Page 1
(1)
عبثًا بقيتُ متشبّثًا بسمّاعة الهاتف أستنطقها المزيد؛ فقد انقطع الاتصال قبل أن أفهم حقيقة ما حصل، بيد أنّ الكلمات التي حملتها لي الأسلاك من بُعْد مئات الكيلومترات كانت كافية لكي تعقد خيط ما انقطع: فإذا بتينك العينين ـ عيني أبي وقد علتهما غمامة الشيخوخة ـ ترمقانني بنظرة إدانة لا ترحم، غامرتين إاي بشعور قديم بالإثم كنتُ أحسبه قد ذاب وتلاشى منذ اليوم الذي أوليت البيت ظهري قبل سنوات وقد عزمت على هجره إلى الأبد، لكنْ·· شدّ ما كنت مخطئًا؛ فها أنذا أكتشف أنّ الماضي لن يموت بتلك البساطة التي تصورتها، وأنّ الأوجاع القديمة تظل تنبض في موضع ما من الروح ـ لا الجسد ـ في انتظار الظفر الذي ينكأ مصادفة الجرح لتبدأ الذكريات بالنزيف: إذ ها هي الوجوه القديمة التي غيّب التراب بعضها، وأضاع بعضها الآخر تعاقب الأعوام، ها هي تحمّلني وزر ما حصل: ها هو وجه جدي يطلّ من بين تلك الوجوه ليذكّرني ـ من وراء وحشة القبر ـ بعبث مسعاه معي؛ فلا خيوله التي درجتْ بي على درب طفولتي نحو تخوم الرجولة، ولا أرضه التي غرسها بالفسائل ليلاً، برغم الرصاصات المنذرة الصافرة فوق رأسه في الظلام، قد أفلحتْ في أداء مهمتها معي؛ ذلك لأنني لم أكد أجابه بأول معضلة اعترضتْ سبيلي حتى سارعت بالهرب تاركًامدينتي إلى الأبد!·· وها هو وجه رؤى أيضًا·· رؤى الحبيبة·· رؤى الرومانسية التي برغم شغفها بالدراسة إلى درجة الجنون ـ كانت قد وضعتْ نصب عينيها أنْ تغدو طبيبة! ـ كانت تتسلل من مدرستها خلسة لأصحبها، في غفلة من عيون أسرة من الذكور الطائشين الغيورين كانت الأنثى الوحيدة فيها ـ على النقيض من أسرتي التي كنتُ الذكر الوحيد فيها! ـ لمشاهدة أحد الأفلام الهندية، تاركة لي يدها أعبث بها في ظلام الصالة على هواي، شريطة أن أدعها تذرف ما شاءتْ من دموع على أحداث (ميلودرامية) غير قابلة للتصديق، ها هو وجهها يطالعني ـ بعدما حصل ما حصل ـ بملامح مثقلة باللوعة تستدعي اليأس والقنوط!
- ها؟ أحدث مكروه لا سمح الله؟
تنبهتُ من شرودي ـ والسماعة المستقرة في كفي لا تزال ملتصقة بأذني ـ على صوت أسماء وهي تكلّمني من خلف مكتبها المواجه لمكتبي حيث تكدست أمامها (البروفات) وسط فوضى (رولات) تجارب طباعية تدلّتْ أطراف بعضها حتى مسّتِ الأرض·
Page 2
بدتْ كعهدي بها عروساّ في كامل زينتها، لا ينقصها ـ كما اعتادتْ أن تكرر على سمعي مؤنّبة ـ سوى البرقع وثوب الزفاف!
- سأسافر·
أوجزتُ ردي بكلمة واحدة وأنا أطبق سماعة الهاتف· وانشغلت لحظات بدسّ الأوراق في أدراج مكتبي، موزعاّ إياها بحسب أصنافها: درج لنصوص القصة القصيرة، وآخر للقصائد، والثالث للدراسات النقدية، والأخير للمتابعات·
- سأعوّل عليك في الحصول على الإجازة·
أضفتُ وأنا أقفل الدرج الرئيس، داسّاّ حلقة المفاتيح في أحد جيوبي، فعلّقت أسماء عاتبة وقد انفلتتْ من خلف مكتبها:
- يبدو أنه لا يحق لي العلم بما حمله الهاتف لك من أخبار!
فتركتُ بدوري مكتبي لأتلقاها في منتصف الغرفة· وبعدما اختلستُ نظرة سريعة نحو الباب الموارب جازفتُ باحتواء وجهها بين كفيّ· كان دافئاّ وشهياّ يحرّض على التقبيل·
- لا أريد أن أعكّر عليك صفاء هذه النظرة·
كلّمتها متأملاً بشغف عينيها السوداوين وقد زادهما الكحل اتساعًا، فأجابتني وهي تخفق بجفنيها بمكر:
- أخشى أنْ تكون قد عكّرتَ عليّ صفاء زينتي!
لثمتُ فمها الذي يعلوه (الروج) مستنشقًا عطرها ملء أنفي، فسارعتْ تحرر وجهها من بين كفيّ هامسة:
- ما أشطرك في اغتنام الفرص!
كانت قبلة خاطفة تناسب الجو (الرسمي) المحيط بنا والذي تشهد عليه المكاتب الخالية من أصحابها ـ وثمة آلة طابعة جاثمة فوق أحدها ـ والخزانات الحديدية القائمة في الزوايا، والجدران المزدانة بأغلفة أعداد من المجلة التي أعمل فيها محررًا، وشجيرة الظل القابعة في موضعها قرب النافذة منذ سنين دون أن تنمو قيد أنملة!
- كان أحد أقاربي، أتصل من بدّالة المدينة المركزية·
Page 3
أوضحتُ لها وأنا أتحسـس جيوبي تحسّبًا لنسيان شيء ما قد يعرقل افتقاده عليّ سفرتي كالنقود والهوية مثلاً؛ فقد قررتُ التوجه من فوري إلى (كراج النهضة) دون إضاعة المزيد من الوقت بالمرور بشقّتي في (الدولعي)؛ ذلك لأنني أدرك جيدًا أنّ آخر السيارات ستتوجه إلى مدينتي عقب انتهاء الدوام الرسمي، وأي تأخير يعني تأجيل سفري إلى يوم غد·
- تصوّري·· لقد ضيّع ذلك القريب نصف الوقت في محاولة بليدة ليشرح لي كيف أن شبكة الهواتف بلغتْ من السوء حدًّا بات معه الحصول على الرقم المنشود يقتضي وقوع معجزة، فضلاً عن احتمال انقطاع الخط في أية لحظة، وذلك ما حصل دون أن أفقه منه إلا أن ثمة أمرًا ما جرى لأبي!
- لا يوجد مسوّغ للقلق؛ لعلهم أرادوا الاطمئنان عليك·
- لكنه أول اتصال هاتفي يجرونه معي منـذ هجري مدينتي قبل أعوام طوال··· أنسيت ذلك؟
- لا لم أنس، كما أنني لم أنس أن الظروف تغيرت، ولم تعد كالسابق؛ ففضلاً عن الحصار، هناك الطائرات الأمريكية التي تجوب يوميًا السماء قاصفة ما فاتها قصفه في أثناء الحرب·
كانت تحاول طمأنتي·· ولكنْ عبثًا؛ فثمة شعور داخلي يوحيليبأن أمرًا ما قد حصل يتعلق بأبي على وجه التحديد؛ إذ ما سرّ سماحه لهم بإجراء هذا الاتصال وهو الرجل العنيد الصلب الذي لم يتنازل عن كبريائه بالسؤال عني في أشد أيامنا هولاً حين كانت بغداد تُقصف، كل لحظة، في حرب (عاصفة الصحراء) وعلى امتداد اثنين وأربعين يومًا؟!
قلتُ بعناد:
- لكنني موقـن من أن أمرًا ما قد حصل لأبي؛ فثمة شعور داخلي ينبئني بذلك··· شعور ندر أن يخامرني، ولكن حين يحصل لا يخطئ·
Page 4
علّقتْ أسماء متأملة إياي بنظرة حائرة:
- لا أفهم سر تشاؤمك اليوم!
هجستُ بها تجهد فكرها للتخفيف عني· أسعدني حرصها ذاك، بيد أن مشكلتي تتلخص بهذا الشعور الداخلي الذي لا قدرة لي على تجاهله·
- قل لي: أتستطيع أن تعيّن موقع مدينتك على الخارطة على وجه التحديد؟
سألتني بغتة كأنها وقعتْ على الحل المناسب، فأجبتها ضاحكًا:
- سؤال غريب يذكّرني بدرس الجغرافية زمن طفولتي!
لكنها سارعتْ إلى مقاطعتي بمنتهى الجدية:
- دعك من الهزل؛ فما يشغلني هو التأكد من أن مدينتك الجنوبية ليست ضمن الخطوط المشمولة بحظر الطيران·
صدمني كلامها؛ فقد بدا أشبه بصدى لذلك المنطق الأهوج الذي تحاول الطائرات الأمريكية فرضه بقوة الموت والدمار·
- اللعنة!··· ليتني قضمتُ لساني قبل أن أفلت هذا الكلام!
صاحتْ أسماء وقد أدركتْ خطأها متأخرة، معززة لدي ذلك الانطباع الذي قد يكمن خلف تذبذب علاقتنا حتى الآن؛ فما أكثر ما ضيّعتْ على نفسها دأبًا صادقًا في ترسيخ ارتباطنا بكلام بليد على هذه الشاكلة!
- قصدي التأكد من أن أباك لم يذهب، لا سمح الله، ضحية إحدى غاراتهم·
تمتمتْ بانكسار، فأجبتها مقرّعًا بعد ما طال صمتي أكثر من الحد المعقول:
- لا أحب أن أسمعك تتكلمين على هذه الشاكلة؛ ذلك لأنه ما من خطوط طول أو عرض تمنع الأمريكيين عن القصف حين يقررون ذلك!
- أرجوك··· لا تسئ فهمي!
Page 5
كنت أعلم أنها لا تصمد طويلاً تحت وطأة التقريع، كانت ستنفجر باكية في أية لحظة· غلبني الإشفاق عليها· رغبتُ في احتضانها· لكنني كبحت رغبتي المفاجئة تلك؛ ذلك لأن هذه الحركة كانت ستعجّل في انهيارها، وذلك آخر ما أطيقه؛ فالدموع ترعبني، ولاسيما حينما أكون على سفر·
اتخذتُ سبيلي نحو الباب لأستدرك قبل أن أخرج:
- سأتصل بك من هناك··· هذا إن سنحتْ فرصة لذلك؛ فخطوط الهاتف، كما ترين، أضحت من ضمن الأهداف المرصودة من قبلهم!
غادرتها وأنا في شك من أن تكون قد أصغت لكلامي الأخير؛ فما يشغلها اللحظة هو مغالبة دموعها خوفًا من أن تفسد عليها كحل عينيها، ومن المؤكد أنها ستهرع ـ ووقع خطاي لا يزال يتناهى لسمعها ـ إلى حقيبتها اليدوية لتصلح ما أفسدته بحركتي الخرقاء من زينتها!
اجتزت الممرات والأروقة والأبواب والحدائق، يطاردني لغط العاملين في الدائرة وهم يحاولون تمضية ساعات الدوام الثقيلة بالثرثرة، والدق على الآلات الكاتبة، والتهام ما جلبوه من وجبات خفيفة، مصحوبة بعدد من إستكانات الشاي·
غادرتُ البناية كالهارب· كنت في واقع الأمر أهرب من نفسي، ألوذ بضجة شوارع بغداد التي تكون عادة في مثل هذا الوقت من النهار ـ وقد أوشك الدوام الرسمي على الانتهاء ـ على أشدها، مستمدًا من عزم الناس على الكفاح والعمل القدرة على الصمود· كنت أستجير بقدر الأطفال الذين حرمهم الحصار من أن ينعموا بطفولتهم كما ينبغي؛ فشمروا عن سواعدهم الغضة ليبيعوا ما كان من حقهم التمتع بالتهامه من حلويات ولبان وشكولاته!
كنت أستغيث بهم لكي يعينوني على اجتياز المحنة؛ فذلك النداء الهاتفي المبهم كاد يفقدني توازني!
وقفتُ عند المحطة الخاصة بحافلات نقل الركاب، وفي انتظار مقدم إحداها أشعلت سيجارة، محاولاً القيام بموازنة بين عدد الأيام التي أخاصم فيها أسماء وعدد الأيام التي أعمل خلالها على إصلاح ما أفسدته، وكانت النتيجة مبعث حزن لي؛ فقد هالني أننا نوشك أن نكون في الأشهر الأخيرة في خصام دائم، تكاد أوهى مشكلة تفجّر بيننا خلافًا لا سبيل إلى علاجه؛ فما أكثر ما انفجرتْ باكية وسارعتْ إلى اتهامي بأنني زهدتُ في حبها؛ وذلك لأنني لم أتنبه إلى أمر استجد في زينتها: أقراط بالغة الصغر لابد من الاستعانة بناظور لاكتشافها وهي تتألق على طرفي أذنيها، سلسلة ذهب مرهفة مثل خيط العنكبوت تحيط بعنقها، عطر مستورد ـ اشترته بالعملة الصعبة! ـ لا قدرة لأنفي المسكين على تمييزه عن عطرها السابق!
Page 6
أمور على تفاهتها أضحت تبعد أحدنا عن الآخر حتى انني بت أفكر برعب في نمط الحياة الزوجية الذي (سنتمتع) به تحت سقف واحد· كنت أحسب أن الزمن هو الكفيل بمعالجة تلك الأمور، إلا أن الواقع كان يخيّب أملي ذاك؛ فبعدما كانت أسماء في الماضي مصدر مباهاتي وغروري، لا أملّ من الإشادة بمزاياها، أمست في الآونة الأخيرة مبعث قلقي وحيرتي، أستغيث بأقرب الأصدقاء ـ ولاسيما حين يجمعنا مجلس شراب ـ طالبًا منهم المشورة، فكانوا يتبارون في تفسير أسباب تباعدنا؛ إذ منهم من كان يعزوها إلى الحصار:
- سنوات تعاقبت وأنتما غير قادرين على الزواج؛ لا سكن مناسب ـ فشقتك كما رأيتها بنفسي تقوم في أكثر الأزقة فقرًا وازدحامًا بالناس، تكاد تكون أشبه بعش لقلق معلّق بنهاية سلّم ـ لا أثاث فخم ـ فالكتب والمجلات هي أثاثك الوحيد ـ لا راتب ملائم ـ فراتبك وما تحصل عليه من مكافآت لقاء ما تنشر لا يكاد يشبع نهم صاحب عش اللقلق الذي يرفع الإيجار بين شهر وآخر ـ ما من حب ـ وليكن حب ليلى والمجنون ـ يبقى على صفائه السابق في مثل هذه الظروف!
وكان آخر ـ انسجامًا مع ماضٍ أسهمت السجون في ترسيخه ـ ينطلق من مفهوم أيديولوجي:
- إنه صراع الطبقات يا رفيقي؛ أنت تحاول الانسلاخ عن منبتك الفلاحي المتواضع·· وهي تحاول التوفيق بين غرامها ووضعها البرجوازي ـ غرام ساكنة حيّ (المنصور ـ شارع الأميرات) لساكن منطقة (الدولعي)! ـ إنه اقتران غير مناسب محكوم عليه بالفشل منذ البداية!
وكان ثالث ـ مهووس بعلم النفس ـ يغترف من منطلق سيكولوجي مع لمسة تراثية:
- إنها سطوة العقل الباطن يا صاحبي·· ألم تحدّثني بقصة غرامك أيام المراهقة لابنة مدينتك تلك التي·· ما اسمها هدى؟ نهى؟ لا بل رؤى·· رؤى التي كانت تعشق الأفلام الهنديّة·· لن أنسى حديثك عنها وهي تحاول أنْ تلفت انتباهك بالتشبّه بالممثلات الهنديات وذلك بتزيين شعرها بـ (جنبدة )، أو تطويق جيدها بعقد من زهور القداح·· لا يزال قلبك يميل إليها دون أنْ تدري، وقديمًا قال الشاعر:
Page 7
نقّلْ فؤادك حيث شئتَ من الهوى
ما الحب إلا للحبيـــب الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتـى
وحنينــه أبـــدًا لأول منزلِ
كنت أصغي إليهم نصف مقتنع، نصف رافض، مقرّعًا نفسي في دخيلتي لانسياقي لأمر قد أكون أنا أقدر النـاس على إدراكـه؛ وهو أنّ علاقـتنا تـنطوي ـ من جانبي في أقلّ تقدير ـ على عيب لا علاج له: فالزهوّ هو الذي شدني إلى أسماء أكثر من الحب؛ رأيتها ـ حين لقيتها أول مرة ـ محط إعجاب الجميع؛ يستميتون من أجل إرضائها، والسعيد منهم من ينجح في لفت انتباهها، أما من يحظى منها بتحية الصباح فقد كان يشمخ بأنفه علينا غرورًا!
كانت دائمة الأناقة؛ ندر أنْ تأتي إلى الدائرة بالثوب نفسه مرتين، تسبقها رائحة عطرها النفاذة قبل دخولها غرفة المحررين بلحظات، لتمكث فيها بعد مغادرتها بساعات، يتصل بها موظف الاستعلامات، عند انتهاء الدوام، ليبلغها أن سائق أبيها في انتظارها بالسيارة، وكان السؤال الذي يشغل الجميع يتعلق بجدوى إرهاق نفسها يوميًا باجتياز هذه المسافة المديدة التي تفصل بيتها عن الدائرة القائمة في (سبع أبكار) لقاء عمل وظيفي لا يعادل مرتبه الشهري مصروف جيبها اليومي؟!
وهكذا لم أصدّق نفسي حين رأيتها تبادرني، دون الجميع، بتحية الصباح، لتطيل معي الكلام أكثر من الحد المتعارف عليه، وكانت الذروة يوم قاسمتني وجبة طعامها التي انحدرت كالسم إلى معدتي؛ فقد قضمتُ لساني أكثر من مرة بسبب نظرات الحسد التي لم يبخل الزملاء (الألداء) بها عليّ!
كان الأمر الذي حيّر الجميع هو سر تفضيلها إياي دونهم، وهو أمر حيرني أنا بدوري؛ ذلك لأنني لم أجد في نفسي ما يميزني عنهم، بل لعلني، بشرود ذهني الدائم وبسحنتي التي تعلوها الكآبة أبدًا وبطبيعتي المتحفظة التي هي أبعد ما تكون عن المرح، كنت آخر المرشحين للارتباط معها بعلاقة صداقة ـ ناهيك عن علاقة عاطفية! ـ وكم كانت دهشتي يوم اكتشفت أنها معجبة لا تضارع بقصصي التي كنت أنشرها في المجلة التي نعمل بها· كانت تكاد تحفظها عن ظهر قلب؛ تتذكر تواريخ نشرها، والأخطاء المطبعية التي وردت فيها، والرسومات التي نـفّـذها المصمم لها واحدة واحدة· كانت ـ واهمة دون شك ـ تتوسم فيّ مستقبلاً (استثنائيًا) في مجالي الإبداعي· وبما أنها كانت تؤمن بتلك المقولة التي مفادها (وراء كل رجل عظيم امرأة) فإنها كانت تحلم أن تكون تلك المرأة !!
Page 8
كنتُ أدعها لأوهامها بطبيعة الحال، مستمتعًا ـ أنا الذي حرمتُ من العلاقات العاطفية في مراهقتي بسبب تحكّم أبي في أدق أموري ـ بنظرات الحسد التي يرمقني بها الشباب في الشوارع والأسواق وهم يرون حسناء فاتنة بهذا المستوى من الجمال والأناقة متعلقة بذراعي، غير متنبه إلى أن الأيام والأشهر والسنوات التي لا تكف عن التعاقب ستزيد من تعقيد اقتران أحدنا بالآخر؛ فها نحن اليوم نفترق متخاصمين شأن الأعداء لا المحبّــين!
أوقفتُ سيارة أجرة بعد ما يئستُ من وصول إحدى الحافلات·
- كراج النهضة·
أعطيتُ السائق العنوان وقد جلستُ بجانبه، متأملاً بناية دائرتي وهي تتراجع على صفحة المرآة الجانبية لتختفي وراء عشرات البنايات التي لا تكف بدورها عن التراجع بسرعة خارقة·
إنها تقبع ورائي هناك، في إحدى غرف تلك البناية، قرب شجيرة الظل بطيئة النمو، تتأمل وجهها في مرآتها الصغيرة، واضعة آخر اللمسات على زينتها، في حين تقبع أمامي، على بعد مئات الكيلومترات، فاجعة لن تستطيع زينة الدنيا كلها التخفيف من بشاعتها··· مفارقة ليستْ وليدة اللحظة بالتأكيد؛ فها أنذا أتذكر جولاتنا الطويلة في شوارع بغـداد، عقب انتهاء (عاصفة الصحراء) وإعلان وقف إطلاق النار، بأدق تفاصيلها· كنت كمن يتلمس بأنامل راجفة جسده بعد نجاته من زلزال مدمر قلب الدنيا رأسًا على عقب، بحثًا عن أي جرح أو نزف فاته التنبه إليه في ذروة الفاجعة· كانت كل عمارة مصابة بقذيفة··· وكل نصب تذكاري شوهته الشظايا··· كل جدار مال على جنبه متهدمًا··· كل سقف انبطح ملتصقًا بالأرض، كل منشأة صناعية عطلت عن أداء مهمتها··· كان كل ما خلّفته الحرب وراءها من دمار في كل حيّ من أحياء بغداد ـ سواء في (الكاظميّة) أم (الأعظميّة) أم (الوزيريّة) أم (باب المعظّم) أم (السنك) أم (الباب الشرقي)·· ـ كان جرحًا ينزف ملء روحي··· لم أكن أبكي بطبيعة الحال، إنما أشعر بأن ما يجري في عروقي محض دموع لا دماء·· وكانت أسماء تشاركني في تألمي دون شـك، يحمر أنفها المرهف انفعالاً، وتترقرق الدموع في عينيها السوداوين، لكنها لم تفتها ملاحظة الأزياء الجديدة وهي تزهو على أجساد (المانيكانات) المنتصبة برشاقة خلف الواجهات الزجاجية، كنت على ثقة من أن سائق أبيها سيمر، بعد يوم أو يومين، على تلك المحلات ليقتني لها ما أثار إعجابها!
لم أجد ضيرًا في ذلك لولا ما حصل لحظة وقفنا قرب (جسر الجمهورية)، هذا الجسر الذي كان يشغل موضعًا أثيرًا لدينا نحن الاثنين ولاسيما في الأشهر الأولى لغرامنا؛ فما أكثر ما اجتزناه نحو (الكرخ) أو (الرصافة) متشابكي اليدن، وما أكثر ما اتكأنا على سياجه مراقبين النوارس وهي تحلّق في سماء دجلة الخالد تاركة الجرفين يرددان أصداء صرخاتها الحادة، وما أكثر ما تأملنا من فوقه (نصب الحرية) الذي جعله (جواد سليم) على شكل لافتة عملاقة تعلو رؤوس الحشود في الأسفل، ملخّصة نضال العراقيين ضدّ الغزاة والمحتلّين على امتداد الزمن·
كان الجسر قد انقصم من منتصفه· كان الموضع الذي اعتاد قلبانا النبض فوقه محض فراغ··· كان ماضي غرامنا كله هناك منكس الرأس، تعبث الأمواج بجرحه دون اكتراث!
في تلك اللحظة تنبهتُ إلى أسـماء وهي تكلّمني، وحين استوضحتُ منها الأمر، سألتني بمنتهى الجدية إن كان في وسعي العثور على مصوّر ليلتقط لنا صورة تذكارية يشكّل الجسر المنهار خلفيتها؟!
تأمّلتها لحظات قبل أن أجيبها:
- سأجد لك ذلك المصور ولكن ليس الآن··· بل حين يربط الجسر (الرصافة) بـ (الكرخ) من جديد!
Page 9
(2)
ما كدتُ أغادر السـيارة قبالة (كراج النهضة) حتى حظيتُ بمشهد طريف خفف بعض الشيء من كآبـتي؛ فقد شد انتباهي حشد صغير، تجمّع تحت جسـر المشاة، يستمتع بمراقبة رجل ريفي ـ بدشداشة وحزام وطاقية وخفّين ـ وهو يحاول اجتياز الشارع نحو (الكراج)·
كان ضئيل الحجم، محض عظام مغطاة بجلد دبغته الشمس، أشبه ما يكون بذلك الصنف من طيور (الذعرة) الكثيرة الصخب والضجيج؛ يراقب بعينيه الفأريتين القلقتين السيارات التي لا تكف عن التدفق، في انتظار اللحظة المناسبة للعبور، حتى إذا ما جازف بالتقدم خطوات، وسط تشجيع الحشد، تراجع متقهقرًا مع انطلاق أول نفير، وعيناه تنطقان باليأس!
وتمرّ لحظات يستجمع خلالها شجاعته قبل أن يستجيب مرة أخرى لأصوات التشجيع: فينطلق بتهور حتى يكاد يبلغ الحاجز الوسطي، لكنه سرعان ما ينقلب مخذولاً، ليستقبله الحشد هذه المرة بضحكات تهكم!
- عجبًا·· لِمَ لا يستعين في العبور بالجسر ما دام غير قادر على اجتياز الشارع؟
تساءلتُ دهشًا، فأجابني رجل أصلع متين البنيان بزندين مفتولين مثل زنود المصارعين بدا شكله مألوفًا لديّ:
- يبدو أنه يحسب أنّ الجسر ما أقيم لعبور المشاة بل لتسير السيارات من تحتـه!
ورفع صوته مستهدفًا به سمع الرجل الضئيل دون شك:
- هيا·· اذبحها على قبلة وأرحنا يا (أبو خضر)·
والتفتَ نحوي مخاطبًا إياي بصوت خفيض:
- لقد ابتليتُ به ابتلاءً؛ فمنذ لقائنا في (الشورجة) ومعرفته بأن وجهة سفرنا واحدة تمسّك بأذيالي كالغريق متوسلاً إليّ أنْ أعينه في الوصول إلى (الكراج) وذلك بمساعدته في عبور الشوارع بحجة أنّ أولاد الحرام قد استغلوا طمعه، لكونه قد مدّ رجليه أبعد من غطائه، فغدروا به مفقدين بذلك إيّاه رشده!·· أما من هم أولاد الحرام هؤلاء؟ فالعلم عند الله!
Page 10
وأوسع الرجل من خطاه ليعترض سبيل (أبو خضر)، الذي كان يهيئ نفسه لخوض مغامرة العبور مرة أخرى، مخاطبًا إياه بضجر:
- أكتب علينا اليوم أنْ تزفنا حشود الناس كلما اعترض سبيلنا شارع؟·· اسمح لي··
استأذنه بأدب جمّ ليلتقطه من حزامه حاملاً إياه بين ذراعيـه مثلما يُحمل الأطفال· واجتاز به الشارع وسط تصفيق الحشد، دون أنْ يولي السيارات المنطلقة أدنى اهتمام؛ مطمئنًا إلى أنّ سوّاقها سيوقفونها تلقائيًا بإزاء مشهدهما الطريف، تاركًا صاحبه يجيل على ما حوله نظرات انتصار!
ومرقتُ بدوري في أثرهما لأفاجأ بـ (أبو خضر) يقفل محاولاً العودة من حيث حُمل في اللحظة التي مسّتْ فيها قدماه الرصيف لولا أنّ الآخر صاح وقد سارع إلى الإمساك بحزامه من الخلف:
- ألا تخبرني ما هي قصتك اليوم؟ أتشتهي التمزق تحت عجلات واحدة من هذه السيارات المنطلقة بسرعة الصواريخ؟
فتوسل إليه (أبو خضر) باذلاً أقصى جهوده للإفلات من قبضته الفولاذية:
- دعني؛ فقد سقطت فردة خفي من قدمي·
- اهدأ·· اهدأ·· سأعيدها لك خلال لحظة·· امسك به يا أستاذ·
خاطبني وهو يرشدني إلى كيفية الإمساك بحزامه، وتخطى الشارع ليعود خلال ثوانٍ بفردة الخف المنشودة التي رمى بها قرب قدم صاحبها وهو يعلق بأسى مصطنع:
- كان عليّ أنْ التقيك منذ سنوات لأدرك أن مهنة (الكيشوانية) هي التي تلائمني عوضًا عن تصليح السيارات!
وانطلق داخلاً (الكراج) وسط حشد الداخلين وصاحبه يهرول في أعقابه· وتبعتهما بدوري بعدما ابتعت علبة سجائر، وقد ذكرتني رائحة الشواء المتصاعدة من أحد المطاعم القريبة بمبلغ جوعي؛ فوجبة فطوري لم تتخط بيضة نصف مسلوقة سال صفارها وذهب هدرًا من ثنايا صمونة لا أتذكر ـ وأنا في عجلة من أمري للوصول إلى الدائرة في الوقت المناسب ـ كيف ازدرتها·
وأسهم منظر أكوام المعجّنات والفطائر، المعروضة في زنابيل وأكياس بلاستيكية عند أبواب تلك المحلات الصغيرة القائمة على جانبي المدخل، بتأجيج ذلك الجوع· إلا أنّ مرارة دخان السجائر التي أفرطت في تدخينها، فضلاً عن رائحة دهن محترق صادرة عن عربة لبيع (الفلافل) ملأتاني بالغثيان· كان يكفيني أن أتناول أي شيء لأتقيأه من فوري·