eKtab
EN ع
ايديولوجية العولمة
Read free sample

ايديولوجية العولمة

by مازن منصور كريشان

Page 1

المقدمة

تتناول هذه الدراسة المسيرة التاريخية لموضوع " أيديولوجية العولمة "منذ العصور الوسطى على اعتبار أن " أيديولوجية العولمة" في جوهرها الفكري والديني وفي أهدافها ومخططاتها، هي إمتداد مرحلي لتلك الأيديولوجيات منذ تهويد المسيحية بحركة الإصلاح الديني البروتستانتي، والأيديولوجيات التي نظرت لها، " الماسونية المتهودة " منذ عصري النهضة والاستنارة.

إن الأيديولوجية (الصهيونية – المسيحية) هي التي تولت قيادة العولمة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية نحو تحقيق الهيمنة (الأوروبية – الأمريكية – اليهودية) منذ نشأتها وحتى وقتنا الراهن، واعتنق أيديولوجيتها وروج لها معظم الزعماء والقادة وقادة الفكر ورجال الدين في القارتين الأوروبية والأمريكية.

تم الترويج " لمصطلح العولمة " بصورة مكثفة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 عقب التداعيات الخطيرة التي أعقبت الحرب والمتمثلة بانهيار الاتحاد السوفيتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم والهيمنة عليه، وتولى المحافظون الجدد أتباع " الحركة الصهيونية المسيحية " الإدارة الأمريكية سواء على مستوى الرئيس أو المستشارين أو الوزراء أو قادة الجيش يساندهم في ذلك أباطرة المال اليهود.

وليس من باب الصدفة أن يكون أول المروجين للعولمة الأبواق الصهيونية من أمثال " توماس فريدمان " و " صموئيل هنتغتون " اللذان حفلت كتاباتهما ومحاضراتهما بالتحريض على إشعال فتيل المعارك السياسية والاقتصادية والحضارية على الأمة العربية والإسلامية بشكل خاص والترويج لمشروع " الشرق أوسطية " الذي تعود أصوله الى أفكار مؤسس الحركة الصهيونية " ثيودور هرتزل " والدفاع عن هذا المشروع باعتباره " عولمة مصغرة " وبمزايا الانفتاح على الآخر والتفاعل معه، والخصخصة وخطأ التمسك بالولاء التقليدي للأمة والوطن ومزايا السلام وأضرار الحرب ... الخ.

في الوقت الذي يفعل الكيان الصهيوني عكس ذلك تماماً فهو يتمسك بأيديولوجيته ويرفض الانفتاح على الآخر ويضحي بالاعتبارات الاقتصادية إذا تعارضت مع الأهداف السياسية، ويتدخل في كل كبيرة وصغيرة في الاقتصاد والمجتمع، ولا يتلقى العقوبات من صندوق النقد والبنك الدوليين متمسكاً بتعزيز قدراته العسكرية، بينما تخضع قدرات الجيوش العربية للمراقبة، ويؤكد هذا الكيان على قضية الولاء له والتمسك بالديانة اليهودية ويمارس الحرب بابشع صورها باستمرار، وذلك كله بدعم أمريكي لوجستي لم يسبق له مثيل في التاريخ.

وعلى الرغم من ظهور النزعة الصهيونية في تجليات العولمة المؤمركة بكل ما تحمله من معاني الحقد والكراهية والعنصرية التي مورست وتمارس ضد العرب والمسلمين، إضافة الى نهب أموالهم واغتصاب أرضهم ومنابع خيراتهم ومواردهم وحريتهم واستقلالهم السياسي والاقتصادي ومحاولة القضاء على خصوصياتهم وهويتهم الثقافية والحضارية من خلال دمجهم في نظام شرق أوسطي متناقض الأعراق والثقافات، يكون " للكيان الصهيوني" حق السيطرة عليه بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية قائدة العالم.

Page 2

على الرغم من كل هذا الوضوح لا تزال طائفة من الباحثين والمفكرين العرب عن قصد، أو غير قصد، يخلطون بين مفهومي " العولمة " بمعنى الهيمنة " الأمريكية – الصهيوينة " بما تحمله من أهداف ومخططات وبين " العالمية " بمعنى التفاعل والتواصل والتلاقح الحضاري بين الأمم والشعوب وأرهقوا عقول الناس في كتاباتهم ومحاضراتهم وندواتهم بالاستخدام المفرط للمصطلحات السياسية والاقتصادية الغامضة في تعريف العولمة، هل هي العالمية أم الكوكبة أم الكونية أم الأمركة ... الخ.

ذلك الغموض في فهم المصطلحات أو التضليل المقصود تسبب في انقسام الباحثين وبالتالي القراء الى ثلاث اتجاهات حول ظاهرة العولمة بين " مؤيد ورافض ومحايد " وعليه جاءت هذه الدراسة محاولة لسبر الأغوار الفكرية لهذه الظاهرة التي شغلت العالم بما فيها امتنا العربية والإسلامية منذ أكثر من عقدين من الزمان ومحاولة إزالة الكثير من الغموض أو التضليل الذي يكتنفها.

يتألف هذا الكتاب من مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، تناول الفصل الأول:

مفهومي" الأيديولوجية والعولمة " في عنوانين رئيسيين، الأول اهتم بتطور مفهوم الأيديولوجية عبر تصفح تاريخ الفكر الإنساني لدى اليونانيين والرومانيين ولدى الأوروبيين في العصور الوسطى وعصري النهضة والأنوار، ومفهوم الأيديولوجية لدى الحركة الماسونية التي نظرت للفكر والحركات الأيديولوجية الشمولية المعاصرة وتناول أيضاً التعريف اللغوي والاصطلاحي للأيديولوجية لدى مختلف المدارس الفكرية والفلسفية. أما الثاني فقد تناول تعريف مفهوم العولمة والإشكاليات التي واجهت المفهوم، والتعريف اللغوي والخطابي ( الاصطلاحي ) من زواياه المختلفة التاريخية والاقتصادية والحضارية والأيديولوجية وتم التركيز على البعد اليهودي للمفهوم.

الفصل الثاني: تناول البعد الديني لأيديولوجية العولمة الحركة ( الصهيونية المسيحية ) في موضوعين، الأول نشأة الصهيوينة المسيحية في بريطانيا موضحاً مفهوم الصهيونية المسيحية وعوامل نشأتها وابرز دعاتها ورموزها في بريطانيا وبعض دول أوروبا والتركيز على البعد اليهودي في نشأتها، وتناول الثاني نشأة الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية وعوامل نهوض الحركة فيها وابرز منظماتها ووسائلها الإعلامية ومرتكزاتها الأيديولوجية.

الفصل الثالث: تناول البعدين الاقتصادي والسياسي لأيديولوجية العولمة، في موضوعين: الأول البعد الاقتصادي من حيث العلاقة بين الرأسمالية والعولمة والتعريف بالرأسمالية واهم مفاتيح النظام الرأسمالي وأشكال الرأسمالية وعيوبها وتوضيح العلاقة بين الليبرالية والرأسمالية والعولمة مع بيان أنواع الليبرالية موضحاً أهم مرتكزات البعد الاقتصادي لأيديولوجية العولمة والآليات الاقتصادية التي تعتمد عليها، وجاء الموضوع الثاني البعد السياسي لأيديولوجية العولمة ليلقي الضوء على الآليات السياسية التي تعتمدها والأهداف السياسية والأمنية التي سعت الى تحقيقها والتحديات السياسية التي واجهت النظام العربي في ظل العولمة.

الفصل الرابع: تناول البعد الإعلامي لأيديولوجية العولمة في موضوعين رئيسيين تناول الأول أهمية الإعلام لأيديولوجية العولمة من حيث ابرز الوسائل الإعلامية ممثلة بالمجموعات الإعلامية الكبرى وشبكة الانترنت والسينما ووكالات الأنباء مبيناً سيطرة اليهود على جزء كبير من تلك الوسائل، وتناول الثاني الأبعاد الثقافية والدعائية لإعلام العولمة موضحاً العنف الثقافي الذي تمارسه العولمة من خلال آليتي الغزو الثقافي والاختراق الثقافي والأساليب المستخدمة في كليهما، ومبيناً ابرز نماذج العمل الدعائي ضد الأمة العربية والإسلامية منذ الحروب الصليبية.

Page 3

تحليل المصادر والمراجع

لقد أفدت من مصادر كثيرة تنوعت ما بين كتب التاريخ السياسي والاقتصادي والفكري، العربية والمعربة والرسائل والاطاريح والمعاجم والموسوعات والبحوث المنشورة وغير المنشورة والمجلات والصحف والانترنت ومن المشاكل التي واجهت الباحث أن عشرات المصادر التي كتبت عن العولمة في بداية القرن الحادي والعشرين جاءت تكراراً لما كتبه أوائل الباحثين في العولمة في بداية ظهور المصطلح في تسعينيات القرن الماضي دونما إضافة تزيل الكثير من الغموض الذي اكتنف كتابات الباحثين الأوائل في العولمة أمثال: سمير أمين، جلال صادق العظم، سيار الجميل، برهان غليون، محمد عابد الجابري، إسماعيل صبري عبد الله، محمد علي حوات، عبد الكريم بكار، وجلال أمين، فشاب كتاباتهم الإسهاب في استخدام المصطلحات السياسية والاقتصادية الغامضة التي لا يفهمها القارئ العادي، والتركيز على البعد الاقتصادي على حساب الأبعاد الأخرى، ولم يحسموا في كتاباتهم بشكل واضح وجلي قضية الربط بين العولمة وجذورها من الناحيتين الفكرية والتاريخية وبالتالي انعكس ذلك على عدم حسم مفهوم العولمة.

ومن الصعوبات أيضاً قلة المصادر التي تكشف الدور اليهودي في الإفساد العالمي منذ العصور الوسطى الى الفترة الراهنة وان وجدت فإنها تخلو من التوثيق أو غير معترف فيها من قبل بعض الباحثين والدوائر الأكاديمية المختلفة مثل كتب: " بروتوكولات حكماء صهيون أو حجار على رقعة الشطرنج وكتب الماسونية المختلفة ".

ولقد أفدت من الكتب المقدسة القرآن الكريم والتوراة والإنجيل (المحرفتان ) في الكشف عما تنطوي عليه نفسية اليهود من حب الاستعلاء والسيطرة المصحوب بالإفساد والنظرة الفوقية الازدرائية للبشر القائمة على الحقد والاستغلال والغش والغدر والعنصرية البغيضة والمختزلة بالمقولة اليهودية " شعب الله المختار".

وقد أفادت الدراسة في موضوع مفهوم الأيديولوجية وتطور الفكر الإنساني عبر التاريخ الى يومنا هذا من كتاب الأيديولوجية والمعرفة لبكري خليل، وكتاب تاريخ الفكر الفلسفي أرسطو والمدارس المتأخرة لمؤلفه محمد علي أبو ريان، ومن كتاب جاهلية القرن العشرين لمؤلفه محمد قطب، ومن كتاب تاريخ أوروبا لمؤلفه محمد محمد صالح، ومن كتاب فلسفة عصر النهضة لمؤلفه ارنست بلوخ، ومن كتاب فلسفة الأنوار لمؤلفه جورج بوليترز، وكتاب تطور الأيديولوجية العربية الثورية لمؤلفه الياس فرح، وكتاب دراسات أيديولوجية في الحالة العربية لمؤلفه تركي الحمد، لقد وضحت تلك المصادر تطور مفهوم الأيديولوجيات عبر استقراء تاريخ الفكر الإنساني منذ زمن اليونانيين الى الفترة الراهنة وتطبيقات هذا الفكر عبر أيديولوجيات شاملة ارتقت في عالم الناس الى أنظمة حاكمة.

كما أفادت الدراسة عن حقيقة الدور اليهودي عبر التاريخ منذ العصور الوسطى حتى الآن من خلال العمل على عدة محاور " البروتستانتية، الماسونية، الشركات متعدية الجنسيات، العلمانية الشاملة " من كتاب جاهلية القرن العشرين لمؤلفه محمد قطب، وموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية لمؤلفها عبد الوهاب المسيري، وكتاب الأدبيات الماسونية لمؤلفه حسين عمر حمادة وهذا الكتاب هو في الأصل أطروحة دكتوراة، وكتاب الماسونية ماضيها وحاضرها لمؤلفه سعيد الجزائري، وكتاب السر المصون في شيعة الفرمسون لمؤلفه لويس شيخو، وكتاب حجار على رقعة الشطرنج لمؤلفه وليام كار، وكتاب بروتوكولات حكماء صهيون لمؤلفه احمد حجازي السقا، ومن كتاب عولمة الإرهاب لمؤلفه احمد طحان، حيث تكشف تلك المصادر جميعها عن الدور اليهودي في التخطيط لإقامة الحكومة العالمية عبر السيطرة على مصادر المال والإعلام ومحاربة الأديان وإشعال الثورات والإفساد في الأرض.

Page 4

أما عن الدور اليهودي في تهويد الكنيسة والمساهمة في إنشاء الحركة الصهيونية المسيحية واتخاذها غطاءً لتحقيق أهدافها الاستراتيجية فقد أفادت الدراسة من الكتب العربية والمعربة مثل كتاب البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني لمؤلفه يوسف الحسن وهو في الأصل أطروحة دكتوراة ومن كتاب الأصولية المسيحية لمؤلفه جورجي كنعان، ومن كتاب الصهيونية المسيحية لمؤلفه بول مركلي، ومن كتاب الصهيونية المسيحية لمؤلفه محمد السماك، ومن كتاب الإمبريالية الجديدة لمؤلفه ديفيد هارفي، ومن كتاب النبؤة والسياسة لمؤلفته جريس هالسل، وغيرها كثير ومن الكتب الأجنبية كتاب (الإنجيل والسيف) Bible and Sword لمؤلفه المؤرخة اليهودية (باربارا توشمان) Barbara Tuchman ومن كتاب (الصهيونية في أمريكا) Zion in America لمؤلفه (هنري فنغولد) Henry L. Feingold) وكتاب (الصهيونية غير اليهودية) Non- Jewish Zionism لمؤلفته (ريجينا الشريف) Regina S. Charif تلك المصادر تبين مفهوم الصهيونية المسيحية ونشأتها في إنكلترا وفي تحولها الى الولايات المتحدة الأمريكية مع الثورة الأمريكية عام 1776 ومعتقداتها واهم دعاتها ورموزها والسياسيين الأوروبيين والأمريكيين الذين تبنوا فكرها وتحقيق أهدافها ، وأفدت كذلك من الصحف الأجنبية العالمية حول نفس الموضوع مثل (النيويورك تايمز) New York Times و (الواشنطن بوست) Washington Post وغيرها.

وفي موضوع البعد الاقتصادي والسياسي لأيديولوجية العولمة مرتكزاتهما واهدافهما وآلياتهما افادت الدراسة من كتاب العولمة وفجوة الامن في الوطن العربي لمؤلفيه ثامر الخزرجي وياسر المشهداني، وكتاب العولمة الاقتصادية لمؤلفه محمد خالد المسافر، ومن أكثر من خمسة وأربعون بحثاً صادرة عن مركز الدراسات الوحدة العربية وبيت الحكمة. ومن الرسائل والاطاريح الصادرة عن معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا ومن المعهد العالي للدراسات السياسية والدولية/ جامعة المستنصرية.

وكان لإعلام العولمة ووسائله وأساليبه في الغزو والاختراق ومخاطره الثقافية حضور في كتاب العولمة الإعلامية لمؤلفه عبد الجبار الحديثي، وكتاب الأبعاد السياسية للتدفق الإعلامي بين الشمال والجنوب لمؤلفه سلام خطاب الناصري، ومن كتب المرجع في الحرب النفسية، والإسلام فوبيا، وإمبراطورية تطفو على سطح الإرهاب لمؤلفها الباحث المتخصص في الحرب النفسية مصطفى الدباغ، وكان للأبحاث غير المنشورة لمديرية التوجية المعنوي وكلية الدفاع الملكية الأردنيتين حضور واضح في هذا الموضوع.

لقد بذلت اقصى طاقتي، وحرصت ان اجمع من المعلومات حول موضوع أيديولوجية العولمة، ما اسعفني به الوقت، وسمحت به الظروف الامنية الحرجة، ولكن لكل شئٍ اذا ما تم نقصان فالكمال لله وحده سبحانه وتعالى.

ولكني سأنهل من افكار اساتذتي الافاضل رئيس واعضاء لجنة المناقشة ما يرتقي بمستوى هذه الدراسة فكرياً ومنهجياً وعلمياً، خدمةً للعلم الذي اوصى به الله جل جلاله في كتابه العزيز } اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {5}" صدق الله العظيم.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسولنا ونبينا محمد وعلى اله الطيبين وما توفيقي الا بالله العلي العظيم.

المؤلف

Page 5

الفصل الأول

مفهوم الايديولوجية والعولمة

مفهوم الأيديولوجية

اولاً: تطور مفهوم الأيديولوجية

ان تقديم تاريخ الفكر الانساني على موضوع تعريف مصطلح الأيديولوجية من اجل وضعه في سياق واضح، يجعل من الممكن استيعاب مشكلات التعريف في اطارها المناسب، ومن ناحية اخرى يجعل مسألة المصطلح جزءاً متمماً ومتوافقاً مع التطور التاريخي للفكر الانساني، فقد جاءت العناية بالمصطلح متأخرة كثيراً على الرغم من سعة التراث الخاص بهذا الشأن.
يمثل تحديد تاريخ معين لظهور الأيديولوجية واحداً من المسائل الخلافية غير المتفق عليها بين دارسي الفكر الأيديولوجى، ويعود السبب الى سعة الدائرة التي تشغلها الايديولوجية في مراحل تطور الانسانية بحكم تلازم وترادف الأيديولوجية مع تاريخ المجتمعات، وهي تواجه قضاياها، وتتلمس طريقها لبناء مستقبلها، وتكوين مفاهيمها، وصياغة تصوراتها، واشكال وجودها (1).
ان تصفح تاريخ الفكر الانساني يفيدنا بان اشكالية العلاقة بين الفكر والعمل قد حملت حصيلة البحث عن عناصر التفاعل منذ ازمان بعيدة لاكتشاف ابعاد وحدود العلاقة بين الانسان وبيئته، ومن ثم في قيمة المعارف الاجتماعية وصلتها بالفرد (2).
أ. مفهوم الايديولوجية لدى اليونانيين
ويمكن ان نستشف من الاسهامات الفلسفية التي اهتمت بتطبيق العلوم منذ نشأت الفكر اليوناني بعض مقدمات جديرة بالاعتبار للتقصي في نشأة التصور الفلسفي لماهية النظرية الأيديولوجية، انطلاقاً من التمييز بين المعرفة النظرية، والمعرفة العملية، مروراً بمختلف حلقات التطور العام للفكر الاجتماعي، والسياسي، والفلسفي حتى عصرنا الحاضر.
مثلت الفلسفة خلال تلك المدة الزمنية، فكرة توحيد المعرفة، والفضيلة، وماهية الوجود وغايته، وكان الانسان الذي ظل عندهم صورة مصغرة للكون لا يصيب خيراً الا اذا كان ذلك الخير مستمداً من خير العالم، لان الخير هو اساس الوجود والمعرفه على السواء، وعلى الرغم من اختلاف المذاهب الفلسفية اللاحقة فان تلك النظرة العضوية بين الاخلاق والسياسة ظلت قائمة، وقد اقترنت فيها الاخلاق بافعال الفرد الارادية من حيث هو، بينما اقترنت السياسة بالبحث في افعال الفرد من حيث هو عضو في المجتمع (3).
وكان في اعتقادهم ان العلم النظري يهدف الى طلب الحقيقة من دون منفعة عملية، ولهذا فان موضوعه مجرد المعرفة، اما العلم العملي فيستهدف المنفعة وهو مصدر حكمه على الجزئيات، فيثير امر قبولها او رفضها، ومن هذا التقسيم للمعرفة لذاتها، والمعرفة الموجهة للعمل اوضحوا ان الحكمة العملية والحكمة السياسية يقترنان في الذهن مع اختلافهما في الجوهر(4).
وقالوا بتبعية العلم للحياة واستمداد العلوم كافة لقيمتها من منفعتها فحسب، مما وضع الحكمة متممة وصنواً للحكمة النظرية، فعدوا توحيدهما شرطاً لامكانية قيام الاخلاق (5) .
الفلسفة اليونانية قدست العقل على حساب الروح، ومن جراء ذلك التقديس حدثت جملة انحرافات كبرى، فما لا يستطيع العقل ادراكه يصبح شيئاً ساقطاً من الحساب، وكل الوجود يتناول من جانبه العقلي وحده بما في ذلك الوجود الالهي ذاته، فالله – سبحانه وتعالى – موجود بمقدار ما يستطيع العقل ان يدركه، ولا وجود له الا في داخل ذلك الاطار اما الادراك الروحي لله فضعيف الاثر جداً في الفكر اليوناني (6).
ب. مفهوم الايديولوجية لدى الرومان
قام الفكر الروماني على مبادئ الايمان القوي بالمادة على حساب الروح، فالوجود هو الوجود المادي، الوجود الذي تدركه الحواس، اما الذي لا تدركه الحواس فهو شئ لا وجود له، ومن ثم كان اشد الجوانب ضحالة في حياة الرومان جانب العقيدة (7).
واهتم الرومان باللذائذ الحسية بشدة الى درجة تجاوزت لذائذ الجنس - البالغة حد الابتذال – الى لذة الاستمتاع الوحشي باراقة الدماء والقتل والتعذيب والتمثيل في لعبة المصارعة الوحشية المفضلة لديهم، التي يتصارع فيها الارقاء وسادة الرومان يتابعون منظر شق البطون وتقطيع الاوصال بلذة وشغف حتى يقتل احد المصارعين الاخر (8).
ومن مرتكزات الفكر الروماني ايضاً ( الطبقية ) وتقسيم المجتمع الى نبلاء وعبيد والعدل الروماني الشهير للرومان فقط يستمتعون به لوحدهم، اما بقية الشعوب المستعمرة المستغلة التي تكون الامبراطورية الرومانية الواسعة فهم عبيد لا عدالة لهم ولا حقوق وعليهم فقط واجبات تجاه الامبراطورية (9)، فالعدالة هي ما يؤمن به الاقوى ويفرضه على الآخرين.
جـ. مفهوم الايديولوجية في العصور الوسطى
كانت المسيحية – ككل دين منزل من عند الله عز وجل – عقيدة وشريعة، وان كانت لم تأت بتفصيلات تشريعية فذلك لان شريعتها الاساسية كانت التوراة مع التعديلات غير الكثيرة التي انزلت على النبي عيسى عليه السلام في الانجيل: " ومصدقاً لما بين يدي من التوراة، }َوَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُم{ (10)، فكان المفهوم الطبيعي للمسيحية ان تحكم بشريعة الله المنزلة في التوراة مع مراعاة التعديلات الواردة في الانجيل (11) .

Page 6

ولكن الذي حدث بالفعل لم يكن كذلك فعلى الرغم من النفوذ الضخم الذي زاولته الكنيسة الكاثوليكية في اوروبا في العصور الوسطى، فلم تكن الشريعة الالهية مطبقة في غير قانون ( الاحوال الشخصية ) اما دافع الحياة الاكبر فلا تحكمه شريعة الله، وانما كان يحكمه القانون الروماني، وذلك الفصل بين الدين والحياة الواقعية كان سمة من سمات العصور الوسطى في اوروبا (12).
سادت في اوروبا في العصور الوسطى مؤسستان رئيسيتان هما، الكنيسة الكاثوليكية في روما والامبراطورية الرومانية المقدسة وكانت المؤسستان في صراع مستمر منذ القرن الحدي عشر على السلطة الزمنية مما ادى الى اضعاف المؤسستين بسبب الثورة الدينية التي فجرها مارتن لوثر (13) سنة 1517 فظهرت كنائس قومية بروتستانتية وكاثوليكية (14).
وكانت الثورة الدينية لعوامل كثيرة فبالاضافة الى العامل الديني كان هنالك العامل القومي، وطموح العوائل المالكة ومنازعاتهم، والحركة الفكرية والانسانية، والاستكشافات الجغرافية، والتقدم الاقتصادي، وظهور الطبقة الوسطى والرأسمالية الحديثة، وعوامل كثيرة ادت الى تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية، زعزعت المجتمع الاوروبي اكثر من قرن ونصف (15).
لقد شعر الناس بوجود مساوئ كثيرة في الكنيسة، من فساد رجال الدين، وفرض الضرائب الباهظة والكثيرة، كما ان الملوك والامراء والنبلاء كانوا يحسدون الباباوات ورجال الدين على صلاحياتهم الواسعة، وجمعهم الاموال الطائلة باسم ضريبة القديس وضريبة التوبة ـ والزواج، وغيرها من الاجور التي كانت تتكدس في خزائن الكنيسة وكان امراً طبيعياً ان (تأتي النهضة الاوروبية الحديثة) على مبعدة من الدين او على عداء مع الدين(16).
قامت الحروب الصليبية في العصور الوسطى (17) بين اوروبا والمسلمين في الشرق، وعلى الرغم من ان اوروبا لم تكن في حقيقتها ملتزمة بمسيحيتها الا انها تجمعت وتعصبت لمحاربة المسلمين، حرباً وصلت الى حد الوحشية في كثير من الاحيان، والتعصب ذاته دليل على التدين الزائف(18).
ولكن وجه الغرابة في ان تشن تلك الحرب باسم الدين المسيحي الذي يحرم كتابه المقدس (الانجيل) اللجوء الى العنف: " سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن واما انا فأقول لكم لا تقاموا الشر، بل من لطمك على خدك الايمن فحول له الاخر ايضاً" (19).
كانت الأيديولوجية الصليبية تعبيراً عن مجتمع غرب اوروبا في القرن الحادي عشر، افكاره، وقيمه، واساطيره، وروحه العسكرية، والمتغيرات الاجتماعية التي طرأت عليه ذلك المجتمع الذي فصل الدين عن واقع الحياة وجمع بين الوثنية والنصرانية. فكان طبيعياً ان يمتزج التعصب الديني كغطاء للحروب الصليبية مع دوافع رجال الدين والاباطرة والنبلاء المادية، ومشاعر الطمع والاستمتاع لديهم بخيرات الارض المقدسة التي تفيض باللبن والعسل، ودوافع الرعاع وعامة الشعب الذين اندفعوا من كل انحاء اوروبا رافعين راية الصليبيين هرباً من العمل الاقطاعي الشاق فكانت فرصة للمجرمين على اختلاف مستوياتهم للنهب والقتل والاغتصاب (20).
وكان احتكاك الصليبيين بالعالم الاسلامي ايذاناً بتحول جذري في الحياة الاوروبية، كما كان اتصال اوروبا بالاسلام في المغرب والاندلس هما اللذان احدثا النهضة الاوروبية الحديثة (21) وبدلاً من ان تهتدي هذه النهضة بالمنهج الرباني الذي انشأ الحضارة الاصلية التي اقتبستها اوروبا، فانها راحت تخاصم الاسلام في ضراوة وفي الوقت ذاته تخاصم (الدين) بشكل عام (22).
د. مفهوم الايديولوجية في عصري النهضة والاستنارة
دخلت اوروبا عصر النهضة في ظل ذلك الازدواج بين الوثنية والمسيحية ولكن بدأ الابتعاد عن الدين بالتدريج فاصبحت النهضة الفكرية والحضارية تسيطر على الحياة الواقعة وظهر في النصف الثاني من القرن السابع عشر مذهب (الدين الطبيعي) (23)، Deism متأثراً بالتقدم العلمي والفلسفي، فقد اخذ العلماء يكتشفون ( القوانين الطبيعية ) التي تسير الكون في نظرهم وينسبونها الى ( الطبيعة ) كقضية مسلمة لا يناقشها العقل، ولا منطق العلم الذي اكتشف تلك القوانين.
وظل التلازم بين الاخلاق وسائر الفكر الاجتماعي حتى جاء مشروع (ميكافيلي) (24)، N. Machiavelli وانهى ذلك التلازم ورفع شعار ( الغاية تبرر الوسيلة ) وبدت سمات الايدوليوجية تظهر في دعوته للاصلاح ووضع المصلحة الوطنية معياراً للسلوك وتبرير سلوك السلطةوتأسيس المشروعية السياسية وشكل الحكم (25) .
وكان اهم ما سعى اليه مفكرو ( عصر النهضة ) ربط ودمج الانسان وتوحيده بالعالم الطبيعي والتاريخ، وفهمه عبر هذا المنظور في تصور الحرب والسعادة واعاد المذهب الانساني (26) التعريف بالمدارس الفلسفية، ونتاجات الطب والرياضيات مما فتح الطريق لمساءلة التراث والنظر الى الطبيعة مجالاً يستنطقه الانسان، فأصبح الدرب سالكاً لنقد اللاهوتية المدرسية والفكر اليوناني الذي سادها على وجه الخصوص، ومن ثم التقدم باتجاه بناء العلم الحديث (27).
وعلى الرغم مما انجزته ( النهضة الاوروبية ) وما حققته حركة الاصلاح من تفكيك لدور ووحدة الكنيسة الغربية فقد ظلت أيديولوجيات ذلك العصر تتصف بمكونات روحانية وعناصر اسطورية ودينية تتمثل بها في الحياة ما هو قدسي ومطلق، ضمن ما يجري من علمنة لصورة العقيدة (28).
ومع حلول القرن السابع عشر الذي يسميه مؤرخو الفكر(بعصر العقل والاستنارة) اخذ المذهب الانساني يؤتي اكله لما تحقق من تحولات كبيرة نحو المعرفة العقلية وارساء اسس التقدم العلمي، وكانت الفكرة الاساسية للتنور او الاستنارة هي الاعتقاد السائد بان عقل الانسان قادر على ادراك النظام العالمي وفهم كنهه والسيطرة عليه وتسخيره لفائدة البشردون اللجوء الى اللاهـــوت والمعجزات، وقد اراد المتنورون كسب اعتراف العالم بمبادئ العلوم الطبيعية والافكار المنبثقة عنها في حقل الفيزياء والفلسفة والديــن
والتاريخ والسياسة والقانون (29).

Page 7

ويمكن اجمال الثورة الفكرية في القرن الثامن عشر في اربعة عناصر اساسية (30) :
(1) احلال الطبيعة محل ما وراء الطبيعة، والعلم محل اللاهوت والافتراض بان العلم المادي يقوده ويسيطر عليه القانون الطبيعي.
(2) السمو بالعقل البشري الذي يجب ان يستخدم لاكتشاف القوانين الطبيعية وتكييف حياة الفرد بحسبها.
(3) ان استخدام العقل والتفكير وطاعة القانون الطبيعي يؤدي الى التقدم السريع وبلوغ الكمال في النهاية.
(4) الاهتمام بحقوق الانسان والسعي من اجل تكوين مجتمع انساني افضل (31).
هـ. مفهوم الايديولوجية لدى الماسونية (32) .
ساعد انتشار (الدين الطبيعي) Deism في ظهور الماسونية وانتشارها في انكلترا في مطلع القرن الثامن عشر ومن ثم انتشرت في جميع انحاء العالم وساهمت في نشر الالحاد في كل مجالات الحياة، ومن رحم الماسونية المتهودة ولدت الأيديولوجيات المعاصرة التي اتجهت فيها الفلسفاتالاجتماعية نحو منعطف جديد وخطير حيث اصبحت أيديولوجيات تغيير وقدرة على ابراز الاهداف وتحريك المشاعر وتهيئة الحركات والثورات (33) .
ومن ابرز واهم ما حققته الماسونية في مجال التنظير الايديولوجي وتطبيقاته على ارض الواقع ما يلي:
(1) تهويد الكنيسة من خلال الحركة الصهيونية المسيحية (34) هذه الأيديولوجية التي انتعشت مع حركة الاصلاح الديني في القرنين السادس عشر والسابع عشر ثم بلغت ذروة نشاطها في القرن التاسع عشر في انكلتـرا ثم انتقلت الى الولايات المتحدة الامريكية وقد قامت الدولتان بمناصرة هذه الحركة وتبني اهدافها والعمل على تحقيق طموحاتها التي كان من اهمها قيام الدولة اليهودية (35) .
(2) التخطيط والتنظير لاشعال الثورة الفرنسية عام 1789 (36) . لقد اسهمت افكار الماسونية المتهودة (37) الفلسفية في استقطاب النقد ضد الطغيان وحولته الى مفاهيم ونظريات لتغيير البيئة الاجتماعية وتنشيط التثقيف ضد الحكم المطلق، فبينما كانت الطبيعة والعقل والحرية تأخذ مكانها بدت الفترة المتأخرة من التنوير تعطي السياسة مضاميناً حماسية وعاطفية وبات العقل في موضع الارتياب، وبات مشروع التنوير يخطو نحو تحريك الواقع وهدم النظام القديم بالفعل وبالتالي الوصول الى مرحلة الثورة الفرنسية ضد النظام الملكي (38).
غير ان فرنسا في اعقاب الثورة الفرنسية شهدت انفصالاً واضحاً بيــن الأيديولوجية العقلانية التي فلسفة نزعت البرجوازية (39) الصاعدة لامتلاك نظرتها الشمولية وبين خطى الارتداد البرجوازية على مشروعها التنويري والثوري والتي اخذت بعد تسلمها السلطة تسعى للانفراد به، بل كان لتخطيطها اثار واضحة دلت على نهجها في تصفية مبادئ الثورة الواحدة تلو الاخرى في ظل الارهاب والازمة السياسية والاجتماعية والتوسع والعداء الخارجي والانقلاب على الشعارات التي بشرت بها، مما ادى الى انتقال فرنسا من الجمهورية الى الامبراطورية (40).
وفي هذه المرحلة الثورية عكست الحركة الفكرية الصراع الاجتماعي فانفرطت الاطر التقليدية، واكتسبت اللاعقلانية قوةً ورصيداً، واستخدمت العاطفة والغريزة، فتسرب الشك الى اولوية العقل، بينما كان البحث العلمي هو ميدان الاتجاه العقلاني، كما اصبحت علوم الانسان مجال الأيديولوجيين الذين تمسكوا بالعقل والتجربة خصوصاً (41) .
فتيار الأيديولوجيين هو ذلك التيار الذي انبثق من رحم الماسونية المتهودة من عصر النهضة وبلغ قمته مع تأسيس معهد فرنسا وفرعه اكاديمية العلوم الاخلاقية والسياسية، وفي ظل العاصفة التي تلت الثورة انصرف الأيديولوجيين الى اعادة تنظيم التربية الوطنية بانشاء مدارس مركزية لهذا الغرض، وكان ابرزهم (دي ستت دي تراسي)(De Stutt De Tracy (1754 –1836) (42) الذي ابتدع مصطلح الأيديولوجية لاول مرة في 23مايس1797(43).
وتوصل دي تراسي الى نتيجة فحواها ان الأيديولوجية هي فرع من(الزيولوجيا) (Zoology (44). بمعنى انه حلل النفس الانسانية على اسس بيولوجية، وبمعزل عن أي مفاهيم دينية، لانه كان ينكر أي واقع مجاوز لما هو محسوس ويقول: " ان افكارنا ابتكارات خالصة من عقولنا " (45) . وللأيديولوجية عند دي تراسي معنيان هما:
الاول المعنى الواسع: يرى ان وظيفة الأيديولوجية هي استعادة وحدة العلوم وان الوجود هو مجالها، ويقصد بوحدة العلوم، "وحدة وجهة نظر الانسانية، أي المصادر المشتركة للعمليات الثلاث التي تتمثل بالحكمة، والمنطق، وفعل الارادة، وتلك العمليات التي تمدها فنون المنطق والنحو والصرف والاخلاق بقواعدها العملية التي لا تدع خارج نطاقها أي فاعلية انسانية "(46).
المعنى الثاني وهو المفهوم الضيق للايديولوجية: ويعني به تحليل المكانة الإنسانية او "علم الافكار" الذي يبحث في عملية نشوء الافكار، وهي موضوع ذلك العلم، اما وظيفته فهي تحليل الافكار المركبة الى افكار بسيطة ومن ثم الى احساسات ومدركات حسية وعليه فان الأيديولوجيا تصبح علماً فلسفياً لتوضيح الابعاد المعرفية ويقينيتها (47).
بمكن القول ان مرحلة التنوير والثورة الفرنسية قد مهدت الى ما طرأ على المشهد الأيديولوجى من تغييرات في التصور والملامح، والتي تعد ارضية للأيديولوجية المعاصرة، بعد ان استقرت منظوماتها واتخذتها قوى اجتماعية واسعة دليلاً لها، ومذاهب تنضوي فيها وتناصرها.

Page 8

(3) من اخطر انواع التضليل الفكري الذي تبنته الماسونية المتهودة هو (نظرية التطور) لصاحبها ( شارلزداروين) (Chrles Darwin (48) . والتي ارجع فيها اصل الانسان الى القرد، وان كل شئ يتحول ويتغير ولا يبقى على حاله، ثم جرى محاولة تطبيق ذلك على الاديان والاخلاق والقول بان الاخلاق تتطور مع العصور وان الاديان تتطور مع البيئات، ومن مذهب التطور انطلقت كل المذاهب والدعوات والفلسفات المادية، فقد اعتبر قاعدة لعلوم جديدة وهي: مقارنة الاديان، وتفسير التاريخ، وعلم النفس، والاخلاق، والقوميات، والاقتصاد، والاجتماع (49).
ولقد كان القول بالتطور المطلق سبيلاً الى نزع القداسة عن الاديان، والقوانين والقيم والاخلاق والسخرية منها والدعوة الى التحلل والاباحية وانكار مقومات المجتمعات على النحو الذي كشفت عنه نظريات اليهود الثلاث: (كارل ماركس) (Carl Marcos (50)، و(سيجموند فرويد (Sigmund freud (51)، و(اميل دوركهايم) (Emil Durkheim (52).
ان كثيراً من افكار فرويد اصبحت بعداً اساسياً في الخطاب الحضاري الغربي الحديث وقد اثر التحليل النفسي في معظم المدارس والاتجاهات الفكرية الغربية الامريكية الحديثةـ وقد اكتسب فكر فرويد مزيداً من الاهمية والمركزية بعد سقوط الاتحاد السوفيتى والمنظومة الماركسية ومع شيوع فكر ما بعد الحداثة والتمركز حول الانثى والاعتماد المتزايد بالجسد والجنس والانسان الجسماني في الحضارة الغربية الامريكية الحديثة (53) .
(4) وكان من اهم افرازات الفكر الماسوني المتهود (الأيديولوجية الشمولية ). لقد ادارت الماسونية العالمية المتهودة دفة النظام الرأسمالي والنظام الشيوعي في ان واحد من خلال لعبة صراع الاضداد بمكر عظيم ودهاء منقطع النظير، تتلخص بوضع الشعوب ومبادئها بين مجرىرحىيدوران دورتين متعاكستين(54).
الاول يدور على قطب الديكتاتورية المقنعة برأس المال، دورة من اليسار الى اليمين، في ظل ديمقراطية عامة، والثاني يدور على قطب ديكتاتورية الحزب الحاكم المتمثلة بدكتاتورية هرمه، دوره من اليمين الى اليسار في ظل دعاوى العمال ومظاهرها التطبيقية في مجالات النقابات ونحوها (55).
حتى اذا تم لهذه الرحى ان تحطم الشعوب ومبادئها وقيمها وتطحنها طحناً عندئذ يقوم المدير الخفي لهذه الرحى – الماسونية العالمية المتهودة - بتكسير حجريها معاً بعضهما ببعض وبذلك يتحقق لواضعي الخطة كما يتصورون اقامة دولتهم العالمية القادرة على امتلاك الارض(56).
وفي ظل تلك الحقبة من ظهور الأيديولوجيات تفاقم الجدل والخصومات بين الحركات (الليبرالية) (Liberalism (57) و(الاشتراكية) (Socialism (58) ، على وسائل العمل وقضايا الحكم والديمقراطية والصراع الطبقي والملكية الفردية والسلام العالمي والعلاقة بين الوطني والأممي وعلاقة الدولة بالثورة والمجتمع، ومستقبل المستعمرات (59).
فقد كان الاتجاه الاشتراكي يدعو الى اعادة بناء الكيان الاجتماعي ويعادي الرأسمالية، لكن بقي ينظر اليها بأنها تمهيد للمجتمع الاشتراكي مما يعني ان الثورة الروسية عام 1917 كانت نقطة تحول استراتيجي في تاريخ ذلك الاتجاه (60) .
وفي تلك الحقبة غربت شمس علم الأفكار وفرغ مصطلح الأيديولوجية من مضمونه السابق في عهد (دي ستت دي تراسي)De Stutt De Tracy وحل محله مفهوم (كارل ماركس) Carl Marx ذو الاساس التحليلي للبنية الاجتماعية، الذي اصبغ على مصطلح الأيديولوجية معنىالتعبير عن مصالح الطبقة السائدة والستار الذى يخفي خبايا السيطرة وتشويه الوعي بما تمثله الأيديولوجية من امكانية في التسويغ والتضليل (61).
وكان ماركس يعتقد ان (البروليتاريا) (Proletariar (62)وحدها القادرة على مجاوزة حالة التزييف الأيديولوجى بالسيطرة على وسائل الانتاج، واعادة تأسيس كل نظرة الى الحياة والفكر تأسيساً عقلياً تتلاشى معه اوهام الأيديولوجية (63).
غير ان الأيديولوجية السائدة في مركز القوة المسيطرة عالمياً لم تكن تستوعب ما حولها من عالم متغير نتيجة الالتفاف حول الذات وادارت ظهرها لعالم العصر المتمثل في التجارب والانماط الثقافية والتكوينات الاجتماعية، فبقيت صورة العلاقة بين الغرب وامريكا من جهة وبين العالم من جهة ثانية نوعاً من الوعي المزيف في عقل تلك الأيديولوجية التي ظلت تعتقد بأنها أيديولوجية كل المجتمعات طالما هي الأيديولوجية السائدة مما اوقعها في الوهم الأيديولوجى بالذات (64).
ولقد كانت المفارقة الابرز اطلاق بعض المثقفين في الغرب شعــار " نهاية الأيديولوجية " الذي جاء في الوقت الذي شهد الثورة الصناعية الثانية التي ترافقت مع الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي و الشيوعي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وهو صراع استراتيجي وأيديولوجى في جوهره (65).
وبينما كانت اصداء تلك الاصوات تتردد في سبعينيات القرن العشرين كانت الأيديولوجيات القومية التحررية، تتبنى مشكلات التنمية الوطنية ، وتحقيق الذات ، وتمنح مفهوم الأيديولوجية محتوى ومفاهيم جديدة تتصل بالمعاناة الانسانية العميقة للشعوب الفتية، فلم تعد الأيديولوجية افكاراً قبلية وتصورات مغلقة او وعياً زائفاً يعبر عن الطبقة السائدة، بل اصبحت منهجاً يترجم امال امم بأكملها في التقدم والتحرر وتقرير المصير(66).
وفي نهاية القرن العشرين انهارت التجربة الشيوعية في الاتحاد السوفيتى ودول شرق اوروبا – كما خططت لها الماسونية المتهودة – وتجدد الحديث عن فكرة نهاية التاريخ (67) بانتصار الديمقراطية الليبرالية واقتصاديات السوق او – أيديولوجية العولمة – بصورة حاسمة حتى بدا وفقاً لنظرية نهاية التاريخ ان هناك ممراً اجبارياً واحداً للتاريخ لا بديل له هو النظام الرأسمالي العالمي (68).
ان اطروحة " نهاية التاريخ" او " نهاية الأيديولوجية " ما هي الا دعوة أيديولوجية، انها بعبارة ادق تحاول تكريس نفسها ومنظومتها من خلال نزع الشرعية عن اية أيديولوجية واكسابها لنفسها بعد الايهام بتحرير منظومتها عن الأيديولوجية (69).
وفي الخطاب الليبرالي تنتهي الأيديولوجية باكتشاف البشرية احلام العدالة والحرية والمساواة وتجد تشخيصها المؤسسي فقط في النظام السياسي الليبرالي وفي النظام الاقتصادي الرأسمالي، فقد استأنفت الليبرالية القول الأيديولوجى واضعةً بذلك حداً لزعم أيديولوجى هي نفسها طرف فيه ( نهاية الأيديولوجية ) وهذا الاستئناف وهم تقبع فيه اكثر الادعاءات الفكرية أيديولوجية (70).
وعليه فالعولمة أيديولوجية تبشر بجملة من النهايات (نهاية التاريخ، نهاية أيديولوجيا، نهاية العقائد والاديان والنظريات، ونهاية الدول الوطنية، ونهاية القوميات) لتحل محلها الأيديولوجية الامريكية التي تقوم على مفاهيم مزدوجة هي:
(الصهيونية المسيحية، الليبرالية الجديدة او اقتصاد السوق) وتكوين انسان جديد ذي هوية عالمية بعيدة عن هويته واتجاهاته الدينية.

Page 9

ثانياً تعريف الأيديولوجية

أ. المعنى اللغـوي.
مفردة الأيديولوجية لاتينية الجذور، مكونة من كلمتين الاولى (Ideo ) وتعني بالعربية ( فكرة او رأي او اقتراح ) والكلمة الثانية هي (Logos ) وتعني ( علم ومنطق ) أي ان المعنى اللغوي للايدوليجية هو ( علم الافكار) (71).
ب. المعنى الاصطلاحي
ان مصطلح الأيديولوجية لا يمتلك معنىً محدداً متفق عليه والسبب في ذلك انها تعود الى نظم اعتقادية عما ينبغي ان يكون عليه السلوك الانساني شمولاً او استبعاداً، كما ينظر الى المعتقدات نفسها من ناحيتين الاول" انها عقلانية، والثانية: انها وهمية (72). وهنالك الكثير من الآراء حول تعريف الأيديولوجية ومن ابرزها ما يلي:
(1) مصطلح الايدولوجيه في القواميس والمعاجم :
(أ) في قاموس اكسفورد الحديث(73) : " انها اسلوب في التفكير يتميز به الشخص او مجموعة ما، خاصة في صياغة اسس النظام الاقتصادي " و " انها نوع من التفكير غير المنتج ".
(ب) في قاموس المورد (74) : " وضع النظريات بطريقة حالمة او غير عملية " و " مجموعة نظامية من المفاهيم في موضوع الحياة او الثقافة البشرية " و " النظريات والاهداف المتكاملة التي تشكل قوام برنامج سياسي اجتماعي، مذهب ".
(جـ) في المعجم العربي الاساسي (75) : " مذهب سياسي او اجتماعي، يشهد العالم اليوم صراعاً بين أيديولوجيات مختلفة كالاشتراكية والرأسمالية ".
(2) التعريف الفلسفي للأيديولوجية :
وتعتمد التعريفات للأيديولوجية على رد الايدولوجيه الى مجال وافق ابعد من مكوناتها القيمية او الاجتماعية المباشرة من جهة، دون ربطها بنظرة حضارية شاملة من جهة اخرى، وابقاء التعريف في حدود الموقف الفلسفي.
ومن امثلة التعريف الفلسفي " هي ابداعات عقلية واخلاقية تتضمن مثلاً عليا وشعارات بسيطة ووقائع ملتبسة ودعاية فجة ونظريات مركبة " (76) .
(3) التعريف التاريخي للأيديولوجية :
يستند التعريف التاريخ الى فهم الايدولوجيه من خلال الظروف والمرحلة التي ظهرت فيها مع تفاوت مديات النظر اليها من خلال تاريخها، اما بالاتجاه من المستوى النشوئي التكويني الى تحديد الطابع والوظيفة، او بالتوقف في حدود التعريف المباشر المعتمد على العامل الزمني ومن امثلة ذلك:
" هي مجموعة الافكار والمعتقدات والنظريات الخاصة بعصر او مجتمع او طبقة، لذلك لابد من الاعتراف بالخصوصية الايدولوجيه تبعاً للتركيب الطبقي للمجتمع ومجموعة التناقضات الاساسية الاخرى الكامنة فيه، ولدرجة قربه او بعده عن العصر، أي مدى تقدمه او تخلفه ودرجة تطوره في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية " (77) .
(4) التعريفات الماركسية :
على الرغم من المحتوى التاريخى للتصور الماركسي للأيديولوجية فليس هناك صيغة منتظمة تحد الايدولوجيه في مؤلفاته، فثمة منظور تحليلي عريض في تراثه الفكري يستند الى تصوره، خاصة اولوية الوجود الاجتماعي على الوعي الاجتماعي وتقريره له.واكتسبت الايدولوجيه سمة سلبية في الكيانات الماركسية، الا انها استقرت على شكلين اولهما يحدد الأيديولوجية على انه " الانماط الكلية للوعي الاجتماعي والذي يعبر عنه بمفهوم البناء الفوقي الأيديولوجى للمجتمع من اخلاق ودين وقانون ومؤسسات سياسية ودولة وفكر وادب ونحو ذلك وهي بهذا المعنى رديف الثقافة (78).
ويرتبط ثانيهما بالافكار السياسية ذات الصلة بمصالح طبقة اجتماعية واسعة من الناس، وبالتالي فانها عبارة عن وعي زائف بالنسبة لتلك الطبقات التي تتعارض مصالحها مع الطبقة المهيمنة (79).
(5) تعريف الادبيات السياسية المعاصرة :
هي عبارة عن " مجموعة من الافكار التي تتضمن رؤية ومخططاً للتغير الاجتماعي فالأيديولوجيات عبارة عن انماط من القناعات السياسية التي تبرز رؤى معيارية في الحياة السياسية وهذه الرؤى عادة ما تتضمن مواقف محددة جداً حول طبيعة الانسان والعلاقة بين الفرد والدولة والمجتمع والعلاقة بين الاقتصاد والسياسة في المجتمع وكذلك اهداف وغايات السياسة بشكل عام " (80).
وفي هذا التعريف الذي يمكن عده نموذجاً لكل انماط التعاريف في العلوم السياسية، يلاحظ ان التركيز منصب على وظيفة ( الأيديولوجية ) وبنيتها الخارجية وشكلها العام، اما البنية الداخلية والمعنى الحقيقي لها والذي تميز به المفهوم خلال القرن التاسع عشر فقد اختفى المفهوم المعاصر الشائع للأيديولوجية.

Page 10

مفهوم العولمة

اولاً: اشكالية المفهوم

منذ عقدين من الزمن ومصطلح العولمة يثير الكثير من الجدال والنقاش في الاوساط الاكاديمية، والسياسية، والثقافية، والاعلامية، وغيرها، ابتداءاً من التعريف بالمفهوم مروراً بتحديد مظاهر العولمة وابعادها، وطبيعة القوى الفاعلة المحركة لها، اضافة الى رصد وتحليل تأثيرها وانعكاساتها الايجابية والسلبية القائمة والمحتملة على الدول والمجتمعات، وخاصة الوطن العربي والعالم الاسلامي، حتى ان البعض وصف العولمة بأنها مفهوماً مراواغاً من الصعب تحديده وهذا يعني ان عملية الفهم الصحيح تقتضي معرفة المنظور الخاص بكل باحث على حده (81).
واخذت قضية العولمة ومنذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي تتردد بشكل كبير في وسائل الاعلام، وروج لها الامريكان بشكل مكثف، واصبحت العولمة عند الرجوع الى عقد التسعينيات وما حدث فيه من تطورات الاطار المرجعي لكل الدراسات الاجتماعية والانسانية (82). وبشكل عام فان فهم ماهية العولمة يطرح ثلاث اشكاليات:
الاشكالية الاولى: تتمثل في عدم وجود تعريف جامع ومحدد لمفهوم العولمة نظراً لان ابعاد الظاهرة التي يعبر عنها المفهوم لا زالت تتزايد مع مرور الوقت، ومن جهة اخرى فان فهم الباحثين للعولمة ومضامينها يتفاوت تفاوتاً بيناً بحسب اختصاص كل واحد منهم او اتجاهه الفكري.
الاشكالية الثانيه: وتتمثل في الخلط بين حداثة المفهوم الذي شاع استخدامه منذ مطلع التسعينيات وقدم الظاهرة التي يعبر عنها ويحاول المؤرخون تتبع جذورها التاريخية.
الاشكالية الثانيه: وتتمثل في الخلط بين حداثة المفهوم الذي شاع استخدامه منذ مطلع التسعينيات وقدم الظاهرة التي يعبر عنها ويحاول المؤرخون تتبع جذورها التاريخية.
الاشكالية الثالثة: تبرز من خلال الخلط بين مضمون الظاهرة، والتجليات المختلفة كالسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وغيرها التي تعبر عنها (83).
ثانياً: العولمة لغةً.

يعاني مصطلح العولمة اساساً من اختلافات منهاجيه في اللغات الاوروبية وبالتالي تنعكس على الترجمات الى اللغة العربية، فالعولمة واحدة من ثلاث مصطلحات جرى طرحها ترجمة للكلمة الانجليزية (Globalization) والآخران هما (الكوكبة) و(الكونية) (84).
واما تعريف ( العولمة ) في اللسان العربي فهي من ( العالم ) ويتصل بها فعل ( عولم ) على صيغة ( فوعل ) ويلاحظ على دلالة هذه الصيغة انها تفيد وجود ( فاعل، يفعل ) وهذا ما نلاحظه على صيغة (Zation) في الانجليزية، على خلاف صيغة (Globalism) التي تعني العالمية (85).
وفي البحث عن المصطلح في الانجليزية هو( Globalization ) وفي الالمانية ( Globalisierung ) نجد ان المصطلحان مشتقان من جذر لاتيني واحد وهو (Globe) بمعنى الكرة الارضية، الا انه يختلط في المفهوم الاصطلاحي احياناً وكذلك نجد ان مفهوم ( العالم )بالفرنسية(mond ) والانجليزية( world ) يمثل مع اصطلاح( العالمية) ( Globalism ) بالإنجليزية و(Globalitar ) بالالمانية (86).
مقابلاً لكلمة ( universe ) بالانجليزية و ( Le mond ) بالفرنسية التي تعني الكون، أي ان مفهوم العالمية يقابل مفهوم الكونية مصطلحاً اذ ان العالم والكون بالمعنى العام في تعريفه الفلسفي هو( مجموع ما هو موجود في الزمان والمكان ) (87).
ان هذه الاختلافات البينة في المعنى في اللغات الاوروبية صادفت ايضاً اختلافات بينه في تعريف او ترجمة هذه المصطلحات الى العربية، فالبعض ترجم مصطلح العولمة الى ( الكوكبة ) واخر ( الكونية ) ومنهم من خلط في المعنى بين ( العولمة والعالمية ) وعدهما مترادفتان لمفهوم ( التدويل ) (88) .
في المعاجم العربية نجد ان كلمة ( العالم ) التي اشتق منها مصطلح ( العولمة ) تعني ( الخلق ) الذي يذكر ويؤنث (89) ، ويجمع (العالم ) الى (العوالم) بكسر اللام و(العالمون) اصناف الخلق (90) ونصت هذه المعاجم العربية جميعاً على ايراد فعل ( عولم ) على صيغة ( فوعل ) لذا فان مصطلح العولمة في صيغته المشتقة من كلمة ( العالم ) انما تمثل انزياحاً اصطلاحياً قائم على توليد مصطلح جديد من خلال الاشتقاق القائم على انتقاء وحدة معجمية لتصبح وحدة مصطلحية بفعل انزياح الدال المعجمي على مدلوله وتوظيفه للدلالة على مدلول اصطلاحي خاص وهو( العولمة )، اضافة الى ان انتشار استخــدام مصطلــح( العولمة ) قد حسم استخدام هذا المصطلح كمقابل للمصطلح الاجنبي (Globalization ) (91).