eKtab
EN ع
أثر المتغيرات الآسيوية على الوطن العربي (دراسة في العلاقات الإسرائيلية الآسيوية)
Read free sample

أثر المتغيرات الآسيوية على الوطن العربي (دراسة في العلاقات الإسرائيلية الآسيوية)

by د. هاني الياس خضر الحديثي

Page 1

لمّا كانت الدراسة تتناول بالبحث (مستقبل) هذه العلاقات(والبعد الإستراتيجي) لها,فإن من المناسب أن نقدم إضاءات حول مفهومي الدراسات المستقبلية, والإستراتيجية تمهيداً لسبر أغوار هذه التشابكات والمتغيرات في العلاقات الدولية.

فمفهوم المستقبل في اللغة يعني(الآتي بعد الحال) أي أنه يمثل الحلقة الأخيرة في السلسلة الزمنية التي تبدأ بالماضي ويتوسطها الحاضر([27]),والمستقبل هوما واجهك,فيما تستقبله من أيام مستقبلك,لأنك تواجهه([28]),ويسمى كل ما يأتي من الزمان:بالمستقبل.والدراسة: هي فهم الشيء وتعاهده حتى يسهل ويتمهّد([29]),والدراسات المستقبلية تُعنى قبل كل شيء بمحاولة استشراف الصور المختلفة للمستقبل وفقاً لفروض مختلفة فيما يتعلق بمعرفة الواقع وجذوره التاريخية والإمكانات المتاحة وأساليب استخدامها المتباينة والوعي بقضية المستقبل والأهداف المعلنة بشأنها والعمليات الفعلية التي تغير المجتمع دون وعي لدى أفراده بآثارها والعلاقة التبادلية بين البنى والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحضارية السائدة في الداخل ومثيلاتها السائدة في الخارج([30]).وقد عُرّفت الدراسات المستقبلية بعدة تعريفات تدور حول كونها محاولة للتنبؤ بما ستكون عليه حالة المجتمع الإنساني,ومصير الإنسان فيه,عن طريق دراسة الماضي, ونتاج الحاضر, والظواهر والبدائل الممكنة,وعُرّفت بأنها مجموعة من الدراسات والبحوث التي تهدف إلى تحديد اتجاهات الأحداث, وتحليل مختلف المتغيرات التي يمكن أن تؤثر في إيجاد هذه الاتجاهات, أو حركة مسارها([31]),وعُّرفت بأنها: اجتهاد علمي منظّم ,يرمي إلى صوغ مجموع من التنبؤات المشروطة, والتي تشمل المعالم الرئيسة لأوضاع مجتمع,أو مجموعة من المجتمعات,وعبر فترة مقبلة تمتد قليلاً لأبعد من عشرين عاماً,وتنطلق من حول بعض الافتراضات حول الماضي والحاضر,ولاستكشاف أثر دخول عناصر مستقبلية على المجتمع,ونوعية وحجم التغيرات الأساسية الواجب حدوثها في مجتمع ما,حتى يتشكّل مستقبله على نحو معيّن منشود([32]).

بدأ الاهتمام بالدراسات المستقبلية بالمؤسسات العسكرية وشؤون الحرب والأمن,ثم مجالات الصناعة,ليظهر بعد ذلك الاهتمام بالمجتمعات قِيماً وثقافة([33]),وإزاء ذلك نجد أن دراسة المستقبل هي عملية بحث علمي في مجال ما تبدأ من الماضي وتدرس الحاضر بعناية لتحديد آفاق المستقبل واتجاهاته وعوامل التغيير فيه بشكل كلي, وتوقع إمكان اختلاف هذه الرؤى مع ما قد يحدث بالفعل من المستقبل([34]).نتيجة لسرعة التغير في هذه الحياة المعاصرة,واشتداد التنافس بين المجتمعات,ظهرت بدايات لدراسة المستقبل على أسس خاصة,وكانت تهدف إلى السيطرة على الصور الممكنة للمستقبل,عن طريق توجيهها,باتخاذ الأساليب الملائمة لتحفيز الاحتمالات المرغوبة,ومنع وعرقلة الاحتمالات غير المرغوب فيها([35]).

ويميّز الباحثون في مجال الدراسات المستقبلية بين ثلاث صور من المستقبل:مستقبل متوقّع,ومستقبل ممكن,ومستقبل مرغوب فيه.فالمستقبل المتوقّع:([36])هو المصير الذي يُتوقع أن يؤول إليه واقع معين في ظل ظروف ومعطيات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية, وفيه يكون سؤال الباحث :ما هي صورة المستقبل المتوقع؟ والبحث فيه ودراسته يعتمد الاستقراء,إذ يعمد الباحث إلى جمع البيانات والمعلومات وتحليل اتجاهات المتغيرات ونحوها ليتوصل بها إلى تنبؤات مستقبلية باستعمال التحليل الإحصائي وتكوين النماذج.والمستقبل الممكن: هو المصير الذي يمكن أن يؤول إليه هذا الواقع في حال التدخل لتغيير الظروف والمعطيات التي يعيشها,وهو يمثّل البدائل التي يمكن حصولها في المستقبل في حال تدخل معين, وهو كذلك يعتمد الاستقراء.ويطلق على هذين النوعين:الدراسات الاستكشافية,أو الاستطلاعية.أما المستقبل المرغوب فيه:فهو المصير الذي تأمل الأمة أن تصير إليه بعد إحداث تغييرات في ظروف الواقع ومعطياته العامة.والبحث فيه ينطلق من ترتيب الأهداف الأساسية,وفقاً لأهميتها ترتيباً تسلسلياً,وهنا تتدخل القيم والاتجاهات في تحديدها ثم تحدد الأعمال المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف, ويطلق عليها الدراسات الاستهدافية أوالمعيارية.

أما الإستراتيجية فيعود أصلها إلى الكلمة اليونانية stratēgos، التي تعني الآمر العسكري في عهد الديمقراطية الإثنية,ويعرفها الغربيون ومنهم كلاوزفيتز : بأنها فن استخدام الاشتباك من أجل هدف الحرب([37]),وقد عاب الكاتب العسكري البريطاني ليدل هارت([38])على تعريف كلاوزفيتز للإستراتيجية ومن عيوبه أنه يدخل هذه الفكرة في حقل السياسة أو في أعلى مستوى لقيادة الحرب ، وهذه أمور تتعلق بمسؤولية الدولة لا بحدود عمل القادة العسكريين الذين تستخدمهم السلطة الحاكمة ليقوموا بإدارة العمليات وتنفيذها ، والعيب الآخر هو تحديده لمعنى الإستراتيجية فيما يتعلق باستخدام المعارك فقط ، أي تكريس كل الاعتبارات والإمكانيات في الحرب للبحث عن المعركة التي تحقق الحل الحاسم بقوة السلاح .

ويعرفها ليتريه: بأنها فن إعداد خطة الحرب وتوجيه الجيش في المناطق الحاسمة والتعرف على النقاط التي يجب تحشيد أكبر عدد من القطعات فيها لضمان النجاح في المعارك([39]).أما كراسة التدريب المشترك البريطانية الصادرة عام 1902 م فتعّرف الإستراتيجية بأنها فن التخطيط لحملة ما وتوجيهها، وهي الأسلوب الذي يسعى إليه القائد لجر عدوه إلى المعركة([40]).

أما الشرقيون فيعرّفها منهم ماوتسي تونك : بأنها دراسة قوانين الوضع الكلي للحرب([41]), أما كرازيلفكوف فيقول: إن الإستراتيجية العسكرية تعتمد مباشرة على السياسة وتخضع لها وخطط الحرب الإستراتيجية يتم تصميمها على أساس الأهداف التي تحددها السياسة([42]), أما سوكولوفسكي فيذكر: تمثل الإستراتيجية العسكرية مجموعة من المعارف النظرية التي تعالج قوانين الحرب كصراع مسلح دفاعاً عن مصالح طبقية محددة . وتدرس الإستراتيجية في ضوء التجارب العسكرية والأوضاع السياسية والعسكرية والطاقات الاقتصادية والمعنوية ، وأساليب تصريف الحروب ، ووجهات نظر العدو المحتمل وأوضاع الحرب المقبلة وطبيعتها وطرائق الإعداد لها وتسيير دفتها وفروع القوات المسلحة ، وأسس استخدامها الإستراتيجي بالإضافة إلى أسس الحرب المادية والتقنية وتظل في الوقت نفسه مجالات النشاط العملي للقيادة السياسية والعسكرية العليا في القيادة العامة ومقرها ، والمتعلق بفن إعداد البلاد للحرب وتصريف الصراعات المسلحة في ظل أوضاع تاريخية محددة([43]).

أما المدرسة العربية ومنها المصرية: فتعرف الإستراتيجية على أنها أعلى مجال في فن الحرب وتدرس طبيعة وتخطيط وإعداد وإدارة الصراع المسلح وهي أسلوب علمي نظري وعملي يبحث في مسائل إعداد القوات المسلحة للدولة واستخدامها في الحرب معتمداً على أسس السياسة العسكرية كما أنها تشمل نشاط القيادة العسكرية العليا بهدف تحقيق المهام الإستراتيجية للصراع المسلح لهزيمة العدو, وتعرفها المدرسة العراقية : على أنها فن إعداد وتوزيع القوات المسلحة واستخدامها أو التهديد باستخدامها ضمن أطار الإستراتيجية العامة لتحقيق أهداف السياسة([44]), ومن الواضح أن القاسم المشترك الأعظم بين التعريفات المختلفة للإستراتيجية هو أنها علم وفن ينصرفان إلى الخطط والوسائل التي تعالج الوضع الكلي للصراع الذي تستخدم فيه القوة بشكل مباشر أو غير مباشر من أجل تحقيق هدف السياسة الذي يتعذر تنفيذه عن غير ذلك السبيل.وقد أصبح مصطلح الإستراتيجية شاملاً لأوجه الحياة كلها, فكما هو مهم وضروري وذو أبعاد ودلالات أصبح يسمى إستراتيجياً, ولذلك فإن هذه الدراسة ستبحث في العمق الإستراتجيي للعلاقات الإسرائيلية الصينية والهندية ومدى إسقاطاتها على المسرح العالمي والعربي والإسلامي على وجه الخصوص.

Page 2

المطلب الأول :تحديات الأمم الصاعدة

تجابه الأمم الصاعدة – ومنها جمهورية الصين الشعبية والهند- حزمة من التحديات لإثبات الذات ,ففي شهر أغسطس من العام 2008م مثلاً كانت الهند مستعدة لتحدي الولايات المتحدة بصورة مباشرة في محادثات الدوحة التجارية, وهاجمت روسيا جورجيا واحتلت أجزاءً منها, واستضافت جمهورية الصين الشعبية الألعاب الأولمبية الأكثر إدهاشاً وبذخاً في التاريخ(كلّفت 40 مليار دولار),في حين أن هذه الدول الثلاث قبل عقد واحد فقط,لم تكن تملك ما يكفي من القوة أو الثقة بالنفس للتصرف بالطريقة التي تصرّفت بها حينذاك,لذا فإن هذه الدول لن تتخلى بسهولة وهدوء عن أدوارها الجديدة في النظام العالمي([45]).

نحن نعيش اليوم عصر التحول الكبير الثالث للقوة في العصر الحديث,ويمكننا تسمية هذا التحول بنهوض البقية.انظر حولك ..إن أطول مبنى في العالم يقع اليوم في تايبيه([46]) ,ثم تغلب عليه برج خليفة بدبي , وأغنى رجل في العالم مكسيكي , وأكبر الشركات في العالم من حيث المبيعات صينية, والطائرة الأضخم في العالم تصنع اليوم في روسيا وأوكرانيا, والمصفاة الأكبر في العالم يجري إنشاؤها في الهند, والمصانع التي تحتل المراتب الأولى في لائحة المصانع الكبرى توجد كلها في جمهورية الصين الشعبية,كما أن الرموز الأمريكية الشهيرة أصبحت ملكاً للأجانب الآن, وأضخم عجلة ترفيهية في العالم تقع في سنغافورة , والكازينو الأول في العالم ليس في لاس فيغاس وإنما في ماكاو, وصناعة السينما الأكبر في العالم – في ما يتعلق بعدد الأفلام المنتجة وعدد البطاقات المباعة – هي في بوليوود وليس في هوليوود,ومن بين مراكز التسوق العشرة الأولى في العالم,ثمة مركز واحد فقط في الولايات المتحدة, وأكبرها يقع في بكين.هذه اللوائح عشوائية لكن المذهل في الأمر هو أنه قبل عشر سنوات فقط كانت أمريكا تشغل المركز الأول في الكثير منها,إن لم تكن في معظمها([47]).

ويرتبط الحراك الحالي في مراكز القوى بواقع جديد يصعد فيه الاقتصاد الآسيوي إلى درجة لم يعرف لها التاريخ نظيرا في السرعة أو المدى, ويمكن إدراك حجم وسرعة ما حققته آسيا من إنجاز من خلال قراءة كتاب جونار مردال عالم الاقتصاد السويدي والحائز على جائزة نوبل والذي يحمل عنوان "الدراما الآسيوية..بحثًا عن فقر الأمم" الصادر عام 1968. يتحسر مردال في كتابه على تهاوي آسيا نتيجة الفقر والضغط السكاني وصعوبة استغلال الموارد([48]), لكن صار بإمكاننا اليوم القول, بأن قصة الفقر المتوطن في آسيا قد تحولت إلى قصة ازدهار تعم أرجاء القارة الآسيوية التي تتميز بأنها مهدٌ للحضارات ووطن لاستقرار معظم شعوب العالم، تعود اليوم للازدهار بعد فترة قصيرة من التدهور تسبب فيها الاستعمار الأوروبي على مدى قرنين من الزمن. فبحسب دراسة لبنك التنمية الآسيوي كانت حصة آسيا في الاقتصاد العالمي تناهز 60 % عام 1820، وذلك قبيل الثورة الصناعية. غير أن آسيا سقطت في تدهور حاد على مدى الـ 125سنة التالية. وهاهي اليوم تحقق ما نسبته 40 % من الناتج العالمي، وقد ترتفع تلك الحصة بحسب بعض التقديرات إلى 60 % عام 2050، وذلك حين تتقـدم ثلاث دول آسيوية لتتصدر قائـمة الدول الأربع الأكبر في الاقتصاد العالمي(جمهورية الصين الشعبيةوالهند والولايات المتحدة واليابان).

ولعل في هذا إشارة إلى قرب استعادة آسيا ريادتها التي تمتعت بها على مدى ألفي سنة سبقت الثورة الصناعية، تلك الثورة التي كانت سببا في أن يتقدم الغرب المسيرة. وعلى نحو ما يسجل المؤرخ البريطاني (أنجوس مديسون) فإن جمهورية الصين الشعبيةوالهند كانتا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم خلال الفترة من العام الميلادي الأول وحتى عام 1820 بحسب دراسة كيشور محبوباني والتي تحمل عنوان "نصف الكرة الآسيوي الجديد"([49])كما يمكن وصف القرنين الماضيين من السيطرة الغربية على تاريخ العالم بأنهما حدث استثنائي خلال ألفي سنة, ويذهب محبوباني إلى أن "زمن سيادة الغرب على العالم قد ولى" وذلك رغم أن الغرب "لا يريد الاعتراف بذلك وليست لديه النية للمشاركة في بناء نظام عالمي بديل.. وما هذا في الواقع إلا إرهاصات لكارثة وشيكة".

في كتابه (أحاديث في آسيا) قال الأستاذ محمد حسنين هيكل: قبل زيارتي للصين قال لي وزير الصحة المصري د.محمود محفوظ :إنك سوف تجد مجتمع الفضيلة.. لا أحد يكذب ..لا أحد يسرق .. لا أحد يتواكل) , ويقول لي سياسي عربي آخر: إنك سوف ترى مجتمع النمل([50]) , ولابد للثعلب أن يبحث عن مطامع في بيت النمل, ولذا فإن إسرائيل وعلاقاتها مع جمهورية الصين الشعبيةيشير إليها نائب رئيس مركز الأبحاث اليهودية في أكاديمية هيلوجيانج للعلوم الاجتماعية لي شو كسياو بقوله: إنّ اليهود قدموا إلى جمهورية الصين الشعبيةمنذ عام 1899 على الأرجح، وذلك وفق ثلاث موجات أو مراحل من الهجرات حيث كانت الموجة الثانية من المهاجرين عام 1917 إثر الثورة البلشفية في روسيا، أما الموجة الثالثة بعد ذلك بـ12 عاماً إثر نزاع صيني روسي على الحدود فيما قدّر عدد اليهود آنذاك بـ20 ألف يهودي([51]), وفي الخمسينيات في القرن العشرين كانت جمهورية الصين الشعبيةبعيدة وغامضة في الشؤون الخارجية الإسرائيلية، واختلفت الأحزاب الإسرائيلية بشأن إقامة علاقات مع جمهورية الصين الشعبيةوالاعتراف بها عند قيامها في 1948م، وكانت الأحزاب اليسارية الإسرائيلية من أقوى الأحزاب المؤيدة للاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، ولم تكن هناك معارضة ملحوظة من جانب الأحزاب الإسرائيلية لهذا الاعتراف سوى حزب "حيروت" اليميني الذي كان يحذر من أخطار "الطريق إلى بكين".

ثم بدأت في عقد السبعينيات بوادر تحول سريع في سياسة جمهورية الصين الشعبيةالخارجية تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي، وبدأت بكين تبحث عن مصالحها الوطنية، وتخلت عن عدائها لإسرائيل واتخذت مواقف "معتدلة" وانتهجت سياسة "مرنة" إزاء العديد من المشكلات الدولية بصفة عامة والصراع العربي- الإسرائيلي بصفة خاصة. ويمكن رد هذا التحول إلى الأسباب التالية:

* زيادة التفاهم الصيني - الأمريكي، وخاصة بعد زيارة الرئيس الأمريكي للصين في عام 1972م، ولذلك خفّت حدّة العامل الأمريكي ولم يَعُد عقبة كبرى أمام "الدولتين" في إقامة علاقات دبلوماسية.

* بعد وفاة الزعيم الصيني "ماو تسي تونغ" في عام 1976م بدأت السياسة الصينية تميل نحو تطوير العلاقات الصينية - الإسرائيلية، كما أثّرت سياسة الإصلاح الاقتصادي والسياسي والانفتاح على العالم الخارجي التي بدأتها الصين في أواخر 1978م.

* تفاقم شدة الخلاف بين أكبر دولتين شيوعيتين في العالم: الاتحاد السوفييتي السابق وجمهورية الصين الشعبية ،التي كان من مصلحتها كبح توغل موسكو في شرق آسيا، ونظراً لأن إسرائيل تقف في وجه التوغل السوفييتي في الشرق الأوسط، فإن جمهورية الصين الشعبيةوجدت نفسها تقف إلى جانب إسرائيل([52]).

ذهبت جمهورية الصين الشعبية نحو التسريع في تنفيذ برنامج اقتصادي بقصد إعادة هيكلة الاقتصاد الصيني لجهة التخفيف من دور الدولة الاقتصادي,وتصعيد الانفتاح على العالم الخارجي بغية استقطاب التكنولوجيا والاستثمارات,ترافق ذلك مع تحولات سياسية تبتعد عن الطروحات الأيديولوجية ودور الحزب وحدود سلطانه([53])ثم ذهبت إلى تبني سياسة الشراكة مع الولايات المتحدة’وهي السياسة التي رحبت بها الأخيرة دون التخلي عن مفهوم القيادة الأمريكية لهذه الشراكة تحقيقاً لمقاصد عدّة أهمها:

(1) تشجيع الصين على زيادة حجم التبادل التجاري معها.

(2) عدم السماح للصين من ممارسة هيمنة إقليمية على جوارها الإقليمي.

(3) استخدام أو توظيف دور الهند وتايوان واليابان في تطويق أي دور صيني يخرج بها عن بيت الطاعة وخاصة في إقليم جنوب شرق آسيا([54]).

اهتمت القيادة الصينية بالتقنيات الإسرائيلية لأنها كانت غارقة في إنشاء بنيتهاالتحتية فقامت باستيراد التقنيات المتطورة على الصعيدين المدني والعسكري[55]، وفي عام 1979 نجح ايزبزغ في عقد لقاء بين رؤساء الصناعات الأمنية الإسرائيلية والقيادةالأمنية الصينية وبذلك فُتح الباب أمام عقد عدد من صفقات الأسلحة الكبرى، فقد ساهم هذا التعاون العسكري المشترك في خدمة الدولتين كثيراً عدا عن كونه أفرز نظام علاقات جيدة وأوجد كثيراً من الثقة أدت إلى استمرار العلاقات.

Page 3

المطلب الثاني :الصراع العربي الإسرائيليفي المشهد الآسيوي

كان الصراع العربي الإسرائيلي حاضراً في العلاقات الصينية الإسرائيلية ومن ذلك أن جمهورية الصين الشعبية ليّنت من تصريحاتها حيال النزاع الإسرائيلي العربي إلا أنها لم تغير موقفها المؤيد للعرب، كما لم تتجه إلى التدخل في العملية السياسية مع أن إسرائيل في المقابل تبنت الموقف الصيني حيال مسألتي تايوان والتبت، وبصورة مماثلة وعلى الصعيد التكنولوجي كانت جمهورية الصين الشعبية هي التي حظيت بشكل أساسي باستيعاب التقنيات والمعارف العلمية أما في المجال الاقتصادي فلم يكن هناك سوى تقدم ضئيل,وفي بداية التسعينيات طرأ تغير على أنماط التجارةالأمنية بين إسرائيل والصين ففي أعقاب انهيار الكتلة السوفييتية والمجزرة التي نفذها الجيش الصيني في ميدان تيان مين (1989م)، سادت خلالها علاقات باردة بين واشنطن وبكين حيث فرضت الولايات المتحدة حظراً عسكرياً على جمهورية الصين الشعبية، في غضون ذلك تواصل التدهور في العلاقات بين واشنطن وبكين ووصلت ذروتها جراء وقوع حادثة عسكرية بينهما حول تايوان (1995- 1996)م، ولهذا السبب انخفض حجم الطلب الصيني للمنتجات الإسرائيلية وتزايدت معارضة الولايات المتحدة للتصدير الأمني الإسرائيلي إلى جمهورية الصين الشعبية، وعلى ما يبدو فإن هذه التغيرات لا سيما التغير الأمريكي حيال العلاقات الأمنية مع جمهورية الصين الشعبية لم تلقَ تفهماً من جانب صانعي القرار في إسرائيل، وفي عام 1999م وبعدما كشفت الصحف الإسرائيلية النقاب عن معطيات لها علاقة بصفقة طائرات "فالكون" بدأت الولايات المتحدة تعرب عن معارضتها لإتمام الصفقة رغم ادعاء إسرائيل أن الولايات المتحدة كانت على علم بل صادقت عليها مسبقاً([56]).

اهتمت إسرائيل أكثر بالعلاقات مع جمهورية الصين الشعبية وعقدت جلسات أمّها الباحثون الإسرائيليون الإستراتيجيون ومن ذلك ما حدث في مؤتمر هرتسيلياالتاسع المنعقد في فبراير 2009،- أشرنا له في المقدمة- والذي أفضى إلى حزمة توصيات محددة تختص بتفعيل العلاقات الإسرائيلية مع جمهورية الصين الشعبية، التي وصفوها بأنها يجب أن تكون "الحليف الإستراتيجي الجديد"،وأكدوا أن على إسرائيل أن تدفع قدما في هذا الطريق بناءً على قراءة التغيرات المقبلة على الساحة العالمية. هذه التوصيات تعيد للأذهان حقيقة أنه حتى قبل أن تنشأ إسرائيل على أرض فلسطين في عام 1948، كان اليهود يبحثون عن الحليف الأقوى الذي يضمن مصالحهم.ويتجلى الاعتراف الغربي بالصين في قول (كوف دي موريل)رئيس وزراء فرنسا على عهد شارل ديجول:إذا كان العالم فيه الآن خمس من القوى الأعظم هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية واليابان وأوروبا الغربية,فلا بد من التذكر بأن أربعاً من هذه القوى الأعظم تطل على المحيط الهادئ ويواجه بعضها بعضاً على ناحيتيه وفوق شواطئه, وهذه القوى الأربع الأعظم عمالقة في القوة الاقتصادية وفي التأثير والنفوذ السياسي.ثلاث منها الآن بالفعل قوية ونووية هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية([57]).

إنّ الأولوية لفترة ما بعد الحرب الباردة سوف تتركز عند المتغير الاقتصادي الذي سيشكل جوهر العلاقات الدولية وأساس التكوين البنيوي للنظام الدولي([58]),لذا فقد كان للقوة الاقتصادية الكبيرة التي تتمتع بها جمهورية الصين الشعبية في الوقت الراهن في ظل تراجع أغلب الدول الكبرى في هذا المسار ,تأثير كبير في هذا التداعي الدولي للأحداث,للدرجة التي استنطقت أساطين الاقتصاد الأمريكي ومنهم هارالد مالمجرين المستشار الاقتصادي في العاصمةالأمريكية واشنطن الذي يقول :إنّ البنك المركزي الصيني أصبح الممول الأول لعجز الموازنة الأمريكية من خلال إقراض أمريكا أكثر من مليار دولار يوميا في صورة مشتريات من أذون الخزانة الأمريكية التي تصدرها وزارة الخزانة في واشنطن لتمويل العجز المتزايد في الموازنة، وبدون هذه القروض اليومية من جمهورية الصين الشعبية للخزانةالأمريكية سترتفع أسعار الفائدة الأمريكية إلى مستويات عالية، وإذا ارتفع سعر الفائدة في الولايات المتحدة سترتفع تكاليف الاقتراض العقاري وسترتفع تكاليف السكن لكل الأمريكيين, في الوقت نفسه ستجد الشركات الأمريكية صعوبة في تمويل خططهاالاستثمارية في ظل أسعار الفائدة المرتفعة. ويقول كلايد بريستوفيتز رئيس معهد الاستراتيجيات الاقتصادية في واشنطن إن القضية كبيرة جدا ومعقدة (ونحن نعيش الآن اعتمادا على الحبل السري الذي يربط أمريكا بالبنك المركزي الصيني) الذي يضخ يوميا في الاقتصاد الأمريكي أكثر من مليار دولار([59]),وتمتلك جمهورية الصين الشعبية800 بليون دولار في بنكها المركزي تستطيع منعها عن الخزانة الأمريكية إذا قررت واشنطن مساندة تايوان في نيل استقلالها,خاصة وأن جمهورية الصين الشعبيةترفض الخضوع إلى صندوق النقد الدولي الذي يعمل واجهة للخزانة الأمريكية([60]).

ولعل من التحديات الجسيمة التي تواجهها الولايات المتحدة , ومن ثم إسرائيل –مستقبلاً- التطور الصيني الإلكتروني لاسيما وأن هذا الأمر أصبح مهدداً للمصالح الغربية برمتها,وعلى سبيل المثال فإن شركة "ماكافى" وهي من كبري شركات الحماية ضد فيروسات الكمبيوتر أجرت دراسة مؤخراً حول الجرائم البصرية بعنوان "الجريمة الالكترونية .. الموجة القادمة" تحدثت فيها إلى متخصصين أمنيين في مكتب التحقيقات الفيدرالي "اف.بى.أى" وحلف الناتو وآخرين.وبعد أن رأت في هذه الهجمات تحدياً لها ولأنظمة الحماية التي تبيعها للمستهلكين,قال جيمس مالفينون الخبير في شئون الجيش الصيني ومدير مركز المخابرات والبحث في واشنطن:إن الصينيين كانوا أول من استخدم الهجمات الاليكترونية لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية.وقد أصدر مركز سياسة الأمن Center for Security Policy في ورقة بحثية عن الحروب الالكترونية بعنوان "حرب المعلومات .. الأداة الناشئة والمفضلة لدى جمهورية الصين الشعبية" للدكتور ويليام بيري أستاذ أنظمة المعلومات الالكترونية بجامعة ويست كارولاينا استعرضت واقع ومستقبل الحرب الالكترونية التي يشهرها جنود من نوع خاص ليسوا مدججين بالسلاح بل بالعقول .. هم عباقرة الكمبيوتر. الورقة قدمت في البداية خلفية عن جذور فكرة الحرب الالكترونية التي ترجع إلى عام 1991 حين شل سلاح الجو الأمريكي -في حرب الخليج الثانية- قدرات الأنظمة الدفاعية العراقية ودمر بنيته الاتصالية التحتية مما أثار قلقا واسعا لدي بكين دفعها للبحث عن طرق مبتكرة لمقاومة الهيمنة الأمريكية على آسيا. ووجدت جمهورية الصين الشعبية ضالتها في اعتماد الولايات المتحدة على تكنولوجيا المعلومات والأقمار الصناعية فإذا تم تدمير أنظمتها الاليكترونية فسوف تتمكن من الفوز بالحرب التكنولوجية.تعمل جمهورية الصين الشعبية حاليا على تطوير وتحسين قدراتها القتالية الالكترونية ووفقاً لتقرير للبنتاجون حول القدرات العسكرية للصين صدر عام 2006، فان الجيش الصيني يحاول ضمان توفر المعدات والخبرات المدنية في الكمبيوتر لتساعده في تدريباته وعملياته، كما يستعين الجيش الصيني بالأكاديميين ومعاهد وشركات تكنولوجيا المعلومات لدمجهم في وحدات دعم للجيش في العمليات العسكرية.

وهناك العديد من الأمثلة على الهجمات الالكترونية الصينية على الولايات المتحدة : 1- في أواخر عام 2006، أغلقت بنوك الكمبيوتر بجامعة الدفاع القومي الأمريكي في هجوم الكتروني واسع النطاق لم يتم الإعلان عنه.

2- في أواخر عام 2006، أغلقت الشبكة الالكترونية لكلية الحرب البحرية تماما بفعل هجوم صيني. أحد التقارير حدد هدف الهجوم في مجموعة الدراسات الاستراتيجية التي كانت وقتها تطور مفاهيم الحرب الالكترونية.

3- في صيف عام 2006، أصيبت أجهزة الكمبيوتر الخاصة بمكتب الصناعة والعلوم بوزارة التجارة بأعطال جعلتها لا تتصل بشبكة الانترنت لمدة شهر كامل. هذا المكتب هو المسؤول عن الصادرات التكنولوجية المتقدمة.

4- في يونيو 2007، تعطّلت أنظمة الاتصال (البريد الالكتروني) بمكتب وزير الدفاع دون أن يسمى البنتاجون مصدر الهجوم وان كانت تقارير إعلامية وجهت أصابع الاتهام إلى جمهورية الصين الشعبية([61]).

ويمكن القول بأن إستراتيجية جمهورية الصين الشعبية للقرن الحادي والعشرين تتركز في مواصلة مسيرة التحديث وإنجاز قضية إعادة التوحيد والحفاظ على السلام العالمي وتعزيز التنمية المشتركة,وهو الأمر الذي ينتج عنه التخفيف من هيمنة الولايات المتحدة,ويمكّن جمهورية الصين الشعبيةمن أداء دور فاعل في الإقليم الآسيوي ولاحقاً العربي والإسلامي([62]).

Page 4

المطلب الثالث :الشرق الأوسط والتعاون الجديد

أما القطب الآخر,جمهورية الهند فلديها إمكانات يمكن الاستفادة منها في لعب دور القنطرة بين الشرق والغرب, فهي ليست فقط أكبر ديمقراطية في العالم، بل فوق هذا هي أكثر بلدان العالم تنوعا, فداخل حدود الهند يعيش سدس سكان العالم، وهو ما يجعلها على المستوى اللغوي أكثر تنوعا حتى من القارة الأوربية, ففي الهند تتزاوج التقاليد القديمة مع ثقافات ما بعد الحداثة، ويتجسد هذا في ذلك المشهد الذي تحمل فيه آلة إليكترونية للتصويت الانتخابي على ظهر فيل إلى مركز الاقتراع. ولدى الهند من التقاليد ومن موروث القيم ما هو أسبق في تبجيل تلك المفاهيم. وعلى نحو ما يشير الاقتصادي الشهير أمارتيا سن Amartya Sen فإن "النموذج الديمقراطي الحقيقي نجده في الهند في عهد الإمبراطور أشوكا الذي حكم البلاد خلال القرن الثالث ق.م، ونشر فيها نقوشا على ألواح حجرية تحث على السلوك المستقيم وتقر الحكم الرشيد، وتؤكد على مبدأ الحرية للجميع، دون استبعاد للنساء والعبيد، على نحو ما فعله أرسطو([63]).

وقد طرح المهاتما غاندي نموذجًا تنمويًا بديلاً حين كان يحلم بمغزل في كل بيت هندي, وقامت فكرة غاندي على أن الهند يجب أن تنمى قدراتها الصناعية بطريقة تضمن استغلال قوتها العمالية الضخمة لا أن تتجه إلى تصنيع عالي التقنية يؤدي إلى الاستغناء عن الأيدي العاملة (وهى فكرة شبيهة بنموذج هيكشر -أوهلين Heksrher-Ohlin عن التخصص في العمل تبعا للوفرة النسبية في عوامل الإنتاج) وقد زاوج غاندى هذه الفكرة مع رؤية خاصة بالقيم الروحية والتقليدية "الهندوستانية".

وردد نهرو مقولة "إن الهند قد دفنت على مدى أكثر من قرن تحت سيطرة بريطانية مباشرة وآن الأوان كي تخرج إلى الحياة وتحقق لنفسها مكانا ومكانة"، فأثار هذا القول الشعور الوطني للهنود مما ساعد نهرو في إستراتيجيته الساعية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي([64]).وقد طورت الهند نظاما متميزا من التعليم الجامعي، تمكن من تخريج العديد من العلماء والاقتصاديين على درجة عالية من التأهيل.وتشهد السوق الهندية اليوم أكثر من مائة شركة يبلغ رأس مال كل منها بليون دولار، كما ازدهر سوق الأسهم في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ, وصار قطاع البنوك في أفضل حالاته عما كان عليه قبل عقد مضى- رغم أن الهند لم تقدم على خصخصة البنوك المملوكة للدولة-. ويشهد القطاع الخاص بصفة عامة نموا ملحوظا، ويجتذب هذا القطاع -خلافا لما هو في جمهورية الصين الشعبية-نحو 18% من إجمالي القروض البنكية في الهند.وقد ساعد صعود شرق آسيا في إعادة صياغة كل من نظريتي التنمية الاقتصادية والوصفة السياسية لعدد من الدول التي كانت تسعى لتدعيم مسارها التنموي, ولم يكن الدرس غائبا عن مخيلة زعماء الهند, فخلال زيارة قام بها مانموهان سينغ في 1989 لكوريا الجنوبية صدمت الرجل حقيقة كون تلك الدولة كانت تقف تقريبا عند نفس مستوى التنمية في الهند عام 1945 ولكنها تمكنت خلال 40 سنة من مضاعفة معدل الدخل الفردي ليتجاوز نظيره الهندي بنحو 10 مرات([65]).

بناء على ما سلف ترى معظم القراءات الإسرائيلية أن جمهورية الصين الشعبية ستضطر عاجلاً أم آجلاً إلى أن تتخذ موقفًا سياسيًا من الأحداث الشرق أوسطية، مرجحةً ناحية التحالف مع القوى التي تدفع في اتجاه استقرار المنطقة، نظرًا لما يعنيه هذا الاستقرار من منافع اقتصادية للصين على المدى المنظور وعلى المدى الأبعد. لكن يظلّ من المحتمل أن يتأثر هذا الموقف كذلك بتطورات ليست خاضعة لسيطرتها مثل ازدياد التوتر مع الولايات المتحدة أو تشديد سيطرة الولايات المتحدة على مصادر النفط في الشرق الأوسط. كما أن من شأن ازدياد التوتر بين الدول الإقليمية والولايات المتحدة أن تدفع بهذه الأولى إلى أحضان بكين, ويعتقدأصحاب هذه القراءات أن تصاعد النفوذ الصيني في السياسة الشرق أوسطية قد يعود بالنفع على إسرائيل أكثر ممّا قد يضرّ بها، نظرًا لوجود علاقات أمنية- اقتصادية بينهما بقيت مقاومة للصدمات حتى في فترات الأزمة بين الطرفين([66]).

أما على المستوى الأمني فتشير هذه القراءات إلى الخشية من استمرار نشر السلاح الصيني غير التقليدي في الشرق الأوسط([67]) وقد بدأت جمهورية الصين الشعبية، وفقًا لهذه المصادر، بنشر نظم أسلحة وتكنولوجيا عسكرية في مجال الصواريخ وكذلك تكنولوجيا نوويةوسلاح كيماوي في كل من إيران والسعودية وسورية وليبيا وغيرها منذ ثمانينيات القرن الماضي. ويصل بعض هذه التكنولوجيا إلى منظمات مسلحة تقاتل ضد إسرائيل (في حرب لبنان الثانية استعمل حزب الله صاروخًا من طراز صينيّ ضد إحدى السفن الحربية الإسرائيلية). لكن هذا الموضوع يخضع هو أيضًا لحساب الربح والخسارة الاقتصادية الذي تأخذه جمهورية الصين الشعبية في الحسبان، والذي يبقى في رأس سلم أولوياتها.

ويؤكد (عفرون[68]) أن من الصعوبة بمكان التكهن بشأن الكيفية التي سيتطوّر فيها الموقف الصينيّ في الشرق الأوسط، لكن ما يمكن افتراضه الآن هو أن تظلّ جمهورية الصين الشعبية معنية بتعميق الاستقرار في هذه المنطقة، من جهة ومعنية بزيادة نفوذها فيها،من جهة أخرى.إنّ مجرّد ذلك يلزم إسرائيل، بأن ترى في جمهورية الصين الشعبية منذ الآن وفي الأحوال كافة دولة عظمى مؤثرة في الشرق الأوسط وأن تعمل على تعزيزعلاقاتها معها في مختلف المجالات، لكن ليس على حساب "العلاقات الإستراتيجية" مع الولايات المتحدة. ويعتبر بأن هذا الأمر غير بسيط البتة لأنّ مقاربة جمهورية الصين الشعبية تظلّ انتفاعية، أولاً ودائمًا، وبالتالي فإنّ فائدة إسرائيل بالنسبة لها قليلة، إذا ما قيست بالفوائد المعوّلة على سائر الدول في المنطقة([69]).

ومن الصعب التكهن بكيفية تطور التدخل الصيني في الشرق الأوسط، ولكن من الممكن الافتراض أن جمهورية الصين الشعبية معنية بزيادة استقرارها وزيادة نفوذها فيه، من هنا ينبغي على إسرائيل اعتبار الصين قوة كبرى لها تأثيرها على المنطقة وتوطيد علاقاتها معها ولكن ليس على حساب العلاقات مع واشنطن وهذا ليس بالأمر الهين، لأن التوجه الصيني يقوم على أساس نفعي ومنفعة بسيطة من وجهة نظرها،وبالتالي يجب على إسرائيل تطوير قدراتها وعلاقاتها مع بكين من خلال مايلي:-

*القيام بزيارات رسمية عالية المستوى ومتواصلة بين الدولتين تحتوي على مفاهيم جوهرية لا سيما موضوع استقرار منطقة الشرق الأوسط، عدا عن ذلك ينبغي التوضيح للصين مدى أهمية إسرائيل في استقرار المنطقة وإجراء حوار مع جمهورية الصين الشعبيةحول هذا الموضوعبشكل ثابت ضمن المستويات المهنية.

*تعيين أشخاص من ذوي المكانة السياسية الرفيعة سفراء في جمهورية الصين الشعبية كما هو الحال مع الولايات المتحدة وليس أشخاصا من المستوى المهني لأن هذا من شأنه إظهار جمهورية الصين الشعبيةعلى أنها تقع ضمن دائرة الدول المهمة بالنسبةلإسرائيل. وينبغي الحفاظ على الصورة وتفعيل أشخاص كانوا على علاقة مستمرة معجمهورية الصين الشعبيةفي محاولات ذات علاقة وذلك بسبب تراكم المعارف لديهم ولأن الصينيين يولون أهمية للعلاقات الشخصية المستمرة.

*زيادة حجم التعاون التكنولوجي معجمهورية الصين الشعبية(بما في ذلك جذب الاستثمارات) ومن خلال تدخل كبير في العمليات من جانب دبلوماسي وسياسي إسرائيلي([70]) لأن هذا من شأنه أن يساهم في دفع اتفاقيات كما يساعد في استخدام المجال الاقتصادي لدفع أهداف سياسية والمجالات ذات الصلة هي تكنولوجياالاتصالات، واستغلال مصادر الطاقة لتحلية المياه، ووقف التصحر ,والزراعة المتقدمة وإلى غير ذلك كما أنه المطلوب أيضا الانخراط في مشاريع البنى التحتية ومناقصات عامة في جمهورية الصين الشعبية بما في ذلك اتفاقات تجارية تعويضية.

*تعريف حدود التقنيات العسكرية ضمن جهاز رقابة التصدير واتخاذ توجه قاطع إزاء تراخيص التصدير الممنوحة للشركات،وبالتحديد منع سلب رخصة التصدير من شركات أثناء المفاوضات لأن هذا من شأنه المس بقوة بالثقة بين الدولتين والعلاقات التجارية بينها.

*إيجاد السبل الكفيلة بزيادة التعاون الاستخباراتي بين إسٍرائيل وجمهورية الصين الشعبية لا سيما إذا ضاعفت الأخيرة من مشاركتها في الجهود الدولية، ولكن إلى جانب ذلك العمل بلطف وحماسة في حال وجودعلاقة بين الأقلية المسلمة الصينية "والحركات الإسلامية المتطرفة الدولية".

*اتخاذ الحذر في التعاونات الأمنية في شرق آسيا وذلك للحيلولة دون المس بالمصالح الصينية وبالتحديد ينبغي عدم إقامة أي علاقات عسكرية، مع تايوان كما ينبغي أن تكون هناك دراسة جيدة لوضع العلاقات بين جمهورية الصين الشعبية والهند قبل التوقيع على أي اتفاقات أمنية على نطاق واسع مع الهند.

من جهة أخرى فإن عملية الكبح الذاتي هذه ينبغي ألاّ تكون مطلقة وإنما تُفعّل بشكل استفزازي حتى تشكل بيد إسرائيل وسيلة مقايضة في الاتصالات مع جمهورية الصين الشعبيةبشأن انتشار الأسلحة في منطقة الشرقالأوسط.من جهة أخرى لم تكتف جمهورية الصين الشعبية بالحصول على المنتجات بل طلبت الحصول على كافة المعلومات التقنية والتكنولوجية لإنتاج القطع، بما في ذلك تقارير التجارب وكل المعلومات الخاصة بهذه القطع، وقد تم هذا كله كما أسلفنا بسرية تامة ولكن المنتجات التي كان بالإمكان تركيبها في أسفل جسم الطائرات والسفن الحربية والدبابات والصواريخ لم يكن بالإمكان إخفاؤها، وتم في نهاية الأمر كشف النِقاب عن هذا التعاون بين إسرائيل وجمهورية الصين الشعبية بكامله في نيسان 2001م، فقد أقلعت طائرة من طراز (أدريون) تابعة للأسطول الأمريكي في جولة استطلاعيةعلى طول المضيق الواقع بين جمهورية الصين الشعبية وتايوان وتم اعتراضها من قِبل طائرات مقاتلة صينية شرسة بل أن احد الطيارين الصينيين كان جريئاً جداً إذ أصاب بجناح طائرته بالطائرة الأمريكية قصداً وقد أرغمت طائرات الاعتراض الصينية طائرة التجسس الأمريكية ذات المحركات الأربعة إلى الهبوط في إحدى قواعدها وبعد وقوع الحادث بمدة قصيرة كشفت صحيفة إسرائيلية عن خبر مفاجئ مفاده أن الطائرات الصينية كانت مزودة بصاروخ جو جو من إنتاج إسرائيل من نوع "نتيون3" وقد نشرت هذا النبأ بتوسع جميع وسائل الإعلام،مما جعل مسؤولي وزارة الدفاع الغاضبين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع وزارة الدفاع الأمريكية.

لقد وصلت قضية العلاقات الثلاثية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وجمهورية الصين الشعبية ذروتها في موضوع تطوير طائرة الرقابة الجوية وأطلق عليها اسم "فالكون" ([71]) وفي الواقع كان الأمر يتعلق بمنظومة إسرائيلية محصنة فقد استغلت شركة "إليا" المعارف التي اكتسبتها خلال تطوير منظومات الرادار ذات قدرة على التغطية الالكترونية,وتم تركيبها على طائرة "بوينغ 707" لسلاح الجو التشيلي لكي تتناسب مع مطالب جمهورية الصين الشعبية ولهذا الغرض تم شراء طائرة روسية من طراز "إليوشين 76" وقد تم تركيب هذه المنظومات في صحن متحرك وضع فوق غرفة شحن الطائرة, فقد قام مهندسو شركة "ألتا" بموائمتها للتركيب في الطائرة الروسية ثم ابتياعها مباشرة من المنتج وقد وصل حجم المشروع حوالي مليار دولار كما شكل صفقة تشجيع اقتصادية مهمة خلال المراحل الصعبة بعد مشروع طائرة هارفي. لقد علم الأمريكيون بالمشروع ولم يعارضوه في المرحلة الأولى، إلى أن اتضح لهم أن الطائرة قد تشكل خطراًعلى الطائرات المقاتلة في الأسطول السابع العاملة قبالة السواحل الصينية وفجأة صدموا من التهديد الصيني فطلبوا من إسرائيل إلغاء المشروع وكان ذلك عام 2000م، حيث استجاب رئيس الوزراء باراك في حينه لهذا الطلب مما اضطر الصناعة الجوية إلى تقديم اعتذار إلى جمهورية الصين الشعبية بل تعويضها بقيمة 300 مليون دولار.وهناك أزمة أخرى ظهرت عام 2005م، عندما قامت جمهورية الصين الشعبية بشراء طائرات انتحارية إسرائيلية من دون طيار من نوع "هارفي" بهدف ضرب منظومات مشعة قامت بإعادة الطائرات إلى إسرائيل حتى يقوم مصنع "مباث" في الصناعات الجوية بتطوير أدائها([72]).

وقد يجد سلاح الجو الإسرائيلي نفسه في مواجهة منظومات إسرائيلية بيعت للصين سيتم تركيبها في طائرات إيرانية، هذا النبأ الذي نشرته وكالة الأنباء "نوفوستي" من أن جمهورية الصين الشعبيةعلى وشك بيع طائرات مقاتلة متطورة من نوع "جيان 10" فاجأت جهات عديدة في إسرائيل، فقد ذكرت وكالة الأنباء الروسية استناداً إلى مصادر إيرانية أن الأمر يتعلق ببيع سربين من هذه الطائرات المقاتلة ضمن صفقة بكلفة حوالي مليار دولار كما أنه بموجب المعلومات الذي نشرها الروس فإن هذه الطائرات الأولى سوف تصل إلى إيران خلال العام القادم، ويقدر الخبراء أن مدى هذه الطائرات يصل إلى ثلاثة آلاف كيلومتر، كما بإمكانهاالوصول إلى أي نقطة في إسرائيل غير أن جمهورية الصين الشعبية سارعت إلى نفي النبأ قائلة أنها لاترغب في التدخل بالأزمات بين الدولفي الشرق الأوسط ولكن يبدو أن الأزمة لم تنتهِ.

لقد شهدت العلاقات الصينية الإسرائيلية في مجال الطيران والالكترونيات مداً وجزراً كبيراً مع مرور السنين، فقدبدأت في الواقع بواسطة الملياردير "ايزبزغ" الذي طور شبكة متفرعة من العلاقات مع المسؤولين في القيادة الصينية، وذكرت الأنباء أن المدير العام السابق للصناعات الجوية "موشي كيرت"، ومديرين كبار آخرين في الصناعات الأمنية الإٍسرائيلية قاموا بزيارة جمهورية الصين الشعبية على متن طائرة الملياردير الخاصة إلى جمهورية الصين الشعبية للقاء المسؤولين الأمنيين هناك وعرض المنتجات التي طورتها مصانعهم. تجدر الإشارة هنا إلى أن هذهالعلاقات بدأت بسرية تامة جداً لا سيما بطلب من الصين نفسها ثم تطورت مع الأيام للتحول إلى تعاون علني حيث قامت شركة رفائيل لتطوير الوسائل القتالية ببيع جمهورية الصين الشعبيةصواريخ جو جو من نوع "بيتون3" أطلق عليها اسم "8 pl" .

Page 5

المطلب الأول :التعريف بجمهورية الصين الشعبية

جمهورية الصين الشعبية" أو "الصين" اختصاراً ، بلد في آسيا، مساحتها 9,6 مليون كيلومتر مربع ,وهي الثالثة من حيث المساحة في العالم بعد روسياوكندا([73]). تشترك جمهورية الصين الشعبيةفي حدودها مع 14 دولة ,هي: أفغانستان، بوتان، ميانمار، الهند، كازاخستان، قرغيزستان، لاوس، منغوليا، النيبال، كوريا الشمالية، باكستان، روسيا، طاجكستان وفيتنام. ويبلغ عدد سكانها أكثر من 1,321,851,888نسمة وفقاً لتعداد عام 2007،لذا تُعد جمهورية الصين الشعبية البلد الأكثر سكاناً في العالم اليوم.تقع جمهورية الصين الشعبية في الجزء الشرقي من قارة آسيا، وعلى الساحل الغربي من المحيط الهادي. تبدأ حدودها في أقصي الشمال من الخط المركزي لنهر هيلونغ شمال بلدة موخه (خط عرض 30ر53 درجة شمالا)، أما حدودها في أقصي الجنوب فهي حيد تسنغمو البحري من طرف جزر نانشا الجنوبي (خط عرض 4 درجات شمالا)، وتمتد أكثر من 49 درجة من خط العرض. في الشرق تمتد من ملتقى نهر هيلونغ ونهر ووسولي (خط طول 135،5 درجة شرقا)، وأقصاها في الغرب هي هضبة البامير (خط طول 73،40 درجة شرقا)، وتمتد أكثر من 60 درجة من خط الطول. والمسافة من كل الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب أكثر من 5000 كيلومتر.

تمتد حدود جمهورية الصين الشعبية البرية22,800 كيلومترا، ويبلغ طول سواحلها حوالي 18 ألف كيلومتر, يحيط بالبر الصيني بحر بوهاي والبحر الأصفر وبحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي في الشرق والجنوب. وتبلغ المساحة البحرية الصينية 4,73 مليون كيلومتر مربع. وبحر بوهاي هو بحر داخلي صيني، أما البحر الأصفر وبحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي فهي على أطراف المحيط الهادي.

يتألف الشعب الصيني من 56 قومية مختلفة أكبرها قومية هان أو بلفظ آخر خان منها عشر قوميات تدين بالإسلام([74])، وهي هوي الويغور والقازاق والقرغيز والتتار والأوزبكوالطاجيكودونغشيانغوسالار وباوآن وقوميات أخرى.وفي ظل وجود 2.5 مليون جندي في الخدمة، فإن جيش التحرير الشعبي الصيني هو الأكبر في العالم.ويتكون منالقوات البرية، و القوات البحرية، والقوات الجوية، وقوة نووية إستراتيجية. والموازنة الرسمية المعلنة لجيش جمهورية الصين الشعبية للعام 2007 كانت 48 مليار دولار أمريكي.

تمثل لغة قومية هان (الصينية المنطوقة والمكتوبة) اللغة الرسمية للبلاد,وهي تستخدم في كافة أنحاء البلاد,ومن حيث تعدادها تحتل هذه اللغة المرتبة الأولى في العالم. رغم أن اللغة الصينية تشمل أكثر من 30 ألف مقطع (أو رمز) إلا أنه وحسب إحصاء المقاطع الصينية المكتوبة في الكتب والصحف الحديثة في الوقت الحاضر، يشكل حوالي 3000 مقطع صيني 99٪ من نسبة المقاطع الصينية المكتوبة متكررة. ومن بين الـ55 أقلية قومية, قوميتا المانتشو تستخدمان اللغة الهانية، بينما تستخدم كل من الـ53 قومية الأخرى لغتها الخاصة. ولـ21 أقلية قومية لغتها المكتوبة. يتم تدريس اللغات القومية في المدارس والمناطق التي تسكنها هذه الأقليات([75]).

اشتهر الشعب الصيني منذ القِدَم ببراعته في جني الأموال وادّخارها, حتى بات ينتشر اليوم أكثر من 60 مليون رجل أعمال صيني في 170 دولة في العالم. 70% من الرأسمال الأجنبي الذي تدفق على الصين في السنوات الأخيرة من رجال الأعمال الصينيين الذين يعيشون في الخارج([76]),أصبحت جمهورية الصين الشعبية خلال العقد الأخير من القرن العشرين ثالث أضخم سوق للسلع الترفيهية في العالم بعد اليابان والولايات المتحدة، بل إنها أفرخت 320 ألف مليونيرا([77]).يبلغ عدد المهنيين في جمهورية الصين الشعبية38 مليوناً من بروفسور وكاتب وفنان([78]),وعدد الصحف المسائية 150 صحيفة ([79]). وتبلغ الموارد المائية: 2533 مليار متر مكعب,نصيب الفرد منها: 1932 مترا مكعبا.ومساحة الغابات: 174.9 مليون هكتار,ومساحة المحميات الطبيعية: 151.5 مليون هكتار.([80]) في الصين 6961 جزيرة تتجاوز مساحة كل منها 500 متر مربع، منها 433 جزيرة مأهولة. الأديان الرئيسية في جمهورية الصين الشعبيةالبوذية والطاوية والإسلام والكاثوليكية والمسيحية وغيرها. في الوقت الراهن، يبلغ عدد المؤمنين من مختلف الأديان أكثر من 100 مليون شخص. وثمة ما يزيد عن 100 ألف من المواقع الدينية، وأكثر من 3000 جمعية دينية وطنية ومحلية. ومن بين 300 ألف شخص يزاولون تدريس علوم الدين والإدارة الدينية، 200 ألف راهب وراهبة بوذية، و25 ألف راهب وراهبة طاوية، وأكثر من 40 ألف إمام وآخوند، و4000 مدرس وموظف ديني من الكاثوليك، وأكثر من 20 ألفا من العاملين المسيحيين([81]) توجد في الصين حالياً أكثر من 3000 جامعة، ومنها 1300 جامعة حكومية و1200 جامعة أهلية، أما البقية فهي جامعات للبالغين([82])وعدد مستخدمي الانترنت في الصين تجاوز عدد سكان الولايات المتحدة وبلغ 338 مليون شخص في نهاية يونيو/ حزيران2009م.([83]) وظلت كمية إنتاجها لكل من الحديدوالفحم والأسمنتوالأسمدة والأجهزة التلفزيونية في المركز الأول على مستوى العالم منذ العام 1996.([84]) أهم المصادر الطبيعية هي:فحم- حديد خام – نفط – غاز طبيعي – زئبق – منجنيز – تنجستن - ألومنيوم - زينك – يورانيوم – طاقة مائية (أكبر قوة بالعالم). الناتج المحلى الإجمالي : 5.7 $ تريليون, و معدل النمو الحقيقي : 8 % ([85]).

وعن جمهورية الصين الشعبية يقول أحد المسؤولين الفيتناميين : إننا نرى بشكل جيد,لقد احتلت الصين فيتنام لمدة ألف عام , وغزتنا ثلاث عشرة مرة منذ ذلك الحين,لكنه اعترف أيضاً بأن للصين حضوراً, (إنها المصدِّر الأكبر لنا). إن المكتبات التي زرتها في فيتنام تعرض بشكل بارز مجموعات خطب القادة الصينيين دينغ زياوبينغ وجيانغ زيمن هيوجنتاو([86]).

وتعزيزاً لنفوذها فقد اتجهت جمهورية الصين الشعبية إلى قارة إفريقيا,وفي تشرين الثاني 2006م عقد الرئيس الصيني هيوجنتاو قمة حول العلاقات الصينية الإفريقية ,حضرت جميع الدول الثماني والأربعين التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين,ومعظمها تمثّلت بواسطة رؤسائها أو رؤساء وزرائها, حينها قال رئيس الوزراء الإثيوبي بحماسة شديدة :الصين مصدر إلهام لنا جميعاً([87]). وقد ارتفعت الاستثمارات الصينية في أفريقيا من 75 مليون في العام 2003 إلى 520 مليون العام 2006 إلى 2 مليار العام 2008 وذلك بدفع من الاحتياطي النقدي الأجنبي للبلاد والذي ظلّ يرتفع إلى أن بلغ 2 تريليون في آذار من العام 2009.([88]) يبلغ عدد المؤسسات الصناعية في جمهورية الصين الشعبية ما يقرب من 7400 آلف مؤسسة يعمل فيها ما يقرب من 70مليون عامل, وتصنع الصين حاليا أكثر من 1400 نوع من الفولاذ ، 20 آلف نوع بمواصفات خاصة من الفولاذ المدلفن. احتل إنتاج الدراجات والغسالات والفخاريات والخزفيات والأغشية البلاستيكية وحامض الستريك المركز الأول في العالم بينما احتل إنتاج الملح الخام والبيرة المركز الثاني ويشغل إنتاج الورق والألواح الورقية والساعات اليدوية المركز الثالث في العالم([89]).

تشير الدارسة إلى أن ثمة وسائل كثيرة لقياس النمو الاقتصادي في جمهورية الصين الشعبيةوذلك عن طريق إحصاء ناطحات السحاب أو حساب نتاج مصانعها، أو عدد أميال الطرق السريعة فيها... إلا أن رجلا هولنديا اسمه بيتر دوهان أختار أن يقيس ذلك من خلال النظر إلى الشقق ليلاً محاولاً إحصاء عدد المصابيح الكهربائية المشتعلة، حيث لاحظ:(في البيوت الصينية الريفية أن متوسط عدد الإضاءات انتقل من صفر إلى ثلاثة مصابيح منذ أن اتبعت الصين الانفتاح الاقتصادي...) ([90])

والجدير بالذكر أنّ جمهورية الصين الشعبيةعضو في منظمة التجارة العالمية وهي ثاني قوة تجارية في العالم بعد الولايات المتحدة,ويبلغاحتياطيها من النقد الأجنبي 2.4$ تريليون، مما يضعها في المرتبة الأولى عالمياً في هذا المجال ([91])وتمتلك جمهورية الصين الشعبيةثاني أكبر ميزانية للبحوث والتنمية في العالم، كما يوجد فيها نحو 926,000 من الباحثين تسبقها فقط الولايات المتحدة بنحو 1.3 مليون([92]) وأكبر عدد من مستخدمي الهاتف الخليوي في العالم بالصين (أكثر من 700 مليون مستخدم في تموز / يوليو 2009)([93]) كما أنّ لديها أكبر عدد من مستخدمي الإنترنت في العالم([94]) يشير لذلك أحدث تقرير لمجلس الاستخبارات الأمريكي إلى أن جمهورية الصين الشعبيةتتقدم بجسارة لتؤثر على الأوضاع الجيوسياسية العالمية، أكثر مما تفعل أية دولة أخرى في العالم. ومن المتوقع أن "تمارس الصين نفوذا أكبر على المستوى العالمي خلال العشرين سنة المقبلة، وبدرجة تفوق ما يمكن أن تحققه أية دولة أخرى([95]).

Page 6

المطلب الثاني :التعريف بجمهورية الهند

الهند أو كما يطلق عليها رسميا جمهورية الهند ، تقع في جنوب آسيا. سابع أكبر بلد من حيث المساحة الجغرافية(3.287.263( كم2، والثانية من حيث عدد السكان الذين يقدر عددهم بنحو 1.17 بليون نسمة، يمثلون 17 ٪ من سكان العالم. تقع بين دائرتي 40/8 و06/37 شمالاً, وخطي طول 07/68 ,25/97 شرقاً([96]) يقيم ما يقرب من 70 ٪ من الهنود في المناطق الريفية، بالرغم من نزوح أعداد كبيرة إلي المدن في العقود الأخيرة والذي أدى إلى زيادة كبيرة في عدد سكان المدن في البلاد([97]), وهي البلد الديمقراطية الأكثر ازدحاما في العالم, يحدها المحيط الهندي من الجنوب، وبحر العرب من الغرب، وخليج البنغال من الشرق، وللهند 7,517كيلومتر (4,700ميل)خط ساحلي..([98]).

وجمهورية الصين الشعبية، نيبال، وبوتان من الشمال، بنجلاديش وميانمار.كما أنها تتاخم سريلانكا، وجزر المالديف واندونيسيا من علي المحيط الهندي.عرقياً فإنّ الأريان 72% ودرافيدي 25% , منغولي وآخر 3%.وتمثل اللغة الهندية اللغة الوطنية ويتحدث بها 30-40% من السكان, وهناك لغات الماراتي , والتاميل, والأردو, وأكثرها تحدثاً هي الهندية والأردية والإنجليزية.

ومما لا شكّ فيه أنّ الهند هي مهد حضارة وادي السند ومنطقة طرق للتجارة التاريخية والعديد من الإمبراطوريات،والجدير بالذكر أنّ شبه القارة الهندية معروفة بثرواتها التجارية والثقافية لفترة كبيرة من تاريخها الطويل([99])حيث نشأت هناك أربعة أديان رئيسة هي الهندوسية والبوذية والجاينية والسيخية، في حين ان الزرادشتية، اليهودية المسيحية والإسلام وصلوا إليها في الألفية الأولي الميلادية. استعمرت من قبل المملكة المتحدة في الفترة من منتصف القرن التاسع عشر، وأصبحت الهند دولة مستقلة في عام 1947 بعد كفاح من أجل الاستقلال الذي تميز على نطاق واسع بالمقاومة غير العنيفة .والهند جمهورية تتكون من ثمانٍ وعشرين ولاية وسبعة أقاليم اتحادية مع وجود نظام برلماني ديمقراطي. صرف الأسعارقوة شرائية.و قد حولتها الإصلاحات الاقتصادية منذ عام 1991 إلى واحدة من أكبر الاقتصادات نموا في العالم.

إنّ دستور الهند من أطول الدساتير المستقلة في العالم شمولاً, والذي دخل حيز التنفيذ في 26/1/1950م , ومن هذا المنطلق فإنّ مقدمة الدستور تعرف الهند بأنها دولة ذات سيادة وأنها جمهورية اشتراكية وعلمانية وديمقراطية([100]). والهند، تقع داخل Indomalayaecozone، وبها تنوع بيولوجي كبير. وهي واحدة من ثمانية عشر بلداً "العظيمة التنوع"، حيث إنّها موطن 7.6% من جميع الثدييات و 12.6% من الطيور و 6.2% من الزواحف و 4.4% من جميع البرمائيات و 11.7% منالأسماك و 6.0% من جميع أنواع النباتات المزهرة([101]).

واسم (الهند) مشتق من اندوس، وهي مشتقة من الكلمة الفارسية القديمة الهندوس، و السنسكريتية سيندو، من التسمية المحلية التاريخية لنهر اندوس,وهذا النهر ينبع من الهملايا ويصب في البحر العربي عند كراتشي في باكستان,وعلى اسم هذا النهر أطلق اسم حضارة السند Indus Civilization التي استمدت أصولها من حضارة وادي الرافدين,وبهذا فإن اسم الهند Indusموغل في القدم وبه اتصفت الديانة التي اعتنقت بها القبائل الآرية التي استوطنت شمال وشمال غرب القارة الهندية التي تكلمت اللغة السنسكريتية القديمة والتي دونت بها تعاليم الديانة الهندوسية التي تشكل مع الإسلام الهوية القومية الثقافية لسكان شبه القارة الهندية حالياً فضلاً عن هويات ثقافية أصغر.([102]) إنّدستور الهند، هو من أطول وأكثر الدساتير المستقلة في العالم شمولا، والذي دخل حيز التنفيذ في 26 يناير/كانون الثاني 1950([103]), وتحتفظ ثالث أكبر قوة عسكرية في العالم، والتي تتكون من الجيش الهندي والقوات البحرية، القوات الجوية ، والقوات المساعدة، مثل القوات شبه العسكرية، وحرس السواحل، وقيادة القوات الإستراتيجية.

تدين الغالبية العظمى من سكانها بالديانة الهندوسية, وهذه الأغلبية تقسم من الناحية العرقية إلى أغلبية هندوسية جنوبية وأقلية هندوسية شمالية(آرية) وتكوّن 83% من مجموع السكان في حين تبلغ نسبة المسلمين حدود 12% والمسيحيين 3% والسيخ2% ونسبة ضئيلة من البوذيين,يضاف إليهم اليهود والزرادشتية,وأتباع هاتين الطائفتين قليلون([104]).

وينقسم المجتمع إلى أربع فئات رئيسة هي:([105]).

*(البراهمة) وهم على رأس المجتمع الهندوسي وتعود إليهم القيادة الهندية.

*(الكاشتريا) , وهم طبقة المحاربين والحكام.

*(فايشيا),وهم ملاك الأراضي والفلاحون.

*(شودرا), وهم المنبوذون, أي كل من خارج الطبقات الثلاث.

وتُعدالهند اتحاد بين عدد من الولايات, وتتألف السلطة التنفيذية من رئيس الجمهورية ونائبه, ومجلس الوزراء, رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية ويماثل دوره دور الملك في النظام الملكي البريطاني , وينتخب الرئيس لمدة رئاسية يمكن أن تجدد لمدة خمس سنوات من خلال مجمع انتخابي يضم الأعضاء المحليين المنتخبين في المجالس التشريعية القومية والمحلية, وينتخب نائب الرئيس بالطريقة نفسها, ويتولى مهام الرئيس في حال عجزه عن القيام بها([106]).أمّا رئيس الوزراء فهو رئيس الحكومة وصاحب السلطة الأعلى على غرار النظام البريطاني,حيث تتمثل السلطة التشريعية في مجلسين هما: المجلس الأدنى وهو(لوك سابها) أو مجلس الشعب, والمجلس الأعلى وهو(راجيا سابها) أو مجلس الولايات, الأول يضم 545 عضواً يتم انتخابهم بالاقتراع العام المباشر فيما عدا عضوين يعينهما رئيس الدولة, ومدة دورة المجلس خمس سنوات لكن الرئيس يمكنه حل المجلس بناءً على توصية رئيس الوزراء أو نتيجة سحب الثقة من الحكومة.وينتخب أعضاء (راجيا سابها) بواسطة أعضاء المجالس التشريعية بالولايات فيما عدا اثني عشر عضواً يعينهم الرئيس, ومدة دورة المجلس ست سنوات.

وببلوغ متوسط الناتج القومي إلى معدل نمو قدره 5.8% طوال العقدين الماضيين، أصبح الاقتصاد الهندي من بين الأسرع نموا في العالميمثل القطاع الزراعي 28٪ من الناتج المحلي الإجمالي، والقطاع الخدمي والصناعي يشكلان 54٪ و 18٪ على التوالي, وتشمل المنتجات الزراعية الرئيسة الأرز والقمح والبذور الزيتية، والقطن، والجوت والشاي وقصب السكر، والبطاطس، والماشية والجاموس المائي البري والأغنام والماعز والدواجن والأسماك.وتشمل الصناعات الرئيسة: المنسوجات، الكيماويات، والصناعات الغذائية، الصلب، ومعدات النقل، الأسمنت، التعدين، البترول الآلات والبرمجيات([107]).

وفي عام 1982م كان الفرد الهندي بحاجة إلى سبعة وخمسين عاماً كي يضاعف دخله, وكان الكثير من الهنود الموهوبين والطموحين يعتقدون أن مستقبلهم الحقيقي يكمن فقط في الرحيل عن البلد, ولهذا هاجر نحو 75% من المتخرجين من المعاهد التكنولوجية الهندية إلى أمريكا.أما في العقد الأخير منذ 1997م فكان النقيض التام لذلك,حيث عاشت الهند مرحلة استقرار وسلام ورخاء, وحققت نمواً نسبته 6.9% خلال العقد بأكمله , و8.5% في النصف الثاني منه, ولذا سيضاعف الهندي العادي دخله خلال أقل من 10 سنوات.في المنتدى الاقتصادي الذي يُقام سنوياً في دافوس بسويسرا, يكون هناك نجم قومي, بلد يبرز في اجتماع زعماء العالم بسبب ذكاء متميز أبداه رئيس وزراء أو وزير مال أو لوجود قصة إصلاح مثيرة للإعجاب,وفي السنوات الإثنتي عشرة لم يسحر بلد ألباب الحاضرين أو يهيمن على النقاش كما فعلت الهند في العام 2006م, ولا يقتصر الأمر على مؤتمر واحد وحسب.فما إن تترجل من الطائرة في زيورخ حتى تشاهد لوحات إعلانات تعظِّم بالهند المدهشة , وكُتب على أحد الباصات المحلية(الدولة الديمقراطية ذات السوق الحرة ,الأسرع نمواً في العالم), وإذا دخلت غرفتك فإنك ستجد شالاً من صوف الباشمينا وجهاز iPod محمّلاً بأغاني بوليودية,هدايا من الوفد الهندي. فالعالم يتودد إلى الهند اليوم كما لم يفعل أبداً من قبل, حيث يتقاطر الزعماء الأجانب إلى الهند ويتعهدون بإقامة علاقات أعمق وأقوى([108]).

وتُظهر دراسة غولدمان ساكس BRIC أن اقتصاد الهند سيصبح بحلول 2015م مساوياً لحجم اقتصاد إيطاليا, وفي العام 2020 سيقترب من اقتصاد بريطانيا, وبحلول العام 2040م ستفاخر الهند باحتلالها المرتبة الثالثة في سلم أكبر اقتصاديات العالم, وفي العام 2050م سيصبح دخل الفرد فيها أكبر بعشرين مرة من دخله الآن.النمو الحالي للهند أعلى بكثير مما تفترضه الدراسة ,وأن البلد يملك إمكانات ديموغرافية واعدة,فبينما يشيخ العالم الصناعي ,ستستمر الهند في امتلاك الكثير من الشبان,أي العمال([109]).

خلال السنوات الثلاث التالية للعام 2007 ستستورد شركة جنرال موتورز وحدها قطع تبديل هندية الصنع بقيمة مليار دولار, وعدد المليارديرات في الهند اليوم أكبر من عدد المليارديرات في أي بلد آسيوي آخر([110]).وحصلت الشركات الهندية في السنوات الخمس الماضية على حصة الأسد من جائزة ديمينغ التي تمنحها اليابان سنوياً تقديراً للإبداعات الإدارية, وتفوقت في ذلك على كل الشركات الأخرى من أي دولة كانت,بما فيها اليابان([111]).

وفي سبيل ترقية المستوى العلمي تشرف الهند على واحد من أشد امتحانات الدخول تنافسية وصعوبة في العالم,إذ يُقبل 5000 شخص من 300.000 متقدم سنوياً, أي أن معدل القبول يساوي 1.7% مقابل 9-10 % في جامعات هارفارد ويال وبرينستون), والأشخاص الذين ينجحون في الامتحان هم الأفضل والألمع من بين مليار شخص([112]).وبحسب براد سيتسير – فإن الاقتصادات الناشئة مثل الصين وروسيا والهند وكوريا وحتى البرازيل ليست فقط لا تحتاج إلى صندوق النقد الدولي,بل إنها في موقع المنافسة معه, ومصرف تمويل التنمية الصيني يقدم بديلاً لإقراض البنك الدولي([113]).

توقعت مؤسسة غولدمان ساكس أن خمس دول تمثل الأسواق الصاعدة- الصين, والهند, والبرازيل , وروسيا, والمكسيك- ستملك بحلول العام 2040م ناتجاً اقتصادياً أكبر من ناتج دول مجموعة السبع الغربية الكبرى(G-7)التي تسيطر على الشؤون العالمية منذ قرون([114]) مع الازدهار الهندي على كافة الصعد فإن واقع الأطفال يشير إلى تدهور في الواقع الصحي , فلا تزال معدلات وفيات الرضع مرتفعة إذ تصل إلى 63 وفاة لكل 1000 ولادة حية. وتحدث معظم وفيات الرضع في الشهر الأول من الولادة، حيث تصل نسبتها إلى 47 في المائة في الأسبوع الأول.ولا يزال الأطفال في الهند يفقدون حياتهم بسبب أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات مثل الحصبة، التي لا تزال أكبر مرض قاتل.

وقد كشفت دراسة حكومية هندية أن 36% من العلماء في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، و18% من نسبة الأطباء العاملين في الولايات المتحدة، و34% من موظفي شركة البرمجيات العملاقة (مايكروسوفت) هم من الهنود.وقد أظهرت الدراسة كذلك أن الهنود يستعملون 20% من الذهب في العالم، وتسعة أعشار الماس المستخدم في العالم مصنوع في الهند([115]).تلعب الهند دورا نشطا على المستوى الدولي والإقليمي حيث إنها عضو في الأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز، ومجموعة الـ77، ومجموعة الـ15، والمنتدى الإقليمي الآسيوي (ARF)، والسارك، والكومنولث البريطاني. وتأكيداً لنفوذها الاقتصادي فقد أبرمت شركة «بهارتي آيرتل» الهندية، أضخم شركة اتصالات خاصة في قطاع الاتصالات الهندية اتفاقا لشراء الأصول الأفريقية لشركة «زين» الكويتية بمبلغ وصل إلى 10.7 مليار دولار في مقر شركة «زين أفريقيا» في أمستردام لترتفع الاستثمارات الهندية في أفريقيا إلى 16.7 مليار دولار، وبالتالي تكون الهند بين أكبر 10 دول تستثمر في القارة السمراء. ومن بين الشركات الهندية المستثمرة في أفريقيا مجموعة «تاتا» بجملة استثمارات تبلغ 1.6 مليار دولار في قطاع السيارات والاتصالات والفنادق والتعدين وهو ما أدى إلى ظهور مصطلح «تاتفيكاشن أوف أفيركا».

وقد أعلنت مجموعة «غوردج»، عن استحواذها على شركة «تورا» - شركة صابون ومستحضرات للعناية بالبشرة - التي اشتهرت في أفريقيا على مدار 20 عاما. وكانت قد تمكنت قبل ذلك من الاستحواذ على شركتي «رابيدول» و«كينكي» في جنوب أفريقيا اللتين تعملان في مجال منتجات العناية بالشعر. وبالمثل استحوذت شركة «ميراكو» على العلامة التجارية لمنتجات الشعر في مصر. كما تقوم شركات مثل «دابر إنديا» و«إمامي» بالاستثمار في القارة أيضا. كما ترعى حاليا مشروع الشبكة الإلكترونية لعموم أفريقيا، التي تهدف إلى ربط جميع بلدان المنطقة بالأقمار الصناعية وشبكات الألياف البصرية، ويهدف المشروع الذي تبلغ تكلفته 125 مليون دولار إلى توفير الطب والتعليم عن بعد وخدمات الفيديو كونفرانس للحكومات الأفريقية.

وقد استضافت دلهي عاصمة الهند التجارية اجتماعا حول الشراكة بين الهند وأفريقيا، حضره 483 مندوبا يمثلون 33 بلدا أفريقيا، مع 29 وزيرا من أفريقيا واجتذبت مصالح تجارية بقيمة 9 مليارات دولار، كما شهد الاجتماع تعهد الحكومة الهندية بتقديم 5.4 مليار دولار في صورة قروض. كما توفر الهند فرصا استثمارية واعدة أسهمت في حصولها على المركز 32 بين 181 دولة على مستوى العالم عام 2009 في مسح ممارسة أنشطة الأعمال بتقديمها عددا لا يحصى من فرص التجارة والاستثمار في المستحضرات الطبية ومعالجة المنتجات الزراعية والطاقة والسيارات، والتقنية الكهربائية، والسياحة، والتعدين، والفضاء ورأس المال وصناعات السينما. وخلال الآونة الأخيرة، أنفقت شركة هندية نحو 2.5 مليار دولار لشراء الأراضي في إثيوبيا لإنتاج مجموعة واسعة من المحاصيل الغذائية ومحاصيل أخرى يمكن أن تستخدم لإنتاج الوقود الحيوي([116]).

Page 7

المطلب الثالث :التعريف بإسرائيل

احتلت بريطانيا فلسطين عام 1917 وفرضت عليها الانتداب بعد انتصارها على الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. وكانت بريطانيا قد تعهدت عام 1917 على لسان وزير خارجيتها جيمس بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين, وقد كرست سلطة الانتداب البريطاني جهودها لتحقيق المشروع الصهيوني الذي ظهر أول الأمر في القرن التاسع عشر الميلادي، وكان يقضي بإنشاء دولة يهودية في فلسطين التي كانت شبه خالية من اليهود في ذلك الوقت، فاتخذت السلطات البريطانية إجراءات لتيسير الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستيعاب اليهود فيها والسيطرة على أراضيها وتمكينهم من الاستثمار الاقتصادي.

وفي 29 نوفمبر / تشرين الثاني 1947 صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 بالتوصية بتقسيم فلسطين، وإنشاء دولتين: إحداهما عربية وأخرى يهودية[117]. وكانت نسبة اليهود قد ارتفعت إلى 31% من إجمالي سكان فلسطين، في حين لم تزد نسبة الأراضي التي امتلكوها على 6.4% من مساحة فلسطين. وأعلن اليهود قيام دولتهم في 14 مايو/ أيار 1948. وفي اليوم التالي قامت الحرب بين العرب واليهود وانتهت بتكريس دولة اليهود على 78% من أرض فلسطين. وبقيت بحوزة العرب الضفة الغربية التي انضمت إلى الأردن، وقطاع غزة الذي خضع للإدارة المصرية.

وفي عام 1967 احتل اليهود باقي أراضي فلسطين إضافة إلى شبه جزيرة سيناء في مصر، وهضبة الجولان في سوريا. وقد انسحبت إسرائيل من سيناء في 25 أبريل/ نيسان 1982 بموجب اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية (معاهدة كامب ديفد) عام 1979. واحتلت إسرائيل أجزاء من جنوب لبنان عام 1982، ثم انسحبت في 24 مايو/ أيار 2000 بسبب أعمال المقاومة, أقيمت إسرائيل بعد احتلال اليهود لأرض فلسطين، وهي الجزء الجنوبي الغربي من بلاد الشام.مناخها معتدل، حار وجاف في مناطق الصحراء الجنوبية والشرقية. أهم الموارد الطبيعية: النحاس، الفوسفات، البروميد، البوتاس، الصلصال، الرمل، الكبريت، الإسفلت، المنغنيز، الغاز الطبيعي والنفط الخام.

Page 8

وتجدر الإشارة إلى أنّ اللغات الرسمية هي: العبرية (اللغة الرسمية) و العربية (اللغة الرسمية للأقلية العربية) والإنجليزية,والنظام السياسي: ديمقراطي برلماني, وتداول السلطة: انتخابي, ولا يوجد دستور رسمي، ولكن يسد النقص في بعض وظائف الدستور إعلان التأسيس عام 1948 وقوانين البرلمان الأساسية (الكنيست) وقانون الجنسية الإسرائيلية.النظام القانوني: مزيج من القانون الإنجليزي العام ولوائح الانتداب البريطاني والأنظمة القانونية، في الأحوال الشخصية، لليهود والمسيحيين والمسلمين.

إنّ رئيس الدولة ينتخبه الكنيست لمدة خمس سنوات, ورئيس الحكومة: يختاره مجلس الوزراءويُصادق عليه الكنيست أو البرلمان المكون من 120 مقعدا، ويُنتخب أعضاؤه بتصويت شعبي ولمدة أربع سنوات,أما المحكمة العليا فتعين مدى الحياة بواسطة رئيس الدولة. تمتلك إسرائيل اقتصاد سوق متقدم تكنولوجياً، تستورد النفط الخام، والحبوب، والمواد الخام، والمعدات العسكرية. ورغم قلة الموارد الطبيعية، طورت إلى حد كبير القطاعين الزراعي والصناعي في العقدين الماضيين, كما أنها مكتفية ذاتيا في الإنتاج الغذائي باستثناء الحبوب، ومن أهم صادراتها الألماس والمعدات التكنولوجية الحديثة، والمنتجات الزراعية (الفاكهة والخضروات)([118]).

ترحل إسرائيل عادة حالات العجز في الحسابات الجارية الضخمة وتغطيها المدفوعات التحويلية الكبيرة من الخارج والقروض. ونصف الديون الخارجية للحكومة من الولايات المتحدة التي تُعدالمصدر الرئيسي للمساعدات الاقتصادية والعسكرية.وقد أدى تدفق المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفياتي السابق في الفترة من 1989 - 1999 إلى زيادة عدد سكانها بمقدار مليون نسمة، أي سدس مجموع السكان، وبالتالي إضافة رصيد ضخم من الخبرة العلمية والمهنية إلى المستقبل الاقتصادي. فقد ساعد هذا التدفق البشري الذي اقترن بفتح أسواق جديدة في نهاية الحرب الباردة، على إعطاء دفعة قوية للاقتصاد الإسرائيلي الذي نما بسرعة كبيرة في بداية التسعينات. لكن هذا النمو أخذ في التباطؤ عام 1996 عندما فرضت الحكومة سياسات مالية ونقدية أكثر صرامة وتلاشت علاوة الهجرة. هذه السياسات أدت إلى انخفاض التضخم إلى أدنى معدلاته عام 1999، وهيأت مناخا أقوى لنمو إجمالي الناتج القومي عام 2000.

وأبرز الصناعات هي: الصناعات الغذائية، وقطع وصقل الألماس، المنسوجات والملابس، والكيماويات، والمنتجات المعدنية، والمعدات الحربية، ومعدات النقل، والأجهزة الكهربائية، وتعدين البوتاس، والإلكترونيات ذات التقنية العالية، والسياحة.: وأبرز المنتجات الزراعية: الحمضيات، الخضروات، القطن، اللحوم، الدواجن، منتجات الألبان.

Page 9

ومن أهم الصادرات: الآليات والمعدات، البرمجيات، الألماس المصقول، المواد الكيميائية، المنسوجات والملابس، المنتجات الزراعية.فيما تبلغ الواردات:62.52 مليار دولار ( 2008) وأهمها: المواد الخام، المعدات العسكرية، السلع الاستثمارية، الألماس الخام، الوقود، السلع الاستهلاكية).والعملة الرسمية في إسرائيل هي الشيكل,وتنقسم قواتها المسلحة إلى: قوات الدفاع وتشمل (العناصر الأرضية والبحرية والجوية) ,وشباب النضال الرائد (Nahal), وحرس الحدود , وتشن Chen (نساء)ولا يوجد فصل في الخدمة العسكرية بين الجنسين,وتبلغ نسبة الإنفاق العسكري من إجمالي الناتج المحلي:7.3 % (2006).([119]).

والجدير بالذكر فإنّ إسرائيل لم تتبن دستوراً رسمياً, وبعد إعلان الدولة أصدر رئيس الحكومة المؤقتة (دافيد بن غوريون) أمراً ينص على استمرار السريان لمفعول قوانين الانتداب البريطاني بالتعديلات الملزمة من إقامة الدولة. رغم التوقعات أن تكون هذه التسوية زمنية، ما زال الأمر المذكور مع تعديلاته المفصلة في "أمر أنظمة السلطة والقضاء" الصادر عن مجلس الدولة المؤقت في 19 مايو 1948 ساري المفعول حتى هذا اليوم, مع ذلك، فإن -الكنيست-أي البرلمان الإسرائيلي، سن "قوانين أساسية" كأدوات قضائية بديلة للدستور، والتي تنظم أعمال السلطات وحقوق الإنسان في بعض المجالات، ولكن عدم وجود دستور كامل وعدم وضوح أفضلية القوانين الأساسية على القوانين العادية تجبر المواطنين والمؤسسات التوجه للمحكمة العليا لتفسير النظام القانوني في العديد من حالات الغموض مما يجعل مكانة المحكمة العليا أقوى من المقبول في دول أخرى.

وقد تمّ تحديد الأمم المتحدة سنة 1947 والقاضي بإنهاء فترة الانتداب البريطاني على فلسطين وبإنشاء ثلاث كيانات؛ يهودية، عربية، ودولية (بالتوالي حسب المساحة) مدينة تل أبيب عاصمة للدولة اليهودية والقدس منطقة دولية,لكن في عام 1949 أعلنت إسرائيل ومن جهة واحدة القدس عاصمة لها، ونقلت جميع أجهزتها الحكومية ماعدا وزارة الدفاع التي بقيت فيتل أبيب إلى الجزء المسيطر عليه من المدينة.

ومن ناحية أخرى فإنّ الاقتصاد الإسرائيلي من أكثر الاقتصادات تنوعًا على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودخل الفرد في إسرائيل من أعلى الدخول في العالم حيث يبلغ حوالي الـ 28 ألف دولار ويعتمد الاقتصاد على صناعة التكنولوجيا ومعداتها وكذلك الزراعة والسياحة، فلإسرائيل باع طويل في مجال الصناعات عالية التقنية والبرمجيات المتنوعة وتوجد على أرضها العديد من شركات تصنيع الحواسيب وبرمجياتها الإسرائيلية أو العالمية مثلمايكروسوفت وإنتل وكذلك شركات الاتصالات من مثل موتورولا. وتُعد إسرائيل من الدول الرائدة في مجال إعادة استخدام المياه وتحليتها وتقليل الاعتماد على موارد الطاقة الخارجية. أمّا الركيزة الثانية للاقتصاد الإسرائيلي هي الزراعة حيث تعد إسرائيل من أكثر الدول ذات الاكتفاء الذاتي في المجال الزراعي وتقوم بتصدير الفائض الزراعي من خضروات وفواكه إلى دول العالم المختلفة.كذلك فإنّ السياحة تشكل مصدرا مهما للدخل القومي حيث تذخر إسرائيل بالعديد من نقاط الجذب السياحي الديني ومثال ذلك حائط المبكى وكنيسة القيامة وقبة الصخرة وغيرها الكثير والتاريخي مثل جبل مسادا والعلاجي كالبحر الميت حيث بلغ عدد السياح القادمين إلى إسرائيل عام 2008م حوالي 3 مليون سائح كذلك تعد تجارة وتصدير الألماس موردا مهما في الاقتصاد الإسرائيلي وفوق هذا وذاك فإن إسرائيل تتلقى دعما ماديا كبيرا من الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقدر الدعم المادي المخصص لإسرائيل خلال العشر سنوات القادمة بحوالي 30 مليار دولار أمريكي, وتعد أمريكا والإتحاد الأوروبي الشريكان الرئيسان لإسرائيل على المستوى التجاري. حصلت إسرائيل علي أكثر من 84 مليار دولار من الهبات فقط في السنين الـ 56 الأخيرة. تقف المساعدة الأمريكية السنوية لإسرائيل علي أكثر من 340 دولارا للفرد. ولا ريب أن هذا أعلي مبلغ في العالم,حيث متوسط المساعدة للفرد في العالم 22 دولارا فقط([120]).

وتمتلك إسرائيل ثالث أكبر نسبة في العالم لحملة الشهادات بين المواطنين,بينما تبلغ نسبة الأمية في إسرائيل أقل من 2.9% وذلك نتيجة التشجيع المجتمعي والدعم الحكومي إذ بلغت ميزانية التعليم في إسرائيل للعام 2008م حوالي 8.6 مليار دولار[121]. يبلغ عدد سكان إسرائيل حوالي 7.41 مليون نسمة وفق تقديرات عام 2008 بما في ذلك حوالي 200 ألف إسرائيلي و 250 ألف عربي في القدس الشرقية و 270 ألف في مستوطنات الضفة الغربية و 20 ألف إسرائيلي في الجولان تشكل الفئة العمرية من (15-64) سنة نسبة 64.2% من السكان وتبلغ نسبة النمو السكاني السنوي حوالي 1.6% وتعد اللغتان العبرية والعربية لغتان رسميتان للدولة، وتكون العبرية اللغة الأساسية في المناطق ذات الكثافة اليهودية والعربية في المناطق ذات الكثافة العربية. يشكل اليهود ما نسبته 67.4% من السكان بينما يشكل غير اليهود نسبة 23.6% ويقسمون كالتالي 16% مسلمين و 2.2 مسيحيين 1.6 دروز و 3.9% غير محددين([122]).

هناك تسعة علماء إسرائيليين وسياسيين حازوا على جوائز نوبل، بينما حاز العرب على 6 جوائز,([123]) كما تنفق إسرائيل على البحث العلمي ضعف ما ينفق فيالعالم العربي، حيث بلغ مجموع ما أنفق في إسرائيل على البحث العلمي غير العسكري مايعادل حوالي 9 مليار دولار حسب معطيات 2008. بالنسبة لعدد العلماء، تذكرمصادر اليونسكو أن هنالك حوالي 124 ألف باحث عربي، بينما تم تقدير عدد العلماء والباحثين الإسرائيليين بحوالي 24 ألفا، وأفادت مصادر أخرى بوجود حوالي 90 ألف عالمومهندس يعملون في البحث العلمي وتصنيع التكنولوجيا المتقدمة خاصة الالكترونيات الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية. أما بالنسبة لبراءات الاختراع، فهي المؤشرالأكثر تباينا بين العرب وإسرائيل، فقد سجلت إسرائيل ما مقداره 16,805 براءةاختراع، بينما سجل العرب مجتمعين حوالي 836 براءة اختراع في كل تاريخ حياتهم، وهويمثل 5% من عدد براءات الاختراع المسجلة في إسرائيل.

وتفيد تقارير اليونسكو كذلك أن عدد براءات الاختراع التي سجلت في إسرائيل في العام 2008 والتي تبلغ 1,166تفوق ما أنتجه العرب بتاريخ حياتهم وهو 836 براءة اختراع. أما بالنسبة للمؤلفات والكتب المنشورة، فقد أفادت أيضا المعطيات المتوفرة إلى أنه في إسرائيل تمتأليف ونشر 6,866 كتابا بينما يؤلف العرب ما يقدر ب 10,000 كتاب سنوياً. أما بالنسبة لنشر الأبحاث العلمية في المجلات المحكمة فقد نشر الباحثون الإسرائيليون 138,881 بحثا محكما، ونشر العرب حوالي 140,000 بحثاً محكّماً. على الرغم من أن عددالأبحاث متقارب، إلى أن جودة ونوعية الأبحاث الإسرائيلية أعلى بكثير من الأبحاث العربية، وهذا يمكن الاستدلال عليه من عدد الاقتباسات لتلك الأبحاث ومعامل (H) الذي يعبر عن مدى إنتاجية دولة معينة للعلوم ومدى تأثير تلك العلوم على المعرفةالإنسانية. بلغ عدد الاقتباسات للأبحاث العربية ما مقداره 620,000 اقتباس، بينما بلغ عدد اقتباسات الأبحاث الإسرائيلية 1,721,735 اقتباسا.

Page 10

المطلب الأول :أهداف إسرائيل لتطوير علاقاتها بالهند والصين

هدفت إسرائيل إلى تطوير علاقاتها مع الهند لجملة من المبررات , منها:

(1) مواجهة القنبلة النووية الإسلامية، ومراقبة النشاط العسكري الباكستاني، والرغبة في عمل خطوط دفاع ومواجهة متقدمة ضد تنامي المد الأصولي الإسلامي في آسيا،وخصوصاً في إطار الموقف الباكستاني المؤيد لميليشيا طالبان الحاكمة والمسيطرة على أكثر من ثلثي مساحة أفغانستان([127]).

(2) دعم صادرات السلاح الإسرائيلية في الخارج، لأن إسرائيل تتطلع إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في صناعتها([128]).

(3) تشكل الهند سوقاً للتجارة الإسرائيلية قوامها أكبر من مليار نسمة، وهو ما يشكل ضمانة ضد العزلة الدبلوماسية بالنسبة إلى إسرائيل، فضلاً عن أنها ستؤدي دوراً كبيراً ومؤثراً في سياسات المنطقة خلال الفترة المقبلة([129]).

(4) احتلال الهند موقعاً متميزاً واستراتيجياً في القارة الآسيوية، ومحاولة إسرائيل إيجاد موطئ قدم لها في شبه القارة الهندية بالقرب من باكستان وإيران([130]).

(5) تخوّف إسرائيل من أي تعاون عسكري هندي مع دول الشرق الأوسط، وبالتالي سعيها لقطع الطريق عليها في هذا الصدد، وهي الاستراتيجيات نفسها التي اتبعتها مع جمهورية الصين الشعبية([131]).

(6) إنهاء حالة العزلة السياسية التي عانتها إسرائيل، ولا سيما في حالة تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط، وهو ما أعلنه يتسحاق شمير رئيس وزراء إسرائيل الأسبق بعد إقامة علاقات إسرائيلية بكل من الهند والصين في سنة 1992، إذ صرّح بـ "أن عزلة إسرائيل الدولية انتهت الآن"، باعتبار أن إسرائيل أصبح لديها علاقات دبلوماسية كاملة بالدول الأعضاء الخمس الدائمة في مجلس الأمن، وبأكبر القوى الإقليمية في آسيا([132]).

(7) سعي إسرائيل منذ سنة 1979 لتطوير برنامجها النووي من دون اللجوء إلى تجربة الأسلحة النووية بواسطة تفجيرات فعلية، وذلك بسبب ضيق رقعتها الجغرافية، ومن ثم فالهند توفر لها الإمكان لإجراء تجاربها النووية سواء في المحيط الهندي، أو في صحراء راجستان. وقد أشار العديد من المصادر إلى أن تجربتين من التجارب الخمس التي أجرتها الهند في سنة 1998 كانتا لحساب إسرائيل([133]).

(8) محاولة إسرائيل الإيحاء للدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة، بأن دورها الاستراتيجي القديم المناط بها لمنع التغلغل الشيوعي في المنطقة ما زال قائماً، لكنه هذه المرة في مواجهة التغلغل الإسلامي المتطرف، وأنها ما زالت حليفاً مهماً قادراً على الاضطلاع بمهمات إستراتيجية.

(9) إخراج منطقة الشرق الأوسط من إطارها العربي، وجعلها منطقة كبرى تمتد حدودها إلى الحد الفاصل بين دول آسيا الوسطى وروسيا بدلاً من الحدود الشمالية لإيران([134]).

(10) سعي إسرائيل لاستكمال هجرة اليهود الموجودين في آسيا وفي الهند.

(11) إن أهم ما تتطلع إليه إسرائيل جرّاء علاقاتها بالهند هو محاصرة مصادر التهديد في ثلاث دوائر هي: الأولى، دول الجوار الجغرافي لها (دول الطوق) - مصر وسورية والأردن ولبنان وفلسطين؛ الثانية، دول العمق العربي مثل ليبيا والعراق والسعودية واليمن والسودان والجزائر؛ الثالثة، إيران وباكستان. وهذه الدوائر الفرعية كلها تدخل في دائرة المجال الحيوي لإسرائيل، والتي عرّفها شارون أمام لجنة الدفاع والخارجية بالكنيست في كانون الأول/ديسمبر 1982، عندما كان وزيراً للدفاع، بأنها تحوي مصالح إسرائيل الحيوية في المنطقة الممتدة من باكستان شرقاً إلى الساحل المغربي على المحيط الأطلسي غرباً، ومن جنوب الاتحاد السوفياتي (جمهوريات آسيا الوسطى حالياً) شمالاً، إلى جنوب إفريقيا والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر عند باب المندب جنوباً([135]).