الاهداء
إلى من صنعاني من العدم
إلى أمي وأبي
1
سار الحاج عباس جيئة وذهابا لبعض الوقت قبل أن يبدأ صلاته بانتظار خروج ناجي من غرفة ابنه أحمد. كان يستمع لكل ما يدور في تلك الغرفة وقلبه المتعب يخفق بشدة بين أضلاعه.
- ماذا ستفعل؟ ألن تقرر تسليم نفسك وإنهاء هذا العذاب الذي تعاني منه؟
- لا أدري يا ناجي... لا أدري. كلما مرت الأيام أرى إمكانية تسليم نفسي تزداد تعقيدا.
- لكنك مجبر على فعل ذلك وإلا سيصيبك ويصيب عائلتك ما لا تحمد عقباه. لا تسبب لأبويك مشاكل لا طاقة لهما بها. ارأف بهما يا صديقي.
أطرق أحمد برأسه للأسفل ندما؛ لكن في هذه الحالات لا نفع للندم. تداركته الأيام وأصبح في عداد الفارين من الخدمة العسكرية وانتهى الأمر.
هو ذنب ليس من السهولة غفرانه، قد يعتبره البعض شجاعة، نعم يعتقد البعض أن ترك تلك المؤسسة الكبيرة وراء ظهره شجاعة حقيقية. لكنه قد يهرب منها ليوم أو ليومين، وبالتالي ستضيق به الأرض ليحث خطاه من جديد نحو ذلك الدرب الذي هرب منه. ويندم على ما ضيع من أعوام وهو خائف... فمواجهة الصعاب أسهل من انتظارها.
خرج ناجي من غرفة أحمد بعدما تمنى له الخروج بسلامة من هذه المحنة وأن يجد شخصا من ذوي النفوذ القادرين على إخراجه من هذه الورطة قبل أن يقع في أيدي رجال الأمن.
رجال نذروا أنفسهم لصالح الحزب (القضية) كما يدعون، ماكنة تطحن البشر... شغلهم الشاغل هو تقديم القرابين لآلهة لا تعرف الرضا. أجساد تحرق ويذر رمادها في الهواء قبل وصول الطوفان الذي لاشك فيه. لكن آلاف من القرابين لن تهدئ ثورات زعيمهم الأوحد... ولسان حالهم يقول:
(طالما قمنا بذلك فنحن بمنجى مما يصيب الآخرين، نحن أوفياء ووفاؤنا ليس له حد أو قرين).
وإن لم يجدوا قربانا يقدموه، يقع الاختيار على أحدهم ليتطوع كقربان ينحر في ذلك اليوم، كحكاية وزير شهريار الذي بعدما قدم كل فتيات المملكة لسيده الذي يقتلهن بعد أن يقضي معهن وطرا وجد نفسه في مملكة خالية من الفتيات الأبكار فلم يجد غير ابنته ليقدمها له كقربان أخير.
وجد ناجي نفسه عاجزا عن عمل شيء لصديقه ما عدا الكلام الطيب والنصح. لكن النفوذ هنا هو المعيار الأساسي في حل المشاكل المستعصية أو زيادة تعقيدها، في زمن لم يعد فيه للكلام أية قيمة. فالكلمات كانت غالبا ما تخرج من أفواههم بنبرات حزينة ومخنوقة.. خائفة.. مترددة ومكبوتة.
انسحب ناجي بهدوء من غرفة أحمد التي تحولت إلى زنـزانة موحشة والحزن يملأ قلبه على حال صديق طفولته وجاره الذي آل به الأمر إلى هذه النهاية المؤلمة.
راقب الحاج عباس هبوط ناجي السريع على السلم الملتوي الذي كان في غاية النظافة وهو يهتز مع كل خطوة يخطوها للأسفل. ولما أصبح أمامه ابتسم له ابتسامة قلقة وهو معتمر طاقيته البيضاء على رأسه الأشيب ثم مد له يده اليمنى مصافحا وهو يقول:
- السلام عليكم يا بني كيف حالك؟
- وعليكم السلام ورحمة الله يا عمي... أنا بخير والحمد لله وأنت كيف حالك؟
قطب الرجل حاجبيه وكأنه كان ينتظر سماع هذا السؤال ليعود إلى سحنته الحزينة وملامحه القلقة:
- أنا؟...
صمت الحاج عباس قليلا ثم تنهد بصوت منخفض قبل أن يواصل كلامه:
- كيف أصف لك حالي؟...
رفع أبو محمد رأسه مسمرا عينيه الواسعتين المتعبتين نحو غرفة ابنه ثم رفع يده اليمنى مشيرا بسبابته إلى باب الغرفة التي بقيت موصدة على أحمد وقال:
- هذا هو حالي. إن رحمني الله وخلصني من هذه المصيبة فأنا بخير.
بقي ناجي صامتا فسأله الحاج عباس سؤال هو يعرف جوابه مسبقا:
- هل أقنعته بوجوب تسليم نفسه؟
ارتبك ناجي قليلا. ولم يدر ما الذي يجب أن يقوله ليهدئ من روع الشيخ الذي يشتاق لغفوة مطمئنة خالية من كوابيس مزعجة... كوابيس رجال الأمن الذين قد يركلون الباب ويقتحمون البيت في أية لحظة في الليل أو حتى بوضح النهار ودون سابق إنذار.
حاول ناجي إقناع صديقه لكنه لم يفلح. نظر إلى الحاج عباس وسعى لإيجاد كلمة يطمئنه فيها على حال ابنه. لكنه لم يجد الكثير من الكلام فأختصر بعبارة قصيرة:
- لا تقلق يا عمي، بالطبع سيسلم نفسه... سيفعل ذلك.
استبشر الحاج عباس بهذا الخبر وارتسمت الفرحة كوميض أبيض خرج من عينيه اللتين خف بريقهما من الحزن والسهر. باتت علامات الفرح لا تجد طريقها لذلك الوجه الذي تآلف مع الحزن وأصبح الأسى جزءاً من ملامحه المألوفة حتى تحول وجهه إلى صورة من دون روح كتمثال حزين من الشمع الأصفر مطرقا بنظره للأرض. ثم برزت أسنانه التي تغطت بلون أصفر خفيف من كثرة التدخين وابتسم كالحائر وهو يسأله:
- أحقا ما تقول؟! هل تمكنت من إقناعه؟ متى سيفعل ذلك؟ كنت متأكدا أنك قادر على إقناعه فأنت أقرب صديق له كما أنه قال مرارا لوالدته أنه يثق بك ثقة عمياء...
صمت الحاج عباس قليلا وهو ينظر إلى ناجي بانتظار أن يقول له شيئا ولما لاحظ أن ناجي بقي صامتا سأله من جديد:
- هل قال لك متى سيفعل ذلك؟
- عن قريب... عن قريب.
فهم الأب أنه قال ذلك كي يطمئنه. فلو كان الأمر حقيقة لأعطاه في أقل تقدير موعدا ما. خرج ناجي مسرعا وهو يكاد يتعثر بخطاه من الخجل بعدما أخفق في مهمته وخيب آمال الحاج عباس الذي بدأ صلاته وهو مشغول البال، والخواطر تعصف برأسه... تلى سورة الفاتحة وأخطأ في تلاوتها مرتين، كان شديد الخوف والقلق:
أتراه سيكون نذرا ننحره لسلامة الآخرين كحال أخيه الأكبر؟ هل سينجو مما هو فيه؟... كيف السبيل يالله للخروج من هذه المصيبة؟... لو تركته عندي فهو مقبوض عليه لا محالة... سيشي به أحدهم وسيدوس رجال الأمن منـزلي ليأخذوه حيث لا أدري إلى أين... وإن ذهب بنفسه فسيتعرض لعقوبة لا يحتملها ولن يرحمه أحد خصوصا وأن في عائلته معدوم... قد يعدم هو الآخر أو تقطع أذنه وسيبقى مشوها طيلة حياته وما الذي سيجنيه في الحالتين؟ لا شيء... لا شيء.
سار ناجي في طريقه إلى منـزله بينما كانت مشكلة صديقه أحمد لا تفارق لبه. استدار نحو منـزل صديقه الذي بقى مختبئا في منـزل أبويه منذ قرابة عامين حيث لم يذق جفنه طعم الغفوة المستقرة، وكلما زاره ناجي في غرفته الصغيرة في الطابق العلوي يراه منـزويا في أحد الأركان التي تعلوها آثار سوداء قديمة انبعثت من قنديله النفطي القديم.
نظر ناجي إلى غرفة أحمد التي تطل على حديقة صغيرة محاطة ببعض الأزهار ونبات الآس الذي يبعث رائحة خفيفة ذكرته برائحة جدته التي كانت تضع شيئا من أغصان تلك النبتة بين ثيابها في دولابها البني الداكن. كما كانت ترسله أمه لقطف بعض الأغصان من جارته أم حسن لتضعها في الأواني الفخارية أثناء المناسبات الدينية التي تواظب على إحيائها من دون تردد... كانت تخبرهم باستمرار أن هذه الطقوس التي تقوم بها تجلب لهم الخير والبركة وتحفظهم من كل سوء.
كان شباك غرفة أحمد موصدا غطي بستارة زرقاء سميكة تحجب نور الشمس الساطعة التي تسللت من خصاصات النافذة لترتطم بالستائر السميكة فيرتد نور الشمس حزينا نحو حديقتهم الصغيرة.
لم يفكر أحمد حتى بفتح شباك غرفته، أو ربما فكر بذلك ولم تأته الجرأة على فعل ذلك والإطلال من تلك الكوة ليحيي ناجي قبل أن يذهب إلى المعسكر عند فجر اليوم التالي.
عاد ناجي لمنـزله الذي كان على بعد أقل من خمسين مترا. كم مرة حاول أن يستدرج أحمد في الكلام ليعرف السبب الحقيقي وراء قراره المفاجئ في ترك الخدمة العسكرية لكنه لم يوافق أبدا على البوح بذلك السر وزاد استغرابه عندما لاحظ أنه يتحرج من تناول هذا الأمر.
أساءه حال صديقه الذي لا يجد مخرجا مما هو فيه كما أنه بدأ يلاحظ أنه حتى لا يسعى إلى البحث عن منفذ للخروج من هذه الأزمة.
أنهى الحاج عباس صلاته وهو ساه عنها. وعاد إلى صمته القلق وانتظاره الذي لا يدري إن كان سيطول أم سيقصر وإلى ما سيؤدي. وهل سيقدم ابنه الثاني كقربان جديد في درب المجهول.
كان عباس يشعر بأن أحمد أصيب بصدمة كبيرة بعدما فقد شقيقه الأكبر، وأصبح مستعدا لكل شيء ماعدا العودة إلى الخدمة العسكرية، إلى خدمة أناس سلبوه شقيقه الوحيد. لكنه لا يريده أن يرضخ ويستسلم إليها وعليه أن يواجه الحياة كغيره، وأن يدرك إنهم ليسوا العائلة المنكوبة الوحيدة على هذه الأرض، والحياة يجب أن تستمر، مع محمد أو من دونه.
كان الخوف والقلق رفيقي الحاج عباس في الليل والنهار... لم يعد قلبه المريض يقوى على تحمل الصدمات. فبعدما غاب ولده البكر محمد قبل أعوام ولم يعد، اعتصرت العبرة قلبه لسنين طويلة. أما زوجته فقد غدت فريسة للهم والحزن على ابنها الذي خرج ذات صباح ليقول لها وعلى وجهه ابتسامة متفائلة من وجه يجهل ما تخبئ له الأقدار:
- سأعود بعد ساعتين.
وها هي الأعوام تمضي من دون أن يعود أو أن يعثروا له على أثر!... أي ساعتين تلك؟! وهل توقف الزمن دون أن تنقضي تلك الساعتان ويعود محمد لأمه التي كانت آخر من رآه وسمع صوته.
كان يساعد أحمد وناجي في بعض المواد المدرسية قبل الامتحانات، فقد كان موهوبا في كافة المواد الدراسية ويعشق اللغة العربية والشعر الفصيح. ولا يضاهيه أحد بفصاحة اللسان وحسن البيان. وإن أعطي ورقة وقلما، أخرج من هاتين تحفة فنية وصورة بهية مرسومة بأبهى الكلمات.
كان يخشى الأوراق البيضاء... فينقض على الورقة، يرتمي فوقها، يهجم عليها بالقلم فيملؤها حكما وعبرا وأشعارا، ويتباهى بذلك أمام أهله وأصدقائه وهو يقرأ عليهم بفخر ما أنتج.
لكنه تغير فجأة وأصبح يكتب كثيرا دون أن يطَلع أحد على ما يكتب!
ارتاب والده من هذا التحول الغريب:
- لم أصبح محمد لا يطلعني على ما يكتب؟! لم بدأ يخبئ أوراقه عني؟!
عادت ذكريات الماضي للحاج عباس وادي الذي كان مناضلا إبان فترة شبابه بين صفوف الحزب الشيوعي.
كان حينها مليئاً بالحيوية والنشاط، قلب لم يخل يوما من التفاؤل بالغد. صوت عال يرن في الأفق فينتشر صداه في أرجاء البلد بتلك المواضيع والدراسات التي نشرها في صحيفة طريق الشعب عن إمكانية نجاح التجربة الماركسية في العراق.
ردد أفكاره أمام رفاقه بصوت عالٍ واندفاع ثوري... دون خوف، دون خوف!!
دارت الأيام دورتها القاسية، وخرجت الكرة من ملعبهم الفسيح، لينتهي بالتالي كرجل مسالم يفضل الكلام همسا!
إن تجرّأ على الكلام!
سعى مع رفاقه لتحويل العراق إلى دولة ماركسية عندما كان عبد الكريم قاسم في السلطة. لكنهم لم يفلحوا في تحقيق ذلك الحلم الذي تلاشى مع مرور الأيام. أما هو فقد تخلى عن ذلك الحلم منذ بدايته. زالت حيويته تدريجيا عندما صدم بالكثير من رفاقه الذين لم يتورعوا عن قتل البعض وتعليقهم على أعمدة الكهرباء في الموصل بتهمة القومية.
لم يكن يرغب أن يرى رفاقه يتحولون إلى جلادين، بدلا من أن يكونوا مفكرين.
دخل في صراع مع رفاقه في خليته الحزبية. ومن ثمة تردد في اتخاذ قراره بترك الحزب إلى الأبد. وحينما صعد نجم حزب البعث وأفلح في القضاء على عبد الكريم قاسم، تنبأ عباس وادي بالكارثة الكبرى التي ستحل بهم جميعا، وترك حينها الشيوعية إلى الأبد.
لم يرغب بالدخول في دوامة صراع الأحزاب، ففي تلك المعارك ليس هنالك منتصر، والكل خاسر بالنهاية. عندما تتصارع الأحزاب ليس هنالك رابح فإمّا الموت شهيدا معذبا في زنـزانة مظلمة في سبيل المبادئ المزعومة، أو الحصول على السلطة. ومن ثمة تبدأ مرحلة التهافت على الكراسي والمناصب، ولن يكون هنالك الماء الذي تطهر به الأيادي من دماء الغير، ولن ينفع حتى ماء بئر زمزم.
أحرق عباس وادي كتاب رأس المال، إنجيل الشيوعيين وكتبا أخرى قد تؤدي به إلى السجن بتهمة حيازة كتب ممنوعة، وأتلف مذكراته التي كان يدون فيها الكثير من أفكاره الثورية ونقاشاته مع رفاقه... وزالت معها الكثير من ذكرياته وقصائده التي كتبها في مقاهي شارعي الرشيد وأبو نواس حيث كان يجلس مع رفاقه.
ارتدى جلبابا وطاقية بيضاء وأصبح الحاج عباس... ودع الشيوعية إلى الأبد بقلب مكسور ومن دون دموع.
شهدت شخصيته تحولا كبيرا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والهدف هو البقاء حيا.
بقي حائرا أمام نفسه وهو يبحث عن شخصيته الحقيقية، فمن هو عباس وادي الحقيقي هل هو ذلك الشيوعي الجريء الذي كان غالبا ما توكل إليه مهمة تحرير النشرة الثقافية الخاصة بالخلية الحزبية التي كان ينتمي لها. ماض يقف أمامه دوما موقف المتحير. أيفخر بذلك الماضي كونه رجلا سياسيا ناضل في سبيل آراءه من دون أن يخاف من بطش السلطات؟ أيقف أمام الناس ويقول ها أنذا لقد كنت واحدا من أعلام الشيوعية وكنت على وشك تأليف كتب عن التجربة الشيوعية في الشرق الأوسط ولا تزال المسودات ومخطوطة الكتاب مدفونة في حديقة المنـزل تشهد على سلامة أفكاري وجرأتي؟
أم يبقى صامتا وفي الحلق غصة وفي القلب عبرة وهو ينظر إلى أحلامه وأحلام أبنائه تتحول إلى سراب؟! لا بل تمسخ إلى كوابيس مريعة. وهو يؤدي الفرائض اليومية ويصوم رمضان. دون أن يفكر بذلك عندما كان شابا.
أما تحول ابنه المفاجئ فقد أثار تساؤلات كبيرة بداخله، بحث الحاج عباس في غرفة محمد وبين أوراقه وفي دفاتره ليطلع على كتابات ابنه، وهو خائف من أن يكون قد سلك درب السياسة. ذلك الطريق الذي تشاءم منه وهجره منذ أعوام طويلة واعتبره كلعنة الفراعنة التي إن حلت ببيته فقد أعلنت عن نهايته الوشيكة...
هكذا بات ينظر إلى السياسة التي أفنت أصدقائه الواحد تلو الآخر كأحجار على رقعة الشطرنج.
لم يعثر عباس على شيء في غرفة ابنه، تنفس الصعداء وهو يهم بالنـزول، وفي تلك اللحظة حانت منه التفاتة عفوية إلى شباك الغرفة المطل على سطح المنـزل ليرى صينية معدنية قديمة بجانب الشباك وعليها رزمة أوراق محروقة!...
صعق عباس لذلك المشهد وتوجه مسرعا نحو السطح ليقف أمام تلك الصينية التي كانت تنثر رماد الأوراق على امتداد سطح المنـزل كأنها تذرف دموعا سوداء فوق منـزل لم يشهد منذ ذلك اليوم غير الأحزان.
فهم عباس حينها أن تلك الأوراق المحروقة ليست سوى منشورات سياسية أضطر محمد لحرقها لسبب ما وربما هو الذي حررها بيده.
وبعد أيام غاب محمد عن الأنظار تاركا أما ثكلى تنام دامعة العين وتحت وسادتها دواء القلب وآية الكرسي ملفوفة بقماش أخضر مع ورقة كتب عليها طلاسم وأدعية لرد الغائب إلى دياره، وهي تنتظر بشارة خير تراها في النوم.
أما الحاج عباس فقد بدأ يشكو من آلام القرحة في معدته، تقض مضجعه عند الليل بحرقة تمزق أحشاءَهُ. يحاول غالبا تسكينها بالحليب الذي لم يعد يسكن آلامه في الأيام الخوالي بعدما تبين أنه مغشوش، وقد خلط التجار الطحين مع الحليب! انتشرت البضائع المغشوشة خلال الحصار وأصبحت البضائع الجيدة ذكرى جميلة غابت مع أيام زمان.
مضت الليالي والأيام ولم يعد محمد...
جال الوالدان على مراكز الشرطة والمستشفيات بأسمالهم البالية التي لم يرغبا بتغييرها بثياب جديدة، وحتى عند حلول العيد لم يفكرا بشراء ثوب جديد، فالعيد هو عودة محمد إلى أحضانهم وليس نهاية رمضان.
لكن ما من أثر... ما من خبر...
كانا في البداية يبحثان عنه وهما واثقان من أنه لا يزال على قيد الحياة. وفي أحد الأيام تهيأ الحاج عباس للخروج عند الصباح فوقفت زوجته فوزية أمامه وسألته:
- إلى أين أنت ذاهب منذ الصباح؟
أجابها دون أن ينظر إليها:
- لدي مشوار مهم.
- لكنك بالأمس لم تقل لي بأن لديك مشوار!
- ها أنا أقول لك ذلك الآن.
فقالت له بإصرار نسائي:
- أنت لم تقل شيئا.
- ماذا تعنين؟
- أعني إلى أين أنت ذاهب؟
أجاب عباس مستسلما:
- أنا ذاهب إلى ثلاجة الموتى عسى أن أجد ابني هناك وأدفنه وأرتاح.
أجهشت فوزية بالبكاء وهي ترى زوجها قد يئس من ابنه فراح يبحث عنه بين الموتى الذين ينتظرون أن يرزقوا بالقبور. لم تجرؤ على زيارة ثلاجة الجثث في دائرة الطب الشرعي فقام زوجها بذلك بالنيابة عنها. كان ذلك المكان هو الوحيد الذي دخله الحاج عباس بمفرده دون صحبة زوجته.
بقيت فوزية تنتظره في الشارع أمام دائرة الطب الشرعي بينما راح هو يبحث عن ابْنهِ بين الأموات.
شاهد الكثير من الجثث دون العثور على ابنه الذي زالت آثاره على حين غفلة. بينما بقيت فوزية تقرأ الآيات القرآنية وتدعو الله أن لا يكون ابنها هناك... للمرة الأولى تزور فوزية مكانا بحثا عن ابنها وتتمنى أن لا تجده فيه!
وفي طريق العودة كانت تتأخر عن زوجها خطوتين وهي تقول:
- ليتنا لم ندعه يخرج في ذلك اليوم...
ليتني تعلقت برقبته كي لا يخرج ويتركني على هذا الحال بقلبـي المحترق عليه لوعة وكمدا.
التفت الحاج عباس إليها هازا رأسه متحسرا ثم قال بصوت مخنوق:
- ليتك تسكتين وتريحيني. قلت لك لا تأتي معي.
بقيت عائلته تنتظر لكن ما من خبر... وبعد أكثر من عام تناهت لأسماعهم في الحي أنه كان مرتبطا بتنظيم سري يسعى لتقويض النظام الحاكم، وأنه كان يجتمع بالخفاء مع خلية صغيرة بأحد البيوت في حي الشعب وألقي القبض عليهم جميعا...
وتم إعدامهم من دون محاكمة...
وجدوا عند أولئك الفتية حين مداهمتهم بيانات وكراسات تابعة لحزب الدعوة. ولم يعثر لهم أحد على جثة أو أثر، فقد تولت القيادة مهمة الدفن... ففي حالات مماثلة لا يفوتهم إتمام مهامهم حتى النهاية وعدم ترك أي أثر وراءَهُمْ...
انتشر الخبر في الحي، لم يعد هنالك من داع لمواصلة البحث عن محمد الغائب. ارتدى الحاج عباس جلابيته الرمادية وخرج للجلوس في المقهى بعدما مل من الجلوس بوجه زوجته التي لا تتوقف عن النحيب ليلا ونهارا.
حيىَّ الحاج عباس رواد المقهى الذين كانوا يشربون الشاي على أنغام أغاني ناظم الغزالي وهو يغني:
يابن الحمولة علية شبدلك
حسنك مرقيك لو عادة ألك
ماشفت مثلك بالعالم أبد
عالمودة تمشي شوية يا ولد
ابتسم الحاج عباس لجاره أبو راضي وحياه من بعيد. رد أبو راضي التحية ببرود ثم نظر إلى ساعته ودفع حسابه بسرعة وخرج. أخذ الحاج عباس رشفة صغيرة من قدح الشاي واستدار ليرى في زاوية المقهى أبو جميلة وهو يلعب الطاولي مع سليم الحداد، سلم عليهما فردا التحية وعادا للعب الطاولي حتى من دون أن يطلبا منه أن يجلس بجانبهما...
نظر إلى سامي الجايجي وهو يخرج القليل من الفحم من الكيس ويضعه تحت أبريق الشاي، ابتسم له وفكر بأن يتسامر معه قليلا ثم تردد وأطرق برأسه نحو الطاولة التي كان عليها آثار كتابة قديمة بالقلم الحبر لطلاب المدارس الذين يجلسون في المقهى ليدخنوا بعض السيكارات بسرعة قبل أن يعودوا إلى منازلهم.
سأل الحاج عباس نفسه:
- لم يا ترى يحاولون تجنب الكلام معي والتظاهر بأنهم مشغولون بأشياء أخرى؟!
أتراهم يخشون أن يصيبهم ما أصاب ابني؟! هه... وهل ما أصابنا هو وباء قد ينتقل للآخرين؟!... خسارة.
نهض الحاج عباس وتقدم نحو سامي الجايجي ليدفع له ثمن الشاي فقال له سامي ما إن رآه يضع يده في جيبه:
- كلا يا عم حسابك واصل... لا تدفع بالله عليك.
ابتسم الحاج عباس وهو يتحسر على الأيام الطويلة التي ضيعها في ذلك المقهى ثم وضع ثمن الشاي على الطاولة وخرج...
عاد لمنـزله وجلس على الأريكة قبالة زوجته التي كانت قد توقفت للتو عن البكاء.
سألته بصوت مخنوق:
- ها... لم عدت بسرعة؟!
- يبدو أنه من الأفضل أن لا أذهب إلى المقهى بعد الآن.
- لماذا؟... ما الذي حدث؟
- لا شيء. لكنني لم أرتح هناك، هذا كل ما في الأمر.
دخل الحاج عباس إلى غرفته وأسدل الستار، لم يكن راغبا حتى برؤية أشعة الشمس تجتاح مملكته المقوضة البنيان. أطلاله التي لن يقوم لها قائمة حتى لو أذرف عليها أنهارا من الدموع.
جلس على سريره وتذكر الشاعر الأعمى أبو العلاء المعري الذي أطلق على نفسه إسم رهين المحبسين، حبيس العمى والبيت.
ابتسم بيأس وهو يقول لنفسه:
- تسلى المعري بالقراءة والتأليف برغم فقدانه لحاسة البصر. فماذا سأفعل أنا وقد حكم علي أن لا أستخدم عيني لأبعد من قدمي؟ القراءة ممنوعة، والكتابة شبهة. الكتاب بحد ذاته جريمة قد تؤدي إلى السجن بتهمة حيازة كتب ممنوعة إن رغبوا بنعتها بتلك النعوت.
ومنذ ذلك الحين والجيران يتجنبون الاحتكاك بعائلة الحاج عباس خوفا من أن ينـزل عليهم غضب الجهات العليا التي زرعت عيونها النافذة البصر في كل الأزقة وحتى داخل البيوت.
وسمي منـزل الحاج عباس ببيت الخائن محمد.
لكنه لم يستطع الكلام، سيما وأنه خائف من افتضاح سيرته القديمة مع الحزب الشيوعي فآثر السكوت.
صمت عباس والقلب يغص بالأسى...
- وماذا لو فتحوا الأوراق القديمة وعادوا إلى سيرتي كشيوعي سابق؟! هل سيأخذونني أنا أيضا؟ ماذا لو اعتقلوني بنفس الزنـزانة التي مر بها ابني؟
أتراني سأقرأ شيئا كتبه بيده على الجدران؟ أتراني سأعثر له على أثر بمحض الصدفة؟ بيت شعر من تلك القصائد التي يحفظها أو مقولة لأحد الكتاب؟ كم سأسعد بتلك الكتابات. ستفوق سعادتي حينها سعادة موسى وهو يحمل الألواح المقدسة. فقد كسر موسى الألواح عندما غضب على قومه أما أنا فلن أضحي بتلك الكتابات حتى لو صبوا نار الدنيا على ظهري.
لم تصدق فوزية يوما أن ابنها مات.
بقيت تنتظر عودته على أمل أن تنقضي تلك الساعتين اللتين ادعى محمد أنه سيغيب خلالهما ولسان حالها يقول:
- قال لي إنه سيعود بعد ساعتين لكنه تأخر قليلا... ما الغريب في ذلك؟! هو سيعود.
نعم، محمد سيعود في يوم ما. ألا تعتقد ذلك؟
فينظر إليها زوجها متأففا من تكرار السؤال عشرات المرات في اليوم الواحد:
- كفى أرجوك. لقد تصدع رأسي بهذا السؤال.
ألم تملي؟!!! ألا تيأسي؟!!! كم أنت لجوجة!
ومن ثمة تسأل نفسها بصوت منخفض لا يسمعه غيرها:
- لكن هل سأكون على قيد الحياة عندما يعود؟ ربما سأكون قد التحفت التراب بدلا من هذا البيت التعيس... على الأقل سيزورني في قبري. وسأفرح بلقياه حية كنت أم ميتة.
2
بينما كان ناجي يعد حقيبته ويجمع أشياءَهُ التي سيأخذها معه في الغد، رنَّ الهاتف في إحدى زوايا صالة الجلوس وبعد ثلاثة رنات رفعت أمه سماعة الهاتف وقالت:
- ألو... ألو.
فلم يجب أحد، وبعد قليل رن الهاتف من جديد فنـزل مسرعا نحو غرفة الجلوس ورفع السماعة وقال:
- ألو... ألو... من على الخط؟ تكلموا...
صمت لبرهة بانتظار الرد ولكن ما من مجيب.
لصق سماعة الهاتف بقوة على أذنه وظن أنه سمع صوت أنفاس كانت مألوفة لديه... أم قد يكون تهيأ ذلك لا أكثر؟!...
كان يتمنى أن تكون ورود على الهاتف. اعتاد في الماضي أن تتصل به في هذه الساعة. ويبقيان يتسامران لساعة أو ساعتين دون أن ينقطع الكلام أو أن يصمتا للحظة. كانا في كل يوم يجدان الكثير من الكلام ليقولاه... وفي بعض الأحيان يتساءلان هل سيصلان في يوم ما إلى لحظة لا يجدان فيها ما يقولانه؟ كان الخوف من الغد لا يعرف طريقه إليهما.
لكن تغير كل شيء. ولم يعد الأمس كما اليوم. من يدري ربما هي التي اتصلت لتسمع صوته من دون أن تتكلم!! كيف يتأكد من ذلك؟ ولماذا تتصل بعدما انتهى كل شيء؟ ألا تزال تحبه؟! أم تراها ترغب أن تطمئن عليه قبل أن يذهب إلى معسكره؟
عاد ناجي أدراجه بصمت نحو غرفته، جلس لوحده بعض الوقت، لم يكن يعلم كم من الوقت مضى وهو على جلسته تلك غارق في أفكار بعيدة، متأمل في ذكريات تقاوم طيات النسيان، وتعاند الزمن بالتجدد والانبعاث من أعماق ذاكرته المشوشة كي تبقى قريبة منه ولا تذوب مع الأيام. ذكريات شامخة كجبل صخري يرفض أن يترك مكانه للغير. ذكريات غريبة الأطوار لا تقبل الاختباء خلف سدول الزمن.