أثَـرِ الوَثَـاقِ

فالموضوعات الثلاثة المؤلفة لمحتوى الكتاب على الرغم مما يبدو عليها من التباين في الظاهر غير أن هناك قاسماً مشتركا بينها يكفل لها الجوار المحمود وأعني به المصدر الأساس الذي ينبثق منه ويفتح باب الشعر عليه وهو (الوثاق) المتمثل بأشكال الهيمنة وضروب القهر التي تعرض لها الجواهري إنساناً وشاعراً لشعب راسف في قيود ظالميه من المستبدين والمستعمرين وأعقابهم، فالتحدي أثر من آثار الوثاق ومحاولة جريئة لمواجهته والتحرر من وطأته الدامية، والغربة أثر من آثار الوثاق ومحاولة للفكاك منه كما أن الحزن أثر ثالث من آثار هذا الوثاق ينبئ عنه بفصيح الكلم ويعلن عن قصور وسائله عن رفع أوزاره عنه أو تهوين سلطانه عليه ويبقى للمؤلف أمل كبير في أن يحوز هذا الكتاب رضا القارئ العزيز وأن يكون جزءاً من الوفاء لهذا الشاعر الذي نذر نفسه لقضايا شعبه والتفت لهموم الإنسان في كل مكان من هذا العالم المتلاطم المفعم بالأرزاء هذا العالم الذي كان حصيد الجواهري منه صنوف المرارة وألوان العذاب وسجلاً حافلاً بالشموخ وضامناً للخلود.

Page 2
التحدي في شعره
 
حينما يباري امرؤ آخر في فعل وينازعه الغلبة فيه إنما هو يتحداه ([1]) وبهذا المفهوم تبدو قامة الجواهري طويلة منتصبة في شعره الذي يفيض من خافق يتقاسمه الغضب والرضا، الغضب على ما لا يليق بالإنسان ويخدش كرامته والرضا عن كل ما يشمخ به ويرفع هامته وقد ينبري قائل ويقول: أجل كان الجواهري على الظلم يحتج وعن الحق يذود ولكن ألم يوادع؟ ألم يساير؟ ألم يضعف بدافع من رغبة أو رهبة أمام سلطة أو ملك أو أمير أو وزير؟ أقول: السؤال وجيه والاعتراض وارد و ليس بمقدور أحد أن ينكر الحال أو أن يتستر عليه وأشعاره في ذلك شواخص في ديوانه وعليه شواهد (لكنه كان في صميم الأحداث والمتغيرات دائماً فيعبر عنها في كثير من قصائده حتى عُدَّ شعره سجلاً ممتازاً أو تصويراً دقيقاً لتطلعات الحركة الوطنية في الحقبة المضطربة العنيفة من تاريخ العراق الحديث)([2]) هذا ما يقوله عنه الآخرون وإذا ما سئل الجواهري نفسه أ أنت ثائر؟ لبادر إلى القول باعتداد كبير بالنفس (أنا أعتبر نفسي ثائراً بالطبيعة)([3]) ويحس المتلقي من هذه الإجابة أن الشاعر يجد لذة كبيرة في الثورة([4]) وتلح عليه في السؤال وهو يلح عليك في التأكيد ويذهب إلى أن الثورة ميراث ورثه عن الآباء وان الوفاء لهم يقتضي أن لا يحيد عن دربهم قائلاً:
 
أمي غذتني الملهبــا
 
تِ وضرعها حَفْلٌ لبون
 
وأبي تحلّف أن يجو
 
ع ولا يذل ولا يهــــون([5])
 
 
إن هذا التحدي الذي يثري به الجواهري ديوانه ويعتز به يأتي على ثلاثة اضرب:
Page 3

1ـ تحدي رجال السلطة والحكام

إن طبيعة الجواهري الثائر وجدت في الأوضاع ما يزيدها لهيباً وسعاراً، فلقد توالت عليه أحداث جسام تنوعت بين مطاردة تتكرر وسجن يعاود وصحيفة تحتجب ومقتل أخ عليه عزيز،تلك هي معاناة الجواهري وليس هناك عنصر يفوق أهمية عنصر المعاناة في أثناء اللحظة التكوينية للقصيدة([6]) وقد تهيأ للجواهري أن يودع شعره طاقات إيجابية مكنته من مواجهة السلبيات ومقارعة بواعث التردي (على اعتبار أن الظروف التي لا تكون في صالح الجماهير يجب أن يقابلها الشعر النقيض لها أي شعر في صالح الجماهير لا الشعر المساير للسلبيات بنتائجها إذ لا يعقل أن يقع الشعر بضمن النتائج للأفعال السلبية المفروضة قسراً لانه لم يكن جزءاً منها ولا نتيجة من نتائجها وإنما هو رد فعل ضدها وكل رد فعل للأمور السلبية لا يمكن أن يشابه الفعل السلبي ويسايره على اعتبار أن المسايرة ـ في هذه الحالة ـ هي التخدير أو التنويم المغناطيسي وبهذا المفهوم لا يعتبر رد فعل بل هو انقياد بينما الشعر الناتج من جراء المؤثرات السلبية يجب أن يكون رد فعل إيجابي ذا أثر فعال)([7]).

ومن هنا شنّ الجواهري حرباً ضارية على عوامل الفساد مجاهراً برفضه الواقع متطلعاً إلى مستقبل أفضل بديل يكتسح معه مساوئ الحاضر القائم لبناء صرح جديد مشرق وأيقن أن تلك الآمال التي تساوره وتساور شعبه لا ترى النور إلا بتقويض صروح الطغاة والتصدي الحازم للمستعمرين ومآربهم بيد أن الطريق إلى ذلك شاق عسير، وأي مطمح ينقاد لصاحبه بلا ثمن؟

فما أن يليق بمجد النضال

ضعيف على نصره يغضب

وأن غـداً باسماً يُـجتلـــــــى

بشق النفوس ولا يوهب([8])


فالأماني يسوقها من يستسهل الصعب ويأتي العظائم:

ومن يتطلب مصعبات مسالك

فأيسر شيءٍ عنده المركب الصعب([9])

وليس شيء أولى ـ قبل البدء ـ من مجاهدة النفس وترويضها على العزم لتخليصها من أوشاب الضعف والوهن.

ولي نزعات أبعدتها عن الخنا

سجية نفس هذبتها الشدائد([10])

وقبل أن تنوش السيوف مفارق الأعداء لابد من عزائم تعين على الفعل المقتدر وإلا فلا خير يرتجى من السيوف في ظل عزائم خائرة.

وما ضرهم نبو السيوف وعندهم

عزائم من قبل السيوف قواطع([11])

والجواهري إذ يرينا عزيمة نفسه إنما يرينا صورة للعزيمة المثلى المبتغاة وهي أصلب من الصخر وأعتى من الإعصار وأدمر من الخطوب:

ما حطمت جَلَدي يد النُّوَبِ

لكن تحطمـت النــــوائـب بـي

قل للخطوب إليك فابتعدي

ألمسـتِ بـي ضـعفاً لـتقتــــربي

أنا صخرة مـــــا إن تـخوفني

هذي الرياح الهوج بالصخب([12])

وتمضي السنون وعزيمة الشاعر لا تشيخ ولا تهرم تغريها الأيام بخذلان صاحبها وهي تأبى أن تهجره أو أن تتوانى عن نصرته وآية ذلك الإصرار الذي لا تلبسه الهوادة للشاعر الشيخ لاسيما في بيته الأخير من هذا النص:

في الكـف مطرقتــي أفـل بحدها

أصــــــلاب أوغاد وهـام طغـاةِ

ستون عاماً خضتها كمخاضكم

لجج الحيــاة عنيفـة الغمـرات

أجتـاز منـهـــــــــا لـجة وتلفـني

أخـرى وتفسد لفها عـزماتي

بيدي أشد فإن هوت فبساعدي

فإذا التوى فبماضغي ولهاتي([13])

والعزيمة الراسية على دعائم متينة لا تلين لسحر المغريات غنما تتحصن من المكاسب الآتية المثبطة للهم مثلما تتحصن من المحن نفسها:

أبوا الخنوع فآثروا أن يُقبلوا

والمغريات تريدهم أن يدبروا([14])

وحمل النفس على قبول ما يخشن والسمو بها على الملذات ينأيان بها عن عروض مغرية محتملة غايتها استمالة العزوم وكسر طوق التحدي لذا يقول الجواهري:

ووطنت نفسي كما تشتهي

على مطعم خشن أجشبِ([15])

ولاشك في أن قهر ملذات النفس يستل منها الخوف ولاسيما وأن الطريق الذي يختاره المناضلون طريق تحفه المخاطر من كل حدب وصوب وايسر تلك المخاطر عليهم الجوع والعري فتلك معان (تدفعك إلى الاهتمام والثورة الوجودية الهائلة أمام الذات وأمام العالم معاً)([16]) يصوغها قلم الشاعر الفنان بقوله:

وليـــــس بـحر من إذا رام غاية

تخوف أن تـرمي به مسلكاً وعــرا

وما أنـت بالمعطي التمرد حقه

إذا كنت تخشى أن تجوع وأن تعرى

وهل غير هذا ترتجي من مواطن

تريد على أوضاعها ثورة كبرى([17])

فالخوف والتحدي ضدان لا يجتمعان في صدر ومن هنا ينفي الجواهري عن نفسه الاختفاء عن جماهير شعبه على مدى ستين عاماً لعلمه أن الاختفاء هزيمة وفي الهزيمة دلالة بائنة على الخوف لذا فهو حضور دائم في الموقف الضنك إذا استرفده القوم أرفد:

ستون عاماً لم أحاول ساعةً

أن أختفي عمن هنالك أو هنا([18])

والشاعر يؤمن إيماناً لا ينازعه شك بدور القوة في مظاهرة الحق وتأييد مريديه إذ يميز بين قوتين إحداهما للباطل تنتصر وأخراهما للحق تنزع غير أن الغلبة في نهاية المطاف حليف الحق وإن قصرت وسائله والخيبة المرة قرينة للباطل وإن تظاهر بالعدة والعدد:

فاصمد فحقك قوة مرهوبة

الأقويـــــــــاء إزاءه ضعفاء([19])

وما أعظم القوة ساعة تجرف موانع الجائرين وتقتحم بيوت الطغاة وتنقل الصراع إلى عقر دارهم فيطرقون صاغرين أمام كبرياء الحق وثورة أهله:

آليـت اقتحم الطغــــــاة مـصرحاً

إذ لـــــم أعـود أن أكـون الـرائبا

وغرست رجلي في سعيـر عذابهم

وثبت حيث أرى الدعي الهـاربا

ماذا يضر الجـوع؟ مجـــــد شامخ

أنـي أظـل مع الرعيــــة سـاغبا

يتبجـحون بأن موجاً طـــــــاغياً

سـدوا عليـه منافــــذا ومساربا

كذبوا فملء فم الزمان قصائدي

أبـداً تجـوب مشارقـــــا ومغاربا

تستل من أظفارهم وتحـط من

أقدارهـم، وتـثــــــل مجداً كـاذبا

أنــــا حتفهم ألج البيوت عليـهمُ

أُغـري الوليد بشتمهم والحاجبا

أنــــــا ذا أمامـك ماثـلاً متـجبراً

أطأ الطغاة بشسع نعليَ عازبا([20])

ونظير هذا في انصياع الباطل لجبروت الحق الذي لا يوقف زحفه مكابر قوله:

إن الجهاد صحيفة مخضوبة

جمدت عليه للشعوب دماء([21])

ويلفت الشاعر الأنظار إلى جدوى القوة فيجد فيها أفضل معبر إلى المجد المنشود الذي ينتظر قصاده وراء جبل من لهيب النار ودم الشهيد:

ردي علقم الموت لا تجزعي

ولا تـرهبي جمرة المصرعِ

فما سعرت جمرات الكفـاح

لغيـر خليق بـهـــــــــا أروع

فأنشودة المجد مــــا وقعـت

على غيــــر أوردة قـطـــع([22])

وتعد القوة للشعوب المضطهدة بمثابة العتاب القوي للمتجبر الذي لا يعي سوى منطق القوة التي تزلزل كيانه:

وإذا عتبت على القوي فلا يكن

إلا بأطـــــراف الحراب عتاب([23])

ويسوغ الشاعر الحقد على مسببي التدهور ومرتكبي الظلم، وقد جاءت صيغتا (الأوجع والأبشع) في النص الآتي لترجحا التكثير والزيادة في ضربهم جزاء وفاقاً لتماديهم في العسف:

جزائر كِيلي بصاعي حقودٍ

عــــــــمٍ في ضـراوته مُـقذعِ

على موجع الظلم بالأوجـع

ومستبشع الحقد بالأبشع([24])

إن الطبع الرقيق المسالم مع البغاة الكائدين لا طائل من ورائه ولا مناص من أخذهم بالقسوة والحدة ومقابلة كيدهم بكيد أشد وأعظم:

تحـولت من طبع لآخـــر ضـده

من الشيمة الحسناء للشيمة النكرا

وكنت وديعاً طيب النفس هادئا

فأصبحت وحشاً والغاً في دم نمرا

فلو دبر الباغون للكيـــد خطـة

رأوا إنني منهم بتدبيرها أحرى([25])

ويدعو من منطلق الرد بالمثل إلى الاقتصاص من البغاة والقتلة وشراب الدم ويؤكد باللامين الداخلتين على الفعلين( تسقي، تأخذ والنونات التوكيدية الثلاث الملحقة بالأفعال أن الثأر سيقع لا محالة:

من مبلغ الشر أن الخير يصرعه

والبغي أن قوى الأحرار تنتصرُ

يا شارب الدم مرت ليلة طرفا

ولن تمر ليـال بعـدها أُخــــــــر

لتسقين بتلك الكأس متــــرعة

سـماً وتكرع مـــــا فيها وتنفـطر

لنأخذنك أخــــذ الليث حصتـه

ونسحقـنك إن الـثـأر ينتظر([26])

إن هذا الصراع المرير الذي يسترخص فيه الأباة دماءهم تحد عنيد ينتهي إلى إحدى غايتين إما تأمين الحياة الحرة الكريمة أو نيل الخلود بالشهادة:

فإما حيـاة حـــــرة مستقيمـة

تليـــــــق بشعـب ذي كيان وسؤددِ

وإما ممات ينتهي الجهد عنـده

فتعذر فاختر أي ثوبيك ترتدي([27])

إن الحياة الحرة التي يناضل الجواهري من اجلها ويحرض الجماهير على صنعها متعذرة الولادة ما لم تروها دماء الضحايا فبين الحياة الحرة والدماء صلة عضوية محكمة وعلاقة جدلية رابطة حتى لتستحيل هذه العلاقة بينهما ـ عند الشاعر ـ لازمة توأمية لا تقبل الانفصام:

فالثكل والعيش السوي سوية

ودم الضحايا والحياة توأم([28])

فالقتال بين المظلوم وظالميه سجال ولامعنى هنا للسلم إذا كان شعاراً موهوماً يقترف في ظله المزيد من المآثم وحين يكون السلم أفتك من الحرب نفسها فالحرب أحمد:

كفرت بالسلم من بعد الجنوح له

فقد وهت حجـج منه وأعـــذارُ

وقد ربـت في ظــــــــلال منـه مأثمة

واستكـلبت فيه أضـباع وأنمــار

شر من الحرب سلـــــم خادع مـذق

في الوعد عي وفي الإيعاد مهذار([29])

وقد أثبتت التجارب الحياتية المعاشة والوقائع الملموسة أن ملاينة الطغاة تجلب ضرراً مضاعفاً وجوراً أشنع فقد انطوت نفوسهم على الطبع الغليظ والبطر المسرف:

إن الطغاة إذا لاينتهم بطروا

مثل الصغار إذا دللتهم فسدوا([30])

وبوحي من نزعته المتحدية يدعو الشاعر إلى مخاشنة أولئك الطغاة بجأش رابط وجنان ثابت لا يوافيه خوف ولا تطوف بساحته مصانعة، وآية ذلك استفهامه الإنكاري المكرر وهو يخاطب نفسه بقوله:

أ أنت تخاف من أحدٍ

أ أنت مصانع أحدا ؟([31])

وشرط في المتحدي أن يصبر حتى تحين ساعة الانقضاض وينتصف المضامون من مصادري إرادتهم، فلا ضجر على الرغم من جسامة العبء وثقل الوزن:

الصامدون على وعورة دربهم

ما مسهم ضجر ولا إعياء([32])

والصبر لدى الشاعر صبران صبر المستشرف المتطلع الذي يوجب الثناء ويحمل على الإكبار وصبر العاجز المتقاعس الذي ينقلب صبره سبة عليه ومعرة له، فلا كان ولا الصبر:

ذممت اصطبار العاجزيـن وراقني

على الضر صبر الواثب المتطلعِ

له ثـقة بالنـفــــــــــس أن ستـقوده

لحال يرجى خـيرها أو لمصــرع

وما الصبر بالأمر الـــيسير احتماله

وإن راح ملصوقاً به كل مدعي

ولا هـو بالشيء المشـــــــــــرف أهله

إذا لم تكن عقباه غير التوجع([33])

يعلن الجواهري مراراً أن طريق الكفاح وعر عسير لكن الصابر المتطلع يجتازه بصلابة عزمه دون أن يلهج بالشكوى لأن الشكوى ضعف والضعف ينافي التحدي:

حسب الكريم من الأذى إحجامه

حتى عن الشكوى من الإيذاء([34])

ولتلك العلة يحارب الضراعة ويرفض البكاء والبكائين:

ساءلت نفسي لا أريد جوابها

أنا أمقت الضراع والبكاء([35])

وتطبيقاً لفكرته تلك يأبى أن يكون شاعراً راثياً يبكي الخالدين بدمع هتون، فالخالدون أحياء وما بالأحياء حاجة إلى رثاء أو إلى من يمطرهم بدموع سواكب، قال لمناسبة وفاة عبد الناصر:

أكبرت يومك أن يكون رثاء

الخالدون عهدتهم أحياء([36])

وشاعرنا واجد لذته فيما يجره عليه هذا التحدي من الأذى والنحس:

ولولا قلوب تحسس الأذى

لما عرف اللذة العاشقونا([37])

وتطالعنا صورة من صور التحدي في شعر الجواهري إذ يصر على ان يكون في قلب الأحداث وان يلازم جماهيره ولا يحلو له ان يحيا في غير بلاده بين أكناف النعمة وحده وبلاده تلفها الأزمات فكأنه يرى في انفراده بالمسرة ضرباً من التهاون في قضايا شعبه وتنصلاً عن منهجه المصطفى لذا تنزع نفسه نحو بلاده ليعانق حر أحداثها ويواصل الشوط على دروب شائكة ووجهته مطلع الشمس:

وما سرني في البعد حال تحسنتْ

بلاديَ أشهـى لي وإن ساءت الحالُ

أحب حصاها وهو جمر مؤجج

وأهوى ثراها وهو شوك وأدغال([38])

بيد أن الجواهري الذي كان على علاقة حميمة مع مجتمعه سرعان ما صير تلك العلاقة تمرداً عليه في أثر عثرات نفسية حادة بينه وبين مجتمعه الذي رضي بالخنوع وأذعن لمشيئة الحكام العتاة وترك الشاعر وحده في حومة المعاناة، يهيب به فلا يلتفت إليه أحد فإذا به يزيح الستار عن هذه الحال غير المألوفة من تجربته بسيل من الفعل (أطبق) في قوله:

أطبق دجى، أطبـق ضـــــباب

أطبـق جـهاماً يــــــــــا سـحاب

أطبق دخان مـن الضميـــــــــ

ـرِ محـرقاً، أطبق عــــــــذاب

…………………

…………………

أطبـق عـلــــــــــى مـتبلـديـ

ـنَ شكا خـمولهم الذبـــــــــاب

لـم يعـرفوا لــــــــون السـما

ءِ لفـرط ما انحنت الـرقــــاب

ولفرط مــــــــا ديـست رؤو

سـهم كـما ديـس التــــــــــراب

أطبـق عـلى هـــــــــذي المسو

خِ تعاف عيشتها الكــــــلاب([39])

Page 4

2. تحدي الموت

ومثلما ثار الجواهري على أعداء الجماهير ومناوئي تطلعاتها ثار في وجه الموت انحيازاً منه للحياة التي كانت تنبض في جنبات نفسه على نحو عارم على الرغم من أن الموت حدث مرعب لأنه فناء يستهدف الحياة وسر الصراع بينهما في أساسه يعزى إلى وجود جميل مرغوب فيه يخاف عليه وجليل مرهوب منه يخاف وقوعه([40]) وقد تأكد لديه أن الحياة التي يلفها الخسف ترادف معنى الموت إن لم تكن أشد منه لذعاً وإيلاما وأن المرء حين يحرص على الحياة وقيمها الجميلة يهون عليه الموت ويتلاشى أمامه الخوف لأن خيار مجابهة الموت هنا بمثابة الحياة نفسها والاستهانة به إرادة لصنع الحياة نفسها فبذلك يستحيل الموت مضموناً إيجابيا ينافي المضامين السلبية([41]).

والجواهري في إزاء الموت جلد قوي يقف موقف الند منه يغضب عليه طمعاً في إخافته ويناجزه طمعاً في الانتصار عليه ينتصب أمامه مرتقباً متى يؤول الصراع بينهما من وجه لوجه إلى وجه لظهر:

ند مع الـموت غضبانا يـناجـزه

وجهاً لوجـه كجـلاد يـنـــــاصبه

يلقي الحديـد بأضلاع يـفجرها

حقد يذيب شبا الفولاذ لاهبه([42])

وتحدي الموت بهذه الصرامة يشعر بثقة الشاعر بنفسه ويوحي بتمييزه بالمنازلة التي تحدوه إليها لذة كبيرة يسهل إشباعها عليه ويعسر على سواه:

وللقيا الحتوف وجها لوجه

لذة تبتغي بجهد جهيد([43])

وخلف تلك اللذة نفس حرة لا قرار لها على ضيم ولا تبالي بالموت ذوداً عن الحياة طال العمر أو قصر، فلا الإقدام يعجل الساعة ولا الإحجام يمد في الآجال، إنما الخلود بالذكر المحمود الذي يبنيه بالجديد ويفرض التغيير المطموح إليه:

هـي النفس تأبى أن تـذل وتُـقهراً

ترى الموت من صبر على الضيم أيسرا

وتـختار محموداً من الذكـر خالداً

عـلى العيش مذمـوم المغبة منكرا([44])

فالموت الذي يهرب منه الآخرون يهرب إليه الجواهري مدفوعاً بحب الحياة حتى أنه ليتآلف مع الموت وتآلفه معه تحدٍ للموت نفسه لأن الموت موت، فأنى السبيل إلى التآلف معه؟! لكنه الجواهري يركب الصعب ويروضه ليعود من رحلة البحث بالحياة مغنما:

وأركب الهول في ريعان مأمنة

حب الحياة بحب الموت يغريني([45])

والمغرم بالحياة الجميلة يسعى إلى نبعها غير آبه بالصعاب ولنسأل أبا فرات ما نبع تلك الحياة كما ترى؟

أرى الـموت نبع الحياة الجميل

إذا خـضبته الليـالي بدمْ

وعن وهج الكأس كأس الوجود

تترجم عيناي سر العـدم

ألـذُّ عـناق ظـــــــــــلال الـحياة

تخالط فيها سرور بـهم([46])

إن الموت الصانع للحياة هو النمط الذي أراده الجواهري وأدار معه معركته لأنه يعرف أن الموت في الحياة يفضي إلى العدم أما إذا كان استشهادا في المعركة في سبيل الآخرين فأنه يصبح انتصارا للحياة بمجموعها انتصارا له وللجنس البشري([47]).

Page 5
3. تحدي الزمن أو الدهر
 
يزعم الناس أنه قوة قاهرة مهيمنة لا سلطان لهم عليها، ويعزون إليه كل ما يصيبهم من نفع وضرر وصلاح وفساد([48])يراه الجواهري زعماً فاسداً معطلاً لقوى الإنسان وباعثاً على التشاؤم والانكفاء، وهو يحث على الإقدام بغية تفعيل القوى المودعة في الإنسان واستثمارها على أحسن شاكلة، فإذا كان الدهر قوة مكدرة للحياة فليكن الإنسان قوة مطاولة لها تناضل من أجل منحها الصفاء والألق:
 
هو الدهر قارعة يصاحبك صفوهُ
 
فما صاحب الأيام إلا المقارعُ([49])
 
فالمهم أن تقارع وأن يكون لك موقع في المقارعة وأن تتريث في انتظار ما تسفر عنه الحال من نتائج:
 
دع الطـوارق كالأتـون تـحتـــــدمُ
 
وخـلها كحبيـكِ النسج تلتحـــــــــمُ
 
وخـذ مكانك منـها غير مكتـرث
 
دهدى بك الموج أو علت بك القمم([50])
 
لكن الدهر يقوى إذا أنس في غريمه تهاوناً وإلا فهو مغلوب على أمره منصاع لإرادة القوي المسكون بالعزيمة الماضية والمتأهب لدحر بواعث الرهبة ووأد كل مكيدة:
 
أمامكـم موعـر مـلغـــــم
 
بـشتى المخـــــــاوف مستصعـب
 
يسـد مـداخلـه أرقــــــــم
 
ويـحـمي مسالكـــــــــــــه أذؤب
 
فلا تهنوا إن هذي الأكـف
 
تملي على الدهر ما يكتــــب([51])
 
ولابد من اطراح التشاؤم الذي يثقل الخطو ويغري بالركود، فالمحاولة المحاولة أما النتائج فموكولة بأحيانها وستأتي إن نصراً أو إخفاقاً ولو تأكدت العواقب لدى العازم على أمر قبل انجلاء المواقف واتضاح الرؤية لخمدت الهمم واضمحلت النوازع وتفهقت الغايات:
 
خض الكوارث لا نكساً ولا جزعا
 
واترك إلى الغيب ما يـجري به القلمُ
 
لو كـان يضمن نصر قبل موعده
 
لكان أرخص ما في الأنفس الهمم ([52])
 
ويوضح الجواهري وظيفته شاعراً تجاه أحداث الزمان وناسه فينيط بنفسه مهمة تعرية الشر والأشرار وإماطة اللثام عما يجري في الخفاء، فتلك رسالته وعليه أن يجهر بها وأن يسمع الآخرين مضمونها وأن يضع في أيديهم مفتاح الباب الذي يطلون منه على الآفاق الجديدة الرحبة، فهو مجند نفسه لها ومحرض الآخرين على حيازتها:
 
ذخرت لأحداث الزمان يراعا
 
يـجيد نـضالا دونها وقراعـا
 
وأعـددته للطارئات ذخـيرةً
 
يزيح عن الشر الكمين قـناعاً
 
وهل أنا إلا كالمؤدي رسـالةً
 
رأى كتمها حيفاً بها فأذاعا([53])
Page 6

إن ما يدعو إليه الشاعر عمل متواصل لا يقف عند حد ولا يحول دونه تقدم العمر مادام في النفس رمق وفي القوس منزع:

يا شبـاب الغــــــــد إنا فتيـة

مثـلكم فرقـنا في العمــــــر سنُّ

لم يزل في جـانحينا خافـق

لصروف الدهر ثبت مطمئن([54])

والشاعر لا يحفل بالدهر ولا يسوغ لأحد أن تصدر عنه نأمة شكوى لأن الشكوى من نوب الدهر أمارة ضعف وتخاذل تأباها عزائم المكافحين على درب الحياة:

عتبتُ وما لـي مــن معتـبِ

عـلى زمـن حُـوّل قُـــــــلّبِ

أ نلصـق بالدهر ما نـجتوي

ونختص نـحن بـما نـجتبي

كأن الذي جـاء بالمـخبـثات

غـيـــر الذي جـاء بالطـيب

وما الدهـر إلا أخـو حيدة

مُطــــلٍّ على شـرف يـرتبي

يسجـل معــــركة الكائنـات

مثـــــــل المسجـل في مـكتب

فـما للزمـان وكفّـي إذــــــا

قبضـت على حـمة العقرب

بنابي من قبل نـاب الـزمان

ومن قبـــل مـخلبه مـخلبي

دع الدهر يذهب على رسله

وسر أنت وحـدك في مذهب

ولا تـحتـفـل بكـتاباتــــــــــه

أرد أنت ما تشتهي يكتب([55])

وكلما ضايقه الدهر صب عليه جام غضبه وقاومه،ومعلوم أن الغضب (نتيجة لنوع من أنواع الهجوم الحاسم القوي على المصاعب والعراقيل التي تحول دون نيل الأهداف والغايات المرغوب فيها)([56]) ولكن كيف يغضب الجواهري؟

وكنت متى أغضبْ على الدهر أرتجلْ

مـحرقة الأبيات قـاذفـة جـمـــــــــرا

كشـأن زيـاد حين أُحــــــــــــرج صدره

وضُويقَ حتى قـال خطبته البترا([57])

إن تجاوز الماضي والتحرر من عبوديته والنهوض بالحاضر وإملاء أناته جزء من تحديه للزمن إيمانا منه بأن فوات أجزاء من الزمن فوات لفرص من التقدم:

وسـوف يبين إذا ما انجـلى

غد ، من يـجد ، ومن يلعبُ

فسـوف يدور (سـاعاتكم)

بـما لا يسركم (عقرب)([58])

إن مراجعة الماضي وإخضاعه للنقد كفيلان بتسهيل مسؤوليات الحاضر في التجديد بقصد الانتماء إلى المستقبل بحكمة أعلى وجهد أقل ووقت أقصر:

تذكروا أمـس واستـوحوا مساوئه

فقـد تكـون لكـــــــــــم في طيـه عبـرُ

مـدوا جـماجـمكم جسراً إلى أمــــل

تحاولون، وشقوا الدرب واختصروا([59])


ولا يأتي هذا التجدد إلا بالثورة على القديم البالي والتمرد على مناحي العقم في الأمة:

لَوَ انَّ مقاليد الجماهير في يدي

سـلكتُ بأوطاني سبيل التمردِ

إذن علمت أن لا حـياة لأمــــــة

تـحاول أن تحيا بغير التجدد([60])

تلك هي القوى التي تحداها الجواهري وتمرد عليها ويبدو من خلال النصوص التي قامت عليها هذه الدراسة أن معجم التحدي في هذه النصوص زاخر بطوائف من الألفاظ التي أجيد انتقاؤها وأحسن استخدامها لعقد الصور المعبرة بدقة عن مفهوم التحدي، فمن الألفاظ التي أدت إلى معاني النفاذ والاندفاع( الاجتياز، الاقتحام، الولوج) أما الألفاظ التي تحمل دلالة المقاومة فمثل( يناجز، ند، وجهاً لوجه).

وحين يعمد إلى كشف مواقف التماسك في فعل التحدي يجد مبتغاه في الألفاظ من مثل(الجلد، الصخر، الأجشب) أما المواضع التي ينبئ فيها عن تضاؤل الخصوم أمامه واعتلائه عليهم فيختار لها مفردات تناسب مقتضى الحال على شاكلة (أطأ، أركب، الواثب، متجبر) وإذا أراد أن يطلع متلقيه على الانفعالات التي تعتري المتحدي فـ (الغضب، والجمر، واللهب، والمحرقة) من مقوماته الأثيرة في البناء، وللموانع، المعترضة سبيل التحدي ألفاظ مخصوصة يلقانا منها (الصعب، موعر، ملغم) ويتوفر على ألفاظ من مثل( مطرقتي، أشد،أقطع، أفل للضرب، وأبوا للتمرد) لحالات الرفض، و(أصمد، غرست، غير مكترث) للثبات وتواصل العزيمة، وفضلاً عن ذلك فإن اسم التفضيل له حضوره في نصوص التحدي وكأن الشاعر بهذا الاستخدام يهدف إلى نفي صفات التحدي عن أخصامه ويقرب نفسه ومن معه من مطلق تلك الصفات على سبيل المبالغة فهناك(الاوجع، الابشع،أحرى،ألذ)، ولا يغفل ما تؤديه المؤكدات من مهام في قطع الشك من فعل التحدي باليقين لاسيما إذا اجتمع أكثر من مؤكد واحد في القول كاجتماع ا للام الواقعة في جواب القسم المحذوف ونون التوكيد الثقيلة على نحو ما يتضح ذلك في (لنسقين، لنأخذن) وسواهما مما يثري هذا الجانب ويعمقه.

لقد أوتي الجواهري مقدرة عالية منحته الدقة في الوصف والحسن في التصوير والإجادة في التركيب الشعري وبناء علاقات جدلية بين موضوع التمرد والفن الأسر الذي يفيض جمالاً ويشع توهجاً، وقلما يحالف التوفيق شاعراً يحاول الجمع بين طرفي هذه المعادلة، بيد أن الجواهري ذا الطبع الموهوب نجح نجاحاً كبيراً في هذا الاتجاه وكأنه كان يحرص على جمع ما تفرق من ملامح بين الرصافي الشاعر المتمرد المبتعد عن روعة الفن وشوقي الشاعر الفنان الذي أحجم عن التمرد وتعامى عن الأوضاع.([61])

وما تحقق ذلك للجواهري لولا الذكاء واللسان وقوة الحجة وسطوع البيان ومعايشة الأحداث فرسم للمتحدي صورة بطولية أشبه ما تكون بالصورة التي رسمها هوميروس لأبطال طروادة العظام.

إن طريق التحدي الذي اختاره الجواهري طريق صعب عسير لا يسلكه إلا الجلد الصبور الذي لا ينصاع لسلطان الرهبة ولا يلتفت لداعية الإغراء، فإيمان الشاعر بحتمية انتصاره الإرادة الحرة حبب إليه الفقر ووثق آصرته بالشعب وأهداه إلى النضال الدؤوب من أجل غد وضاء لا أثر فيه للقتامة والظلم وهو من أجل ذلك يعلن عن الحاجة الماسة إلى القوة لحماية الإنسان المستلب إذ لا يمكن لهذا الإنسان أن ينال حظه من الحياة والأزهار دونما قوة تحميه وترعاه فقسوة الأعداء يجب أن تقابل بقسوة مماثلة أو أعنف منها لأن المناضل الذي يتلقى ضربات أعداء الشعب ولا يرفع يده متحدياً لا يمكن أن يبلغ الغاية التي إليها يسعى، فالمهم الأول في المتحدي أن لا يدع ثغرة للبغاة ينفذون من خلالها إلى الساحة لنيل مآرب شريرة، ولا يهم بعد ذلك كيف تكون العاقبة فهي إما أمان تنال أو موت يحول دونها ومن هنا لا يرى الجواهري في السلم شيئاً ذا قيمة بل إنه ليكفر به لأنه يرى فيه ستاراً ترتكب خلفه ألوان المآثم وتنتهك في ظله قداسة الإنسان، وفضلاً عن ذلك فإن الجواهري يخرج من دائرة تحديه لكل المتشبثين بالصبر العاجز والمجهشين بالبكاء العاثر والقانعين بالشكوى التي تذهب مع الريح هباء فللعذاب عند الجواهري لذة تضاهي لذة الحب لدى العاشقين فهو واجد لذته في هذا العذاب المحبوب الذي يتخذه جسراً يعبر من فوقه إلى ضفاف البهجة أما الموت الذي استهان به الشاعر وتحداه فذو صلة بمحور تحديه للجائرين الطغاة فهؤلاء يملكون من وسائل التدمير والتعذيب والبطش ضروباً وهم لا يتورعون لحظة في استخدامها، ومن هنا يضع الجواهري في حسبانه أولا وقبل كل شيء أن الموت في انتظاره في كل آن وهو لا يقدر على فعل التحدي إذا كانت فكرة الموت الرهيب قد استحوذت عليه لذا يضع الجواهري نفسه في مواجهة الموت عبر حرب ضروس لا هوادة فيها يقارعه فيها جهداً بجهد غير مبالٍ بالعاقبة فلا قيمة لحياة يجاورها الذل والمسكنة أما الحياة الحرة الكريمة فتغريه بالموت مراراً، كما أن الجواهري في إطار تحديه يتمرد على الدهر ولا يستسلم له وآية ذلك رفضه للقديم البالي وتجاوزه الحاضر الراهن تطلعاً إلى مستقبل آت يليق به وينبئ عن عظم طاقاته التي يجعل بها الزمن طوع إرادة لا معطلاً لقواه.

Page 7

الغربة في شعره

اضطر الجواهري إلى النزوح عن الوطن فعاش ردحاً طويلاً من الزمن بعيداً عنه وعن الأهل يمارس تجربة الغربة الفاجعة التي أمدته بزخم جديد من معدن الشعر ومادته صاغها فناً رائقاً يخلب به اللب ويأسر النفس، وهذه الذخيرة الشعرية ظلت بعيدة عن مدى النظر والدرس مثلما ظلت جوانب كثيرة أخرى من شعره في منأىً عن المتابعة والعناية، وقد رأى الباحث أن الغربة ـ لكونها فصلاً قسرياً بين الشاعر ووطنه أرضاً وعلاقات ـ تشكل موضوعاً ذا قيمة علمية خاصة لاسيما حين يُتخذ الشعر وسيلة لإفراغ المحتوى الوجداني المحتدم في النفس، إن الجواهري الذي عُدَّ ( جملة استثنائية فريدة ومطولة في سياق الخطاب الشعري المعاصر)([62]) أوجعته الغربة فأودع مواجعه تلك في شعر يفيض بالأسى والقلق والذعر والنقمة على نحو يُنبئ بقوة عوامل القمع والإحباط عليه .

والجواهري الذي استحوذت الغربة على شطر كبير من حياته عادت عليه تلك الغربة بشعر وافر وفن رفيع منبثقين من تجربة صادقة، ووجدان متوقد، تلك التجربة التي تجاوزت أبعاد النفس إلى أطراف أخرى متمثلة بالوطن والأهل والصحب وحتى الخصوم وغيرهم، وهؤلاء جميعهم يسهمون في خلق تجربة الفراق والغربة، وهؤلاء هم البنى الأساسية المحركة لشعره والمتحركة فيه.

لغربة الجواهري قصة طويلة يحكيها بنفسه من خلال شعره الذي يمكن درجه في محاور خمسة أساسية هي: موجبات الغربة، والحنين والذكرى، واللوم والشكوى، وحلم العودة، وتلاشي الحلم.

Page 8

1ـ موجبات الغربة

تجد بين الناس من يضطر ـ تحت طائلة الفقر ـ إلى أن ينزح عن الوطن، ويولي وجهه نحو ديار الغربة فيضرب في أرضها ساعياً بلهفة وراء حاجته، وباحثاً بحرقة عن مخرج للعيش الذي ينوء بأثقاله، ترى هل وقع الجواهري تحت هذا التأثير فتوسل بالغربة واستقوى بها؟ أقول: أما الفقر فقد عانى منه الكثير، وكانت له عليه وطأة، بيد أنه لم يتخذ الفقر ذريعة للغربة، ولم يكن من أولئك الذين يلهثون وراء المال، أو يجدون في طلبه، ولو كان من أولئك لحاز منه الكثير، ونمت له فيه ثروة لمجرد أن يسكت، أو يساير، أو يداهن، ثم إنه من بلد يتدفق عطاءً، وهو ابن دجلة التي تنشر الخير العميم، وتفيض بالمنافع الكثار، وها هو يقول بأفصح الكلم:

دمشقُ: لم يأتِ بي عيش أضيق به فضرعُ دجلةَ لو مسّحتُ درّارُ([63])

بهذا القول يخاطب دمشق حاضرة سوريا وبمثله يخاطب بيروت حاضرة لبنان تبرئة لنفس أبية، ودفعاً لسوء مظنة إذ يقول :

أنا ـ بيروتُ ـ إِنْ طَلَبْتُ مَحَطَّاً عِنْـدَ أَهْلِي فَلَسْتُ أَطْلُبُ رِفْدَا

غـيركِ الـثالمونَ منّي فرنـدا فَـلْتكـوني غِمْداً يَضُمّ الفِرَنْدَا([64])

إذن لم يكن الفقر بحاديه إلى الغربة، فهل كان نيل الجاه أو الشهرة في المغترب المبتغى الذي إليه يسعى، والضالة التي إليها كان يمضي؟ هذا تساؤل لو حمل إلى شعر الجواهري لجاء الرد عليه بالنفي أيضاً، ولسان حاله يقول :

ومـــــا أنا طالبٌ مـالاً لأني هنـــــالـك تـاركٌ مالاً وآلا

ولا جاهاً فعندي منه إرثٌ تليدٌ لا كجاههمُ انتحالا([65])

ورب امرئٍ يرى أن الجواهري شاعر، وقول الشاعر لا يقوم حجة له فيما يدعيه من المجد التليد والنسب الأثيل، وهل لدى الجواهري ما يؤيد ادعاءه، ويرسي صحة زعمه؟ أجل له ذلك، وآية ذلك أنه (قد تحدر عن أسرة عريقة في العلم والأدب والشعر، اكتسبت شهرتها من باني مجدها العلمي الشيخ محمد حسن صاحب كتاب (جواهر الكلام) وكان لهذه الأسرة كما لباقي الأسر الكبيرة في النجف مجلس عامر بالأدب والأدباء يرتاده كبار الشخصيات الأدبية والعلمية)([66]).

لم يكن الجواهري من المغرمين بالمال أو الحريصين عليه ليشد الرحال إلى بلاد الغربة للكسب، ولم يكن مغمور النسب خامل الذكر في أهله ليسأل عن النباهة قي غير أهله، أقول: لا هذا ولا ذاك، وإنما شيءٌ ثالث قد حمله على النأي، وهو بكل بساطة حبه للوطن ومناهضته للذل والرداءة، إنه يغادر البلاد مضطراً مرغماً:

يا دجلةَ الخيرِ يا نبعـاً أُفارقُـهُ على الكراهةِ بين الحينِ والحينِ([67])

وإلا فإن حبه للوطن راسخ في سويدائه كما يترسخ الدين في فكر المرء ونفسه وهو لهذا يقول:

جـدِّدي ذكرَ بـلادي إنني بهواهـا أبــــــدَ الـدهرِ رهينُ

أنا لي دينانِ دينٌ جـامـعٌ وعـراقي وغرامي فيه دينُ([68])

وهو بسبب هذا التعلق الحميم بالوطن يؤثر أن تنزع منه الكبد قبل مفارقته إياه :

خذوا كبدي قبل الفراق فإنـها مـعوّدةٌ أن لا تقرَّ على النَّزْحِ([69])

إنه مسكون بحب الوطن ولا يمكن لمثله أن يتخلى عن هذا الحب سواء أكان مقيماً في ربوعه أو مشرداً نازحاً عنه، فحبه في الحالتين سيان، وهو لهذا ساجد للوطن على كل حال، ومؤد طقوس التقديس والولاء:

يا تـربةً نـهفو إليـ ـها كـالإلهِ ونسجـدُ

ونحـبها حـتى ونحـ ـنُ مـطاردٌ و مشرّدُ([70])

Page 9

فالحب الكبيـر تسهـل مـن أجلـه الصعـاب، وتـصغر إزاء رفعته المتاعب والأهوال، وإن الاستبدال المكاني لا يوهن من سلطان هذا الحب، ولا يخمد جذوته، لأن خارطة الوطن يرسمها القلب بما فيه من الحب، فالوطن يكون حيث ينبض بحبه القلب لا حيث ينتقل الجسد، وعلى هذا محال ـ عند الجواهري ـ أن يكون البلد المنزوح إليه بديلاً عن بلده المنزوح عنه:

ولـستُ ببـائعٍ أرضي بأرضٍ وإن لـــــم ألـقَ فـيهـا مـا يسرُّ

ومن لم يرضَ موطـنه مـقرّاً من الـدنيا فـليس لـه مقرُّ([71])

فلا بلاد تسد مسد بلاده، فهي في القلب والضمير لكن الظلم الذي يسودها، والكبت الذي يخيم عليها يأباهما فكر الشاعر الداعي إلى الحرية والعدل، وما غربته إلا عاقبة من عواقب تلك الأفكار، وما هو إلا ضحية من ضحايا الاستبداد الجائر:

أنا من تـلكم الضحايا رمتْ بي فـكرةٌ حـرّةٌ وراء الحـدودِ

لـــم أُطِقْ كتمها وأعـلم كلَّ الـ ـعلم أنّـي بها أحزُّ وريدي([72])

فالشاعر الحر حين يكبل بأغلال العبودية يضيق بالوطن ذرعاً حتى يستحيل وطنه في مثل هذه الحال سجناً يزج فيه من لا جريرة له سوى العُلى والرفعة:

كـأنّ بلاد الـحرِّ سجنٌ لمجرمٍ وما جُرْمُـهُ إلاّ العُلى والترفّعُ([73])

وليس من شيم العزيز الأبي أن يرضى بالذل أو أن يبيت على الضيم ولو كان الأمر غير ذلك لهان احتماله والصبر عليه، أما المذلة فلا يرضخ لها إلا الخانع الوضيع:

يُـطاقُ تقلُّبُ الأيّـامِ فـينا وأمـا أن نذلّ فـلا يُطاقُ([74])

ولا ينكل العزيز عن رفض الذل ما يقدم له من إغراءٍ ويوفر له من أسباب الترف والدعة وهو لهذا يؤثر الغربة وسوء الحال على البقاء في الوطن مسلوب الإرادة محفوفاً بالذل:

والله لـــــو أُوهَبُ الـدنيا بأَجمعها ما بِعتُ عـــــزي بذلّ المُترف البطِرِ

قـالوا يظنون بي شيئاً من الصِغَرِ فقلتُ فيهم وبي شيءٌ من الصَّعَرِ([75])

وهنا يحتدم التنازع في داخله بين أن يستجيب لهوى نفسه التي تلح عليه في البقاء بين أكناف الوطن أو أن يستجيب لداعي الإباء فيغادر الوطن ليعيش بعيداً عنه ملتاع القلب طعين النفس ولكن بقامة شامخة وهامة مرفوعة، فالصراع الناشب في نفسه والمعبر عنه بالتضاد (يجاذب قلبي، ويأبى المقام) يتمخض عنه في النهاية الانتصار للشموخ والانحياز للإباء مع الإبقاء على محبة الوطن وإن كان ذلك في المغترب :

أُحـب بـــلاديَ لـو لـم أخَـفْ بـهــا شرَّ ذي الغدرة الأشـرسِ

يـجاذب قـلبـي إليـها الـهوى ويـأبـــى الـمقام بـها مَـعْـطِسي

جَـفَوني و لا ذنـب إلا الإبـاءُ وإن طـاب من بينهم مغرسي([76])

فلا مناص من الغربة في ظل وطن يستحوذ عليه الذل، بيد أنه سيبقى الأمل المرتجى الذي بتحقيقه يلتئم الشمل المشتت والملتقى الحبيب الذي على أديمه يوافي المرء مفارقيه من أهل وخلان:

مَـنْ لناءٍ عاف أهـلاً و صـحـابـاً و ديـارا

تـَخِذَ الغـربـة داراً إذ رأى الـذلّ إسـارا([77])

ويتوفر الجـواهري على رسم صورة لواقع بلاده هذا الواقع الذي يحمل أبناء البلاد حملاً على الرحيل، والصورة كما تعبر عن نفسها قاتمة مؤلمة تبعث على الأسى والحزن، فالصالحون في البلاد غرباء عنها، والسراق فيها ناشطون، والأشرار على تقويض أركانها منهمكون، فقد غدت هذه البلاد مرتعاً خصباً لأولي الرجس والدناءة، وعذاباً جاحماً لذوي الطهر والفضل، طائفة كبيرة من الصور أو صورة كبيرة تكثر فيها التفاصيل عبر إيراد الشيء وما يقاطعه أو بالأحرى عبر صدم الفاضل الغائب الذي يطلب بالمرذول السائد الذي يشجب، فالبلاد للسراق والصالحون فيها محرومون، وهي جنة للرجس وعذاب للزاكي، وخيارهم بها خطأ والأرذلون صواب، ويستوطنها البغاث (رمز الهوان والضعف)، ولا مكان فيها للنسور (رمز الشموخ والسمو) والجواهري لا تطاوعه نفسه على التكيف مع هذا الواقع المتردي، أو الاندماج فيه فيؤول به الأمر إلى تسفيهه والتمرد عليه، فينفر منه بالغربة:

ولكنني آسٍ لنـهـــــــبٍ مقـسَّمٍ وليـس بـــــه للـصالحينَ نـصابُ

وبيتٍ لسُـرَّاقٍ تـلوذُ بــــــركنهِ سبـاقٌ عـلـــــى تـهديمهِ وغـلابُ

مجافية أحـكامه فـهْوَ جنَّـــــــةٌ لرجْـسٍ وللزاكي لظىً وعـذابُ

ومـعكوسة حتى كأنّ خيـــــاره بـه خـطأٌ .. والأرذلون صوابُ

أطاحَتْ بأعشاشِ النسور بغاثُهُ وحلَّ بـه خيــرَ الـوكورِ غرابُ([78])

ولكن أيعذر الجواهري على هذا الإيثار إيثار الغربة على البقاء في أرض الوطن، ألا يعاب على ذلك؟ يرى الجواهري أن لا عيب في ذلك ما دام المرء يأبى مجاورة الإسفاف، ونفسه تربأ عن معاشرة المسفين:

يا غـريبَ الـدارِ يا مَنْ ضَـرَبَ الـبيدَ قـمـارا

لـيسَ عاراً أن تُـوَلِّـي مِـنْ مُـسِفِّينَ فِـرارا([79])

بيد أن الفرار قد وقع في أعقاب مواجهات جريئة ،وتحديات صعبة لهؤلاء المسفين الأراذل، فهو لم يغازل هؤلاء ولم يذعن لهم حتى في أوان ضعفه وقلة نصرائه:

يـا سـبوحاً عـانقَ المـو جَـةَ مـدَّاً وانحــسارا

لـم يُـغازلْ ساحلاً منـ ـها ولا خاف الفرارا([80])

إن هذه النصوص برمتها تؤكد أن برم الشاعر بسوء الأوضاع والعوامل الضاغطة قد ألجأه إلى النأي عن الديار والأهل والصحب ولكن على مضض منه .

Page 10

2 ـ الحنين والذكرى

الوطن معنى قبل أن يكون شكلاً ترابياً مرسوماً بحدود ومقيداً بأبعاد، ويأتيه هذا المعنى من العاطفة الإنسانية الجياشة التي يحملها المرء تجاهه عبر تأريخ طويل من الذكريات والمواقف والعلاقات والأحداث تترسخ في الوجدان وتتوحد معه ولهذا بين لفظتي الوطن والحنين تقارب شديد وارتباط وثـيق فـقد نص اللغويون على أن حـنين الإبل يعني نزوعها إلى أوطانها وأولادها وكذلك الإنسان([81]).

إن أي فعل قسري يحمل الإنسان على النزوح عن الوطن هو فعل يراد به تهشيم الرابط الوجداني المندغم بواقعه المكاني المتمثل بأرض الوطن وفي ذلك من الإيذاء النفسي ما لا يطاق، ومن هنا قرن القرآن الكريم الخروج أو الإخراج من الديار بالقتل وعده نظيراً مساوياً للموت مصوراً عاطفة حب الوطن على أحسن ما يكون التصوير في قوله تعالى: }وَلَوْ أَنّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ{([82]). فالجواهري الذي ذاق مرارة الغربة يثور في نفسه حنين طاغٍ إلى بلده الذي فارق فيه أهلاً كراماً وصحباً أخياراً عذبت بوجودهم أمواه دجلة والفرات ولولاهم لكان النهران ـ عنده ـ في جملة الأنهار الأخرى التي تشق مجاريها في الأرضين:

لـي في العراقِ عصـابةٌ لولاهُـمُ مـــــــــا كـان مـحبوبـاً إلـيَّ عِـراقُ

لا دجـلــــــةٌ لولاهُـمُ وهِـيَ الـتي عَـذُبَتْ تروق ولا الفرات يُذاقُ([83])

ويحظى عهد الشبيبة بالنصيب الأوفر من محفزات الحنين إلى الوطن، لأنه العهد الأبهى الذي دلف ولم يعد بالإمكان استرجاعه، أو تكرار إيقاعه العذب :

بلادٌ بـها استـعذبتُ ماءَ شبيبتي هوىً ولبستُ العِـزَّ بُـرداً على بـردِ

وصلتُ بها عمرَ الشبابِ وشَرْخَهُ بـذكرٍ على قُربٍ وشـوقٍ على بعـدِ

بـــــذلتُ لـها حقَّ الـوداد رعايةً و ما حفظ الوُدَّ المقيمَ سوى الـوُدِّ ([84])

والجواهري يحن إلى الوطن على كل حال غير آبهٍ بما لقي فيه من عنت ونكد، فهو همه المحمول في خـافقه وبشوقه إليه يمحو من نفسه كل مشاعر الجفاء نحوه ويتحرر من عواطفه السلبية إزاءه وإن غبن فيه:

ما إن تزالُ على ما ذُقْتُ من غُصَصٍ لديك من صلب حاجاتي ومن وَطَرِي

حملتُ هـمَّك فــــــــي جنبيَّ أصهرُهُ في لاعــــــــجٍ بوقـيد الشوق منصَهِرِ([85])

ويبقى البعد المكاني في حيال العاطفـة المتوثبـة قصيـر المدى إذ تـتسع مساحـة الوطن ـ بالوجدان ـ أكثر من رقعته المكانية (الجغرافية ) حتى يستحيل خارج الوطن وطناً بالعاطفة والوجدان:

لا تَـحسبوا أنَّ بُعدَ الدارِ يُذهلني عنكم ولا قِصَرَ الأيّـامِ يُـنسيني([86])

وإذا كان البعد عاجزاً عن إيقاف دفق الحنين فيه إلى الوطن فإن يسر الحال في البعد غير قادر على إلهائه عن الحنين إليه، والشاعر يعرب عن هذا الحنين اللاهب من خلال صورة أرساها على التضاد أو التقابل بين المسافات وتباين الأحوال (البعد والقرب (بلادي)) و(ما سرَّني، وأشهى إليَّ) و(حال تحسنت، وساءت الحال) فالشاعر هنا يدع ما يراد ويُشتهى (المسرة وحسن الحال) ويقبل على ما يُعاف ويُجتنب (الترح وسوء الحال) وهو في قبوله هذا ورفضه ذاك مدفوع بالحب الذي يزين له صورة الوطن ويجعله دوماً الأجمل والأحسن والأعلى وعلى وفق ذلك لا يجد جمالاً في المسرة بعيداً عن الوطن لأن تلك المسرة مقصورة عليه وتمثل حالة فردية، والجمال ـ عنده ـ إنما يكون بشمل مجموع على أديم الوطن المنزوح عنه :

وما سرَّني فـي البُعدِ حالٌ تحسَّنتْ بلاديَ أشهى لي وإن سـاءتِ الحالُ

فمن شاقَـهُ بَـرْدُ النعيمِ بـفارسٍ فإنِّـــــي إلـى حـرِّ العـراقين ميَّـالُ

أحِـنُّ إلـــى أرض العراقِ ويعتلي فؤادي خفوقٌ مثلما تـخفق الآلُ ([87])

وللحنين عند الجواهري مظاهر تبدو في سلوكه ومزاجه ترى بعضاً منها في شوقه المتوقد إلى الوطن أرضاً وأبناءً، بيد أنه لا يرى جدوى من هذا الشوق لأنه لا يقوده إلى ضالته ولا ينيله مناه في العودة، ولكن مقدر عليه أن يشتاق:

سَهرتُ وطـال شوقي للعـراقِ وهـل يدنـو بـعيدٌ بـاشتياقِ

وهـل يُدنـيك أنك غيرُ سـالٍ هـواك وأن جـفنك غير راقِ([88])

وشوق الشاعر يموج في داخله ولا إرادة له على كبحه، ووسائله تقصر دون إخماد جذوته، فلا تعينه على إطفاء الشوق خمر يهرب إليها، ولا لحن يلوذ به :

يا سامـرَ الحيِّ بي شوقٌ يرمِّضـني إلى اللِّـداتِ إلى النجـــــــــوى إلى السَّمـَرِ

يا سامرَ الحيِّ بي داءٌ مـن الضجـرِ عاصاه حتـى رنين الكأسِ والوتـرِ([89])

ويبدو السهر المؤرق مظهراً من مظاهر شوقه الغامر الذي يفضي به في نهاية المطاف إلى الحزن المفرط الذي يمنع عن عينيه التغميض، ويستل من نفسه الطمأنينة، وقد أبان الشاعر عن هذا الواقع النفسي المأزوم في صورة محسوسة إذْ شبه نفسه بالضجيع على النار الذي لا يقر له قرار، ويتقلب على ناره أملاً في مخرج يريحه من عذابها، لكنها النار على كل حال وما التقلب إلا الإقبال على مزيد من الألم، أو على ألم جديد :

وبـتُّ بلـيلٍ لفـرط الأسى كـليل الضجيـعِ على نـارِهِ

وظـلَّ يـحنُّ فـؤاد المشوقِ لـذكرِ الـحبيبِ وأخبارِهِ([90])

وبضغط من هذا الحنين أو الشوق الموصول الذي لايبرحه ليل نهار، ولا تنبثق عنه بارقة أمل تؤذن بالعودة أو بقرب العودة إلى الوطن، يجد في البكاء وتسكاب الدموع البؤرة الأثيرة التي يستريح عندها هنيهة ليجمع بها شتات قلب مبعثر الأوصال ليستأنف بعدها رحلة الحنين والشوق ثانية:

أحبـايَ بـين الرافديــــــــن تيـقَّنوا بـــــــــــأنِّي وإنْ أُبـعِدْتُ عنكم لَسَـآلُ

لَئِنْ راقكم ماءُ الفــــــــراتِ وظُـلِّلَتْ عليكم من الصفصافِ والنخلِ أَظلالُ

فـإنيَ من دمـــــــــعٍ عـليكم أذيلُـهُ شروبٌ و مـــــــــــن سوداءِ قلبيَ أَكّـالُ

لقد كان هذا القلبُ في القربِ مُضْغةً وهـا هو من بعــــــد الأحبَّةِ أوصالُ([91])

فالشاعر قد عظم حنينه، وطال انتظاره ولكن أبواب الوطن ظلت موصدة في وجهه، ولم يبقَ في كنانة الشاعر سوى ممكن واحد يخف إليه ويتوسل به وهو أن يبعث عبر الأسوار بسلامه الذي قُدَّ من لهب وصِيغَ من شعل:

ســـــــــــــلاماً كُـلُّـهُ قُـبَـلٌ كـأنَّ صميمَـهــــا شُـعَـلُ

وشوقـــــاً من غريبِ الدا رِ أعـيـــتْ دونـهُ السُّبُـلُ

مقيمٌ حيثُ يضطربُ الـ ـمُنى والسَّعْيُ و الفَشَلُ([92])

والجواهري المبتلى بالغربة في حاضره يغادر هذا الحاضر ليعيش في الماضي السعيد ويهنأ به (فالماضي منطقة مريحة يستعين بها الخائب للتعويض عن حاضره المسحوق وإحباطاته المتكررة حيث يجد فيه نوعاً من الهناء والراحة النفسية)([93]) ومن أجل ذلك يهش ـ في الغالب ـ للذكريات التي يحمل ذهنه منها خزيناً ثرياً يستحضر منه ما يمكن استحضاره بتلذذ جم وحب كبير فهو يتذكر الأمكنة التي شهدت ملاعب صباه على الفرات وفي الكوفة وغيرهما ويعد ذكرياته فيها من أبهج ما نال وسجل:

ويــــــــا ملاعبَ أتـرابي بـمُنعـطفٍ مـن الفُـرات إلى كـوفانَ فالـجُزُرِ

فالجِسْـرُ عن جانبَيْهِ خفقُ أشرعةٍ رفّـافـةٍ في أعـالي الجـوِّ كـالطُّـرَرِ

يا أهنأَ السَّاعِ في دنيايَ أجـمعِـها إذا عـددتُ الهنيءَ الحُلوَ من عُـمُري([94])

وتعود به الذاكرة إلى بيته على دجلة في جانب الكرخ الذي أمضى فيه زمناً حميداً حلا فيه المقام واجتمع فيه الشمل وتتابع فيه إنتاج القصيد:

ويــــــا مَـقيلاً على غربـيِّها أبـداً ذكراه تعطـف من عودي وتلويني

عشُّ الأهازيجِ من سجعي يُردِّدُها سَجْعُ الحمام وترجيعُ الطواحينِ([95])

إن ذلك الفرح الذي أقامته العائلة باجتماع أفرادها في الماضي عاد اليوم ذكرى ولم يعد ممكناً في المنفى أو الشتات، وليس للشاعر إلا أن يجترها مستعذباً إياها ولكن مُشرَّبة بغير قليل من الحزن:

خـليليَّ أشجى ما يُـنَغِّصُ لذَّتي مناحٌ أقامـته عيـالٌ وأطفالُ([96])

ودجلة التي تغنى بها الجواهري عن قرب وعن بعد بأعذب الألحان، وأرشق الكلم حيل بينه وبينها في إثر صحبة طويلة، وهو لهذا تهيج ذكرياته كلما ذكرت دجلة، وهو إذْ يتذكرها إنما يتذكر العراق برمته، وذكريات الجواهري في عراقه كثيرة ليس من السهل على القلب احتمال هياجها إذا ما لمعت تلك الذكريات على صفحة الذاكرة:

نأتْ دجلةٌ عنّي وبانتْ ضفافهـا وأُبْعِدَ ذاك الروضُ ذو المنبتِ الأحـوى

فوالله ما أَقوى على ما تَهِيجُــهُ لقلبي من الذكرى ويا ليتني أقـوى([97])

وتبدو حاجة الشاعر ماسة ـ في مغتربه ـ إلى هذه الذكريات، فالحاضر في نظره (لا يمثل إلا اتضاعاً مرعباً ممجوجاً لا تنكشف جوهريته إلا عبر صدمة بالماضي المشرق)([98]).

وآية ذلك أنه يقسمها طائفتين (جامحة) تستعصي على الذاكرة فتثير في الشاعر الشكوى المرة لأنها تمانع ولا تعين على البلوى فيميل عنها إلى طائفة أخرى (سمحة بر) مطواعة تستجيب لدواعي الذاكرة فتزيل الشكوى، وتهوِّن الاضطراب، وتلبي حاجة النفس اللائذة بظلال المـاضي المحمودة أخباره، فهو يقول :

ويا صـدى ذكرياتٍ يَسْتَثِرْنَ دمي بهِـزَّةٍ جـمَّةِ الألـوانِ تـعـروني

أشكو المـرارةَ من إعناتِ جامحةٍ منـها إلـى سمحـةٍ بَـرٍّ فتُـشكيني

مثل الضـرائرِ هـذي لا تُطاوعني فأستـريحُ إلـى هـذي فتُؤويني([99])

والذكريات التي أودعها الشاعر في ثنايا الماضي مع صحبه في الوطن ما زالت مؤثرة تأثيراً إيجابياً في أولئك الصحب والأقران المنتشرين خارجه، فهي تجمع شتاتهم، وتقوي الآصرة بينهم على الرغم من النأي عن الوطن والتشرد في المطارح:

يــــــــــا أُمَّ سَعْدٍ إن تناءتْ دارنا فالـذكرياتُ بيننا تُـقرِّبُ([100])

إن (الشاعر يسترجع الذكريـات ويعيش أحداثها، ويقحم على الحاضر أجواءً من المـاضي الذاهب… لكنه لا يود أن يطويها في ذلك الماضي، لأنها معين لا ينضب من مضامين وموضوعات وإيحاءات)([101])، وبهذا يتجلى واضحاً أن الحنين إلى الوطن واسترجاع ذكريات الماضي السعيد كانا شاغلين مهمين من شواغل الجواهري الغريب.