Page 1
طقوس الحضور
ظلام كثيف يطوق خاصِرة هذا المساء المغلف بالسواد الذي يلف كل شيء؛ المدينة لا تزال غارقة في صمتها الأزلي. قد انكمشت حول نفسها وبدت أشبه بسيمبيريا المدينة الإغريقية الأسطورية التي لم تر النور، وأضحت كأنها في عزلة وانقطاع تام عن العالم.بصمة سكون عميقة مختومة بحبر الصمت على جوف الليل، قطرات مطر تتدفق على مهل في عرض النهر، هل لا أزال أحلم وأحلم...
سرب حمام أبيض يحلّق في الأفق اللازوردي، ويراقب تفاصيل ذلك المشهد. جسدي خفيف يعلو ويهبط كالريشة في كبد السماء، يتصبب ماء من جسدي كأني خارجة تواً من عمق النهر، أتحسس ببطء قسمات وجهي بأطراف أصابعي حتى أطمئن أنني خرجت من ذلك الحلم.
عيناي تائهتان في الفراغ الليلي، تحملقان في الظلام الحالك، باحثتين عن بقعة ضوء وسط تلك العتمة. الليل لا يزال سيد الموقف يمارس طقوس سكونه الأزلية بشهوة عالية ومزاج رائق، وترانيم الصمت في الغرفة تعزف ألحان الخرس الأبدي على مسرح الفراغ. كان الهدوء يعم المكان لدرجة يمكن أن أسمع دقات قلبي بصورة واضحة.. تكاد الساعة تمضي بانتظام وتصدر صوتاً رتيباً ملّت الأذن سماعه المتكرر.. بدأت الصور والمشاهد تتضح شيئاً فشيئاً، ورحت أتمعن في سقف الغرفة الغارق في متاهات البياض..
تناهى إلى سمعي صوت مقطوعة سوناتا ضوء القمر لبيتهوفن منبعثة عبر زوايا الغرفة، فعلمت أن الساعة الخامسة صباحاً، موعد استيقاظي المعتاد من النوم.. صوت ريح خفيفة تسرب عبرالنافذة المطلة على الحديقة المجاورة.. تفاصيل كثيرة وذكريات تنساب حولي وتحوم في الفراغ الشاسع بلا تردد، تتداخل المشاهد والأفكار في مخيلتي، والهواجس تتقافز حول ذهني.. وخز الألم يذكرني بوجوده داخل جسدي في كل ثانية.. حاولت بجهد أن ألملم بقايا جسدي المنهك من التعب، فشعرت بصداع حاد، ورغبت في تناول فنجان قهوة.
كانت المدينة قد خرجت تواً من فصل الشتاء البارد، وودعت حالة البياض التي عمت كل جزء فيها بعد انتهاء تلك الفترة المحملة بالثلوج، لم يتبق في ذاكرة الناس سوى مشاهد متفرقة للأطفال الصغار، وهم يمرحون ويتراشقون بكرات الثلج منذ الصباح حتى المساء، يصنعون من الثلوج تماثيل وأشكالاً مختلفة.. لا شيء يوقفهم عن اللعب سوى التعب، سرحت مع تقلب الفصول والطبيعة الساحرة التي كنت أتأملها كأني أراها للمرة الأولى.
تنساب موسيقى مقطوعة الدانوب الأزرق ليوهان شتراوس.. موسيقى عذبة تتسرب داخل الروح، وتمنح النفس إحساساً مريحاً وبهيجاً يعطر المكان بكل جمال وألق.. يختلط المشهد برائحة الألوان وطعم الذكريات وسيرة الحنين الذي لا ينضب حتى تكاد الروح أن تصل إلى ذروة النشوة والسعادة القصوى.. عند أول تباشير الفجر لمحت اللوحة المعلقة على الجدار.. ضوء ينسكب على وجه ذلك الأسمر ذي القامة العالية وهو يحدق بعينيه إلى العوالم البعيدة كأنه يبحث عن سر لم يجد له جواباً على كوكب الأرض.
بالقرب من تلك اللوحة مشهد آخر لفتاة جالسة تحت شجرة نخيل عالية، وهي مستغرقة في العزف..ها أنذا جالسة وحيدة شاردة الذهن أتسكع بين خلايا روحي بذاكرة مرهقة حتى التعب، أتأمل عزلتي بحكمة ديك وأقاوم وجعي بصبر حصان.
كلما يشتد وخز الألم على المرء يصبح الجسد عدواً للإنسان.. وتصبح الحياة نفسها عبئاً ثقيلاً لا يطاق.. لم يعد ذهني يحتوي الكثير من الأسئلة.. أصبحت في كثير من الأحيان أستيقظ دون أن أنهض وأغفو دون أن أنام، تعتريني حالة شبه متكررة من الكسل.. تعبي أثقل من جبل وخيالي لا يزال متخماً بالعديد من الأفكار والصور المتفرقة.
أيتها الجدران هل ستذكرينني بين أزقة صمتك السرمدي.. الذي تتداخل فيه الكلمات بالألوان والمشاهد الضاجة بالأصوات الداخلية؟
قلت لنفسي لو أنّ يدي ساعدتني قليلاً، لرسمت هذا الخواء الفسيح في لوحة بيضاء وأسميتها «أبجدية الفراغ».. عيناي المرهقتان تنظران بشغف وتمعن شديدين إلى السقف الأبيض والجدران الصامتة.. كم من القصص والحكايات الطويلة حفظتها هذه الجدران وخبأتها في جوف ذاكرتها المعدنية.. دفق وحشود من التعابير فرح، حزن، صخب، آهات، جنون، وجع، أنين، صراخ، دموع، شوق، صمت وصبر بلا حدود.. كم أحسدك على سكونك أيتها الجدران الصامتة! فلا شيء يعنيك البتة من هذا الوجود الملتبس والواقع المرهق.
وقفت عند شرفتي المطلة على الأفق الفسيح أستنشق، بعمق، رائحة الأشجار والأزهار المغسولة بزخات المطر.. ضوء الفجر الناصِع ينبلج وينساب عبر النافذة، أمسكت بالورقة والقلم وكتبت بقية نص مؤجل لبعض الأفكار التي تسللت إلى ذهني في تلك اللحظة..
Page 2
كنت أستمع بعمق إلى همس الريح الحزينة، وهسيس الأشجار الحالمة، وأزيز الطائرات المحلقة في الفضاء الواسع، ثم شرعت رويداً رويداً في الإبحار:
أيتها السماء الصافية
أرسلي ضوء قمرك الناعم
لأغسل ملامح وجهي من التعب
أيتها الريح المسكونة بالسفر
اعزفي على أوتارك المقدسة
وأطربي آذان الأرض الخامدة
بأجمل ألحانك السرمدية
أيها النيل الخالد
أيتها البلاد البعيدة
إجمعي بقايا روحي
واحتوي جسدي النحيل
بين ذرات ترابك الدافئ.
************
ترقرقت عيناي بالدموع حتى بللت الأوراق بيدي بعد أن راحت تنساب بغزارة.. وأنا أقرأ هذه الأسطر للمرة الأولى، تنهمر الذكريات، وتتدفق مثل الفيضان الجارف..
أنبش في مخيلتي بعضاً من التفاصيل البعيدة، فتأتي الصور تباعاً طافحة بالذكريات والحنين والأسى.. هل تذكرين عندما كنتِ صغيرة، كنا نذهب معاً للجلوس قرب ضفة النهر.. كان يروقك ذلك المشهد بشدة.
كُنا نرسم معاً بالرمل أشكالاً مختلفة على الأرض ثم نهدمها ونعيد رسمها من جديد، نغسل وجوهنا بعد ذلك بمياة النهرالطاهرة والعذبة، فنشعر وكأننا كائنات نورانية لا تنتمي إلى هذا العالم من قريب أو من بعيد.
في المساء كنا نحدق إلى السماء ونتأمل النجوم الساطعة، ونقوم بمحاولات فاشلة لحصر عدد النجوم دون أن نصل إلى نتيجة.. يبهرنا القمر بضوئه الفضي الناعم الذي يملأ صفحات النهر.. أي سر تحمله في جوفك أيها النهر العظيم.. لانزال نتعلم منك دروب الصمت وأسرار الغوص داخل أعماقك السحيقة.. كان يبهرك منظر الغروب عند ضفاف النهر.
كنت أجلس كل يوم قرب رأسك أمسد خصل شعرك الطويلة، أسرد لك بعضاً من ذكرياتنا المشتركة البعيدة حين كنا نلعب حتى نصل إلى قمة التعب، ونطلق لأنفسنا العنان لفعل ما نشاء من لهو ومرح حتى الانتشاء....
كنا نتسامر في حضرة أشجار النخيل بظلالها المترعة بالتحدي والشموخ، بين النيل والنخيل والليل علاقة أزلية جذورها تمتد إلى آلاف السنين الضوئية.. الليل بهدوئه المدهش يجعلنا نسبح عبر الأزمنة، وننسج من خيالنا الخصب قصصاً وحكايات عادة ما تكون مرتجلة في لحظتها، تأتي من البعيد أصداء أذكار صوفية مصحوبة بنسمات الريح.. تتمايل أوراق الأشجار الخضراء بطرب ورشاقة كأنها غارقة في حالة شوق ووجد صوفي .
سألت نفسي: هل كتب لي يا شقيقتي أن أحضر لحظات قدومك ورحيلك من هذا العالم؟
أذكر عندما ذهبنا إلى النهر الأسبوع الماضي قبل دخولك المستشفى بيوم واحد.. كنت قد طلبتِ مني أن أتركك وحدك مدة نصف ساعة، وكأنك كنت تريدين أن تودعي ذلك النهر العظيم، وكتبت عند ذلك المساء في مفكرتك الزرقاء:
كنت جالسة هذا المساء على ضفاف النيل.. نفذ إلى أعماقي رائحة النهر وهدير الأمواج، غسلت روحي بهوائه النقي، وتوضأت بمياهه العذبة، واتكأت على وجعي.. تذكرت في تلك اللحظات مقولة البوذيين «إن الحياة نهر، وإننا نبحرعلى طوق نحو الهدف النهائي».
أيتها السماء الصافية
أرسلي ضوء قمرك الناعم
لأغسل ملامح وجهي من التعب
أيتها الريح المسكونة بالسفر
اعزفي على أوتارك المقدسة
وأطربي آذان الأرض الخامدة
بأجمل ألحانك السرمدية
أيها النيل الخالد
أيتها البلاد البعيدة
إجمعي بقايا روحي
واحتوي جسدي النحيل
بين ذرات ترابك الدافئ.
************
ترقرقت عيناي بالدموع حتى بللت الأوراق بيدي بعد أن راحت تنساب بغزارة.. وأنا أقرأ هذه الأسطر للمرة الأولى، تنهمر الذكريات، وتتدفق مثل الفيضان الجارف..
أنبش في مخيلتي بعضاً من التفاصيل البعيدة، فتأتي الصور تباعاً طافحة بالذكريات والحنين والأسى.. هل تذكرين عندما كنتِ صغيرة، كنا نذهب معاً للجلوس قرب ضفة النهر.. كان يروقك ذلك المشهد بشدة.
كُنا نرسم معاً بالرمل أشكالاً مختلفة على الأرض ثم نهدمها ونعيد رسمها من جديد، نغسل وجوهنا بعد ذلك بمياة النهرالطاهرة والعذبة، فنشعر وكأننا كائنات نورانية لا تنتمي إلى هذا العالم من قريب أو من بعيد.
في المساء كنا نحدق إلى السماء ونتأمل النجوم الساطعة، ونقوم بمحاولات فاشلة لحصر عدد النجوم دون أن نصل إلى نتيجة.. يبهرنا القمر بضوئه الفضي الناعم الذي يملأ صفحات النهر.. أي سر تحمله في جوفك أيها النهر العظيم.. لانزال نتعلم منك دروب الصمت وأسرار الغوص داخل أعماقك السحيقة.. كان يبهرك منظر الغروب عند ضفاف النهر.
كنت أجلس كل يوم قرب رأسك أمسد خصل شعرك الطويلة، أسرد لك بعضاً من ذكرياتنا المشتركة البعيدة حين كنا نلعب حتى نصل إلى قمة التعب، ونطلق لأنفسنا العنان لفعل ما نشاء من لهو ومرح حتى الانتشاء....
كنا نتسامر في حضرة أشجار النخيل بظلالها المترعة بالتحدي والشموخ، بين النيل والنخيل والليل علاقة أزلية جذورها تمتد إلى آلاف السنين الضوئية.. الليل بهدوئه المدهش يجعلنا نسبح عبر الأزمنة، وننسج من خيالنا الخصب قصصاً وحكايات عادة ما تكون مرتجلة في لحظتها، تأتي من البعيد أصداء أذكار صوفية مصحوبة بنسمات الريح.. تتمايل أوراق الأشجار الخضراء بطرب ورشاقة كأنها غارقة في حالة شوق ووجد صوفي .
سألت نفسي: هل كتب لي يا شقيقتي أن أحضر لحظات قدومك ورحيلك من هذا العالم؟
أذكر عندما ذهبنا إلى النهر الأسبوع الماضي قبل دخولك المستشفى بيوم واحد.. كنت قد طلبتِ مني أن أتركك وحدك مدة نصف ساعة، وكأنك كنت تريدين أن تودعي ذلك النهر العظيم، وكتبت عند ذلك المساء في مفكرتك الزرقاء:
كنت جالسة هذا المساء على ضفاف النيل.. نفذ إلى أعماقي رائحة النهر وهدير الأمواج، غسلت روحي بهوائه النقي، وتوضأت بمياهه العذبة، واتكأت على وجعي.. تذكرت في تلك اللحظات مقولة البوذيين «إن الحياة نهر، وإننا نبحرعلى طوق نحو الهدف النهائي».
Page 3
على صفحات النهر رأيت وجهي وبدوت كأني شخص آخر قلت لنفسي: «أنا لست أنا»..
في تلك اللحظات نسيت كل شيء حتى الوجع الذي لم يبرح جسدي مدة طويلة من الوقت، تأملت في حال الوطن الحزين المثقل بالجراح والإحباطات المتلاحقة واحداً تِلو الآخر. صوت حزين ومتقطع لطلمبة المياه يأتي من ناحية الضفة الأخرى للنهر يبدو كأنه في حالة انسجام تام مع حالتي.. تارة يؤرقني، و أخرى أتخيله يواسيني ويشد من أزري.
أيها النهر الذي يسكن الروح والقلب لديّ شوق وحنين جارف يشدانني إليك، سأعلق على جدران الوطن قصائد المنافي البعيدة ولوحات رسمتها يد الخيال، لا أزال أذكر كلمات جدتي حين كانت تقول لي: إنّ النهر هو رمز الحياة وشريانها النابض بالنسبة إلينا وعندما يتوقف عن الجريان تصبح حياتنا عديمة الجدوى.. وقبل أن أودعه للمرة الأخيرة قلت له هامسة:
«أتيت إليك أيها النهر لأودعك، أحمل على عاتقي عبء غياب طويل.. وبقايا روح منهكة، وقصائد تائهة ولوحات مبعثرة في المدن البعيدة».
تأملت ذلك المشهد الساحر الذي لم يفارق ذاكرتي طوال فترة ابتعادي عنه، حدقت إلى السماء الزرقاء.. يعلو صوت العصافير وهي تتسابق بفرحة غامرة في دروب الفراغ.. ما أروعه من مشهد! هكذا كنت أحدث نفسي الهائمة في البعيد..
هل صرت أدمن الوجع الذي يتسرب إلى دواخلي من كثرة حضوره الطاغي، هل كانت شهوة الغياب تغريني بالرحيل نحو دهاليز العالم غير المرئي؟
**********
بماذا تحلمين الآن يا صغيرتي؟ هل تشعرين بقربي منك؟ نبرات صوتك العذب تتردد في أذني، الصوت هو بوابة الدخول إلى غياهب الروح، وكما قيل في البدء كانت الكلمة.. لو أن المرض والموت يقبلان فدية لفديتك بروحي المعذبة، كانت روحك شفافة ونقية كحبات ضوء القمر، وضحكتك بريئة كلون الفرح في عيون الأطفال الصغار.
كنتِ تحلقين في البيت كالفراشة الصغيرة التي ألفت الرحيق والألوان، وكان البيت مفعماً بالحب والأمل.. كان وجودك كافياً ليمنحنا بهجة وسعادة لا تضاهيان ولا تعوضان، لاأزال حائرة حتى الآن كيف سأخبر والدتي بمرضك هذا؟ أيتهاء السماء امنحيني مشورتك وصبرك الجميل.
لقد كنتِ مسكونة بعشقك للرسم منذ نعومة أظفارك، ولم يخذلك طموحك على الإطلاق،كان الرسم والألوان ملهاة طفولتك.. أذكر أن والدتي كانت مبهورة بك عندما كنت تساعدينها في الأعمال التي تحتاج إلى لمسات فنية وجمالية..وكنت تدهشيننا برسومك المعبرة بالفحم على الجدار وأنت في سن صغيرة جداً.
كنت كثيراً ما أسأل نفسي في ذلك الوقت.. من علمك سر الرسم والألوان؟ كانت تسكنك روح فنانة منذ نعومة أظفارك.. أذكر عندما كنا جالسين في البيت ذات مرة وسألت أبي قائلة:
- من أي منفذ تعبر الألوان إلى ضفاف العين يا أبي؟ اندهش الوالد من سؤالك في ذلك الوقت، وأنت لم تتجاوزي الخامسة من عمرك، قال لك: من أين تأتين بهذا الخيال الواسع يا ابنتي؟ أقلب في دفاترك بعد أن منحتني ضوءاً أخضر للاطلاع عليها ونشرها، قلت لي إنها غير منظمة، وعليك ترتيبها بتتبع تسلسل الأحداث فيها..
في البدء كان اللون فصار بعدها للحياة قيمة ومعنى، هكذا كان مكتوباً في أعلى الصفحة ذاكرة اللون.. عندما أنظر إلى السماء أعرف علو اللون، وعندما أتمعن في الأرض أعي قيمة اللون، وعندما أتأمل الطبيعة الساحرة أكتشف جمالية اللون وسر الوجود.
مسكونة بعشقي للألوان منذ زمن بعيد.. في سن الطفولة كنت أجلس أمام ضفاف النهرأتأمل تفاصيله اللامرئية، تنفذ إلى أعماقي رائحته الزكية وهدير أمواجه الحالمة.
أغسل روحي بهوائه النقي، وأبلل وجهي من مياهه العذبة، أتكئ على وجعي ثم ألقي بأحزاني وشكواي وأوجاعي في داخله.. كانت تلك اللحظات تمنحني شعوراً بالرضاء وتغمرني بالسعادة والبهجة.. ليس هناك أجمل من الإبحار والسفر داخل دهاليز الروح في حضرة النهر الخالد.
جريد النخيل يتمايل بإيقاع منسجم مع صوت الريح الذي يهدهدها مثل الأم عندما تهدهد طفلها الصغير.. ووهج الشمس الذهبي يطفو فوق صفحات النهر، نسمات رقيقة من الهواء تصافح وجهي.. ألمح في الأفق البعيد الألوان الباهرة تتمدد في السماء الزرقاء، وتنساب بنعومة أمامي وأكاد ألمسها وأشعر بها طرية في راحة يدي، وقوس قزح يحملني معه بخفة أسبح في أروقة الفضاء الممتد، وأظل محلقة وهائمة في:
في تلك اللحظات نسيت كل شيء حتى الوجع الذي لم يبرح جسدي مدة طويلة من الوقت، تأملت في حال الوطن الحزين المثقل بالجراح والإحباطات المتلاحقة واحداً تِلو الآخر. صوت حزين ومتقطع لطلمبة المياه يأتي من ناحية الضفة الأخرى للنهر يبدو كأنه في حالة انسجام تام مع حالتي.. تارة يؤرقني، و أخرى أتخيله يواسيني ويشد من أزري.
أيها النهر الذي يسكن الروح والقلب لديّ شوق وحنين جارف يشدانني إليك، سأعلق على جدران الوطن قصائد المنافي البعيدة ولوحات رسمتها يد الخيال، لا أزال أذكر كلمات جدتي حين كانت تقول لي: إنّ النهر هو رمز الحياة وشريانها النابض بالنسبة إلينا وعندما يتوقف عن الجريان تصبح حياتنا عديمة الجدوى.. وقبل أن أودعه للمرة الأخيرة قلت له هامسة:
«أتيت إليك أيها النهر لأودعك، أحمل على عاتقي عبء غياب طويل.. وبقايا روح منهكة، وقصائد تائهة ولوحات مبعثرة في المدن البعيدة».
تأملت ذلك المشهد الساحر الذي لم يفارق ذاكرتي طوال فترة ابتعادي عنه، حدقت إلى السماء الزرقاء.. يعلو صوت العصافير وهي تتسابق بفرحة غامرة في دروب الفراغ.. ما أروعه من مشهد! هكذا كنت أحدث نفسي الهائمة في البعيد..
هل صرت أدمن الوجع الذي يتسرب إلى دواخلي من كثرة حضوره الطاغي، هل كانت شهوة الغياب تغريني بالرحيل نحو دهاليز العالم غير المرئي؟
**********
بماذا تحلمين الآن يا صغيرتي؟ هل تشعرين بقربي منك؟ نبرات صوتك العذب تتردد في أذني، الصوت هو بوابة الدخول إلى غياهب الروح، وكما قيل في البدء كانت الكلمة.. لو أن المرض والموت يقبلان فدية لفديتك بروحي المعذبة، كانت روحك شفافة ونقية كحبات ضوء القمر، وضحكتك بريئة كلون الفرح في عيون الأطفال الصغار.
كنتِ تحلقين في البيت كالفراشة الصغيرة التي ألفت الرحيق والألوان، وكان البيت مفعماً بالحب والأمل.. كان وجودك كافياً ليمنحنا بهجة وسعادة لا تضاهيان ولا تعوضان، لاأزال حائرة حتى الآن كيف سأخبر والدتي بمرضك هذا؟ أيتهاء السماء امنحيني مشورتك وصبرك الجميل.
لقد كنتِ مسكونة بعشقك للرسم منذ نعومة أظفارك، ولم يخذلك طموحك على الإطلاق،كان الرسم والألوان ملهاة طفولتك.. أذكر أن والدتي كانت مبهورة بك عندما كنت تساعدينها في الأعمال التي تحتاج إلى لمسات فنية وجمالية..وكنت تدهشيننا برسومك المعبرة بالفحم على الجدار وأنت في سن صغيرة جداً.
كنت كثيراً ما أسأل نفسي في ذلك الوقت.. من علمك سر الرسم والألوان؟ كانت تسكنك روح فنانة منذ نعومة أظفارك.. أذكر عندما كنا جالسين في البيت ذات مرة وسألت أبي قائلة:
- من أي منفذ تعبر الألوان إلى ضفاف العين يا أبي؟ اندهش الوالد من سؤالك في ذلك الوقت، وأنت لم تتجاوزي الخامسة من عمرك، قال لك: من أين تأتين بهذا الخيال الواسع يا ابنتي؟ أقلب في دفاترك بعد أن منحتني ضوءاً أخضر للاطلاع عليها ونشرها، قلت لي إنها غير منظمة، وعليك ترتيبها بتتبع تسلسل الأحداث فيها..
في البدء كان اللون فصار بعدها للحياة قيمة ومعنى، هكذا كان مكتوباً في أعلى الصفحة ذاكرة اللون.. عندما أنظر إلى السماء أعرف علو اللون، وعندما أتمعن في الأرض أعي قيمة اللون، وعندما أتأمل الطبيعة الساحرة أكتشف جمالية اللون وسر الوجود.
مسكونة بعشقي للألوان منذ زمن بعيد.. في سن الطفولة كنت أجلس أمام ضفاف النهرأتأمل تفاصيله اللامرئية، تنفذ إلى أعماقي رائحته الزكية وهدير أمواجه الحالمة.
أغسل روحي بهوائه النقي، وأبلل وجهي من مياهه العذبة، أتكئ على وجعي ثم ألقي بأحزاني وشكواي وأوجاعي في داخله.. كانت تلك اللحظات تمنحني شعوراً بالرضاء وتغمرني بالسعادة والبهجة.. ليس هناك أجمل من الإبحار والسفر داخل دهاليز الروح في حضرة النهر الخالد.
جريد النخيل يتمايل بإيقاع منسجم مع صوت الريح الذي يهدهدها مثل الأم عندما تهدهد طفلها الصغير.. ووهج الشمس الذهبي يطفو فوق صفحات النهر، نسمات رقيقة من الهواء تصافح وجهي.. ألمح في الأفق البعيد الألوان الباهرة تتمدد في السماء الزرقاء، وتنساب بنعومة أمامي وأكاد ألمسها وأشعر بها طرية في راحة يدي، وقوس قزح يحملني معه بخفة أسبح في أروقة الفضاء الممتد، وأظل محلقة وهائمة في:
Page 4
وهج اللون، عشق اللون، جنون اللون، طيش اللون، جموح اللون، شهوة اللون، شهقة اللون، رعشة اللون، شفرة اللون، فيض اللون، فضاء اللون، ثنايا اللون، عناق اللون، دروب اللون، مسارب اللون، لوعة اللون، شغف اللون، عفوية اللون، بساطة اللون، سيل اللون، عنفوان اللون، صخب اللون، هدهدة اللون، عزلة اللون،مفارقة اللون، رقة اللون، دهشة اللون، زخم اللون، ثراء اللون، امتداد اللون، جموح اللون، ذاكرة اللون، دفق اللون، شفافية اللون، حكمة اللون، بحور اللون، مقامات اللون، جمال اللون، ضجيج اللون، انبهار اللون، حيرة اللون، دفء اللون، وحدة اللون، مزاج اللون، رحيق اللون، امتزاج اللون، رهافة اللون، نزف اللون، قدر اللون،اندياح اللون، عناق اللون، كثافة اللون، رمز اللون، عذوبة اللون، أفق اللون، بريق اللون، أروقة اللون، جرح اللون، تأويل اللون، سطوة اللون، روح اللون، ضفاف اللون، ربيع اللون، فجر اللون، تجلي اللون، كينونة اللون، براءة اللون، رحابة اللون، ديمومة اللون، ألم اللون، نعومة اللون، إغراء اللون، تحليق اللون، أهازيج اللون، محور اللون، دروب اللون، مناجاة اللون، شموخ اللون، كثافة اللون، شرود اللون، عافية اللون، صيرورة اللون، نبع اللون، سفوح اللون، مهد اللون، تباشير اللون، تخوم اللون، جاذبية اللون، هدأة اللون، جذوة اللون، وداعة اللون، أنشودة اللون، نبض اللون، ظلال اللون، انسجام اللون، عبق اللون، تراكم اللون، تناغم اللون، رسالة اللون، اختراق اللون، حصاد اللون، علو اللون، رشاقة اللون، إلهام اللون، موكب اللون، إشراق اللون، أثر اللون، أفق اللون، خصوبة اللون، صعود اللون،عاصفة اللون، أزمنة اللون، أسفار اللون، مدارات اللون، دهاليز اللون، مجاهل اللون، فصول اللون، حراك اللون، سفوح اللون، تجانس اللون، شطحة اللون، تمرد اللون، سحر اللون، براح اللون، متاهة اللون، خلود اللون، تحليق اللون، نبوءة اللون، نواة اللون، غموض اللون، طقوس اللون، أطلال اللون، حصن اللون، ذهول اللون، تراتيل اللون، ترانيم اللون، طيف اللون، بهاء اللون، ذروة اللون، كمال اللون، وحنين اللون إلى لحظة ميلاده الأولى، والتوق إلى عوالمه المجهولة.. وشهوة الرحيل لما وراء مدارات اللون وأسراره الغامضة وشفراته التي لا يعرفها سوى الحالمين والعارفين ببواطنه وخفاياه.
فتحت نافذة الشرفة المطلة على الحديقة المجاورة وأخذت معي فنجاناً من القهوة ممزوجاً بنكهة الزنجبيل، كنت بحاجة ماسة إليه في ذلك الوقت، القهوة رفيقة دربي المفضلة..
ارتبطت بطقوس القهوة منذ زمن بعيد، فهي تذكرني بأمي، لذا عقدت معها رباط حب أبدي، كلما أتكلم معها عبر الهاتف أقول لها: مشتاقة إليك وإلى طيبتك وإلى رائحة قهوتك المعتقة وجلسة حميمة في حضرتك.. هل تصدقين أنني أشم رائحة قهوتك هنا في كثير من الأحيان.. تقول لي بصوتها الحنون.. إلى متى سوف تتغربين عنا يا هاجر؟.. إذا نحن معكم اليوم لا ندري أين سنكون في الغد؟ أطمئنها بقليل من الكلمات: قريباً يا أمي سأحضر.. لكن لا أدري متى ستكون قريباً هذه.. وكتبت بعد أسابيع من ذلك اللقاء الأخير الذي جمعنا:
يوم ودعتك آخر مرة
تركت قليبي هناك معاك
مشيت زي ضلا راح متخبي
لا بيعرف صوت ولا طعم الموت
دموع عينيك بتساوي الدنيا
والفرحة معاك أجمل غنية
رويحتي تسابق في الأيام
حلمها كان تعيش في سلام
مين يقدر يفارق طيبتك ويفضل
تائه طول عمره في سيرتك
وصيتك لي أبداً ما ناسياها
وعايشة دوام في طيف ذكراها
مكتوبة علينا يا يمة الغربة
ما دام حال البلد أصبح كربة
مصيرنا الرجعة مهما كان
بس يا ريت الوطن يكون الكان
**********
فتحت نافذة الشرفة المطلة على الحديقة المجاورة وأخذت معي فنجاناً من القهوة ممزوجاً بنكهة الزنجبيل، كنت بحاجة ماسة إليه في ذلك الوقت، القهوة رفيقة دربي المفضلة..
ارتبطت بطقوس القهوة منذ زمن بعيد، فهي تذكرني بأمي، لذا عقدت معها رباط حب أبدي، كلما أتكلم معها عبر الهاتف أقول لها: مشتاقة إليك وإلى طيبتك وإلى رائحة قهوتك المعتقة وجلسة حميمة في حضرتك.. هل تصدقين أنني أشم رائحة قهوتك هنا في كثير من الأحيان.. تقول لي بصوتها الحنون.. إلى متى سوف تتغربين عنا يا هاجر؟.. إذا نحن معكم اليوم لا ندري أين سنكون في الغد؟ أطمئنها بقليل من الكلمات: قريباً يا أمي سأحضر.. لكن لا أدري متى ستكون قريباً هذه.. وكتبت بعد أسابيع من ذلك اللقاء الأخير الذي جمعنا:
يوم ودعتك آخر مرة
تركت قليبي هناك معاك
مشيت زي ضلا راح متخبي
لا بيعرف صوت ولا طعم الموت
دموع عينيك بتساوي الدنيا
والفرحة معاك أجمل غنية
رويحتي تسابق في الأيام
حلمها كان تعيش في سلام
مين يقدر يفارق طيبتك ويفضل
تائه طول عمره في سيرتك
وصيتك لي أبداً ما ناسياها
وعايشة دوام في طيف ذكراها
مكتوبة علينا يا يمة الغربة
ما دام حال البلد أصبح كربة
مصيرنا الرجعة مهما كان
بس يا ريت الوطن يكون الكان
**********
Page 5
أصبح الجلوس عند الشرفة وإطلالتها على خط الأفق جزءاً من طقوسي اليومية، كنت مشدوهة بسحر الأفق وروعة المنظر البديع.. أتمعن في ذلك الدرب المخملي الفسيح الذي يؤدي إلى عالم آخر مجهول الملامح أتوق إلى معرفة خباياه وأسراره.. في بعض الأحيان، أتخيل نفسي أتسلق الغيوم، وأسابق الريح، وأقذف بنفسي في ذلك الأفق السرمدي.
كم هو واسع هذا الكون؟ ماذا نساوي نحن أمام النجوم والكواكب؟ لا شيء.. لا شيء.. كم أشعر بضآلة شديدة وأكاد أخجل من نفسي.. في لحظات السكون الخالدة تلك كان صوت الشيخ عبدالباسط عبد الصمد وهو يرتل آيات من الذكر الحكيم صوتاً عذباً ترق له القلوب..
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
تأملت برهة في ذلك الفضاء الشاسع ثم سألت نفسي: هل سأركب إحدى تلك الطائرات في القريب العاجل وستكون رحلتي الأخيرة؟
كنت بصدد إكمال قراءة كتاب خارج المكان لإدوارد سعيد.. عنوانه يتناسب مع حالتي هذه تماماً، لكنني كنت متعبة الذهن والجسد، شعرت بنعاس شديد وتهت في دهاليز إغفاءة عميقة لم أفق منها إلا قبل لحظات قليلة من شروق الشمس.
نسائم الصباح الجميل صافحت وجهي برقة وعذوبة، استنشقت عبق الأزهار المرصوصة على حافة الشرفة والمغسولة بقطرات المطر.. أطلت جارتي اليونانية كاليستا من على شرفتها المجاورة باسمة ومشرقة كـلون الصباح الربيعي.. كان يجمعنا معاً عشق الزهور والنباتات الطبيعية، وقد كان لها باع طويل في هذا الشأن لا أجاريها فيه.. تتحدث عن الزهور بحب بالغ كأنها أبناؤها الصغار.. أتذكر مرة في إحدى زياراتي لمدينة أمستردام في موسم الربيع الماضي، أحضرت لها هدية عبارة عن بذور من الأزهار التي تشتهر بها هولندا.. كانت فرحتها بتلك الهدية لا تحدها حدود، وبعد فترة من الزمن قالت لي:
- أنظري إلى تلك الزهور التي جلبتها لي من أمستردام كم كبرت وتفتحت.. يمكن القول إن شيئين لا ينافسها فيهما أحد، حب البشر وحب الزهور..
حدثتني كاليستا في ذلك الصباح عن زهرة الأوركيد، أجمل زهرة في الوجود حسب وصفها، وأعطتني نبذة فخمة يمكن أن تكون محاضرة كاملة المحتوى في علم الأزهار، وعن تاريخ زهرة الأوركيد الذي يرجع إلى سنة 700 قبل الميلاد عند الصينيين، ولم تنس أن تخبرني كيف دخلت زهرة الأوركيد إلى أوروبا عبر هولندا في القرن الـ 17، ومنها انتقلت إلى بريطانيا وبقية الدول الأوروبية، وكانت تزرع في الحدائق الملكية..
وختمت حديثها عن جاذبية الأوركيد وجمالها الطبيعي الذي يمتاز بالغرابة والدهشة في آن واحد، أليس كذلك يا هاجر؟ أنتِ فنانة تشكيلية تفهمين أكثر مني في هذه الأشياء..
تريد أن تدخلني جو حديثها العذب.. أجبتها: إنني أسمعك بكل حواسي يا كاليستا..
ودعتني بعد أن قالت لي ضاحكة: تريدينني أن أتحدث حتى أطرد من العمل اليوم بسببك، وبسبب زهرة الأوركيد، أراك لاحقاً عند المساء يا صديقتي لنتناول معاً شاي الياسمين..
كان لكاليستا طقوس رائعة تعرفها وحدها، مثل طقس الشاي بنكهة الياسمين، والشاي الأخضر.. يمتاز شاي الياسمين بنكهة زكية جداً إضافة إلى فوائد أخرى كثيرة.. كانت كاليستا في غالب الأحيان تدعوني لمشاركتها في الاحتفاء بهذا الطقس المحبب إليها، بل أكثر من ذلك لقد شجعتني على تعوُّده وخصوصاً الشاي الأخضر..
قلت لها ذات مرة: الآن فقط عرفت سر رشاقتك وحيويتك الزائدتين.
ردت قائلة بخفة دمها: أعطيني نفسك شهراً، وسوف أجعلك أنحف مني بخمسة كيلو غرامات.. قلت لها: لو كان الأمر كذلك فسأعطيك نفسي لمدة شهرين.
في فصل الصيف كانت كاليستا تنظم يوماً ترفيهياً لسكان البناية، تجمعهم في الهواء الطلق بالحديقة الخضراء تحت خيمة حب وفرح كرنفالية.. وتقوم بتسلية الأطفال الصغار ببرامج ترفيهية متنوعة تستمر حتى مغيب الشمس، لِذا لا يملك الصغار إلا أن يتحلقوا حولها ويحبوها بشدة لأنها تغمرهم بحنانها وعطفها. قدمت كاليستا اقتراحاً بتنظيم رحلة جماعية لمدة أسبوع داخل أو خارج البلاد وذلك لخلق مزيد من التواصل ونوع من التغيير. كانت تتمتع بشخصية اجتماعية بامتياز متعددة المواهب ومتفردة الخصال، لها روح مرحة ومحبوبة.. جميلة كمعنى اسمها الذي يحمل الجمال الإغريقي العتيق الذي يسمع عنه بين صفحات الكتب والأساطير اليونانية القديمة، كاليستا امرأة من نور وضياء وعبق السوسن وخلاصة الزهر والياسمين..
ضباب أبيض شفاف ينبعث من الأرض يرتفع ويتراقص في الفراغ وسط الحديقة الخالية إلا من النوارس البيضاء.. بعض العجائز يمارسن رياضة السير الصباحي المعتاد، كنت في بعض الأحيان ألتقيهن فيسألنني عن أحوالي حتى صرت أعرفهن بعد ذلك، وتوطدت علاقتي بهن.. سألتهن عن السيدة أنوش الأرمنية.. فقلن لي إنها ذهبت لزيارة ابنها في أستراليا ولم تعد حتى الآن، وعلقن مازحات: ربما طاب لها البقاء هناك بدلاً من هذه البلاد الباردة..
كنت أجلس معها ساعات طويلة على أريكة الحديقة تحت أشعة الشمس الدافئة.. كم أشتاق إلى الحديث معها.. ذكرت لي مرة أنها غادرت بلادها منذ أكثر من سبعة عقود ولم تعد مرة أخرى إلى هناك..
كم هو واسع هذا الكون؟ ماذا نساوي نحن أمام النجوم والكواكب؟ لا شيء.. لا شيء.. كم أشعر بضآلة شديدة وأكاد أخجل من نفسي.. في لحظات السكون الخالدة تلك كان صوت الشيخ عبدالباسط عبد الصمد وهو يرتل آيات من الذكر الحكيم صوتاً عذباً ترق له القلوب..
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
تأملت برهة في ذلك الفضاء الشاسع ثم سألت نفسي: هل سأركب إحدى تلك الطائرات في القريب العاجل وستكون رحلتي الأخيرة؟
كنت بصدد إكمال قراءة كتاب خارج المكان لإدوارد سعيد.. عنوانه يتناسب مع حالتي هذه تماماً، لكنني كنت متعبة الذهن والجسد، شعرت بنعاس شديد وتهت في دهاليز إغفاءة عميقة لم أفق منها إلا قبل لحظات قليلة من شروق الشمس.
نسائم الصباح الجميل صافحت وجهي برقة وعذوبة، استنشقت عبق الأزهار المرصوصة على حافة الشرفة والمغسولة بقطرات المطر.. أطلت جارتي اليونانية كاليستا من على شرفتها المجاورة باسمة ومشرقة كـلون الصباح الربيعي.. كان يجمعنا معاً عشق الزهور والنباتات الطبيعية، وقد كان لها باع طويل في هذا الشأن لا أجاريها فيه.. تتحدث عن الزهور بحب بالغ كأنها أبناؤها الصغار.. أتذكر مرة في إحدى زياراتي لمدينة أمستردام في موسم الربيع الماضي، أحضرت لها هدية عبارة عن بذور من الأزهار التي تشتهر بها هولندا.. كانت فرحتها بتلك الهدية لا تحدها حدود، وبعد فترة من الزمن قالت لي:
- أنظري إلى تلك الزهور التي جلبتها لي من أمستردام كم كبرت وتفتحت.. يمكن القول إن شيئين لا ينافسها فيهما أحد، حب البشر وحب الزهور..
حدثتني كاليستا في ذلك الصباح عن زهرة الأوركيد، أجمل زهرة في الوجود حسب وصفها، وأعطتني نبذة فخمة يمكن أن تكون محاضرة كاملة المحتوى في علم الأزهار، وعن تاريخ زهرة الأوركيد الذي يرجع إلى سنة 700 قبل الميلاد عند الصينيين، ولم تنس أن تخبرني كيف دخلت زهرة الأوركيد إلى أوروبا عبر هولندا في القرن الـ 17، ومنها انتقلت إلى بريطانيا وبقية الدول الأوروبية، وكانت تزرع في الحدائق الملكية..
وختمت حديثها عن جاذبية الأوركيد وجمالها الطبيعي الذي يمتاز بالغرابة والدهشة في آن واحد، أليس كذلك يا هاجر؟ أنتِ فنانة تشكيلية تفهمين أكثر مني في هذه الأشياء..
تريد أن تدخلني جو حديثها العذب.. أجبتها: إنني أسمعك بكل حواسي يا كاليستا..
ودعتني بعد أن قالت لي ضاحكة: تريدينني أن أتحدث حتى أطرد من العمل اليوم بسببك، وبسبب زهرة الأوركيد، أراك لاحقاً عند المساء يا صديقتي لنتناول معاً شاي الياسمين..
كان لكاليستا طقوس رائعة تعرفها وحدها، مثل طقس الشاي بنكهة الياسمين، والشاي الأخضر.. يمتاز شاي الياسمين بنكهة زكية جداً إضافة إلى فوائد أخرى كثيرة.. كانت كاليستا في غالب الأحيان تدعوني لمشاركتها في الاحتفاء بهذا الطقس المحبب إليها، بل أكثر من ذلك لقد شجعتني على تعوُّده وخصوصاً الشاي الأخضر..
قلت لها ذات مرة: الآن فقط عرفت سر رشاقتك وحيويتك الزائدتين.
ردت قائلة بخفة دمها: أعطيني نفسك شهراً، وسوف أجعلك أنحف مني بخمسة كيلو غرامات.. قلت لها: لو كان الأمر كذلك فسأعطيك نفسي لمدة شهرين.
في فصل الصيف كانت كاليستا تنظم يوماً ترفيهياً لسكان البناية، تجمعهم في الهواء الطلق بالحديقة الخضراء تحت خيمة حب وفرح كرنفالية.. وتقوم بتسلية الأطفال الصغار ببرامج ترفيهية متنوعة تستمر حتى مغيب الشمس، لِذا لا يملك الصغار إلا أن يتحلقوا حولها ويحبوها بشدة لأنها تغمرهم بحنانها وعطفها. قدمت كاليستا اقتراحاً بتنظيم رحلة جماعية لمدة أسبوع داخل أو خارج البلاد وذلك لخلق مزيد من التواصل ونوع من التغيير. كانت تتمتع بشخصية اجتماعية بامتياز متعددة المواهب ومتفردة الخصال، لها روح مرحة ومحبوبة.. جميلة كمعنى اسمها الذي يحمل الجمال الإغريقي العتيق الذي يسمع عنه بين صفحات الكتب والأساطير اليونانية القديمة، كاليستا امرأة من نور وضياء وعبق السوسن وخلاصة الزهر والياسمين..
ضباب أبيض شفاف ينبعث من الأرض يرتفع ويتراقص في الفراغ وسط الحديقة الخالية إلا من النوارس البيضاء.. بعض العجائز يمارسن رياضة السير الصباحي المعتاد، كنت في بعض الأحيان ألتقيهن فيسألنني عن أحوالي حتى صرت أعرفهن بعد ذلك، وتوطدت علاقتي بهن.. سألتهن عن السيدة أنوش الأرمنية.. فقلن لي إنها ذهبت لزيارة ابنها في أستراليا ولم تعد حتى الآن، وعلقن مازحات: ربما طاب لها البقاء هناك بدلاً من هذه البلاد الباردة..
كنت أجلس معها ساعات طويلة على أريكة الحديقة تحت أشعة الشمس الدافئة.. كم أشتاق إلى الحديث معها.. ذكرت لي مرة أنها غادرت بلادها منذ أكثر من سبعة عقود ولم تعد مرة أخرى إلى هناك..
Page 6
ذاكرتها حاضرة وصافية جداً، تحكي التفاصيل بدقة تحسد عليها وكأنها تتحدث عن أشياء حدثت يوم أمس القريب، لها موهبة فائقة في الحكي.. كنت أظل مشدوهة بالاستماع إليها بكل حواسي، وأرى ما تقوله أمامي كأنه شريط سينمائي جيد الإخراج.. كانت حكاياها مأخوذة بسحر وجمال السرد وروح الأسطورة، أذكر جملتها الأخيرة في آخر مرة كانت تتحدث فيها عن وطنها الذي لم يفارق مخيلتها قط قالت:
- الوطن هناك تحول في وقت من الأوقات إلى سلسلة من الفواجع والمآسي التي لا تحصى ولا تعد.. كنا نحن الأحياء بحاجة إلى ترميم خرابنا، وإلى يقين يجعلنا نتماسك أمام وجه الانهيار والانكسار الكبير..
كان لسان حالنا يردد في ذلك الوقت:
أيها الوطن الضائع، من سرق منك طفولتك العذبة وأحلامك الوردية البريئة؟
هناك سؤال ظل يدور في ذهني مدة من الوقت، وكنت قد أجلته مرات كثيرة.. إلا أنه خرج هذه المرة من لساني بدون تردد:
- هل شاهدت أحداث المجزرة هناك، يا جدة أنوش؟ صمتت فترة من الوقت ثم أجابتني بعد أن مسحت الدموع من عينيها:
- نعم شاهدت تلك الأحداث هناك ولولا تدخل العناية الإلهية لكنت في عداد أولئك الضحايا..
ولا أخفيك أنني أشعرأحياناً أنني توفيت منذ تلك الأيام، وكل حياتي هذه مجرد استثناء ومنحة ربانية، لقد كان شعبنا يقتل ويذبح على مرأى ومسمع من العالم دون أن يحرك أحد ساكناً، والمؤلم أن الأمر يتكرر الآن في مناطق عديدة في العالم من دون أن تعي البشرية الدرس أو أن تستفيد من تاريخنا الحافل بأنهار الدماء والضحايا.. قيمة الإنسان أصبحت رخيصة يا صغيرتي في هذا الكوكب الهمجي، ولم يعد لها شأن.. في هذا العالم البغيض غاب صوت العقل والضمير والأخلاق، ولا تسود سوى ثقافة الانتهازية والخداع والانحطاط..
عندما غادرنا مدينة يريفان كان عمري حوالى سبع سنوات، عشنا قرابة عقدين من الزمان في مدينة حلب السورية بعد أن وصلنا إلى هناك بأعجوبة أو يمكن أن تسميها معجزة.. المفارقة أن المدينة نفسها التي احتضنتنا عقدين من الزمان تعاني الآن المصير البائس نفسه الذي لاقيناه في بلدنا الأم.. لكأن الشقاء والتعاسة يلاحقان الإنسان أينما ذهب، أشعر من هنا كأن المدينة تكاد تصرخ من هول الدمار والخراب، قائلة في وجه آلة الحرب الدموية: أبعدوا هؤلاء القتلة عني.. لا شيء يردع غرور الإنسان وتسلطه سوى الموت.. حين تمتلئ عيناه بالتراب حينئذ سيعرف قدره تماماً.. قلت لها إنك محقة في قولك وللأسف نقف عاجزين أمام هذه المشاهد الجحيمية، لكن سينتصر الحق في آخر المطاف.. كل نقطة دم تسيل على هذه الأرض تؤكد شيئاً واحداً، وهو أن البشرية في ورطة كبيرة لا تحسد عليها..
- ما أقسى الحنين والشوق إليك يا حلب! مدينة تسكن الروح وتتغلغل في الأعماق، تحلق بي ذكريات كثيرة هناك في مدينة حلب الشهباء لاأزال أحملها في ذاكرتي حتى الآن، فهي المدينة التي نشأت فيها ودرست في مدارسها وصرنا جزءاً من شوارعها وأزقتها العتيقة.. هل قرأت ما قاله الأخطل الصغير عن مدينة حلب؟
لو ألف المجد سفراً عن مفاخره لراح يكتب في عنوانه حلبا
- لم أسمع بهذا البيت الشعري من قبل، لكن أعرف أنها مدينة ملهمة للكثيرين من الشعراء..
لقد زرت مدينتَيْ دمشق واللاذقية عدة مرات، لكن للأسف لم تتح لي الفرصة لزيارة حلب..
- لقد عانيت الغربة في حياتي يا صغيرتي على جميع الصعد، غربة الروح والمكان، ولا أود أن أعانيها في موتي لذا طلبت في وصيتي أن أدفن في بلدي الذي أشتاق إليه الآن أكثر من أي وقت مضى، إذا لم تتح لي الفرصة أن أعيش فيه طوال حياتي السابقة، فأود فقط أن أدفن في ترابه.. ساد الصمت، ولا شيء غير الصمت الحزين..
نظرت إلى أغصان تلك الشجرة الكبيرة التي كنا نستظل تحتها.. سألت نفسي هل تعلم هذه الشجرة مدى عذابنا في هذه الحياة؟
وكأنها علمت ما كان يدور في ذهني في تلك اللحظة فقالت لي:
- هل تخاطبين الأشجار يا صغيرتي؟
ابتسمت وقلت لها: ما أصدق حدسك.. نعم يا جدة أنوش كنت أخاطب الشجرة، قلت: ليتني كنت ورقة خريف سقطت من ذاكرة الضوء وحسابات الأشجار..
قالت لي بعد أن تمعنت في الأفق البعيد والسماء الزرقاء مدة من الوقت:
- تسعة وسبعون عاماً في هذا العالم.. لم أنظر إلى هذه السماء كما نظرت إليها هذا اليوم..
- الوطن هناك تحول في وقت من الأوقات إلى سلسلة من الفواجع والمآسي التي لا تحصى ولا تعد.. كنا نحن الأحياء بحاجة إلى ترميم خرابنا، وإلى يقين يجعلنا نتماسك أمام وجه الانهيار والانكسار الكبير..
كان لسان حالنا يردد في ذلك الوقت:
أيها الوطن الضائع، من سرق منك طفولتك العذبة وأحلامك الوردية البريئة؟
هناك سؤال ظل يدور في ذهني مدة من الوقت، وكنت قد أجلته مرات كثيرة.. إلا أنه خرج هذه المرة من لساني بدون تردد:
- هل شاهدت أحداث المجزرة هناك، يا جدة أنوش؟ صمتت فترة من الوقت ثم أجابتني بعد أن مسحت الدموع من عينيها:
- نعم شاهدت تلك الأحداث هناك ولولا تدخل العناية الإلهية لكنت في عداد أولئك الضحايا..
ولا أخفيك أنني أشعرأحياناً أنني توفيت منذ تلك الأيام، وكل حياتي هذه مجرد استثناء ومنحة ربانية، لقد كان شعبنا يقتل ويذبح على مرأى ومسمع من العالم دون أن يحرك أحد ساكناً، والمؤلم أن الأمر يتكرر الآن في مناطق عديدة في العالم من دون أن تعي البشرية الدرس أو أن تستفيد من تاريخنا الحافل بأنهار الدماء والضحايا.. قيمة الإنسان أصبحت رخيصة يا صغيرتي في هذا الكوكب الهمجي، ولم يعد لها شأن.. في هذا العالم البغيض غاب صوت العقل والضمير والأخلاق، ولا تسود سوى ثقافة الانتهازية والخداع والانحطاط..
عندما غادرنا مدينة يريفان كان عمري حوالى سبع سنوات، عشنا قرابة عقدين من الزمان في مدينة حلب السورية بعد أن وصلنا إلى هناك بأعجوبة أو يمكن أن تسميها معجزة.. المفارقة أن المدينة نفسها التي احتضنتنا عقدين من الزمان تعاني الآن المصير البائس نفسه الذي لاقيناه في بلدنا الأم.. لكأن الشقاء والتعاسة يلاحقان الإنسان أينما ذهب، أشعر من هنا كأن المدينة تكاد تصرخ من هول الدمار والخراب، قائلة في وجه آلة الحرب الدموية: أبعدوا هؤلاء القتلة عني.. لا شيء يردع غرور الإنسان وتسلطه سوى الموت.. حين تمتلئ عيناه بالتراب حينئذ سيعرف قدره تماماً.. قلت لها إنك محقة في قولك وللأسف نقف عاجزين أمام هذه المشاهد الجحيمية، لكن سينتصر الحق في آخر المطاف.. كل نقطة دم تسيل على هذه الأرض تؤكد شيئاً واحداً، وهو أن البشرية في ورطة كبيرة لا تحسد عليها..
- ما أقسى الحنين والشوق إليك يا حلب! مدينة تسكن الروح وتتغلغل في الأعماق، تحلق بي ذكريات كثيرة هناك في مدينة حلب الشهباء لاأزال أحملها في ذاكرتي حتى الآن، فهي المدينة التي نشأت فيها ودرست في مدارسها وصرنا جزءاً من شوارعها وأزقتها العتيقة.. هل قرأت ما قاله الأخطل الصغير عن مدينة حلب؟
لو ألف المجد سفراً عن مفاخره لراح يكتب في عنوانه حلبا
- لم أسمع بهذا البيت الشعري من قبل، لكن أعرف أنها مدينة ملهمة للكثيرين من الشعراء..
لقد زرت مدينتَيْ دمشق واللاذقية عدة مرات، لكن للأسف لم تتح لي الفرصة لزيارة حلب..
- لقد عانيت الغربة في حياتي يا صغيرتي على جميع الصعد، غربة الروح والمكان، ولا أود أن أعانيها في موتي لذا طلبت في وصيتي أن أدفن في بلدي الذي أشتاق إليه الآن أكثر من أي وقت مضى، إذا لم تتح لي الفرصة أن أعيش فيه طوال حياتي السابقة، فأود فقط أن أدفن في ترابه.. ساد الصمت، ولا شيء غير الصمت الحزين..
نظرت إلى أغصان تلك الشجرة الكبيرة التي كنا نستظل تحتها.. سألت نفسي هل تعلم هذه الشجرة مدى عذابنا في هذه الحياة؟
وكأنها علمت ما كان يدور في ذهني في تلك اللحظة فقالت لي:
- هل تخاطبين الأشجار يا صغيرتي؟
ابتسمت وقلت لها: ما أصدق حدسك.. نعم يا جدة أنوش كنت أخاطب الشجرة، قلت: ليتني كنت ورقة خريف سقطت من ذاكرة الضوء وحسابات الأشجار..
قالت لي بعد أن تمعنت في الأفق البعيد والسماء الزرقاء مدة من الوقت:
- تسعة وسبعون عاماً في هذا العالم.. لم أنظر إلى هذه السماء كما نظرت إليها هذا اليوم..
Page 7
– إن زحمة الحياة ومشاغلها أحياناً لا تعطينا مساحة كافية للتأمل في هذه المشاهد..
- معك حق بكل تأكيد يا صغيرتي..
كم أفتقدها الآن وأتمنى ألا يطول غيابها.. فقد كانت شخصيتها مرحة ومحبوبة إلى أبعد الحدود، قالت لي ذات مرة:
- أعذريني أكثرت عليك بالحديث، تعلمين ثرثرة الكبار.. أنتِ من القليلين الذين أتكلم معهم، أبنائي مشغولون بحياتهم وبمشاكل أطفالهم الصغار..
ودعتني بعناق حار في ذلك اليوم ثم قبلت رأسها وانصرفت بهدوئها المعتاد.. كانت أنوش تذكرني بجدتي، تجمعهما صفات عديدة مشتركة وخصوصاً في سرد القصص.. كانت جدتي تمتعنا بقصصها وحكاياتها التي لا نمل سماعها وحكمها البالغة، وكان لها أسلوب مميز في الحكي ووصف الأحداث بدقة متناهية.. كانت جدتي تستمد حكاياتها من مدينة دنقلا التي ولدت ونشأت فيها، ولم تغب عن ذاكرتها حتى فارقت الحياة..
تحفظ تاريخها وتراثها وأحاجيها وأساطيرها وأغانيها وعاداتها وتقاليدها وأمثلتها، كنا ننظر إليها بإعجاب ودهشة، ونسألها ببراءة كيف تحفظين كل هذه الأشياء في ذهنك يا جدتي؟
كانت تبتسم وتقول لنا: كانت حياتنا بسيطة، وغير معقدة مثل زمنكم المسخوط هذا..
كم نفتقدك الآن يا جدتي.. رحلت وتركت خلفها مساحة شاسعة من الحزن والفقد، حتى الإنسانة التي كانت تذكرني بك اختفى أثرها، وغاب وهج حضورها المشرق من الحديقة الخضراء..
يا جدتي أنوش.. لو كنت أعلم أن ذلك اللقاء سيكون الأخير بيننا لكنت جلست معك حتى المساء.. وودعتك بعدها بكثيرمن الحزن والأسى.
تذكرت كلام الجدة أنوش عن الدمار والخراب هناك في بلاد الشام.. ظل مشهد ذاك المغني الذي قطعت حنجرته في ذهني لأيام وليال طويلة لم تفارقتي قط.. أشعر بمرارة وعبرة في حلقي.. فاجأني عامر بالنص الذي أرسله لي عبر الإيميل قبل يومين، كان يدور حول الموضوع نفسه وكان عنوانه (صوت الغائب وحوار الأشباح)..
(ذات شتاء قارس وظلام دامس، كان يتردد من على البعد صوت أهازيج وإيقاعات لا يعرف أحد مصدرها، هل هي من عالم الجن أم الإنس؟ وأكثرما كان يزعج أحد الضباط أن الصوت حرمه النوم فترة طويلة...
يتردد صدى صراخ عالٍ وأصوات تهتف بشدة وبصورة هستيرية:
حرية
حرية
حرية
الضابط يقول بدهشة وحيرة:
- ما هذه الأصوات التي تصرخ في أذني؟
وأكاد أشتم رائحة دم بشري طازج..
- أي أصوات وأي دماء؟ لم أسمع شيئاً سيادتك..
ربما تكون مجرد أوهام في رأسك..
- ماذا؟ أوهام في رأسي يا ابن الكلب، هل تصفني بالجنون؟
- معاذ الله يا سيدي، ربما ضميرك فقط يؤنبك لمنظر الدماء التي سالت من حنجرة ذلك المغني الذي ذبحته يوم أمس بيدك بدم بارد...
- وأنت أين ضميرك أفي إجازة يا وغد؟
- أنا أنفذ أوامركم فحسب...
- معك حق بكل تأكيد يا صغيرتي..
كم أفتقدها الآن وأتمنى ألا يطول غيابها.. فقد كانت شخصيتها مرحة ومحبوبة إلى أبعد الحدود، قالت لي ذات مرة:
- أعذريني أكثرت عليك بالحديث، تعلمين ثرثرة الكبار.. أنتِ من القليلين الذين أتكلم معهم، أبنائي مشغولون بحياتهم وبمشاكل أطفالهم الصغار..
ودعتني بعناق حار في ذلك اليوم ثم قبلت رأسها وانصرفت بهدوئها المعتاد.. كانت أنوش تذكرني بجدتي، تجمعهما صفات عديدة مشتركة وخصوصاً في سرد القصص.. كانت جدتي تمتعنا بقصصها وحكاياتها التي لا نمل سماعها وحكمها البالغة، وكان لها أسلوب مميز في الحكي ووصف الأحداث بدقة متناهية.. كانت جدتي تستمد حكاياتها من مدينة دنقلا التي ولدت ونشأت فيها، ولم تغب عن ذاكرتها حتى فارقت الحياة..
تحفظ تاريخها وتراثها وأحاجيها وأساطيرها وأغانيها وعاداتها وتقاليدها وأمثلتها، كنا ننظر إليها بإعجاب ودهشة، ونسألها ببراءة كيف تحفظين كل هذه الأشياء في ذهنك يا جدتي؟
كانت تبتسم وتقول لنا: كانت حياتنا بسيطة، وغير معقدة مثل زمنكم المسخوط هذا..
كم نفتقدك الآن يا جدتي.. رحلت وتركت خلفها مساحة شاسعة من الحزن والفقد، حتى الإنسانة التي كانت تذكرني بك اختفى أثرها، وغاب وهج حضورها المشرق من الحديقة الخضراء..
يا جدتي أنوش.. لو كنت أعلم أن ذلك اللقاء سيكون الأخير بيننا لكنت جلست معك حتى المساء.. وودعتك بعدها بكثيرمن الحزن والأسى.
تذكرت كلام الجدة أنوش عن الدمار والخراب هناك في بلاد الشام.. ظل مشهد ذاك المغني الذي قطعت حنجرته في ذهني لأيام وليال طويلة لم تفارقتي قط.. أشعر بمرارة وعبرة في حلقي.. فاجأني عامر بالنص الذي أرسله لي عبر الإيميل قبل يومين، كان يدور حول الموضوع نفسه وكان عنوانه (صوت الغائب وحوار الأشباح)..
(ذات شتاء قارس وظلام دامس، كان يتردد من على البعد صوت أهازيج وإيقاعات لا يعرف أحد مصدرها، هل هي من عالم الجن أم الإنس؟ وأكثرما كان يزعج أحد الضباط أن الصوت حرمه النوم فترة طويلة...
يتردد صدى صراخ عالٍ وأصوات تهتف بشدة وبصورة هستيرية:
حرية
حرية
حرية
الضابط يقول بدهشة وحيرة:
- ما هذه الأصوات التي تصرخ في أذني؟
وأكاد أشتم رائحة دم بشري طازج..
- أي أصوات وأي دماء؟ لم أسمع شيئاً سيادتك..
ربما تكون مجرد أوهام في رأسك..
- ماذا؟ أوهام في رأسي يا ابن الكلب، هل تصفني بالجنون؟
- معاذ الله يا سيدي، ربما ضميرك فقط يؤنبك لمنظر الدماء التي سالت من حنجرة ذلك المغني الذي ذبحته يوم أمس بيدك بدم بارد...
- وأنت أين ضميرك أفي إجازة يا وغد؟
- أنا أنفذ أوامركم فحسب...
Page 8
- لو أمرتك أن تخرج مسدسك الآن وتفرغه في رأسك الفارغ هذا هل ستفعل؟
- أخرج الجندي المسدس ببطء ونظراته مصوبة نحو عيني الضابط مباشرة:
سأفعل يا سيدي بكل تأكيد.. لكن اسمح لي أن أقول إنني سأفرغه في رأسك الفارغ المليء بالأوهام.... وبعد أن استقرت عدة طلقات في رأس الضابط... غسل الجندي يديه وقال في سره:
- دام الوطن للجميع.. والآن إلى طريق الحرية، الحرية، الحرية..
في ذلك الوقت كانت الأرض مغطاة بالدماء، الأحجار تنظر بذهول إلى هذا المشهد العبثي وتقول لنفسها: أيها الإنسان هنيئاً لك بورطتك الأبدية، أما أشلاء الضحايا المتناثرة على الطرقات فكانت تردد بخشوع:
دمي فوق يدي
وكفني فوق جسدي
وحتماً سينتصر موتي.
كنت محتاجة أن أتمشى لبعض الوقت، وقد أراحتني تلك اللحظات التي خرجت فيها من البيت.. أشعر بمفعول الأدوية والعلاج يتسرب داخل جسدي.. اتجهت صوب أحد المحال المختصة ببيع أدوات الرسم، اشتريت بعض الأدوات التي كانت تنقصني.. أتمشى على مهل وذهني شارد في البعيد ترافقني أغنيات في المحمول أكسر بها حاجز الملل والرتابة والصمت..
ألمح بعض المتسولين يستجدون عطف المارة الذين في غالب الأحيان لا يأبهون لهم.
عازف ساكسفون ضرير ينثر ألحاناً عذبة في حضرة نهار صيفي متخم بمشاهد البهجة في وجوه المارة والعابرين.. عند الناصية الأخرى من الشارع فرقة من هنود الأمازون يقدمون مقطوعة رائعة ذات شجن وحزن عميق، صفق لهم الحضور بعد انتهاء المقطوعة..
سألت نفسي: هل تجمّع حزن العالم كله في هذا الطريق؟.. وقفت أستمع إليهم حتى النهاية إلى أن عرضوا بعد ذلك ألبوماتهم للبيع بأسعار زهيدة اشتراها الجمهور بلهفة شديدة...
تذكرت أنني أمتلك بعضاً من ألبومات موسيقى الهنود الحمر اشتريتها مرة في ساحة الدام الشهيرة في مدينة أمستردام..
صديقتي هيلين فنانة هولندية درست معي في أكاديمية روما للفنون الجميلة، حفزتني لسبر أغوار الهنود الحمر، وكنت قد التقيتها العام الماضي في أحد معارض الفنون المشتركة بمدينة أمستردام.. إضافة إلى كونها فنانة تشكيلية فهي باحثة ومتخصصة في تاريخ الهنود الحمر، وكانت مهووسة بكل بشيء يسمى الهنود الحمر، تحفظ تاريخهم على ظهر قلب وتعتبرهم عالمها الأول والأخير..
معظم رسومها مستمدة من حياتهم ومعاناتهم الطويلة.. وعندما دعتنا مرة لزيارة بيتها في مدينة هارلم.. اندهشنا من ديكور بيتها الذي يبدو وكأنه متحف عن الهنود الحمر.. سألتها ذات مرة ما سر شغفك الكثيف بهم؟
صمتت فترة ثم قالت لي: أشعر في كثير من الأحيان أن جذوري تعود إلى عالمهم الساحر..
شاهدت فيلماً عندما كنت صغيرة ترك أثره العميق في نفسي وغيّر نمط حياتي رأساً على عقب، ومنذ تلك اللحظة أصبحت حياتهم جزءاً مني وصرت جزءاً منهم...
للحقيقة، لقد أضاءت لي هيلين جوانب كثيرة كانت معتمة وغير معروفة بالنسبة إلي عن عوالم الهنود الحمر.. وقد كتبت عنهم عدة أبحاث نشرت في مجلات علمية متخصصة.. إضافة إلى محاضراتها التي تلقيها في عواصم عديدة من العالم.
تبقّى أسبوعان لموعد تسليم أعمالي واللوحات للمشاركة بها في متحف لندن التاريخي، ضمن أسبوع الثقافة النوبية القديمة (رحلة في أعماق الحضارة النوبية القديمة) أنجزت سبعة أعمال وتبقى ثلاث لوحات، بالإضافة إلى تصميم مجسّمين والإعلانات المعلقة..
كانت أوقاتي موزعة بين الرسم والقراءة والكتابة والتدوين.. تأتيني الأفكار في كثير من الأحيان من عوالم قصية نابعة من دروب الأحلام الرحبة.. هل كنت قد نذرت نفسي للحلم وللريح والقلق..
عند عودتي إلى البيت جلست على الأريكة ثم أدرت جهاز التسجيل، جاء صوت المطرب محمد منير ليعم أرجاء المكان، ويضفي على النفس لحظات طرب شجية وساحرة..
- أخرج الجندي المسدس ببطء ونظراته مصوبة نحو عيني الضابط مباشرة:
سأفعل يا سيدي بكل تأكيد.. لكن اسمح لي أن أقول إنني سأفرغه في رأسك الفارغ المليء بالأوهام.... وبعد أن استقرت عدة طلقات في رأس الضابط... غسل الجندي يديه وقال في سره:
- دام الوطن للجميع.. والآن إلى طريق الحرية، الحرية، الحرية..
في ذلك الوقت كانت الأرض مغطاة بالدماء، الأحجار تنظر بذهول إلى هذا المشهد العبثي وتقول لنفسها: أيها الإنسان هنيئاً لك بورطتك الأبدية، أما أشلاء الضحايا المتناثرة على الطرقات فكانت تردد بخشوع:
دمي فوق يدي
وكفني فوق جسدي
وحتماً سينتصر موتي.
كنت محتاجة أن أتمشى لبعض الوقت، وقد أراحتني تلك اللحظات التي خرجت فيها من البيت.. أشعر بمفعول الأدوية والعلاج يتسرب داخل جسدي.. اتجهت صوب أحد المحال المختصة ببيع أدوات الرسم، اشتريت بعض الأدوات التي كانت تنقصني.. أتمشى على مهل وذهني شارد في البعيد ترافقني أغنيات في المحمول أكسر بها حاجز الملل والرتابة والصمت..
ألمح بعض المتسولين يستجدون عطف المارة الذين في غالب الأحيان لا يأبهون لهم.
عازف ساكسفون ضرير ينثر ألحاناً عذبة في حضرة نهار صيفي متخم بمشاهد البهجة في وجوه المارة والعابرين.. عند الناصية الأخرى من الشارع فرقة من هنود الأمازون يقدمون مقطوعة رائعة ذات شجن وحزن عميق، صفق لهم الحضور بعد انتهاء المقطوعة..
سألت نفسي: هل تجمّع حزن العالم كله في هذا الطريق؟.. وقفت أستمع إليهم حتى النهاية إلى أن عرضوا بعد ذلك ألبوماتهم للبيع بأسعار زهيدة اشتراها الجمهور بلهفة شديدة...
تذكرت أنني أمتلك بعضاً من ألبومات موسيقى الهنود الحمر اشتريتها مرة في ساحة الدام الشهيرة في مدينة أمستردام..
صديقتي هيلين فنانة هولندية درست معي في أكاديمية روما للفنون الجميلة، حفزتني لسبر أغوار الهنود الحمر، وكنت قد التقيتها العام الماضي في أحد معارض الفنون المشتركة بمدينة أمستردام.. إضافة إلى كونها فنانة تشكيلية فهي باحثة ومتخصصة في تاريخ الهنود الحمر، وكانت مهووسة بكل بشيء يسمى الهنود الحمر، تحفظ تاريخهم على ظهر قلب وتعتبرهم عالمها الأول والأخير..
معظم رسومها مستمدة من حياتهم ومعاناتهم الطويلة.. وعندما دعتنا مرة لزيارة بيتها في مدينة هارلم.. اندهشنا من ديكور بيتها الذي يبدو وكأنه متحف عن الهنود الحمر.. سألتها ذات مرة ما سر شغفك الكثيف بهم؟
صمتت فترة ثم قالت لي: أشعر في كثير من الأحيان أن جذوري تعود إلى عالمهم الساحر..
شاهدت فيلماً عندما كنت صغيرة ترك أثره العميق في نفسي وغيّر نمط حياتي رأساً على عقب، ومنذ تلك اللحظة أصبحت حياتهم جزءاً مني وصرت جزءاً منهم...
للحقيقة، لقد أضاءت لي هيلين جوانب كثيرة كانت معتمة وغير معروفة بالنسبة إلي عن عوالم الهنود الحمر.. وقد كتبت عنهم عدة أبحاث نشرت في مجلات علمية متخصصة.. إضافة إلى محاضراتها التي تلقيها في عواصم عديدة من العالم.
تبقّى أسبوعان لموعد تسليم أعمالي واللوحات للمشاركة بها في متحف لندن التاريخي، ضمن أسبوع الثقافة النوبية القديمة (رحلة في أعماق الحضارة النوبية القديمة) أنجزت سبعة أعمال وتبقى ثلاث لوحات، بالإضافة إلى تصميم مجسّمين والإعلانات المعلقة..
كانت أوقاتي موزعة بين الرسم والقراءة والكتابة والتدوين.. تأتيني الأفكار في كثير من الأحيان من عوالم قصية نابعة من دروب الأحلام الرحبة.. هل كنت قد نذرت نفسي للحلم وللريح والقلق..
عند عودتي إلى البيت جلست على الأريكة ثم أدرت جهاز التسجيل، جاء صوت المطرب محمد منير ليعم أرجاء المكان، ويضفي على النفس لحظات طرب شجية وساحرة..
Page 9
(بحر الحياة غدار وإحنا لفين رايحين
شايل معاه أسرار وإحنا معاه ماشيين
أيام تفوت وتروح وإحنا ولا حاسين
أحلام تعيش وتموت يا قلوبنا يا خايفين).
صوت يختزل آهات الحالمين وأوجاعهم، طوبى لك يا منير، وأنت تبحر بنا في الأعماق بصوتك العذب الذي يهز الوجدان ويرجّ صفحات الروح، ويطوف بها في العوالم البعيدة.. أي حنين وحزن وجنون ذلك الذي يسكن صوتك؟
وقبل أن تنتهي الأغنية سمعت صوت نقر خفيف على الباب، كان الطارق هو صديقتي ماريكا التي تسكن في البيت المقابل قالت لي:
- ما أجمله من صوت يا هاجر، من هذا المغني؟
- قلت لها إنه الفنان المصري المعروف محمد منير..
ردت بهدوئها المعتاد:
- من سوء حظي لم أسمعه من قبل.. معرفتي تقتصر على أم كلثوم وفيروز، لا أخفيك، تأسرني موسيقى الشرق الساحرة بشدة، فقد زرنا بعض المدن هناك مثل (القاهرة، دمشق، بيروت وبغداد) مع والدي ولاتزال تلك الصور مرسومة في مخيلتي، يبدو أنني سأستمع كثيراً إلى محمد منير منذ الآن، وسأكون مدينة لك إذا علمتني اللغة العربية.
- قلت لها ضاحكة، بشرط واحد أن تعلميني العزف على آلة الكمان، ردت علي بابتسامة عذبة:
- ألا يكفيك العزف بالريشة والقلم يا صديقة.. ثم قالت لي: موافقة.
قلت لنفسي، لو يمهلني الوقت لتعلمت العزف على آلة الكمان منك يا صديقة، ولكن هل يمهلني الزمن لذلك..
وبينما كنت أعد لها فنجان قهوة في المطبخ، سمعتها تعزف على آلة الكمان مع موسيقى محمد منير بكل انسجام..
تحضن كمانها وتبحر به صوب عوالم مدهشة ورائعة من الجمال والنقاء والشفافية؛ فالموسيقى تسمو بالروح وترهف القلب وتهذب النفس والضمير وتجعلها في حالة تصالح وسلام روحي تام..
فرحت بشدة عندما أخبرتها أن فرقته تضم عازفين من جنسيات مختلفة، ألمانيا ورومانيا وبولندا إضافة إلى مصر، قالت لي:
- كلما تنوعت الطيور في الحديقة كان الغناء متنوعاً، هكذا تقول إحدى الحكم القديمة..
- معك حق، الموسيقى لغة عالمية شفافة لا تعرف الحواجز والتمييز، وتتجاوز كل اللغات المحكية.. وقلت لها: يمكنك أن تراسلي فرقة محمد منير، وتطلبي أن تنضمي إلى فرقته..
- كم أتمنى ذلك يا هاجر، سوف أراسلهم في أقرب فرصة مقبلة..
علقت ماريكا على لوحة كانت معلقة على جدار الصالة، وكنت قد أنجزتها تواً، ألوانها لاتزال بعد طرية.. ولم ترها من قبل (قيثارة النيل) اللوحة كانت لفتاة جالسة تحت شجرة نخيل عالية على ضفة النهر وهي تعزف على آلة كلارنيت.. يظهر في الخلفية شكل لمركب عابر في وسط النهر..
– كم هي رائعة هذه اللوحة يا هاجر.. لقد أبدعتِ فيها بمعنى الكلمة، وهذا ليس إطراء بل حقيقة.. لكن قولي لي، لا بد أن هناك شيئاً ما يربطك بتلك الفتاة في اللوحة؟
- معك حق، تربطني بها صلة دم وروح.. لم أخبرك من قبل عن شقيقتي الصغرى التي كانت تجيد العزف على الكلارنيت، وتعلمت منها الكثير عن عالم الموسيقى ومبادئ العزف على بعض آلات النفخ.. لقد توفيت قبل عامين، وشاءت المصادفة أن تكتمل هذه اللوحة في ذكرى رحيلها الثاني الذي يصادف اليوم..
تأثرت ماريكا وقالت لي: إنها تأسف على رحيلها.. شكرتها على مواساتها لي.. وواصلت:
- لوحاتك تدعو للتأمل والإعجاب، وربما تلهمني في يوم من الأيام لتحويلها إلى قطع موسيقية، هكذا هي الفنون، يستقي بعضها من بعض، ويكون بعضها امتداداً لبعض.. أليس كذلك؟
- بكل تأكيد.. ولي عظيم الشرف لو وجدتِ مصدر إلهام في هذه الأعمال المتواضعة..
شايل معاه أسرار وإحنا معاه ماشيين
أيام تفوت وتروح وإحنا ولا حاسين
أحلام تعيش وتموت يا قلوبنا يا خايفين).
صوت يختزل آهات الحالمين وأوجاعهم، طوبى لك يا منير، وأنت تبحر بنا في الأعماق بصوتك العذب الذي يهز الوجدان ويرجّ صفحات الروح، ويطوف بها في العوالم البعيدة.. أي حنين وحزن وجنون ذلك الذي يسكن صوتك؟
وقبل أن تنتهي الأغنية سمعت صوت نقر خفيف على الباب، كان الطارق هو صديقتي ماريكا التي تسكن في البيت المقابل قالت لي:
- ما أجمله من صوت يا هاجر، من هذا المغني؟
- قلت لها إنه الفنان المصري المعروف محمد منير..
ردت بهدوئها المعتاد:
- من سوء حظي لم أسمعه من قبل.. معرفتي تقتصر على أم كلثوم وفيروز، لا أخفيك، تأسرني موسيقى الشرق الساحرة بشدة، فقد زرنا بعض المدن هناك مثل (القاهرة، دمشق، بيروت وبغداد) مع والدي ولاتزال تلك الصور مرسومة في مخيلتي، يبدو أنني سأستمع كثيراً إلى محمد منير منذ الآن، وسأكون مدينة لك إذا علمتني اللغة العربية.
- قلت لها ضاحكة، بشرط واحد أن تعلميني العزف على آلة الكمان، ردت علي بابتسامة عذبة:
- ألا يكفيك العزف بالريشة والقلم يا صديقة.. ثم قالت لي: موافقة.
قلت لنفسي، لو يمهلني الوقت لتعلمت العزف على آلة الكمان منك يا صديقة، ولكن هل يمهلني الزمن لذلك..
وبينما كنت أعد لها فنجان قهوة في المطبخ، سمعتها تعزف على آلة الكمان مع موسيقى محمد منير بكل انسجام..
تحضن كمانها وتبحر به صوب عوالم مدهشة ورائعة من الجمال والنقاء والشفافية؛ فالموسيقى تسمو بالروح وترهف القلب وتهذب النفس والضمير وتجعلها في حالة تصالح وسلام روحي تام..
فرحت بشدة عندما أخبرتها أن فرقته تضم عازفين من جنسيات مختلفة، ألمانيا ورومانيا وبولندا إضافة إلى مصر، قالت لي:
- كلما تنوعت الطيور في الحديقة كان الغناء متنوعاً، هكذا تقول إحدى الحكم القديمة..
- معك حق، الموسيقى لغة عالمية شفافة لا تعرف الحواجز والتمييز، وتتجاوز كل اللغات المحكية.. وقلت لها: يمكنك أن تراسلي فرقة محمد منير، وتطلبي أن تنضمي إلى فرقته..
- كم أتمنى ذلك يا هاجر، سوف أراسلهم في أقرب فرصة مقبلة..
علقت ماريكا على لوحة كانت معلقة على جدار الصالة، وكنت قد أنجزتها تواً، ألوانها لاتزال بعد طرية.. ولم ترها من قبل (قيثارة النيل) اللوحة كانت لفتاة جالسة تحت شجرة نخيل عالية على ضفة النهر وهي تعزف على آلة كلارنيت.. يظهر في الخلفية شكل لمركب عابر في وسط النهر..
– كم هي رائعة هذه اللوحة يا هاجر.. لقد أبدعتِ فيها بمعنى الكلمة، وهذا ليس إطراء بل حقيقة.. لكن قولي لي، لا بد أن هناك شيئاً ما يربطك بتلك الفتاة في اللوحة؟
- معك حق، تربطني بها صلة دم وروح.. لم أخبرك من قبل عن شقيقتي الصغرى التي كانت تجيد العزف على الكلارنيت، وتعلمت منها الكثير عن عالم الموسيقى ومبادئ العزف على بعض آلات النفخ.. لقد توفيت قبل عامين، وشاءت المصادفة أن تكتمل هذه اللوحة في ذكرى رحيلها الثاني الذي يصادف اليوم..
تأثرت ماريكا وقالت لي: إنها تأسف على رحيلها.. شكرتها على مواساتها لي.. وواصلت:
- لوحاتك تدعو للتأمل والإعجاب، وربما تلهمني في يوم من الأيام لتحويلها إلى قطع موسيقية، هكذا هي الفنون، يستقي بعضها من بعض، ويكون بعضها امتداداً لبعض.. أليس كذلك؟
- بكل تأكيد.. ولي عظيم الشرف لو وجدتِ مصدر إلهام في هذه الأعمال المتواضعة..
Page 10
ماريكا هي أول من تعرفت عليها في البناية التي أسكنها، قالت لي عند أول مرة نلتقي فيها عند مدخل البناية، أتمنى ألا أكون أزعجتك بالتمارين على آلة الكمان؟
- بالعكس من حسن حظي أن تكون جارتي موسيقية ماهرة مثلك، تروقني الموسيقى لدرجة أكثر مما تتصورين..
صوت الكمان الناعم وهو ينداح بعزفك المثير للإعجاب الذي يحرك الأعماق، شكل لي مساحة من الجمال والتأمل، كنت بحاجة إلى تلك اللحظات الناصعة الوضوح، وأنا مدينة لك بتلك القطع الموسيقية الباهرة التي تزينين بها أمسياتي.. ولا أخفيك سراً بأن وجودك شكل لي حافزاً لكتابات ورسوم مؤجلة منذ زمن بعيد..
منذ ذلك التعارف توطدت صداقتنا وجمعتنا أشياء كثيرة مشتركة، عشق الفن والموسيقى والأدب، كنا نتخاطب بلغتين، الإنجليزية والبولندية، وأذكر مدى سرورها عندما علمت أنني درست الفنون الجميلة في جامعة وارسو، ومن ثم انتقلت إلى جامعة روما لمواصلة الدراسات العليا في أكاديمية روما للفنون الجميلة..
ماريكا عازفة كمان محترفة، وعضو بارز في فرقة أوركسترا لندن السيمفونية، وتعمل أستاذة مشاركة في إحدى كليات الموسيقى بلندن.
قالت لي في إحدى المرات إن والدها مؤرخ وباحث في علم الآثار، ومهتم بشكل خاص بحضارة وادي النيل والحضارة السومرية، إضافة إلى كونه موسيقياً من الطراز الفريد يجيد العزف على عدد من الآلات الموسيقية، ومن هنا كان شغفها وولعها بالموسيقى منذ نعومة أظفارها.
قال لي عامر ذات مرة: لو لم تكن صديقتك ماريكا موسيقية محترفة لكانت ممثلة سينمائية أو عارضة أزياء عالمية، فقد كانت آية من الجمال والوسامة، وذات قوام فارع.
هادئة الطباع، وقلبها نقي، كالأطفال الصغار.. روحها تشع إشراقاً ومحبة للآخرين، كانت الموسيقى حبها الوحيد في هذا العالم..
قلت لها ذات مرة إنّ مجاورتي لك في السكن تذكرني بقصة الرسام الايطالي كوستا لورينزو الذي عاش في عصر النهضة، وحكايته الشهيرة مع جيرانه عائلة بارتولوميو، فقد كان أبناؤهم الثلاثة موسيقيين مهرة، يؤانسونه بطربهم وعزفهم، ويجعلون الساعات الطوال التي يرسم فيها قصيرة، وفي إحدى المرات أسرفوا في الغناء والسهر لدرجة أنه لم يستطع النوم، وفي اليوم التالي حضروا إلى بيته واعتذروا منه بلباقة، وعزفوا أمامه القطعة الموسيقية الغنائية التي تمرنوا عليها، وضمنوها مقطعاً مدحوا فيه الرسام كوستا، فقبل اعتذارهم، وأحضر عدة الرسم ورسم لوحته الشهيرة (الجوقة الموسيقية) وكانت من أعز إنجازاته لنفسه..
قالت لي ماريكا: في هذه الحالة إذاً أنا المحظوظة كوني أصبحت جارتك.. قلت لها: ما أجمل تواضعك وبساطتك يا صديقة.. ذهبنا وجلسنا عند الشرفة.. كان الطقس رائعاً في ذلك اليوم، وتمتعنا بمشهد الطائرات العابرة التي كانت تجوب الفضاء، أعجبها بشدة ذلك المنظر الجميل المطل على الحديقة..
قالت لي: أن تسافري شيء، وأن تتأملي السفر من هذه الزاوية ومن عدة جهات شيء آخر.. للسفر متعة خاصة لا تضاهى، بالذات تلك الأمكنة الجديدة التي لم ترها الأعين من قبل..
- بوصفك موسيقية يا ماريكا أود أن أسألك سؤالاً؟ أكيد أنك شاهدتِ فيلم تايتانك، ولا شك أنك تتذكرين مشهد بعض العازفين المؤثر وهم يواصلون العزف حتى اللحظات الأخيرة قبل غرق السفينة وسط الصراخ والعويل..
منهم من هرب بجلده ومنهم من ظل صامداً حتى النهاية.. هل مشهد العزف في ذلك الوقت مقنع من وجهة نظرك؟..
- أتذكر ذلك المشهد، فقد كان مؤثراً جداً، وملاحظتك دقيقة جداً.. أعتقد أن العازفين كانوا في حالة انسجام تام وتماهٍ مع العزف، ورغم علمهم بمصيرهم القادم لكن لا شيء سيوقفهم عن مواصلتهم ذلك؛ الموسيقى حالة انتقال واستمرارية، وعندما تبدأ المقطوعة على خشبة المسرح ينبغي أن تستمر حتى النهاية.. في كثير من الأحيان عندما يحتضن العازف آلة الكمان يغمض عينيه ويرتحل محدقاً إلى البعيد ويغيب عن عالم الواقع.
- كأن الموسيقى تمثل لهم اليقين وفعل الخلاص الأبدي..
سألتني ماريكا عن سبب حضور النهر الكثيف في لوحاتي وقصائدي؟
سرحت فترة من الوقت ثم قلت لها:
- النهر هو كل حياتي يا صديقة، عندما كنت صغيرة أحببت هدير أمواجه الصاخبة ونسائم رائحته العبقة التي كانت تسكن أعماقي، وتتغلغل داخل روحي، فهو أسطورة حية منذ آلاف السنين نراه يتمدد أمامنا ونسبح في حناياه من خلال الواقع والخيال والحلم.. فقد كان النهر مصدر إلهام ووحي للشعراء والفنانين والكتاب والفلاسفة والمتصوفين.. نظرة واحدة إلى النهر والتأمل فيه بعمق قادرة أن تنسي الإنسان كل هموم الحياة وصخبها.. رائحة النسيم المنبعثة منه تكاد تسكر الروح وتجعلها منتشية ومحلقة في عوالم من الدهشة..
كانت جدتي امرأة بارعة في السرد والحكي عن الأساطير وأسرار النهر، وقد تركت أثراً كبيراً في تكويني الشخصي، كنا نعيش داخل عوالم سردها الساحرة والأسطورية وننفصل عن هذا العالم.. هكذا خرجت من رحم كل تلك الأجواء البسيطة النقية..
رغم المسافات الطويلة التي تفصلني عن ضفاف النهر، إلا أنه حاضر في بكثافة لكأني لم أغادره قط، أشعر به أمامي في كل وقت وأحمله معي في دواخلي أينما حللت وذهبت..
كل تلك البدايات مجتمعة تركت الأثر الكبير في تكويني أعبر عنها بفرشاتي وأترجمها في أعمالي الفنية أو عبر القصائد، وكثيراً ما تتداخل الأفكار بعضها مع بعض، تترك اللوحة أثرها في القصيدة مثلما تترك القصيدة أثرها في اللوحة.. التلوين هو متعة النظر وراحة للنفس وبذرة الجمال الدائم الذي لا ينقطع، ولو جاز تصنيف أعمالي في مدرسة معينة قد تجدين فيها الكثير من التأمل والصوفية والسوريالية.. على الشخص المبدع أن يسعى بصفة مستمرة أن يتخطى ذاته ويسعى لخلق عالم متفرد ومتجدد..
- هل دراستك للفن في وارسو وروما أضافت إليك الكثير؟
دراستي للفن التشكيلي في وارسو ثم روما أفادتني كثيراً في مسيرتي الفنية، واستفدت كثيراً من أساتذة أجلاء وفنانين ورسامين كبار كان لهم الأثر البالغ في صقل موهبتي وتطويرها، لكن كما تعلمين فإنّ المدرس يصلك ببداية الطريق ويترك لك بقية الطريق لكي تجتازيه وحدك حسب أسلوبك وأفكارك وموهبتك وحدسك..
يقول الشاعر محمود درويش: كن النهر ولا تكن الماء تلك هي الخصوصية..
- بالعكس من حسن حظي أن تكون جارتي موسيقية ماهرة مثلك، تروقني الموسيقى لدرجة أكثر مما تتصورين..
صوت الكمان الناعم وهو ينداح بعزفك المثير للإعجاب الذي يحرك الأعماق، شكل لي مساحة من الجمال والتأمل، كنت بحاجة إلى تلك اللحظات الناصعة الوضوح، وأنا مدينة لك بتلك القطع الموسيقية الباهرة التي تزينين بها أمسياتي.. ولا أخفيك سراً بأن وجودك شكل لي حافزاً لكتابات ورسوم مؤجلة منذ زمن بعيد..
منذ ذلك التعارف توطدت صداقتنا وجمعتنا أشياء كثيرة مشتركة، عشق الفن والموسيقى والأدب، كنا نتخاطب بلغتين، الإنجليزية والبولندية، وأذكر مدى سرورها عندما علمت أنني درست الفنون الجميلة في جامعة وارسو، ومن ثم انتقلت إلى جامعة روما لمواصلة الدراسات العليا في أكاديمية روما للفنون الجميلة..
ماريكا عازفة كمان محترفة، وعضو بارز في فرقة أوركسترا لندن السيمفونية، وتعمل أستاذة مشاركة في إحدى كليات الموسيقى بلندن.
قالت لي في إحدى المرات إن والدها مؤرخ وباحث في علم الآثار، ومهتم بشكل خاص بحضارة وادي النيل والحضارة السومرية، إضافة إلى كونه موسيقياً من الطراز الفريد يجيد العزف على عدد من الآلات الموسيقية، ومن هنا كان شغفها وولعها بالموسيقى منذ نعومة أظفارها.
قال لي عامر ذات مرة: لو لم تكن صديقتك ماريكا موسيقية محترفة لكانت ممثلة سينمائية أو عارضة أزياء عالمية، فقد كانت آية من الجمال والوسامة، وذات قوام فارع.
هادئة الطباع، وقلبها نقي، كالأطفال الصغار.. روحها تشع إشراقاً ومحبة للآخرين، كانت الموسيقى حبها الوحيد في هذا العالم..
قلت لها ذات مرة إنّ مجاورتي لك في السكن تذكرني بقصة الرسام الايطالي كوستا لورينزو الذي عاش في عصر النهضة، وحكايته الشهيرة مع جيرانه عائلة بارتولوميو، فقد كان أبناؤهم الثلاثة موسيقيين مهرة، يؤانسونه بطربهم وعزفهم، ويجعلون الساعات الطوال التي يرسم فيها قصيرة، وفي إحدى المرات أسرفوا في الغناء والسهر لدرجة أنه لم يستطع النوم، وفي اليوم التالي حضروا إلى بيته واعتذروا منه بلباقة، وعزفوا أمامه القطعة الموسيقية الغنائية التي تمرنوا عليها، وضمنوها مقطعاً مدحوا فيه الرسام كوستا، فقبل اعتذارهم، وأحضر عدة الرسم ورسم لوحته الشهيرة (الجوقة الموسيقية) وكانت من أعز إنجازاته لنفسه..
قالت لي ماريكا: في هذه الحالة إذاً أنا المحظوظة كوني أصبحت جارتك.. قلت لها: ما أجمل تواضعك وبساطتك يا صديقة.. ذهبنا وجلسنا عند الشرفة.. كان الطقس رائعاً في ذلك اليوم، وتمتعنا بمشهد الطائرات العابرة التي كانت تجوب الفضاء، أعجبها بشدة ذلك المنظر الجميل المطل على الحديقة..
قالت لي: أن تسافري شيء، وأن تتأملي السفر من هذه الزاوية ومن عدة جهات شيء آخر.. للسفر متعة خاصة لا تضاهى، بالذات تلك الأمكنة الجديدة التي لم ترها الأعين من قبل..
- بوصفك موسيقية يا ماريكا أود أن أسألك سؤالاً؟ أكيد أنك شاهدتِ فيلم تايتانك، ولا شك أنك تتذكرين مشهد بعض العازفين المؤثر وهم يواصلون العزف حتى اللحظات الأخيرة قبل غرق السفينة وسط الصراخ والعويل..
منهم من هرب بجلده ومنهم من ظل صامداً حتى النهاية.. هل مشهد العزف في ذلك الوقت مقنع من وجهة نظرك؟..
- أتذكر ذلك المشهد، فقد كان مؤثراً جداً، وملاحظتك دقيقة جداً.. أعتقد أن العازفين كانوا في حالة انسجام تام وتماهٍ مع العزف، ورغم علمهم بمصيرهم القادم لكن لا شيء سيوقفهم عن مواصلتهم ذلك؛ الموسيقى حالة انتقال واستمرارية، وعندما تبدأ المقطوعة على خشبة المسرح ينبغي أن تستمر حتى النهاية.. في كثير من الأحيان عندما يحتضن العازف آلة الكمان يغمض عينيه ويرتحل محدقاً إلى البعيد ويغيب عن عالم الواقع.
- كأن الموسيقى تمثل لهم اليقين وفعل الخلاص الأبدي..
سألتني ماريكا عن سبب حضور النهر الكثيف في لوحاتي وقصائدي؟
سرحت فترة من الوقت ثم قلت لها:
- النهر هو كل حياتي يا صديقة، عندما كنت صغيرة أحببت هدير أمواجه الصاخبة ونسائم رائحته العبقة التي كانت تسكن أعماقي، وتتغلغل داخل روحي، فهو أسطورة حية منذ آلاف السنين نراه يتمدد أمامنا ونسبح في حناياه من خلال الواقع والخيال والحلم.. فقد كان النهر مصدر إلهام ووحي للشعراء والفنانين والكتاب والفلاسفة والمتصوفين.. نظرة واحدة إلى النهر والتأمل فيه بعمق قادرة أن تنسي الإنسان كل هموم الحياة وصخبها.. رائحة النسيم المنبعثة منه تكاد تسكر الروح وتجعلها منتشية ومحلقة في عوالم من الدهشة..
كانت جدتي امرأة بارعة في السرد والحكي عن الأساطير وأسرار النهر، وقد تركت أثراً كبيراً في تكويني الشخصي، كنا نعيش داخل عوالم سردها الساحرة والأسطورية وننفصل عن هذا العالم.. هكذا خرجت من رحم كل تلك الأجواء البسيطة النقية..
رغم المسافات الطويلة التي تفصلني عن ضفاف النهر، إلا أنه حاضر في بكثافة لكأني لم أغادره قط، أشعر به أمامي في كل وقت وأحمله معي في دواخلي أينما حللت وذهبت..
كل تلك البدايات مجتمعة تركت الأثر الكبير في تكويني أعبر عنها بفرشاتي وأترجمها في أعمالي الفنية أو عبر القصائد، وكثيراً ما تتداخل الأفكار بعضها مع بعض، تترك اللوحة أثرها في القصيدة مثلما تترك القصيدة أثرها في اللوحة.. التلوين هو متعة النظر وراحة للنفس وبذرة الجمال الدائم الذي لا ينقطع، ولو جاز تصنيف أعمالي في مدرسة معينة قد تجدين فيها الكثير من التأمل والصوفية والسوريالية.. على الشخص المبدع أن يسعى بصفة مستمرة أن يتخطى ذاته ويسعى لخلق عالم متفرد ومتجدد..
- هل دراستك للفن في وارسو وروما أضافت إليك الكثير؟
دراستي للفن التشكيلي في وارسو ثم روما أفادتني كثيراً في مسيرتي الفنية، واستفدت كثيراً من أساتذة أجلاء وفنانين ورسامين كبار كان لهم الأثر البالغ في صقل موهبتي وتطويرها، لكن كما تعلمين فإنّ المدرس يصلك ببداية الطريق ويترك لك بقية الطريق لكي تجتازيه وحدك حسب أسلوبك وأفكارك وموهبتك وحدسك..
يقول الشاعر محمود درويش: كن النهر ولا تكن الماء تلك هي الخصوصية..