eKtab
EN ع
أتحداك
Read free sample

أتحداك

by كاثي ويليامز

Page 1

1 - من أنت؟

- ما هذا؟
هذا ليس مجرد سؤال، بل طلب يستوجب تفسيراً سريعاً.
تميز اليومان الماضيان بمثل هذه الطلبات المقنّعة بالأسئلة المهذبة، وذلك بعد أن انقض روكو لوسي على شركة لوسي للبناء مثل نمر يهاجم مجموعة من الضحايا الضعيفة راغباً في القضاء عليها. نظر ريتشارد نيوتن بقلق إلى حيث أشار روكو بإصبع أسمر طويل وتنهد. قال مفسراً: "هذه إحدى المساعدات المالية".
مال إلى الأمام ليحدق في الورقة، ثم تراجع إلى الوراء في كرسيه وهو يشعر بالشؤم.
- إحدى المساعدات المالية؟ وأين الوثائق العائدة إلى هذا النوع من الأعمال؟
دفع روكو كرسيه إلى الوراء وتأمل ببرودة الرجل الذي بدا كأنه أصيب بحالة من الاهتياج العصبي. من الغرابة أن شركة والده تحقق أرباحاً مع أن العدد الأكبر من المسؤولين الإداريين هم من الطراز القديم، وفي أعمار تقارب سنوات التقاعد. ها هو ريتشارد نيوتن مدير المحاسبة يتصبب عرقاً أمامه، ومع أنه أحد العناصر الأكثر شباباً في الإدارة، بالكاد يستطيع روكو أن يقول عنه إنه من المستوى المطلوب. في الحقيقة، ما كان الرجل ليصمد أكثر من خمس ثوان في شركته الضخمة في نيويورك حيث يتم إقصاء الكبار في السن وذوي الكفاءة المحدودة ليتركوا إلى مصيرهم المحتم، وهذا ما سيفعله هنا في وقت قريب جداً. لكن الضغط الناتج عن طريقة العيش السريعة في نيويورك هو أكثر شراسة من الحياة هنا في بلاد شكسبير.
وضع روكو يديه على سطح مكتب والده ولفظ كلماته التالية بحزم وقسوة واضحين: "اصغِ إلى ما سأقوله جيداً، سيد نيوتن. أنا أجبرت على ترك مكاتبي في نيويورك بسبب الأحداث التي لم تترك لي أي خيار. لكنني هنا الآن ولا أرغب في أن أتصرف بلا مبالاة، فأربت على ظهرك وأتركك تعمل بطريقتك المشوشة التي يبدو أنك لا تعرف غيرها. لم أتوقع أن أضطر إلى طرح أي سؤال لأنني توقعت أن أجد كل المعلومات التي أطلبها عن شركة والدي مدونة أمامي وعلى هذا المكتب، بانتظار أن أطلع عليها. هل أوضحت ما أريده بالتحديد؟"
راقب روكو لوسي الرجل الجالس أمامه وهو يهز رأسه بضعف، ولم يخالجه أي إحساس بالتعاطف معه، فهو ليس هنا ليحصل على شعبية ما أو ليجد أصدقاء له. إنه هنا بصورة مؤقتة ليستلم المهام في شركة والده، فيعيد إليها الثقة والقوة. وعندما يحين الوقت سيتمكن من مغادرة هذا المكان والعودة إلى المدينة التي باتت مقره منذ أكثر من عشر سنوات. كما أنه غير مستعد للقبول بأي عمل سطحي، فهذا ليس أسلوبه. أتى إلى هنا بالرغم من إرادته، وهو راغب في إزالة أي عائق ليتأكد من جعل شركة لوسي للبناء في أعلى مستوى ممكن.
تم البحث عن الملف ووضع أمامه. ومن دون أن يزعج نفسه بالنظر إليه، أخبر روكو ريتشارد نيوتن أنه سيبقى مكانه بالتحديد حتى يجيب عن كل الأسئلة التي سيطرحها عليه. تمهل وهو يقرأ الملف، وبالكاد رفع نظره إلى الرجل الذي ينتظره بصبر حتى ينتهي. بعد ذلك تراجع إلى الوراء على كرسيه ونظر إلى ريتشارد نيوتن بصمت لعدة دقائق.
- اشرح لي كيف تتلاءم هذه المساعدة المالية بالتحديد مع الربح العام للشركة.
- آه! أجل. حسناً...! يحقق والدك أرباحاً وافرة من شركته، فهي واحدة من أهم مؤسسات البناء في المنطقة، كما تعلم. ومع ازدهار بناء المنازل عبر السنين، فليس هناك حدود للعمل. وكما ترى من الأوراق أمامك. الأمور جيدة وتسير على أتم ما يرام. وإن أردت الحقيقة إنها أكثر من جيدة.
لاحظ روكو التملص الواضح من الإجابة عن سؤاله بعينين حادتين. كما أنه لم يشجع الرجل بالتلفظ بأي كلمة. بدلاً من ذلك، نظر إلى ساعته، ثم أعاد انتباهه إلى وجه ريتشارد نيوتن المتوهج من الاحراج، فتابع هذا الأخير: "أما كيف تتلائم مع جني الأرباح... حسناً! إنها لا تتفق مع الأرباح... ليس بشكل واضح. من المحتمل أنك لا تعلم كيف تجري الأمور هنا، سيد لوسي. أقصد... أنت معتاد على طرق أكثر عدائية في محيط عملك، على ما أظن...".
- إنني أتطلع إلى إجابة من جملة واحدة، سيد نيوتن. أنت رئيس المحاسبة، ومن المؤكد أن ذلك ليس بأمر صعب عليك.
- هذه المساعدة المالية بالتحديد هي التي تدعم الاسم التجاري للشركة... هذا ما يقال. آمي هوغان تهتم بها، ويمكنك القول إنها تمسك بزمام الأمور القانونية. والدك متحمس جداً لفكرة استعادة قسم من الأموال. وبالطبع، تعمل آمي على تحقيق الأرباح من هذا العمل أيضاً.
Page 2
قطب روكو جبينه وعلق: "اعتقدت أنني التقيت بكل الأشخاص الذين لديهم صلة بالشركة، لكن لا أظن أنني سمعت باسمها".
- هذا لأنها لا تعمل في هذا المبنى. لديها مكتب بالقرب من بيرمنغهام، فهي في حركة دائمة طوال الوقت من أجل مراقبة الأمور في وسط المدينة.
- ما هي وظيفتها في الشركة؟
- إنها... حسناً! هي واحدة من المدراء المنفذين.
- ألم أطلب منك أن تعرفني على كل المدراء المنفذين؟
- أجل... صحيح. قلت لي ذلك، لكنها لم تستطع الحضور البارحة...
- لماذا؟
بدا صوت روكو منذراً بالسوء من شدة نعومته وهو يتابع: "هل قدمت تقريراً طبياً بسبب المرض أم أنها خارج البلد؟"
مرت عدة لحظات فكر ريتشارد نيوتن خلالها بجدية أن يختار العذر الصحي، لكنه قال: "قالت إنها منشغلة".
- قالت... إنها... منشغلة!
وجد روكو من الصعب عليه أن يصدق ما سمعته أذناه. لقد أصدر أوامره بوضوح كلي منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدماه الشركة، وهو معتاد على رؤية الجميع يطيعون أوامره بسرعة البرق بدون طرح أي سؤال، أما أن تتجاهل موظفة أوامره ببساطة لأنها منشغلة، فهذا يتخطى حدود تفهمه.
- بالكاد تتوقف آمي عن العمل!
بذل ريتشارد مجهوداً إضافياً في محاولة يائسة ليتفادى القذائف الموجهة إليه بدون رحمة، والتي شعر بها من خلال تعابير وجه روكو. تابع قائلاً: "إنها تعمل الآن على مشروع ضخم جداً".
- وهل هذا المشروع الضخم هو من النوع الذي لا يجني أي أرباح؟
أجاب بصوت خافت كأنه يعتذر: "مركز المجموعة في منطقة فقيرة جداً في وسط المدينة".
شعر روكو أن صبره المشدود بدأ ينفد، فهذا حدث غير طبيعي في حياته. في ذلك المكان الراقي الذي يعيش فيه، توفر له السلطة والقوة ثقة بالنفس لا نظير لها، تجعله يتعامل مع الزمر الضعيفة ببرودة كاملة. كما أن اتفاقات بقيمة ملايين الدولارات لا تفقده صبره، بل تثير فضوله المهني وذكاءه الحاد. كل شيء يأخذ مكانه ببساطة من خلال عمله الهادف الدقيق. أما أن تختار امرأة بمركز شبه عادي أن تتجاهل دعوته لأنها لم ترغب في إزعاج نفسها، فهي فكرة تجعل أسنانه تصطك من شدة الغضب.
مال إلى الأمام واضعاً مرفقيه على المكتب، وقال: "ها أنا أسند إليك عملاً صغيراً، سيد نيوتن. ستتصل هاتفياً بالآنسة هوغان ما إن تخرج من هذا المكتب وتقول لها إنني سأذهب لزيارتها بعد ظهر هذا اليوم، وأتوقع أن تكون بانتظاري في مكتبها مهما كانت منشغلة عند الساعة الثالثة بالتحديد. وإن لم تكن هناك، بإمكانك أن تؤكد لها أن رأسها سيوضع في المقصلة بدون أي شك".
فتح ريتشارد نيوتن فمه ليعلن أن صرف الإداريين يتم من خلال اجتماع لمجلس الإدارة، ثم أقفله قبل أن يتمكن من التلفظ بكلمة واحدة، فهذا الرجل لا يمكن التعامل معه بالقواعد العادية. إنه قانون بحد ذات. هز برأسه وخرج من الغرفة وهو يشعر بارتياح عميق لابتعاده عن روكو، فيما أخذ هذا الأخير بالتفكير ملياً بأمر لم يواجهه من قبل. لو أن هناك أي نوع من الاتصال بينه وبين والده، لوصل إلى هنا وفي جعبته بعض التوقعات عما سيصادفه. كما حدث في الماضي تماماً، حين قاده العداء بينهما إلى البحث عن نجاحه في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. وصل إلى إنكلترا اليوم ولا فكرة لديه كيف يتم العمل في شركة والده، ولا يعلم حتى إن كان عمله ناجحاً أم لا. مرر أصابعه في شعره وضغط على الزر الذي يصله بالسكرتيرة، فطلب منها أن تستدعي سائقاً ليوصله إلى مكتب هوغان في وسط المدينة. أمضى ما تبقى من الصباح وهو يطلع على جداول الربح والخسارة، ويستجمع المعلومات عن الكومبيوتر، وفي الوقت ذاته يتصل بمكاتبه عبر الأطلسي من خلال جهاز الكومبيوتر النقال. توقف عن العمل عند الساعة الثانية عندما قاطعته السكرتيرة لتخبره أن السائق قد وصل.
Page 3
لم يعلم روكو ماذا عليه أن يتوقع، فشركة لوسي للبناء تقع في ضاحية ستراتفورد، ومكاتبها موجودة في مبنى تقليدي يعبق بأناقة العالم القديم، وهو مختلف جداً عن مبنى شركته الزجاجي الحديث المميز الواقع في قلب نيويورك كاختلاف الجبن عن الطبشور. في أعماق تفكيره، توقع أن يجد مكتباً أصغر حجماً في مبنى ينتمي إلى العصر الفيكتوري.
تراجع عما يفكر به عندما انعطف السائق عبر الطريق بعيداً عن المنطقة الراقية ليدخل إلى شوارع مكتظة بالناس والأشياء. أخيراً أوقف السيارة أمام مبنى صغير من الإسمنت فيه عدد من المتاجر المتواضعة لبيع الصحف والمجلات. نظر روكو بتجهم إلى المدخل القاتم وسأل: "هل أنت متأكد أنك عرفت المكان المطلوب؟"
لاحظ زمرة صغيرة من الشبان يتسكعون أمام المبنى الذي لا يحمل أي اسم، من الواضح أن لا عمل لديهم في هذا اليوم الرائع المشمس من الصيف غير التجمع في هيئاتهم الرثة المخيفة.
- بالطبع، سيدي. فأنا معتاد على اصطحاب الآنسة هوغان عندما تتعطل سيارتها.
- وهذا أمر يحدث باستمرار. أليس كذلك؟
أجاب إدوارد بعفوية: "إنها مولعة جداً بسيارتها الميني الصغيرة، مع أنها تتعطل بين الحين والآخر".
أطلق روكو زفرة وهو يشعر بالضيق. دفع باب السيارة، وخرج بجسده الطويل القوي، ثم انحنى لينظر عبر النافذة ويقول: "سأتصل بك عندما أصبح جاهزاً للرحيل".
- أجل، سيدي.
تصور روكو أنه لن يبقى هنا لمدة ساعة، فلا رغبة لديه في مراجعة أي دفاتر أو سجلات مع تلك المرأة. بإمكانه القيام بذلك في مكتب والده المريح. لا! ببساطة سوف يجعلها تحضر نفسها لإمكانية إقفال هذا المكان المخصص للرعاية وتأمين الإعانات المالية، ما دام والده لن يعود إلى العمل في وقت قريب تاركاً لروكو تدبير أمور الشركة بحسب ما يراه مناسباً قبل أن يغادر إلى نيويورك. إذا أرادت الشركة التبرع بالمال لأهداف خيرية، فهناك وسائل أخرى للقيام بذلك. وسائل تجلب إلى الشركة حسماً في الضرائب. الوقت والطاقة والسلطة أمور يجب أن تنفق في الجانب المربح من الأعمال، وشركة لوسي للبناء ليست فرعاً غير رسمي لوكالة الإغاثة!
مع هذا التحديد الحازم في ذهنه دفع روكو باب المكتب ودخل إلى عالم لم يزره منذ فترة طويلة جداً. عالم من المفروشات الزهيدة الثمن والسجاد البالي والفوضى الواضحة. لم يكن هناك أي مكان مخصص لاستقبال الزوار، بل خمس مكاتب مكتظة في غرفة بالكاد تبلغ مساحتها نصف مساحة مكتبه الخاص في نيويورك. احتلت جداراً كاملاً منها خريطة معقدة لمراكز الرعاية، أما النوافذ فقد تركت مفتوحة ليدخل الهواء النقي إلى المكان. ما إن دخل إلى الغرفة حتى حدقت به العيون باهتمام غير خفي. ثلاثة رجال وامرأتان، جميعهم في العشرينيات من أعمارهم. اثنان من الرجال عقدا شعرهما إلى الوراء كذيل الفرس، وعلى العكس تماماً قصت المرأتان شعرهما في تسريحة قصيرة جداً. قال روكو: "أبحث عن آمي هوغان".
تقدم إلى الأمام ليكتشف تفاصيل أخرى في الغرفة ظهرت أمامه، مثل لوح لكتابة الملاحظات ألصقت الرسائل عليه حتى باتت تغطي كل سنتيمتر فيه، وصناديق للأسلاك معظمها ممتلئ، وصندوق فيه آلات يدوية لم يتمكن من معرفة وجهة استعمالها. تقدم أحد الشبان منه، ونظر إليه بريبة وهو يقول: "إنها في القسم الخلفي".
رفع يده عندما حاول روكو السير في الاتجاه الذي ذكره، وتابع قائلاً: "إلى أين تعتقد أنك ذاهب، يا صديقي؟"
- أنا هنا لمقابلة الآنسة هوغان.
- ومن أنت؟
- روكو لوسي.
أسقط الشاب يده من الدهشة، وساد جو من الاهتمام على الفور.
- لدي موعد مع الآنسة هوغان. في حال أنها لم تذكر ذلك.
Page 4
- لا، لم تفعل. كيف حال والدك؟ بالمناسبة يا صديقي، اسمي فريدي. آسف، لكن لا يمكنك إلا أن تكون حذراً في هذه الأماكن.
مدّ فريدي يده من جديد، وتفاجأ روكو من قوتها وهو يصافحه.
سُمع صوت منخفض، أجش يتصف بالمرح يقول: "أرى أنك قابلت فريق عملي".
رفع روكو نظره ليرى امرأة تقف عند إطار الباب، وهي مرتدية ثياباً عادية مثل كل شخص هنا، سروال جينز وقميصاً قصيرة الكمين مخططة، وحذاء رياضياً خفيفاً.
- أنا آمي هوغان، ولا بد أنك ابن أنطونيو.
النعومة التي ظهرت في صوتها عندما ذكرت اسم والده حركت شيئاً ما في أعماقه. قابل روكو ابتسامتها السخية بابتسامة مقتضبة منه. إنها رشيقة القد. شعرها بني اللون منسدل على كتفيها. عيناها واسعتان بنيتا اللون، وهناك القليل من النمش حول أنفها الصغيرالمستقيم. تساءل ما الذي تملّك والده حتى وظف امرأة تبدو يافعة جداً لتهتم بمبالغ من المال تجعل الكثيرين يتخبطون بها! ما الذي جعله يندفع لتلبية ما ترغب به؟ مركز للرعاية هنا، وملجأ هناك، وحديقة عامة في مكان آخر. عليه التأكد من أوراقها ومؤهلاتها. قال وهو يسير نحوها: "ربما بإمكاننا الجلوس في مكان ما لنتكلم".
- يقع مكتبي في القسم الخلفي.
يا إلهي! كم هو فارع الطول. اضطرت آمي إلى رفع رأسها لتتمكن من النظر إليه. إنه طويل ووسيم بشكل لا يصدق. أجبرت نفسها على إبعاد نظرها عنه وإلا ستخاطر بالتحديق به بلا خجل. إنه أسمر البشرة، ذو شعر أسود داكن، وعيناه زرقاوان ثاقبتا النظرات. رسمت آمي أكبر ابتسامة على وجهها قبل أن تسأله: "هل ترغب في شرب شيء ما؟ شاي أم قهوة؟ في الواقع، عليك أن تحذف القهوة، فقد نفدت منذ عدة أيام ولم يتمكن أحد منا من إحضار المزيد. لذا لديك الشاي أو الماء".
- لا بأس. أنا هنا فقط من أجل حديث قصير، بعد ذلك سأرحل على الفور.
رفعت آمي كتفيها، وسارت أمامه نحو مكتبها الذي هو مجرد غرفة أخرى أصغر من الأولى لكن وضعها مشابه لها. مهما يكن، هناك مكتب سارت لتجلس وراءه، وهناك عدد من الكراسي، حيث أشارت إلى واحدة منها ليجلس روكو عليها.
بدا وكأنه يقزّم الغرفة، ما جعلها تشعر بإحساس مربك ومقلق. الطريقة المتأنية التي راح ينظر بها حوله في الغرفة قبل أن يقوم بتركيز انتباهه عليها أثارت ارتباكها. هذا أمر مثير للدهشة، فالعمل الذي تقوم به يجبرها على الاتصال برجال هم فعلاً مثيرون للارتباك أكثر من روكو لوسي.
سألته آمي: "بماذا يمكنني أن أخدمك؟"
ابتسمت له بتهذيب مع أنها شعرت بأن ابتسامتها تلك تكاد تتحول إلى ابتسامة قلقة.
- طلبت منك أن تكوني في مكتب والدي البارحة؟
- أعلم. آسفة بشأن ذلك، لكنني كنت منشغلة جداً ولم أتمكن من إيجاد الوقت الكافي لأذهب. كيف حال والدك؟ شعرنا كلنا بالقلق عندما علمنا أنه أصيب بذات الرئة. أخبرني أنه يشعر ببعض التعب لكننا أصبنا بصدمة كبرى عندما علمنا أنه نقل إلى المستشفى. حاولت رؤيته في المستشفى عدة مرات، لكنه ما زال ضعيفاً جداً. فكرت أن حضوري لن يفيده بشيء.
- لنوضح أمراً مهماً، آنسة هوغان. أنا سأبقى هنا لأقل وقت ممكن، وأثناء الوقت الذي سأمضيه هنا، أتوقع التعاون من كل عنصر من فريق عمل والدي. وهذا يشملك أنت، مهما كان مركز عملك بعيداً عن الشركة.
توقفت آمي عن الابتسام وقابلت تحديقه بها بنظرة غاضبة.
- من فضلك اقبل اعتذاري. والآن، ربما يمكنك أن تخبرني بما تريده مني.
بدا ريتشارد غامضاً وهو يحدثها عن زيارة روكو، لكنه أنذرها بشرٍ ما، وهي لم تضغط عليه لتستوضح ما قصده. افترضت أنه يريد أن يلقي نظرة سريعة على المشاريع التي عملت عليها مؤخراً أو تلك التي تتولى القيام بها في الوقت الحاضر، لكنها أدركت الآن بانزعاج أن تفاؤلها هو مجرد أوهام طفولية.
- أريدك أولاً أن تخبريني ما هي مؤهلاتك العلمية.
- أستميحك عذراً؟
Page 5
- مؤهلاتك العلمية!
سألته وهي تشعر بوجهها يتقد ناراً أمام تحديقه البارد: هل هذا ضروري حقاً؟ أنطونيو يثق بي دائماً..".
- ليس والدي من يدير أمور الشركة في الوقت الراهن. أنا من يفعل ذلك. وهناك احتمال كبير بألا يتمكن من العودة إلى العمل في وقت قريب، وفي هذه الحالة من واجبي أن أستلم زمام الأمور وأعمل على إدارتها بالطريقة التي أراها مناسبة قبل مغادرتي البلاد.
على الرغم من أزيز المروحة الموضوعة على سطح إحدى الخزائن الحديدية الرمادية المليئة بالملفات، بدت الغرفة كأنها فرن، فرفع روكو كمي قميصه. تساءل كيف يمكن لهؤلاء الاشخاص أن يعملوا هنا في هذا الجو الحار. تذكر الصيف الأول الذي أمضاه في نيويورك، قبل أن يبدأ صعوده السريع كالشهب في دنيا الأعمال. يومها عاش في صندوق يشبه هذه الغرفة؛ غرفة نوم واحدة مع حمام صغير ومطبخ تندفع الحرارة من نوافذه المحطمة كالنار في الجحيم. مرت عشر سنوات على تلك الأيام، والذكريات المؤلمة المتعلقة بها أصبحت شبه منسية، والحمد لله. أما الآن فشقته فاخرة، مكيفة لتتأقلم مع حرارة الصيف الشرسة، والمفروشات الأنيقة فيها شهادة واضحة لما يستطيع أشهر المصممين على القيام به عندما يتوفر المال المطلوب.
سألته آمي ببرودة: "ما علاقة عملي بمؤهلاتي العلمية، سيد لوسي؟"
مال روكو إلى الأمام فارضاً عليها قوته وشخصيته المسيطرة وهو يقول: "لأكون صريحاً آنسة هوغان، سأخبرك ما الذي وجدته منذ وصولي إلى هنا. وجدت شركة ناجحة لكنها تتخبط بالاهمال بدلاً من التخطيط والتصميم. أعمال البناء ناجحة، ويبدو أن والدي يمسك سوق العمل ببساطة لأن شركة لوسي للبناء قائمة منذ زمن بعيد، وهي تستفيد من شهرتها. بدا لي أن المدراء قانعون بالجلوس في مكاتبهم وتقبل هذا الوضع الجيد من الأعمال من دون التفكير في احتمال أن تقوم الشركات المنافسة بالتسلل واقتناص فرص العمل في السوق. لا يحتاج الأمر إلى عبقري في الاقتصاد ليرى بوضوح التصدع الموجود في الشركة. بالإضافة إلى ذلك، أجد أن مبالغ طائلة قد وضعت تحت تصرف طفلة، كل ما تفعله هو القيام بدور عاملة محسنة".
- طفلة...؟ تقوم بدور... عاملة محسنة؟ هل تتحدث عني، سيد لوسي؟
- بالضبط!
تراجع روكوإلى الوراء على كرسيه ونظر إليها ببرودة وعدم مبالاة. يبدو أن ذكاءها حاد لكنها مع ذلك ما زالت طفلة... ربما في التاسعة عشرمن عمرها؟ أو العشرين؟ ليس هناك أي أثر لمساحيق الزينة على وجهها. إنه معتاد على التعامل مع نساء يشغلن مراكز هامة في عالم الأعمال، كما أنه معتاد على رؤيتهن يرتدين بذلات عمل ويضعن المساحيق لتزيين وجوههن.
- حسناً! أنا في السادسة والعشرين من عمري، مع أن لا علاقة لك مطلقاً بذلك.
- أه! أنت مخطئة في اعتقادك فهذا هو عملي، على الأقل في هذه الأثناء. أنا مديرك الآن، لذا يهمني جداً أن أعرف ماهي الخبرة التي تؤهلك للتعامل مع هذه المبالغ الطائلة من المال. من هو رئيسك المباشر؟
- رئيسي المباشر كان دائماً والدك!
- إذاً أنت تخبرينني أن لديك الحرية المطلقة للقيام بكل ما ترغبين به، وأن بإمكانك أن تبني أي ملجأ بطريقة تلقائية بمجرد إعلام أبي بالأمر؟ وهل تديرين هذه المشاريع معه في اجتماعات غير نظامية عندما تجدين الوقت لذلك؟
شعرت آمي بالدماء تندفع إلى رأسها من شدة الغضب. هذا يتجاوز حقاً حد التفاخر! شعرت أنها واقعة في مأزق حقيقي، إذ لا يمكنها أن ترميه خارج مكتبها لأنه رئيسها في الوقت الراهن، كما أنه سيبقى رئيسها لفترة أطول إن وجد أنطونيو نفسه مرغماً على التقاعد باكراً. فأنطونيو الآن في السبعينيات من عمره، وأخبرها الطبيب أن ذات الرئة هي أكثر خطورة بالنسبة لمن هم في مثل عمره، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار الذبحة الصدرية التي أصيب بها مؤخراً.
- أشعر بالاستياء من كلامك الذي يلمح إلى أن فريق عملي يفتقد للاختصاص!
- بحق السماء! أخبريني ما الذي يجعلني أفكر بسوى ذلك؟
نظر روكو حوله بتعمد إلى تلك الجدران الوسخة في المكتب، وإلى السجادة البالية ورفوف الكتب الرخيصة التي بالكاد تستطيع حمل كتب القانون وإدارة العقارات.
قالت آمي من بين أسنانها: "سيد لوسي، أنت شخص هجومي بالمطلق".
قطب روكو جبينه بغضب واضح وقال: "سأقرر أن أتجاهل هذه الملاحظة".
- علاوة على ذلك، حالة مكتبي لا علاقة لها مطلقاً بنوعية عملي! آه! أظن أن الأمور تسير بشكل مختلف جداً في نيويورك؟
Page 6
بالكاد استطاع روكو تصديق ما سمعته أذناه. من تعتقد هذه الفتاة التافهة نفسها؟ العينان البنيتان اللتان تبدوان كاللوزتين راحتا تلمعان من الغضب. احتاج لبذل مجهود فعلي ليتمكن من استعادة السيطرة على نفسه، وهذه بحد ذاتها تجربة جديدة عليه. قال بصوت حازم هادئ: "أعتقد أننا ابتعدنا عن المسألة المهمة التي بين أيدينا الآن، آنسة هوغان. ومن أجل تحديد الأولويات، أريد أن أرى ملفك الشخصي، وأريد الاطلاع على تفاصيل المشروع الذي تعملين عليه، كما أنني أريد تخفيض الأموال المخصصة له. بالإضافة إلى ذلك، أريد تقريراً منك على مكتبي في صباح الغد يتضمن جداول بالأموال التي أنفقت خلال العامين الماضيين على كل المشاريع التي لا تتوخى الربح، وعن بعض المشاريع القليلة التي قمت بها وأفادت الشركة فعلاً.
فتحت آمي فمها مستغربة، ثم ضحكت بصوت عالٍ وقالت: "أخشى القول إن ذلك أمر مستحيل".
- عفواً! لا أصدق أنني سمعت ما قلته.
- لا مجال مطلقاً لأفعل ذلك كله حتى صباح الغد. كما أن ريتشارد يملك كل هذه المعلومات بكل الأحوال. والآن، هل هناك شيء آخر؟
حسناً! إنها تتصرف بردة فعل واضحة، سامحة للرجل أن يتمكن منها، لكنها لا تستطيع أن تفعل غير ذلك. وقفت ومدت يدها إليه مودعة. نظر روكو إلى اليد الممدودة ببرودة، ولم يتزحزح من مكانه.
- اجلسي آنسة هوغان، فأنا لم انتهِ من التحدث إليك بعد.
- بإمكاني أن أعد لك ملفاً بتلك المعلومات في نهاية هذا الأسبوع.
قالت ذلك وهي تعود إلى مكانها، وتنظر إلى الرجل الهادئ الجالس أمامها بكره عميق.
- تقولين إنك في السادسة والعشرين من عمرك.
وضع روكو ساقاً فوق أخرى، متجاهلاً غصن الزيتون الذي قدمته له. أدرك أنه يستمتع بهذه المناوشة الذكية والمليئة بالثقة بالنفس، مع أن الوقت الذي خصصه للبقاء هنا شارف على النهاية.
فاجأ نفسه بقوة وهو يسأل: "هذا يعني أنك تعملين في شركة لوسي للبناء منذ...؟ أربع سنوات...؟ من المؤكد أنك أثبت نفسك بشكل قوي جداً وفي وقت قصير لتحصلي على مركز القيادة في هذه المجموعة التي تستمتعين بترؤسها. اعترفت آمي بخشونة: "منذ عشر سنوات".
- عشر سنوات؟ هذا أمر غير مفهوم بالنسبة لي.
- ما الذي لم تفهمه؟
- متى تمكنت من إنهاء المرحلة الجامعية؟
امتد الصمت بينهما حتى الملل. أخيراً قالت آمي: "لم ألتحق بالجامعة، سيد لوسي. التحقت بشركة والدك مباشرة بعد أن أنهيت المرحلة الثانوية".
ما كان روكو ليندهش أكثر لو أنها أعلنت أنها نشأت بين جماعة من الذئاب في أفريقيا.
قالت بسرعة بنبرة دفاعية: "لا يحظى الجميع بفرصة الالتحاق بالجامعة. إنها امتياز وليست حقاً".
لم تستطع تحمل النظرة المباشرة من تينك العينين الزرقاوين الثاقبتي النظرات، فأخفضت بصرها لتتمكن من التحديق بطرف رسالة وضعت على مكتبها.
- أتقصدين أن علاماتك لم تكن كافية لتدخلي الجامعة؟
- أقصد، سيد لوسي...
تنفست بعمق ورمته بنظرة سريعة من تحت أهدابها قبل أن تتابع: "... أن أمي توفيت وأنا صغيرة، وكبرت طفلة وحيدة مع والدي. عندما أصبحت في الرابعة عشرة من عمري أصيب والدي بالألزهايمر، وعندما أصبحت في السادسة عشرة لم يكن لدي خيار إلا بوضعه في مركز للخدمات الاجتماعية. أنهيت امتحاناتي، لكنني لم أستطع متابعة دراستي. حصلت على عمل مع والدك، وحالفني الحظ بالعيش مع عائلة بالتبني حتى أصبحت ناضجة بما يكفي لأنتقل وأعيش بمفردي. لطالما رغبت في الالتحاق بالجامعة، لكنني بالكاد تمكنت من الاستمرار مع وجود والدي في مركز الرعاية، لذا لم يكن لدي أي خيار".
Page 7
عبثت آمي بقلم على مكتبها وهي تعلم أنه يحدق بها. فكرت بمرارة أن هذه هي فرصته الكبرى الآن. فلا مؤهلات لديها وهي لا تحمل أي شهادة جامعية.
- حسناً! مؤهلاتك كلها تعتمد على الخبرة إذاً!
- عملت كاتبة في محل تجاري في البداية، ثم مساعدة لوالدك. عملنا معاً على وضع خطة لمساعدة الفقراء، وفي نهاية الأمر تحملت مسؤولية إدارة هذه الأعمال بمفردي.
- فهمت.
شعرروكو أنه يتشبث بموضوع غير مألوف لديه وهو يسألها: "وأين هو... والدك الآن؟"
- توفي منذ عامين.
لن يتوقف الألم مطلقاً كلما تحدثت عنه، ولهذا السبب هي لا تفعل. أكملت تقول: "شعرت أن ذلك أفضل له. أصبح مرتبكاً جداً في أواخر أيامه، ولم يعد يتذكرني. أصبح يعتقد أنني أمي. حسناً! هل حصلت على كل ما تريده؟"
استخرج هذا الكلام منها بالرغم عنها، وكرهته آمي بسبب ذلك. تابعت تقول باستياء واضح: "هل ترغب في أن أطبع لك هذا الكلام في تقرير وأضعه على مكتبك أيضاً؟ تاريخ حياتي منذ أن ولدت حتى الآن؟"
تورد وجه روكو بشدة وقال: "ما من داعٍ لهذه السخرية".
- آه! هل أنا من يتكلم بسخرية؟
تمسكت بحاجتها القوية لمهاجمته، وتابعت: "اعتقدت أنني فقط أطيع أوامرك".
- أبي يثق بك، وأنا سأصدقك بسبب تلك الثقة.
رفع كتفيه ومال إلى الأمام واضعاً مرفقيه على ركبتيه. ثم تابع: "بالرغم من تعاطفي معك بسبب الحياة القاسية التي أجبرتك على ترك الدراسة وأنت يافعة والتوجه إلى العمل، لكن هذا لا يعني أن المبالغ الطائلة التي تنفق على مراكز الاحسان يجب أن تبقى بلا محاسبة. أنا هنا لإدارة أعمال والدي، وأول قاعدة في العمل هي أن الشركة لا تستمر إلا إذا كانت تجني أرباحاً".
قالت بضيق: "أعرف ذلك".
- أحقاً؟
تراجع روكو إلى الوراء، وهو يشعر بالارتياح بسبب قوة شخصيته. غادر بريطانيا وهو لا يملك شيئاً، ثم تسلق سلم النجاح بمفرده معتمداً على قدراته فقط. سيطرت عليه فكرة كسب المال منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها بالعمل والعيش في نيويورك.
- بالطبع أعرف ذلك.
- في هذه الحالة لن تمانعي بإطلاعي كيف أنفقت كل قرش عبر السنتين الأخيرتين.
- ستكون المعلومات كلها على مكتبك في نهاية الأسبوع.
الله وحده يعلم ماالذي ستكون عليه ردة فعله. إنه يفكر من خلال طريقة واحدة: لا أرباح، إذاً لا جدوى من هذا العمل! قال روكو ببطء: "لا أريد تلك المعلومات على المكتب".
Page 8
- لكن...
- أريدك أن تحضريها بنفسك، وأن تنقلي لي بنفسك الأخبار السيئة. إن أردت الحقيقة، بهذه الطريقة يمكننا مراجعة كل الأعمال، وعندئذٍ ستتمكنين من الاستيعاب بصورة أفضل لماذا أرغب في إقفال مكتبك الصغير المريح. هذا إن وجدت أن عليَّ البقاء لفترة أطول مما اعتقدت.
وقف عن كرسيه، لكنه لاحظ أن وجهها فقد لونه من شدة الشحوب. قال لنفسه بنفاد صبر إنه قبل كل شيء رجل أعمال، وهو ليس رجل أعمال عادي، بل إن صلابته أسطورية. إن سمح لأي إحساس غير منطقي بالتعاطف أن يتملكه فذلك سوف يشل قدرته على إدارة الشركة.
قالت آمي بثقة: "لن يتحمل والدك نتائج هذا العمل".
- والدي في المستشفى آنسة هوغان، وإدارة هذه الشركة ملقاة على عاتقي بالكامل.
- هذا أمر سخيف باعتبار...
- باعتبار... ماذا؟
ضاقت نظرة عينيه بطريقة مهددة. وقف بقامته الفارعة محدقاً بها، وعلمت آمي أنه ما كان عليها التلفظ بملاحظتها منذ البداية. قالت بسرعة: "باعتبار... أن هذه الشركة بأكملها مجرد شركة صغيرة بالنسبة إليك، وأنت تجدها مملة على ما أعتقد. لا بد أنك تقوم بالأعمال بشكل مختلف في نيويورك، وربما عليك التفكير بالأمر قبل أن تبدأ باتخاذ قراراتك".
تابعت في سرها: باعتبار أنك لم تجتمع بوالدك سوى أربع مرات فقط خلال عشر سنوات! تعلم آمي ذلك لأن أنطونيو أخبرها، ولأنه حماها تحت جناحه فأصبحت بطريقة ما الابنة التي لم يحظَ بها.
علق روكو بلا اهتمام: "شكراً لك على النصيحة".
أمسك بهاتفه النقال ليتمكن من الاتصال بسائقه كي يأتي لاصطحابه. أنهى المخابرة وأعاد الهاتف إلى جيب قميصه، ثم ابتسم لها ببرودة وتابع: "مع أنني من النادر أن أتبع أي نصيحة، فلطالما وجدت أن النصائح تحمل أهدافاً أخرى ليست مفيدة لي على الإطلاق".
أخفضت آمي بصرها لكنه شعر بها تغلي من الغضب، راغبة بشدة أن ترميه بملاحظة ساخرة منتقدة، فشعر للمرة الثانية بإحساس من المرح والاستمتاع. قال لها: "موعدنا يوم الجمعة في مكتبي. احضري الأوراق وكل ما يتعلق بالمشاريع التي تعملين عليها في الوقت الحاضر، وأي شيء يتعلق بعملك. سأكون بانتظارك عند الساعة الثالثة والنصف".
في الخارج، رأى أن زمرة المراهقين قد رحلت، وحلت مكانها فتاتان تجلسان على كرسيين متحركين وتتحدثان. بدتا يافعتين جداً وفي سن الدراسة. نظر حوله إلى الشوارع المكتظة التي تعود كلها إلى الشارع الرئيسي فرأى إدوارد بانتظاره. لم يذهب روكو مباشرة إلى السيارة. بل وقف وتابع معاينة المكان، ثم نظر وراءه إلى المكتب. عليه أن يعترف على الأقل أن عمله هنا لن يكون مملاً. لا بد أنهم جميعاً يتذمرون منه الآن، ويتهامسون عليه من وراء ظهره، لكنهم سيصبحون سعداء جداً عندما يوصل هذه الشركة إلى مستوى شركات القرن الحادي والعشرين، كما أنه سيضاعف ربحها أربع مرات، وهذا أمر هو متأكد من القيام به ومن دون أن يبذل الكثير من الجهد. فكر بكآبة أن النجاح في العمل هو أهم إنجاز يحققه المرء في الحياة، ففي النهاية المال يتكلم...
Page 9

2- موعد وتحدٍّ

وصلت آمي إلى المركز الرئيسي للشركة قبل الموعد المحدد. مرت ثلاثة أيام فكرت خلالها ملياً بتهديد روكو الذي حرمها النوم لساعات. راحت تبحث عن أفضل الوسائل للتعامل مع الرجل، وقررت أن تتسلل حوله بهدوء بقدر ما تستطيع. فوصولها متأخرة إلى الاجتماع متذرعة بانشغالها لتبرهن له أهمية عملها سيثير غضبه، وسيجعل الأمر يرتد عليها بالسوء بدون أي شك. لم يساعدها ذهابها لرؤية أنطونيو نهار أمس، إذ وجدت أن حالته ليست على ما يرام، فلم تستطع أن تطرح عليه أسئلة تتعلق بالشركة. بالإضافة إلى ذلك، علمت من الأطباء عند مغادرتها أنه سيبقى في المستشفى لثلاثة أسابيع أخرى على الأقل، وبعد ذلك سيأخذ إجازة من العمل ليزور أقاربه في إيطاليا، وسيبقى تحت رعايتهم حتى يشفى تماماً. وبالطبع، لا مجال مطلقاً لكي يتابع أعماله من هناك. من المؤكد أن روكو عمل من خلال اتصالاته الهاتفية على تأمين كل ما هو ضروري لراحة والده، ما يعني أنها تركت بمفردها لمواجهة المخطط السيء الذي يعده لها هذا الأخير.
سيستلم روكو مهام العمل هنا ويبدأ بإجراء التغييرات التي يتحدث عنها، والتغيير الأول هو إقصاؤها هي وفريق عملها من الشركة، فيما أن الشخص الوحيد الذي تشعر أنها تستطيع التحدث إليه في هذا الشأن هو أنطونيو، وذلك أمر متعذر الآن. أنطونيو هو الشخص الأول الذي ترجع إليه عندما تصادف مشكلة ما، والكتف الوحيدة التي يمكنها إلقاء رأسها عليها، لذا بدا عدم التواصل معه الآن صدمة قوية جداً بالنسبة إليها. توقعت أن يتركها روكو تنتظره لفترة ما، فقد قرأت في مكان ما أن الأشخاص المهمين يتبعون هذه الطريقة لإثبات أهميتهم. لكن ما إن وصلت حتى طلب منها التوجه مباشرة إلى مكتبه لتجده جالساً وراء مكتب والده مع كومة من الملفات أمامه، وهي ملفات تعرفها جيداً. بدا وجهه عابساً ووسيماً تماماً كما تتذكره، وجه يحفز أي رسام على رسمه بأدق التفاصيل، لكنه يملؤها بإحساس من الكره نحوه. بدت عيناه الرائعتان قاسيتين وبغيضتين، أما صلابته المجردة من العاطفة فتشع حوله كحقل ألغام خطير جداً. بدا من الصعب عليها أن تحتفظ بقوة شخصيتها وهي تواجه هذا كله. ما إن حرك روكو رأسه باتجاه الكرسي المواجه له حتى انزلقت عليها بارتياح. قال وهو يدفع رأسه إلى الوراء: "وصلت في الوقت المحدد، وهذا أمر ملفت للنظر".
عملت آمي على وضع ابتسامة مهذبة على وجهها قبل أن تقول: "من الصعب التحكم بالوقت حين تعمل على الأرض، سيد لوسي. في بعض الأحيان، تملك الأمور بحد ذاتها إمكانية السيطرة عليك، كما أن المسافة طويلة إلى ستراتفورد من مكان عملي. هذا مع العلم أنني أستطيع الحصول على المعلومات بعد انتهاء الاجتماع. أحضرت لك الملفات التي طلبتها".
مدّت يدها إلى حقيبة عملها، ففتحتها وأخرجت ملفاً يحتوي على عدة ملاحظات لمشاريع مختلفة.
بدلاً من أن يمد يده ليستلم الملف، لم يتحرك روكو مطلقاً.
- لدي أخبار سيئة على ما أعتقد، آنسة هوغان.
ربت بنعومة على ذراع مقعده بإصبع واحد، واستمر بالنظر إليها بعينيه الزرقاوين الرائعتين وهو يتابع: "مع أنني أظن أنك تعرفين مسبقاً ما الذي سيحدث طالما أنك قمت بزيارة أبي".
- أعتقد أنها أخبار رائعة، إن كنت تتحدث عن اقتراح طبيبه بالذهاب إلى إيطاليا ليستعيد صحته.
قالت لنفسها: عليك أن تبقي هادئة ومتفائلة، لا تدعيه يلاحظ أي إحساس من الضعف لديك، لأن روكو لوسي سيستغل الأمر كقرش تحسس بوجود الدماء. بالطبع، سيعمل كما يرغب ولا مجال للشك بذلك، لكنها لن تستسلم بدون أن تدافع عن عملها، وهي بالتأكيد لن تتخلى عن كرامتها أثناء القيام بذلك. تابعت قائلة: "لا فكرة لديك كم كان يرهق نفسه بالعمل خلال السنتين الماضيتين".
أجاب روكو وهو يعلم أنه يوجه لها كلمات عنيفة: "لم يكن بحاجة لأن يعمل بكل هذا الجهد، لو أن لديه فريق عمل يستطيع الاعتماد عليه".
- لن أنجر للحديث وانتقاد أي شخص هنا في الشركة. ربما علينا العودة إلى عملنا والبدء بدراسة ملفاتي.
تساءلت متأخرة، إن كان عليها أن تكون أكثر تهذيباً. لابد أن روكو لوسي أمضى معظم حياته في مركز سلطة، حيث يمدحه الجميع ويتوددون إليه متوقعين الحصول على شيء ما منه. أمثاله معتادون على تبعية الناس لهم، وهو يتوقعون ذلك دائماً. وضعه في مكانه الصحيح لن يوصلها إلى أي مكان، لكن مع ذلك لن تنجر إلى انتقاد أشخاص ساعدوها. لا مجال لذلك على الإطلاق.
قال بتكاسل: "آه! ألقيت نظرة أولية على بعض الحسابات".
Page 10
مال إلى الأمام ووضع مرفقيه على المكتب متابعاً: "المشروع الصغير الأخير الذي قمت به بدا وضيعاً، فهو لا يتعدى الخمسين ألف جنيه إلا قليلاً، مقارنة بما تبقى من مشاريعك".
- هذا المبلغ يبقى مجرد نسبة قليلة جداً مقارنة بالأرباح الإجمالية لشركة لوسي للبناء.
أشارت آمي إلى ذلك، محاولة أن تهدئ من اضطراب أعصابها التي تتراقص في جسمها.
- لطالما كان التوافق يتم...
- أنا سعيد جداً لأنك استعملت صيغة الفعل الماضي. دعيني أضعك في الصورة، آنسة هوغان. سأبقى هنا طوال الأشهر الستة القادمة، حتى بعد أن يشفى والدي تماماً. فقد أوصى الأطباء بألا يعود إلى العمل بدوام كامل. سأعمل على التأكد من أن الشركة تسير بالطريقة التي أريدها قبل سفري، ولن أتركها إلا بين إيدي من أحكم على جدارتهم في تولي زمام الأمور.
قالت آمي بصوت ضعيف: "ستة أشهر؟"
- على الأقل!
- أليس لديك أعمال أخرى عليك القيام بها؟ ماذا عن شركتك في نيويورك؟ ألا يفترض بك العودة بسرعة إلى هناك؟
- على العكس من هذه المؤسسة، بإمكاني الاتصال بشركتي في أميركا بسهولة. لدي أشخاص هناك قادرين على تحمل المسؤولية في غيابي. كما أن هناك طائرات يمكنها أن توصلني إلى أميركا في غضون ساعات إن احتجت إلى التواجد هناك".
- أنت في منتهى الكفاءة.
قطب روكو جبينه وعلق: "الكفاءة هي أساس العمل الناجح، وهذا يوصلني مباشرة إليك".
تراجع ليجلس بارتياح على كرسيه، فيما استمر في النظر إليها بعناية واهتمام.
- أنا كفوءة جداً بما أقوم به.
- ربما ما تقولينه صحيحاً، لكن مستوى كفاءتك ليست المعضلة الحقيقية هنا. أليس كذلك؟ أنت ماهرة جداً في ما تفعلينه. لكن ببساطة، ما تفعلينه لا يُدخل مالاً إلى الشركة.
- هناك أمور مهمة في الحياة لا تتعلق بجني الأموال.
ظهرت بقعتان من الغضب على خديها، ووجدت نفسها تميل إلى الأمام وقد حولت يديها إلى قبضتين من الفولاذ وهي تتابع: "أنا شخصياً أجد من المؤسف أن يركز المرء في حياته على جني المال فقط. ما الذي تفعله بكل المال الذي تملكه، سيد لوسي؟ تجمعه في حسابك المصرفي، ثم تمضي الليالي وأنت تمتدح نفسك، وتربت على ظهرك سعيداً ومعتداً بأنك ولد ذكي؟"
نظر روكو إلى الوجه ذي الملامح الجدية الذي يحدق به بعناد، وشعر بذلك الاحساس من جديد، الاحساس المفاجئ بالنشاط. كأنه يتذوق شيئاً ما يملؤه قوة وهو لم يذقه منذ وقت بعيد. منذ بدء العمل في شركته، حيث كانت الشكوك توازي ثقته بنفسه. بعدئذٍ أصبح النجاح أمراً عادياً له، واكتشف أنه أصبح محاطاً بأشخاص يعملون مثله لأهداف واضحة. لم يعارضه أحد لأن قوته الظاهرة وتأثيره القوي جعل منه شخصاً لا يقهر ولا يقاوم.
قال بصوت عميق: "آه! يمكنني أن أفكر بطرق أكثر جاذبية لإمضاء الليالي".
شعر بالمرح عندما تورد خداها بعد أن لاحظت المعنى الحقيقي لما قاله. الاحساس بالانجذاب نحو الجنس الآخر سيطر عليها وكأن قطاراً سريعاً دهسها. للحظات قصيرة طار بها خيالها وصور لها أحداثاً أجبرت نفسها بقوة أن تبعدها عنها. إنه حقاً رجل جذاب جداً! اعترفت بذلك في سرها وهي ترتجف. لاحظت شعره الأسود وتلك الأهداب الكثيفة الداكنة التي تخفي جمال عينيه، وفمه الأنيق. رمشت بعينيها وجلست مستقيمة أكثر على كرسيها. بحزم أكيد أعادت النقاش من جديد إلى الأعمال قائلة: "ماذا تنوي أن تفعل، سيد لوسي؟ لدي فريق من خمسة أشخاص متفانين جداً، وجميعهم مرتبطون بما يفعلونه. اثنان منهم متزوجان، وهما بحاجة للأجر الذي يتقاضيانه. حسناً! الجميع بحاجة إلى المال إن أردت الحقيقة.